إسلام ويب

كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [4]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى للناس كل وسيلة فيها مصلحة لهم في دينهم ودنياهم، من ذلك: البيع والشراء. وحرم كل ضرر قد يحصل لأحد المتبايعين، فقد أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار في الإمضاء أو الفسخ ما داما في مجلس العقد ولم يتفرقا، وإذا غبن المشتري في السعر أو السلعة فإن له الخيار، وإذا اختلف البائع والمشتري في الثمن فالقول قول البائع إذا حلف.

    1.   

    تعريف الخيار وذكر أقسام العقود

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفر، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم وبعد:

    وصلنا إلى (باب الخيار وغيره) من كتاب: منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخيار وغيره.

    إذا وقع العقد صار لازماً إلا لسبب من الأسباب الشرعية.

    أنواع الخيار فمنها: خيار المجلس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع )، متفق عليه].

    قول المؤلف: (باب الخيار وغيره).

    الخيار في اللغة بمعنى: الاصطفاء والاختيار.

    وأما في الاصطلاح: فهو حق العاقد في اصطفاء خير الأمرين بين إمضاء العقد أو فسخه.

    والعقد ينقسم إلى قسمين: عقد صحيح، وعقد غير صحيح.

    والعقد الصحيح ينقسم إلى قسمين: عقد نافذ، وعقد موقوف.

    والعقد الموقوف: يتوقف على إجازة المالك أو الولي، مثل: تصرف الفضولي، فإنه موقوف على إجازة المالك، ومثل: تصرف الصبي فإنه موقوف على إجازة وليه، هذا يسمى عقد موقوف.

    والعقد النافذ: ينقسم إلى قسمين: عقد لازم، وعقد غير لازم.

    فالعقد اللازم: هو العقد الذي توفرت فيه الشروط والأركان، ولم يستقل أحد المتعاقدين بفسخه، وهذا مثل عقد البيع إذا تفرقا، وعقد الإجارة، والعتق، والخلع وغير ذلك، فإذا تم البيع وتفرق الطرفان فهل يجوز لواحد من الطرفين أن يفسخ العقد؟ الجواب: لا يجوز، وإذا تمت الإجارة فهل يجوز لواحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد؟ الجواب: لا، فيسمى هذا عقد لازم.

    العقد الغير لازم: فهو الذي يكون عقده ليس تاماً، بل يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخه، أو يكون في العقد عيب أو سبب يخول المتضرر بإمضائه أو فسخه.

    ولهذا قال المؤلف: (وإذا وقع العقد صار لازماً إلا بسبب)، وكلمة: (إلا بسبب)، يعني: إلا إذا كان غير لازم فيكون بسبب العقد نفسه، مثل: عقد الوكالة، وعقد الشركة فهو غير لازم، فيجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد، فهذا بسبب العقد، وأيضاً يكون بسبب العين نفسها، مثل: أن يكون في العين عيب، فيجوز لمن تضرر ألا يلزمه، ويكون أيضاً بسبب وجود شرط في العقد، وهو شرط الخيار أو خيار المجلس، فهذا عقد صحيح ولكنه غير لازم.

    وأحياناً يكون عقداً لازماً من طرف غير لازم من طرف آخر، مثل: عقد الرهن، فهو لازم على الراهن غير لازم على المرتهن، فإذا قبض المرتهن الرهن فإنه يجوز أن يمضيه ويجوز أن يفسخه، لكن الراهن هل له أن يفسخ بعد ما قبض المرتهن؟ الجواب: لا يجوز له ذلك.

    هذا التقسيم رأيت أنه من الأهمية بمكان، خاصة ونحن سوف نشرح غالب هذه الأقسام، وعلى هذا فالعقد لازم، ولا يمكن أن يكون غير لازم إلا بوجود سبب من الأسباب.

    1.   

    أنواع الخيار في البيع

    والمؤلف في هذا الباب ذكر أنواع الخيار.

    خيار المجلس

    قال المؤلف: (فمنها: خيار المجلس)، خيار المجلس: هو حق العاقدين في اختيار فسخ العقد أو إمضائه ما داما في مجلس العقد، فهو حق العاقدين في اختيار خير الأمرين بين إمضاء العقد أو فسخه ما داما في مجلس العقد، هذا يسمى: خيار المجلس، وأثبته الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله؛ لوجود الحديث الثابت في ذلك، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار )، وكذلك حديث حكيم بن حزام : ( فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا )، إذاً التفرق هنا المقصود به تفرق الأبدان.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (ما لم يتفرقا)، يعني: إذا تفرقا بأبدانهما فقد ثبت البيع.

    قول صلى الله عليه وسلم: (وكانا جميعاً)، يعني: إذا كانا في المجلس جميعاً، ولو كانا في السيارة من الرياض إلى مكة فإن مجلس العقد هو السيارة، فلو نزل أحدهما إلى محطة البنزين أو إلى سوبر ماركت، فقد تم البيع.

    ( أو يخير أحدهما الآخر) ومعنى يخير أحدهما الآخر: يقول له: اختر إمضاء البيع، يعني: امض العقد وأسقط حقك في خيار المجلس، فإن اختار إمضاء العقد وإسقاط حقه في خيار المجلس فإن العقد حينئذ يكون لازماً ولو كانا في المجلس؛ لأنه حق لهما يجوز إمضاؤه أو إسقاطه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع )، ولو كانا في المجلس.

    تبقى مسألة: هل يجوز للإنسان إذا أبرم العقد مع صاحبه أن يخرج من المجلس كي يثبت العقد؟

    كان ابن عمر إذا تبايع مع الآخر يخرج حتى يثبت البيع؛ ولعل ابن عمر رضي الله عنه لم يبلغه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد وأهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يحل له أن يستقيله خشية الخيار )، فإذا كان كذلك، فإن العقد إذا تم وهما بالمجلس يكون غير لازم.

    ويكون العقد لازماً؟ بأمور:

    الأول: إذا تفرقا.

    الثاني: إذا خير أحدهما الآخر بإمضاء العقد دون الخيار بالمجلس.

    الثالث: أن يتصرف المشتري بالمبيع، فلو قلت لعبد الرحمن: بعت سيارتي منك بمائة ألف، فقبل عبد الرحمن، ثم إن عبد الرحمن بعد ما أعطيته مفتاح السيارة باعها على محمد، الآن ليس لي حق الخيار؛ لأن عبد الرحمن تصرف بالسيارة، فتعلق المعقود عليه بحق الغير.

    الرابع: الموت، فإذا مات أحد المتعاقدين -عبد الرحمن أو محمد- فقد وجب البيع؛ لأن هذا من أعظم التفرق، وهل إذا هلكت السلعة وهما في المجلس يمضي العقد؟

    نقول: لا؛ لأن وجود العيب أصلاً يجعل للمتضرر خياراً فكيف وهما في المجلس.

    واعلم أن كل شيء بحسبه في خيار المجلس، فالآن تجرى العقود بوسائل الاتصال الحديث، فإذا اتصلت أنا على شخص فقلت: بعتك سيارتي بمائة ألف، فقال: قبلت، ثم انقطع الاتصال بيننا، وجب البيع فلا يقول لي: أنا كنت أسير في طريق ليس فيه أبراج، فنقول: انتهى الكلام وتم البيع، ولو كتبت إلى شخص فقلت: أبيعك أرضي في حي الوادي بخمسمائة ألف ريال، ثم أرسلتها عبر الفاكس، ثم أرسل لي رداً: أني قبلت بشرائها، فبوصول الورقة انقطع الاتصال.

    فلو قلت: أنا بعتك سيارتي بمائة ألف ريال، ثم خرجت من المجلس، ثم قال عبد الرحمن وهو في المجلس وحده: قبلت، فهل يتم العقد؟

    الجواب: لا، ولهذا كان كما مر معنا في الدرس الماضي أنه لا بد من وجود الصيغة وهي: توافق الإيجاب والقبول في المجلس، إلا إذا جعلت الإيجاب مستمراً إلى مدة أسبوع فأرسل لي القبول في أثناء هذا الأسبوع، فحينئذ يتم، فلو أرسلت له رسالة عن طريق الفاكس: أفيدك بأني بعتك أرضي بخمسمائة ألف ريال، وهذا إيجاب مني لمدة أسبوع، فأنت بمجرد أنك ترسل لي الرد خلال هذا الأسبوع فقد تم البيع.

    ومثل هذا ما يكون في الاكتتاب في الشركات المساهمة، حيث إن الإنسان يقوم بتعبئة استمارة الاكتتاب، وهذه التعبئة تفيد برغبته شراء خمسة آلاف سهم بقيمة كذا، وأنه ليس له الحق إلا بموافقة الطرف الآخر.

    الغريب أن كل الناس يفعل هذا، ولو سألت: ما دليلكم في هذا؟ هل هو على مذهب الشافعي ؟ الجواب: لا، هل هو على مذهب أبي حنيفة ؟ الجواب: لا، هل هو على مذهب مالك ؟ الجواب: لا، هل هو على مذهب أحمد على إطلاقه؟ الجواب: لا، ولكن رواية عند الإمام أحمد تفيد جواز ذلك، وهذا هو الراجح، وهو أن الإيجاب يكون معلقاً برضا الطرف الآخر، إذاً هو معلق ليس له مدة ولا تعلم مدة التخصيص، فهذا مبني على جواز أن يكون البيع معلقاً، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله و ابن القيم رحمهما الله تعالى.

    فالذين يبطلون العقد المعلق، يجوزونه في الاكتتاب، والاكتتاب: عقد معلق، والراجح جوازه بشرط أن يكون هناك مدة؛ حتى لا يكون منه غرر، فإذا كان من العادة أن يكون القبول خلال شهرين فإن هذا يعد كافياً، وهذا هو الراجح خلافاً لجمهور أهل العلم.

    فإن قيل: هل للمشتري أن يتصرف مع أن العقد لم يلزم بعد؟ يعني: كيف يذهب الخيار على البائع والعقد لا يزال بالخيار بينهما؟

    نقول: هو إذا تصرف فيه بإذن البائع فإنه يكون جائزاً؛ لأنه يجوز له أن يخرج من المنزل أو من المكتب بلا إذن البائع.

    خيار الشرط

    قال رحمه الله تعالى: [ومنها: خيار الشرط، إذا شرط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة، قال صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً )، رواه أهل السنن].

    قول المؤلف: (ومنها: خيار الشرط)، خيار الشرط: هو حق العاقدين أو أحدهما في اختيار إمضاء البيع أو فسخه مدة معلومة، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في المدة، ودليل ذلك: ما ثبت عند أهل السنن وأصله في الصحيحين، من حديث ابن عمر : ( أن رجلاً كان يخدع في البيوع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام )، هذه الزيادة عند أهل السنن ( ولي الخيار ثلاثة أيام ).

    وهي تفيد أن الخيار بثلاثة أيام جائز.

    وهل له أن يختار زيادة على ثلاثة أيام؟ بمعنى: أن لي الخيار لمدة شهر، أو لي الخيار لمدة أسبوع، أو لي الخيار مدة شهرين، طالت المدة أم قصرت إذا كانت محددة؟

    فجمهور الفقهاء منعوا من ذلك، وأجازها الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمة الله تعالى على الجميع، وهذا هو الراجح؛ وذلك لأن الخيار إنما شرع لأجل دفع الضرر المترتب على إمضاء العقد في نظر أحد المتعاقدين، وربما لا يتبين له ضرر ذلك من عدمه، إلا بمدة يتطلب تفتيشاً عن هذا المعقود عليه، والمدة ربما تزيد وربما تنقص.

    إذا ثبت هذا فاعلم أن خيار الشرط لأجل إمضائه ووجوبه له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون هذا الشرط في أثناء العقد، فلو كان هذا الشرط بعد إبرام العقد وبعد التفرق من المجلس فإنه لا يكون لازماً.

    الشرط الثاني: أن يكون هذا الشرط -شرط الخيار- في عقد أصله اللزوم، فإن كان في عقد أصله عدم اللزوم، مثل: الوكالة والشركة فلا ثمرة من وجود خيار الشرط؛ لأنه يجوز له أن يفسخه بلا شرط خيار.

    الشرط الثالث: أن يكون في عقد لا يشترط فيه التقابض في مجلس العقد، فالسلم يشترط فيه التقابض رأس المال في مجلس العقد، فلا يصح خيار الشرط عند الأئمة الأربعة.

    والنكاح لا يجوز فيه الخيار، وكذلك الصرف، هذا قول الأئمة الأربعة، وهذه المسألة خلاف لـأبي العباس بن تيمية، ولسنا ندخل في هذا الخلاف.

    إذا وجد خيار الشرط فالحكم أنه يكون لازماً في حق من لم يشترط، وغير لازم في حق من اشترط، وعلى هذا فإذا اشترط الجميع فإنه يكون في حقهما غير لازم، فإن انتهت المدة فإن العقد حينئذ يكون لازماً.

    والمؤلف ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً )، هذا الحديث رواه الترمذي وفي سنده كثير بن زيد بن عمر بن عوف وهو ضعيف، ولكن أصح شيء في الباب هو حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج )، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الوفاء بالشروط وأن أحق ذلك وأعظم: هو عقد النكاح، فدل على أن عقد النكاح وغيره يجب إمضاء العقد فيه، كقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

    والدليل الثاني: رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( مقاطع الحقوق عند الشروط ).

    خيار الغبن

    قال المؤلف: [ومنها: إذا غبن غبناً يخرج عن العادة، إما بنجش أو تلقي جلب أو غيرها].

    المؤلف الآن ذكر خياراً يسمى: خيار الغبن، إلا أن المؤلف جعل بعض العقود داخلة في خيار الغبن مع أن العلماء يختلفون فيها، فأصل خيار الغبن ثابت عند الإمام أحمد و مالك ، وغير ثابت عند أبي حنيفة و الشافعي ، إلا ما جاء الدليل بنصه، مثل: تلقي الركبان، أما النجش -وهي الزيادة في السلعة لمن لا يريد شراءها- فإنه ليس فيه خيار عند الشافعي وأبي حنيفة، وثابت فيه الخيار عند أحمد ومالك .

    إذاً خيار الغبن: هو حق العاقدين أو أحدهما في إمضاء العقد أو فسخه إذا وجد الثمن زائداً على قيمة المثل، وإذا غبن غبناً يخرج عن العادة وقدروه بالثلث، فإذا باعه بمائة وثلاثين والناس يبيعونه بمائة فإن هذا يعد غبناً.

    واعلم أن الغبن يجب أن يفرق بين المحلات من غيرها، فمحل في شمال الرياض إيجاره غال، ليس مثل أي محل في مكان آخر، فلا يقول: أنا وجدته في العقلية بمائة، وأنت تبيعه بمائة وثلاثين؛ لأن إيجار المعقلية العقلة يختلف عن إيجار هذه السوق.

    فخلاصة خيار الغبن: أنه ثابت في مذهب الإمام أحمد و مالك ، وأن العلماء استدلوا على جوازه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الخيار بسبب اختلاف في الثمن في تلقي الركبان، فقال: ( لا تلقوا الركبان فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار )، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيار لمتلقي الركبان بسبب الغبن في الثمن، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار لمتلقي الركبان إذا لم يعلم السعر، فدل ذلك على ثبوته في النجش وغيره، وهذا القول قوي خاصة أن باب المعاملات مبني على الحل، والقواعد في باب المعاملات يقاس بعضها على بعض.

    لكننا نقول: يجب أن يكون خيار الغبن ثابتاً إذا لم يبين البائع السعر، أما لو قال: أنا لن أبيع إلا بهذا السعر، فلا تدعي الغبن بعد ذلك، فمن رضي بذلك فلا يحق له دعوى الغبن.

    والرجل الذي لا يحسن أن يماكس -مثل: أن يكون في عقله بعض الشيء- إن غبن في البيع فله حق الخيار، ولكن هذه الدعوى يحتاج إلى إثبات في القضاء؛ فليس كل احد يدعي الغبن، وبعض الناس يريد أن يشتري هذه الأرض وهي ملك لشخص فيزيد فيها، والشخص لا يريد بيعها، لكنه لو زاد بها أكثر من المثل ربما قبل، فلا يدعي بعد ذلك المشتري بأنه مغبون؛ لأنه هو الذي رضي بهذا السعر.

    وعلى هذا فالنجش إذا ثبت فإن للمتضرر الخيار على مذهب مالك و أحمد .

    خيار التدليس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنها: خيار التدليس، بأن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن كتصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر )، متفق عليه، وفي لفظ: ( فهو بالخيار ثلاثة أيام )].

    شرع المؤلف في خيار التدليس، والتدليس: إما أن يكون تدليساً فعلياً، أو تدليساً قولياً، والمؤلف ذكر التدليس الفعلي وليس القولي، فالفعلي مثل: أن يضع في المعقود عليه شيئاً يغرر به المشتري، أو يحبس شيئاً في المعقود عليه كي يغرر به المشتري، فعندنا شاة لبنها قليل، فيحبس البائع اللبن، ولا يلزم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تصروا الإبل ) بأن يربطها، لكن يشمل عدم حلبها، فإن كانت تحلب كل يوم مرة فإن البائع يبقي اللبن في الضرع، ثم يأتي اليوم الثاني فيبقيه، ثم يذهب بها إلى السوق في اليوم الثالث، والضرع مليء باللبن، فيغتر المشتري حينما يرى هذه الشاة فيظنها حلوباً فيشتريها، ولا شك أن هذا تدليس وتغرير، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش فقال:( من غش فليس منا ).

    والنبي صلى الله عليه وسلم أعطى المشتري الذي دلس عليه الخيار، ويبدأ الخيار من حين الحلب، فإذا حلب له الخيار ثلاثة أيام؛ لأنه قد يحلبها أول ما يأتي بها فلا يحلبها كاملاً، فيبقى اللبن موجوداً في الضرع، فإذا مضت في اليوم الثاني ربما لا يحلبها، فإذا كان ثلاثة أيام فهذه هي العادة الغالبة بأن الإنسان يستطيع أن يجرب المعقود عليه.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فهو بالخيار ثلاثة أيام )، ليس على ظاهره بل يجوز أن يستبدلها وأن يرجعها إذا علم بالغبن في يوم واحد، ولكن هذه مدة قصوى.

    وإذا علم في أثناء ذلك، ثم لم يرجعها بعد ثلاثة أيام فهل له حق الرجوع أم لا؟

    العلماء قالوا: ليس له ذلك، والراجح: أنه ليس له ذلك إلا إذا أشهد على طلب الرجوع ولكنه لم يستطع، مثل: لو أخذها فسافر بها، فقال لأصحابه: إذا رجعنا من السفر سوف أعيدها، فهنا يحق ولو كان بعد ثلاثة أيام؛ لأن المانع من عدم إرجاعها: هو السفر.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بعد أن يحلبها إما أن يبقيها عنده وإما يفسخها )، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي بأن يعيد معها صاعاً من تمر.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ورد معها صاعاً من تمر )، هذا الصاع لأجل أنه حلبها أم لأجل إرضاء البائع بفسخ العقد؟

    قال أبو حنيفة : لأنه حلبها، ولنفرض أن السطل بصاع تمر، فحلب عشرة سطول، إذاً هذا الذي جعل أبو حنيفة يرد هذا الحديث، يقول أبو حنيفة : لماذا يرد صاع؟ المفترض أن الذي أخذه يقدر ويأخذ، فلماذا رد الصاع؟

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تصروا الإبل والغنم )، الغنمة حليبها قليل، والناقة حليبها كثير، وكله يرد عليه صاع تمر، فدائماً -يا إخوان!- إذا جاءك الحديث اجعل الإشكال في عقلك ولا تجعل الإشكال في الحديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( ورد معها صاعاً من تمر )، هذه حكومة بمعنى: أنه قضى ما يمكن أن يرجع، فلا ينظر إلى اللبن بعد المفارقة؛ لأن اللبن بعد المفارقة: هو الخراج بالضمان، أفرأيت لو هلكت الناقة أو هلكت البقرة أو هلكت الغنم، أليس يكون من ضمان المشتري؟ فاللبن الذي يشربه هو من الطعام الذي تأكله البهيمة، فكان الصاع؛ لأجل اللبن الموجود في الضرع حال العقد، لا لأجل أنه شرب اللبن؛ لأن اللبن كثير، فهذا هو قول العلماء ( الخراج بالضمان).

    وهذا الحديث أصل في خيار العيب، والمؤلف رحمه الله أتبع خيار التدليس بخيار العيب؛ لأن أصل أحاديث العيب هي حديث المصراة.

    خيار العيب

    قال رحمه الله تعالى: [وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبه فله الخيار بين رده وإمساكه، فإن تعذر رده تعين أرشه].

    قول المؤلف: (وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبه)، الأصل أن الإنسان إذا اشترى شيئاً لم يعلم عيبه، فكل جزء من المعقود عليه يقابله جزء من الثمن سليم، فإذا علم أن بعض أجزاء المعقود عليه معيباً، لم يكن المقابل له من الثمن مساوياً، فلأجل هذا جعل الشارع للمتضرر الخيار، وهو خيار العيب، وهو: حق العاقد بين إمضاء العقد أو فسخه؛ لوجود عيب في المعقود عليه.

    وأفادنا المؤلف بقوله: (لم يعلم عيبه)، على أنه لو علم بالعيب ثم اشتراه على أنه معيب فإنه قد دخل بهذا العقد على علم وبصيرة، وحينئذ فليس له حق الخيار؛ لأن كل جزء من المعقود عليه قابله جزء من الثمن مساوياً، والله أعلم.

    قول المؤلف: (فله الخيار)، أي المشتري بين الإمضاء والفسخ، وهذا من فقه المؤلف رحمه الله، حيث أنه خير المشتري بين أن يفسخ؛ لأنه متضرر، وبين أن يبقي المعقود عليه بالثمن، وهذا هو مذهب أبي حنيفة و مالك واختيار ابن تيمية وهو رواية عند الإمام أحمد خلافاً للرواية المشهورة عند الحنابلة على أن المشتري إذا اشترى المعيب ولم يعلم به أن له الخيار بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة الأرش، والصحيح: ليس له المطالبة بالأرش؛ لأن الضرر الحاصل بوجود العيب في المعقود عليه يمكن تلافيه بالفسخ، والأرش معاوضة جديدة يترتب عليها ما يترتب على أصل العقود وهو الرضا، فإذا أمضى العقد وطالب بالأرش صار من غير رضا، فالبائع يقول: أن لن أعطيك الأرش، أعطني سلعتي، فالبائع آثم ولكن عقوبته لا تكون بأن يمضى العقد عليه ويطالب بالثمن؛ ولأجل هذا ذهب الجمهور إلى أن الأرش معاوضة جديدة لا بد فيها من رضا الطرفين.

    فإذا قال المشتري: أنا لن أقبل بهذا المعقود عليه، سوف أرده أو تعطيني الأرش، فإن تراضيا على ذلك وإلا فليس للمشتري إلا الفسخ أو الإمضاء بالأرش، ودليل ذلك حديث المصراة، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فهو بعد بخير النظرين بعد أن يحلبها، إما أن يبقيها وإما أن يردها )، وهل حكم النبي صلى الله عليه وسلم لمن أبقاها معه أن يأخذ أرش قلة اللبن؟

    الجواب: لا، بل حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين: بين أن يبقيها مع وجود عيبها وأن يفسخها.

    إذاً: الأصل في العيوب لمن اشترى عيباً أنه بخير النظرين، إما أن يبقيها بلا أرش، وإما أن يفسخ العقد، إلا إذا تراضيا على معاوضة جديدة.

    قول المؤلف: (فإن تعذر رده تعين أرشه)، وهذه مسألة جديدة، وهي أن المشتري إذا اشترى المعقود عليه فتعذر الرد، فحينئذ يبقى حقه في وجود عيب في المعقود عليه فله أن يطالب بالأرش.

    إذاً: يجوز للمشتري أن يطالب بالأرش إذا تعذر الرد، ويتعذر الرد في أمور:

    هلاك المعقود عليه، فإذا هلك عند المشتري فلا يرجع إلى البائع.

    أو تعيب المعقود عليه في يد المشتري، فإذا تعيب عيباً آخر فلا حق للمشتري أن يعيده وفيه عيب إلا بمعاوضة ورضاً جديد، لكن له أن يطالب بالأرش.

    كذلك إذا باع المشتري ولم يعلم بعيبه فإنه يجوز له ذلك على الراجح بشرط أن يحلف عند القاضي بعدم العلم بالعيب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا اختلفا في الثمن تحالفا ولكل منهما الفسخ].

    قول المؤلف: (وإذا اختلفا في الثمن)، لا يخلو الاختلاف بين البائع والمشتري من ثلاثة أشياء، لكن نحن نذكر أمرين مشهورين:

    الأمر الأول: أن يختلفا في الثمن، فيقول البائع: إنما بعتك السلعة بمائة ألف، فيقول المشتري: إنما بعتنيها بتسعين ألفاً، فالخلاف حاصل في الثمن.

    الأمر الثاني: أن يختلفا في عين المبيع، فيقول المشتري: إنما اشتريت منك شاة نجدية، فيقول البائع: إنما بعتك شاة نعيمي، هذا الاختلاف في عين المبيع، أو يقول المشتري: إنما اشتريت منك بضاعة من صنع اليابان، فيقول البائع: إنما اشتريت مني من صنع تايوان، فإذا اختلفا فمن كان عنده بينة فالحمد لله لا يوجد إشكال، لكن إذا لم يكن عندهما بينة، فالراجح والله أعلم أن القول ما يقوله البائع بيمينه.

    والمسألة فيها أحاديث رواها البيهقي من حديث ابن مسعود : ( إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقوله البائع أو يتتاركان )، وفي رواية: ( فيتحالفان )، والمؤلف يقول: (تحالفا ولكل منهما الفسخ)، والأظهر أن يحلف البائع أنه باعه شاة نجدية، فإن قبل المشتري أو حلف فسخ العقد، فإذا لم يحلف المشتري فقد مضى العقد، فإن حلف المشتري جاز لكل واحد منهما إمضاء العقد أو فسخه، والله أعلم.

    وإنما طلب اليمين من البائع -أولاً- لأن الأصل أن القول قول صاحب الأصل، أو قل: إن القول قول المنكر، أو إن القول قول عدم الضمان، فإذا كان القول قول المشتري فخرج ملك البائع من ملكه، والأصل أن العين ملك للبائع.

    فلا يقال القول قول المنكر، أو صاحب الأصل؛ لأن اليمين إنما تتوجه لمن له الأصل، أرأيت ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )، فيحلف المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته، وكذلك يقال في البائع: أن الأصل براءة ذمته من وجود البيع بهذه الطريقة التي تخالف رأيه، فإن حلف المشتري جاز له أن يفسخ، وإلا فالأصل أنه ماض عنده.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال صلى الله عليه وسلم: ( من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته )، رواه أبو داود و ابن ماجه ].

    الإقالة: هي رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره، ولا تكون الإقالة إلا بعقد لازم، وأما العقد الغير اللازم فيجوز أن يفسخه بلا إقالة.

    وهل الإقالة بيع أم فسخ؟

    الراجح والله أعلم أن الإقالة بيع، ولو قلنا: فسخ، فيجوز بزيادة في الثمن، ولا بأس بذلك، وعلى هذا فإذا باعه بمائة ألف ثم قال: يا فلان! أنا اشتريت منك بمائة ألف فأقلني، قال: لن أقيلك حتى تعطيني عشرة آلاف، فأقاله وأعطاه عشرة آلاف وأخذ هذا الثمن جاز، هذا هو الراجح وله أجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته )، رواه أبو داود و ابن ماجه .

    والله أعلم.