إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الطهارة [9]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ورد في القرآن الكريم فروض الوضوء التي لا تصح الصلاة إلا بها، وجاءت السنة تبين تلك الفروض وزادت عليها أشياء تعتبر مكملات للوضوء، وهي سننه التي منها: السواك، وغسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق، والتخليل، والتثليث، وغيرها.

    1.   

    مقدمات في سنن الوضوء

    تعريف السنة لغة واصطلاحاً

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سنن الوضوء، وهي: جمع سنة، وهي في اللغة الطريقة، وفي الاصطلاح ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، وتطلق أيضاً على أقواله وأفعاله وتقريراته صلى الله عليه وسلم ].

    المؤلف عرف السنة بمعنى الطريقة، فيقال: سنة عمر ، أي: طريقته، ويقال: سنة الحج أي: الطريقة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقال: سنة فلان كذا، وهذه الطريقة تطلق على الخير، وعلى الشر، فيقال: سنة أهل العلم، وسنة أهل الضلال.

    وفي الاصطلاح عرفها المؤلف بحكمها يعني: حكم السنة، فقال: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.

    وعرفها علماء الأصول بما طلب الشارع فعله لا على وجه الإلزام.

    وحينئذٍ نقول: الواجب ما طلب الشارع فعله على وجه الإلزام.

    سبب تسمية الوضوء بهذا الاسم

    قال المؤلف رحمه الله: [ وسمي غسل الأعضاء على الوجه المخصوص وضوءاً لتنظيفه المتوضئ وتحسينه ].

    يقول المؤلف: وسمي غسل الأعضاء على الوجه المخصوص؛ لأنك في الوضوء لا تغسل كل بدنك، بل تغسل أعضاءً مخصوصة، وهذه الأعضاء المخصوصة التي تغسلها سميت وضوءاً لتنظيفه وتحسينه، وقد ذكر أبو العباس بن تيمية رحمه الله أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى الوضوء إلا بالمصطلح الشرعي، ولم يسمه بمعنى التنظيف، قال أبو العباس: إلا ما روي عند الترمذي من سنة الأكل الوضوء قبله أو بعده، وهذا لم يرد صحيحاً إنما هو عن سلمان الفارسي ، ومعنى الوضوء قبل الأكل أو بعده غسل اليدين، هكذا يقول: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أطلق الوضوء وأراد به المعنى اللغوي ولم يرد به المعنى الشرعي إلا ما جاء عند الترمذي من حديث سلمان الفارسي وقد روي مرفوعاً وموقوفاً، يقول ابن تيمية : ولا يصح مرفوعاً.

    والواقع أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الوضوء وأراد به غير المعنى الشرعي كما عند البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن المحيض، فقال: ( خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها ثلاثاً، فطأطأ رأسه عليه الصلاة والسلام كأنه يخفي ذلك، قالت عائشة : فأخذتها وجذبتها، فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله عليه وسلم )، يعني: ما عرفت المرأة، وفي رواية مسلم : ( قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها، قال: سبحان الله! تطهري بها، تطهري بها، قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة : فأخذتها فقلت: تتبعي بها أثر الدم ).

    فقوله صلى الله عليه وسلم: ( توضئي ثلاثاً ) في صحيح البخاري مراده التنظيف، وعلى هذا فالمراد هنا الوضوء بالمعنى اللغوي، وليس بالمعنى الشرعي، ولكن هذا ليس على اطراد، وهذه من الأشياء التي نفى ابن تيمية أنها موجودة في السنة، وهي موجودة، وقد وجدت من غير تتبع، ولكن بالمذاكرة أكثر من ست مسائل أو خمس مسائل نفى ابن تيمية رحمه الله أن تكون ثبتت السنة بها ووجدنا أن السنة قد ثبتت بخلاف قول ابن تيمية ، وهذا مصداق قوله رحمه الله في القواعد النورانية: وما من إمام من أئمة الإسلام إلا وقد اضطرب في أصوله، وذاك ليكون الدين كله لله، يعني: لا يوجد أحد من الناس يمكن أن يقال له: كل فعله سنة، أو كل قوله حق إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

    من أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم

    1.   

    سنن الوضوء

    السواك

    قال المؤلف رحمه الله: [ السواك، وتقدم أنه يتأكد فيه ومحله عند المضمضة ].

    يقول: محل السواك عند المضمضة، وهذا يحتاج إلى دليل، والأقرب -والله أعلم- أنه يصدق في تطبيق السنة أن يستاك قبل أن يشرع في الوضوء، يعني: قبل أن يغسل يديه؛ لأن المضمضة تكون بعد غسل اليدين ثلاثاً.

    والسنة ثبتت من حديث أبي هريرة : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء )، هذا حديث رواه أحمد والبخاري معلقاً.

    وروى البخاري ومسلم ( عند كل صلاة ).

    غسل الكفين ثلاثاً

    قال المؤلف رحمه الله: [ وغسل الكفين ثلاثاً في أول الوضوء ولو تحقق طهارتهما ].

    يعني: تغسل يديك ثلاث مرات، وكل الذين ذكروا لنا صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرون غسل اليدين ثلاثاً، كما في الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان رضي الله عنه أن عثمان ذكر لنا صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فدعا بإناء فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً ... الحديث وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ).

    وكذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ، وكذلك عند أهل السنن من حديث علي بن أبي طالب .

    يقول المؤلف: (ولو تحقق طهارتهما).

    يعني: أن هذه سنة، ولو كانت اليدان طاهرتين، أو نظيفتين.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجب غسلهما ثلاثا بنية وتسمية من نوم ليل ناقض لوضوء، لما تقدم في أقسام المياه ].

    يعني: أن غسل اليدين سنة، إلا في حق من كان قائماً من نوم ليل، فلو كان نائماً في نهار فإنه لا يجب عليه غسلهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قام أحدكم من الليل، -والبيتوتة أيضاً- فإنه لا يدري أين باتت يده )، والبيتوتة لا تطلق إلا في نوم الليل، هذا هو المذهب أنه يجب غسل اليدين قبل أن يغمس يده في الإناء.

    والقول الآخر، وهو الذي اختاره الخرقي و ابن قدامة و أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، وهو مذهب جمهور الفقهاء: أن غسل اليدين سنة، وليس بواجب بدليل عموم قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] ووجه الدلالة أنه لم يرد ذكر غسل اليدين، وهذا عام في النوم وغير النوم، وتجدون أن آية الوضوء ذكرت الواجبات التي ذكرها الله في القرآن، فإن قيل: المضمضة والاستنشاق من الواجبات ولم تذكر في القرآن، قلنا: هي من غسل الوجه، فكانت مجملة، فجاءت السنة ببيانها، وعلى هذا فقوله صلى الله عليه وسلم في رواية: ( يغسل يده ثلاثاً ) عند مسلم ، أمر على سبيل الاستحباب بدليل آية الوضوء، وهذا القول أظهر والله تبارك وتعالى أعلم، وهو قول عامة أهل العلم.

    ومما يدل على ذلك أنه جاء في رواية مسلم : ( فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثاً )، فلو كان الغسل لأجل النجاسة لما علق ذلك بالثلاث، بل سيعلقه بإزالة النجاسة، وإزالة النجاسة غير معلومة.

    الملقي: [ ويسقط غسلهما والتسمية سهواً، وغسلهما لمعنى فيهما ].

    الشيخ: المؤلف يقول: إن غسلهما ليس مثل غسل أعضاء الوضوء، فغسل أعضاء الوضوء شرط لصحة الصلاة، أما غسل اليدين فهو واجب، والواجب يسقط بالجهل والنسيان؛ ولهذا قال: (ويسقط غسلهما والتسمية)، يعني: أنك قبل أن تدخل يدك لا بد أن تسمي وتغسل يديك، فالتسمية هنا غير التسمية في الوضوء.

    يقول المؤلف: (وغسلهما لمعنى فيهما).

    يعني: الحكمة في غسل اليدين قبل أن يغمس يده في الإناء تعبدية لمعنى في اليدين، الله أعلم بها، هذا هو المذهب، والرواية الأخرى أن العلة أن يده لا يدري أين وضعها وهو نائم؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) فكان بمعنى خوف وقوع يده في النجاسة، كأن يمس قبله أو دبره، وهذا بعيد؛ لأنه لو وضعها أو وضع يديه في جراب، أو في قفازين للزم من ذلك أن لا يغسلها.

    والمعنى الثالث أخذه أبو العباس ابن تيمية عن طريق الاعتبار كما يقول، وهو أنه قال: فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، لعل الشيطان قد بات فيهما، وقد أمر العبد إذا استيقظ من النوم أن يستنشق ويستنثر ثلاثاً، قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليجعل في أنفه ماءً ثم يستنثر، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه ) فيقول ابن تيمية : ولعل هذا منها، على سبيل الاعتبار. والقول الأول والثالث لهما حظ من النظر.

    على كل حال سواء قلنا بالقول الأول، وهو لمعنى فيهما، وهو التعبد أو المعنى الثالث، فإن الغسل على سبيل الاستحباب.

    الملقي: [ فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه وفسد الماء ].

    الشيخ: يقول: لو استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء.

    لم يصح وضوءه؛ لأنه يجب عليه أن يغسل ثلاثاً، يقول: (وفسد الماء) يعني: أنه سلبه الطهورية، وهذا هو المذهب، كما حكى ذلك صاحب الإقناع والمنتهى.

    والرواية الأخرى، وهي التي اختارها ابن قدامة أن هذا لا يسلب الماء الطهورية؛ ولهذا قال: الخلوة، ولو توضأ واغتسل مع ترك غسلهما عمداً فصلاته صحيحة.

    المضمضة والاستنشاق

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سنن الوضوء: البداءة قبل غسل الوجه بمضمضة ثم استنشاق ثلاثاً ثلاثاً بيمينه واستنثاره بيساره ].

    يقول المؤلف: (ومن سنن الوضوء البداءة قبل غسل الوجه بمضمضة)، يعني: السنة في البداءة في الوضوء أن يبدأ بالمضمضة؛ لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم أنه قال: ( وتمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً )، وفي حديث عثمان : ( فتمضمض واستنثر بثلاث غرفات )، وهذه الثلاث كل غرفة لمضمضة واستنشاق، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل من وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق كما يفعله العامة، حيث أن العامة يتمضمضون ثلاثاً، ثم يستنشقون ثلاثاً، فتكون ستاً، وأما الحديث الوارد في ذلك، وهو حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق فهو حديث منكر، كما ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره، وقال: أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده؟! كأنه يستنكر هذه السلسلة.

    المبالغة في المضمضة والاستنشاق

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سننه: المبالغة فيهما، أي: في المضمضة والاستنشاق ].

    يعني: من سنن الوضوء المبالغة فيهما، أما المبالغة في المضمضة فلم يذكرها المؤلف؛ ولهذا قال بعض المحدثين: إن ذكر المبالغة في المضمضة لم يرد، حيث إن الحديث المعروف عند أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق )، ولم يذكر المضمضة، في حين أن أبا بشر الدولابي ذكر من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير المكي ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه أنه قال: ( إذا توضأت فبالغ في المضمضة والاستنشاق )، فذكر المضمضة والاستنشاق، وهذا الحديث إسناده صحيح، على الخلاف في صحة حديث عاصم بن لقيط بن صبرة ؛ لكن إذا صححنا الحديث فإن هذا إسناده صحيح، وحينئذٍ نقول: إنه ورد ذكر المضمضة في حديث أبي بشر الدولابي الذي جمع أحاديث الثوري ؛ ولهذا قول الفقهاء المبالغة فيهما صحيح، وحديث أبي هريرة : ( إذا توضأت فمضمض )، قالوا: هذا أيضاً مما يستدل به على المبالغة، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر .

    قال المؤلف رحمه الله: [ لغير صائم فتكره ].

    تكره لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )، وهذا الحديث اللي هو حديث أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه، وقد تكلم الإمام أحمد في عاصم بن لقيط بن صبرة نفسه، وقال: في أحاديثه شيء، وبعض أهل العلم وهم كثير صححوا هذه الرواية.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والمبالغة في مضمضة إدارة الماء بجميع فمه، وفي الاستنشاق جذبه بنفس إلى أقصى الأنف ].

    يقولون: إن المضمضة إدارة الماء في فمه؛ ولهذا قال الحنابلة: ولو أدخل الماء في فيه ولم يدره لم تصح مضمضته، ولو أدخل الماء في أنفه من غير استنشاق لم يصح استنشاقه، هنا هو المذهب، ولو نظرنا إلى كتب اللغة لوجدنا أن صاحب الصحاح وهو الجوهري ، وصاحب القاموس المحيط وهو الفيروزآبادي ، و ابن الأنباري وغيرهم، ذكروا في الاستنشاق أنه إدخال الماء في الأنف، وهذا يحصل باستنشاق وغير استنشاق، فحينئذٍ نقول: إن الاستنشاق يكفي فيه إدخال الماء سواء باستنشاق أم غيره؛ ولهذا تقول: استنشقت الهواء، يعني: أدخلت الهواء في أنفي، وعلى هذا فما يقوله صاحب الكشاف وغيره أنه لا بد من استنشاق الماء وإلا لم يصح الاستنشاق محل نظر؛ لأن كل ما أتى في الشرع ولم يحدد، فباللغة يحدد فإن لم يكن لغة، فبالعرف، وعندنا لغة، وهو أن الاستنشاق إدخال الماء في الأنف، ولو لم يكن فيه جذب إليه، أما المضمضة فإن علماء اللغة كصاحب الصحاح وغيره ذكروا أن المضمضة في اللغة هي إدارة الماء في الفم، وهل يلزم في المضمضة إدارتها؟

    قولان عند أهل العلم، المذهب أنه لا بد من الإدارة، وذكر النووي رحمه الله أنه لا يلزم، والعامة في الغالب لا يديرون الماء، ولو قيل بإبطال مضمضتهم مع وجوبها لأدى إلى عدم صحة وضوئهم، ولو قيل بقول النووي لكان حسناً، وهو أن إدارة الماء على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وفي بقية الأعضاء دلك ما ينبو عنه الماء للصائم وغيره ].

    (دلك ما ينبو)، يعني: ما يبتعد عنه الماء، مثل الذي يغسل ذراعيه، أحياناً يضع الماء في يده اليمنى، فيغسل به اليسرى، فالذي يغلب على ظنه عدم وصول الماء إليه، فإنه يدلكه كي يعلم وصول الماء إليه، ومن المعلوم أن عدم الحرص على إسباغ الوضوء جاء النهي عنه، كما في حديث أبي هريرة : ( أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار )، وفي رواية: ( أسبغوا الوضوء سمعت خليلي يقول: ويل للأعقاب من النار )، فالصحيح: ( ويل للأعقاب ) حديث أبي هريرة ، وحديث عائشة ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص .

    تخليل اللحية الكثة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سننه: تخليل اللحية الكثيفة -بالثاء المثلثة- وهي التي تستر البشرة ].

    يقول المؤلف: من سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة، وأما غير الكثيفة وهي التي تظهر منها البشرة فيجب غسلها لوجوب غسل الوجه. فجعل المؤلف من سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة، وذكر لنا صفة التخليل كما سيأتي.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فيأخذ كفاً من ماء يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة ].

    يعني: يأخذ الماء ويده مشتبكة، ثم يدلكها، وقد جاء هذا عن أنس رضي الله عنه، ووردت أحاديث تخليل اللحية كما جاء من حديث عثمان ، وهو أشهر، ومن حديث عمار ، ويقول فيه ابن القطان : إسناده صحيح، ومن حديث أنس ، ومن حديث عائشة ، ومن حديث ابن عمر .

    وحديث عثمان رضي الله عنه في التخليل يرويه عاصم بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان ( أنه خلل لحيته، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ )، وهذا الحديث يرويه الترمذي و ابن ماجه وغيرهما، وقال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل ، فقال: أصح شيء في الباب حديث عثمان ، ونقل البيهقي أن البخاري يقول: حديث حسن، وصححه جمع من المتأخرين، إلا أن أئمة هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان -أعني بهم أحمد بن حنبل ، و أبا حاتم الرازي - ذكروا أنه لا يصح حديث في تخليل اللحية، قال أحمد : لا يصح فيه حديث، وكذا قال أبو حاتم ؛ لأن الذين ذكروا صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المشهورون لم يذكروا هذا، وكل الأحاديث الواردة في هذا الباب محل نظر وتفرد، ولعل القول بأنه لا يصح أظهر، ولكن نقول: يستحب تخليل اللحية الكثيفة؛ لفعل عمار بن ياسر ، وفعل أنس ، وأما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح، كما مر معنا.

    قال المؤلف رحمه الله: [ أو من جانبيها ويعركها ].

    يعني: يأخذ ماء من جانبيها ويعركها، ولو أخذ الماء بأصابعه وخلل فلا حرج أيضاً.

    تخليل أصابع اليدين والرجلين

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا عنفقته وباقي شعور الوجه. ومن سننه: تخليل الأصابع أي: أصابع اليدين والرجلين -قال في الشرح- وهو في الرجلين آكد، ويخلل أصابع رجليه بخنصر يده اليسرى من باطن رجله اليمنى ].

    يعني: يأخذ أصابع الرجلين بخنصره الأيسر من تحت، فيخلل بين الأصابع، هكذا التخليل، يأخذ بخنصره إلى من تحت أصابعه رجله اليمنى، ثم من بين الأصابع، ويفعل هذا في رجله اليسرى، وأي صفة فعل أجزأ، فتخليل الأصابع ثبتت سنيته عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما مر معنا من حديث لقيط بن صبرة قال: ( قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، قال: أسبع الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ).

    والمؤلف ذكر أن تخليل اللحية وتخليل الأصابع من سنن الوضوء على سبيل الدوام، وذكر ابن القيم رحمه الله في الهدي أن الصحابة الذين ذكروا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا تخليل الأصابع، وكذا لم يذكروا التخليل، إنما ذكرها بعض من نقل، يقول: وإذا كان بعضهم قد حرص على ذكر وضوء النبي ولم ينقلها دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على التخليل، فيستحب أن يخلل أحياناً، وهذا من فقهه رحمه الله، ونقول مثل ذلك كما سيأتي معنا في جلسة الاستراحة أنها تستحب لا على سبيل الدوام، لكي نجمع بين من نقل الفعل ومن لم ينقله، فنكون قد جمعنا جميع صور فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فنفعل هذا أحياناً، ونفعل هذا أحياناً، وقد ذكر الإمام ابن رجب في القاعدة الثانية عشر من قواعده: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل فيها كما هو اختيار أبي العباس ابن تيمية أنها تفعل كل واحدة منها على وقت وحده، وهذا منها.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وفي اليسرى بالعكس، وأصابع يديه إحداهما بالأخرى، فإن كانت أو بعضها ملتصقة سقط ].

    يعني: بعض الناس يلصق السبابة بالتي تليها بحيث لا يكون بينهما مخرج وسبيل وطريق، فحينئذٍ تكون كأنها أصبع واحد.

    يقولون: لا أحد يستطيع أن يلحن في الأصبع؛ لأن جميع الأوجه واردة، أصبع، وأصبع، وأصبع، وهي لها تسع لغات.

    التيامن

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سننه: التيامن بلا خلاف ].

    يعني: يتيمن؛ لقول عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في طهوره إذا تطهر )، وهذا منها، وأما عدم الوجوب، فلحديث علي رضي الله عنه أنه قال: ( لا أبالي بأيهما بدأت، بيدي اليمنى أو اليسرى )، والأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك، وآية الوضوء لم تأمر بذلك، إنما فعل وداوم على الفعل، والقاعدة أنه إذا داوم على الفعل من غير بيان فالأصل أنه على سبيل الاستحباب إلا أن يكون الوجوب بالفعل مثل خطبة الجمعة، فصفتها كلها بالفعل، فإذا فعل وداوم على الفعل، وثبت الوجوب بفعله دل على أن جميع فعله على سبيل الوجوب، أما أن يرد قول ثم فعل بخلاف القول دل على أن الفعل على سبيل الاستحباب.

    أخذ ماء جديد للأذنين بعد مسح الرأس

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأخذ ماء جديد للأذنين بعد مسح رأسه ].

    يعني: يستحب أن يأخذ ماء جديداً لأذنيه غير الماء الذي أخذه لمسح رأسه، واستدلوا بحديث الربيِّع بنت معوذ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ماءً جديداً لأذنيه )، وهذا الحديث في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل تكلم فيه العلماء، وقالوا: مع أنه يضطرب في حديثه، فإن في رواية صحيح مسلم ( أنه أخذ ماءً جديداً غير فضل يديه )، يعني: عندما أراد أن يمسح رأسه أخذ ماءً جديداً غير الماء الموجود في اليدين، فاختلط عبد الله ، فقال: ( أخذ ماءً جديداً لأذنيه )، وهذا يدل على اضطرابه؛ ولهذا الرواية الثانية اختارها ابن قدامة و ابن تيمية وهي أنه لا يستحب أخذ ماء جديد للأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس، كما قال أبو أمامة ، وروي مرفوعاً ولا يصح: ( الأذنان من الرأس )، وهو قول ابن عباس ، فإذا كانت الأذنان من الرأس فلا يستحب أن يأخذ ماءً جديداً لهما، والله أعلم.

    مجاوزة محل الفرض

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومجاوزة محل فرض ].

    يعني: يستحب للإنسان أن يجاوز محل الفرض، فإذا غسل يديه، فيجاوز محل الفرض وهو المرفقين فيرتفع، وإذا أراد أن يغسل رجليه، فيجاوز محل الكعبين فيرتفع، واستدلوا على ذلك بما في صحيح مسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة : ( أنه رآه يتوضأ، فإذا غسل يديه مد حتى يشرع في العضد، وإذا غسل رجليه مد حتى يغسل ساقيه، فقال: يا أبا هريرة ! ما هذا الوضوء؟ قال: أنتم ههنا يا بني فروخ، لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ).

    وذهب أكثر أهل العلم على أن هذا من اجتهادات أبي هريرة رضي الله عنه، وأن المبالغة في ذلك غير مشروعية، إلا أن يمد بحيث يتيقن من غسل كامل العضو، فيمد قليلاً بحيث يتأكد من غسل المرفقين، ويمد قليلاً حتى يتيقن من غسل الكعبين، وعلى هذا فقول المؤلف: (ومجاوزة محل الفرض) محل تفصيل وتأمل كما مر معنا، فإن أطال كما في حديث أبي هريرة فهذا لا يستحب، فأما إن زاد بحيث يتيقن غسل الفرض، فهذا جائز؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    الغسلة الثانية والثالثة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن سننه: الغسلة الثانية والثالثة، وتكره الزيادة عليها ].

    يقول: ومن سنن الوضوء أن يغسل مرتين أو ثلاثاً، كما جاء في صحيح البخاري : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة )، وفي رواية: ( توضأ مرتين مرتين )، وسواء كان ذلك يتوضأ غسل مرتين في كل عضو من أعضاء الوضوء، أو يغسل هذا مرتين وهذا ثلاثاً، كل ذلك قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (وتكره الزيادة عليها) يعني: أن يزيد على ثلاث تكره.

    والقول الآخر: أن ذلك محرم؛ لأنه سبيل إلى الوسوسة، وعدم الاكتفاء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في مقدمة صحيح مسلم ، وفي كتاب التمييز له، وعند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما توضأ قال: ( فمن زاد على ذلك فقد أساء وتعدى وظلم )، وهذا ظاهره التحريم، والله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويعمل في عدد الغسلات بالأقل، ويجوز الاقتصار على الغسلة ].

    ومعنى يعمل في عدد الغسلات بالأقل أنه إن شك فيبني على الأقل، وإن كان عنده غلبة ظن فالأقرب -والله أعلم- أنه يبني على غلبة الظن خلافاً للحنابلة الذين لا يعولون على غلبة الظن، والراجح والله أعلم الأخذ بغلبة ظنه إن ثبت؛ لما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وإذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى فليتحر الصواب، وليبن عليه )، وهذا هو غلبة ظن.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة ].

    كما في حديث عند البخاري : ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ).

    قال المؤلف رحمه الله: [ والثنتان أفضل، والثلاث أفضل منهما ].

    أنا أقول: يعود الإنسان نفسه أن يغسل كل عضو ثلاثاً، وهذه من السنن التي قل أن يلحظها المسلم، وقد جاء في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه ( أنه دعا بوضوء، فتمضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى ثلاث مرات، ثم مسح رأسه، فبدأ بمقدم رأسه حتى انتهى به إلى قفاه، ثم ردها إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم رجله اليسرى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين مقبل فيهما بوجهه، غفر الله له ذنبه )، الله أكبر.

    وفي حديث آخر: ( ما من مسلم يتوضأ نحو وضوئي هذا إلا غفر الله ذنبه، ولو من غير صلاة )، وهذه أجرها عظيم، فالإنسان كم ذنباً أذنب، وكم من معصية رآها بعينه، وكم معصية سمعها بأذنه، وكم معصية بطشت بها يده، وكم معصية سعت رجله إليها، فليتق الله، وليستمر على الوضوء، وإذا أذنب توضأ هذا الوضوء، ولا يستعجل، وكلما أتى الإنسان إلى مكان الوضوء مبكراً قبل الإقامة كلما استحضر مثل هذه الأحاديث عل الله سبحانه وتعالى أن يغفر له، وأن يتوب عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولو غسل بعض أعضاء الوضوء أكثر من بعض لم يكره ].

    لم يكره بشرط أن لا يزيد على ثلاث.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يسن مسح العنق ولا الكلام على الوضوء ].

    لا يسن مسح العنق بل حكى النووي رحمه الله أن ذلك بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من التكلف في الدين، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]. (ولا الكلام على الوضوء)، يعني: لا يستحب الكلام على الوضوء، أما الكلام عند قضاء الحاجة فإن ذلك يكره، وقيل: يحرم، ولم يرد تحريم ذلك كما مر معنا.

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994752867

    عدد مرات الحفظ

    717600517