إسلام ويب

وصايا لقمان الحكيم لابنهللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القرآن الكريم والسنة النبوية وما يحويان في طياتهما من معالم وآداب وأخلاق، دليل المربين السالكين طريق الإصلاح في كل زمان ومكان، وإن من أبرز القصص في القرآن الكريم التي يجب أن يضعها كل مرب ومصلح نصب عينيه هي قصة لقمان الحكيم في وعظ ولده ووصيته، حيث جمعت

    1.   

    منزلة لقمان الحكيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    عباد الله! لقد اشتمل كتاب الله عز وجل على وصايا وإرشادات وتوجيهات، من أخذ بها أفلح وأنجح، ومن تلكم الوصايا التي ينبغي أن يربى عليها الأبناء وأن يعنى بها من قبل الآباء والمربين والمعلمين، وصايا لقمان لابنه، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الله إذا أثنى على عبد في كتابه بخير فإنه يطلب منا أمران:

    الأمر الأول: أن نحب ذلك الشخص الذي أثنى الله عليه خيراً.

    الأمر الثاني: أن نتبعه في تلك الصفات التي استحق بها الثناء من الله بالخير.

    يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:12]، لقمان ليس نبياً من الأنبياء، وإنما هو عبد من عباد الله، امتن الله عليه بالعلم، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:12]، والحكمة: هي الفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ من هذا أيضاً عظم نعمة العلم والفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن ذلك أعلى المراتب كما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: لا أعلم مرتبة بعد مرتبة النبوة أعلى من مرتبة تعلم العلم وتعليمه.

    1.   

    وصايا جامعة من لقمان لابنه

    التحذير من الشرك بأنواعه

    يقول لقمان موصياً ابنه بتلكم الوصايا العظيمة والقواعد الكبيرة: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13]، هذه هي الوصية الأولى التي ينبغي أن يربى عليها الأبناء والأجيال، أن يربوا على التوحيد، على إفراد الله عز وجل بالعبادة، أن يعلموا التوحيد ويحذروا من الشرك.

    والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، سواء كان ذلك في الألوهية أي: في العبادة، أو في الربوبية، أي: في شيء من خصائص الربوبية، أو في الأسماء والصفات.

    فمن صرف شيئاً من خصائص الألوهية، بأن صرف عبادة من العبادات لغير الله، كالركوع والسجود والصلاة والطواف والنذر والذبح وغير ذلك، فقد وقع في الشرك الأكبر.

    كذلك أيضاً: من صرف لغير الله شيئاً من خصائص الربوبية، كالخلق المطلق، والتدبير المطلق، والملك المطلق، والتصرف في الكون، وعلم الغيب، وغير ذلك، فقد أشرك في توحيد الربوبية.

    كذلك أيضاً: من صرف شيئاً من خصائص الأسماء والصفات لغير الله عز وجل، فقد أشرك في توحيد الأسماء والصفات، فحري بالآباء والمعلمين والمربين أن يربوا الأبناء والبنات على توحيد الله عز وجل، وعلى تحذيرهم من الشرك وشوائبه.

    مراقبة الله في السر والعلن

    وأما الوصية الثانية: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]، يوصيه بمراقبة الله عز وجل دائماً: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ [لقمان:16]، بمعنى وزن: حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [لقمان:16]، يعني: مهما كان العمل صغيراً. فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان:16]، يكن هذا العمل في أخفى مكان؛ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ [لقمان:16]، في أعلى مكان: أَوْ فِي الأَرْضِ [لقمان:16]، في أسفل مكان، فإن الله سيأتي بهذا العمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    وتربية الأجيال والأبناء على المراقبة يحدث فيهم قوة التعلق بالله عز وجل، وقوة الإيمان، والخوف منه سبحانه وتعالى، والمبادرة إلى امتثال الأمر واجتناب النهي.

    لقد جعل الله عليك يا ابن آدم من يراقبك في سرك وعلانيتك وعلى أي حال كنت: جوارحك ستشهد عليك يوم القيامة، قال الله عز وجل: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21]، بل الأرض التي تمشي في مناكبها، وتدب عليها ستشهد عليك يوم القيامة، قال الله عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تخبر عن كل عامل بما عمل عليها)، بل إن الله عز وجل جعل عليك ملائكة كراماً كاتبين يحصون أقوالك وأفعالك: فقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]، وقال: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    المحافظة على الصلاة في أوقاتها

    وأما الوصية الثالثة للأبناء فهي قوله سبحانه عن لقمان موصياً لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17]، الصلاة صلة بين العبد وخالقه، وفيها عون للمرء على حوائج دينه ودنياه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، ولم تكن الوصية بالصلاة قصراً على الحكماء، بل أوصى بها الأنبياء، وأمر بها المرسلون، قال الله عز وجل عن إسماعيل عليه السلام: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73]، أمر بها المرسلون أهليهم، قال الله عز وجل: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ [مريم:55]، وقال الله عز وجل لنبيه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ [طه:132].

    ويبلغ الاهتمام بالصلاة عند المرسلين، أن سليمان عليه السلام لما ألهته الخيل عن صلاته أمر بنحرها، ولذلك أثنى الله عز وجل عليه في كتابه وأعاضه عن الخيل بالريح المسخرة، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهر غدواً ورواحاً.

    أيها المتكاسلون عن الصلاة في وقتها! اسمعوا إلى قول الله عز وجل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:59-60]، الويل لمن هم عن صلاتهم ساهون، لمن يؤخرون الصلاة عن وقتها، لا يؤدونها جماعة حتى يخرج وقتها، حتى تطلع الشمس قبل صلاة الفجر، وحتى تصفر قبل صلاة العصر: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    وأما الوصية الرابعة: فقال سبحانه حاكياً عن لقمان : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:17]، يوصي لقمان ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يربيه على حب الخير والدعوة إليه، وقد أثنى الله على هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحقق الفلاح للآمر والمأمور، وتصان سفينة المجتمع من الغرق، هو علامة خير ودليل إيمان، وعلامة للغيرة على دين الله وحرماته، والذين يرون المنكرات تسري في المجتمعات فلا تتمعر وجوههم، أولئك في إيمانهم ضعف، فليتقوا الله، وليقولوا قولاً سديداً، فالكلمة الطيبة صدقة، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، ولئن اختص الله بهداية القبول والتوفيق نفسه، فهداية الدلالة والإرشاد بوسع البشر.

    الصبر على أقدار الله

    عباد الله! وأما الوصية الخامسة التي يوصي بها لقمان ابنه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17]، فيوصيه بالصبر على ما أصابه من أقدار الله المؤلمة، سواء كان ذلك في النفس، أو كان ذلك في المال، أو كان ذلك في الأهل، والصبر: هو حبس القلب والجوارح عما نهى الله عز وجل، فيحبس قلبه عن كراهة قضاء الله وقدره إذا وقعت أقدار الله المؤلمة، بل عليه أن يرضى ويسلم، ويحبس جوارحه -لسانه ويديه- عما نهى الله عز وجل عنه، فيحبس لسانه عن اللعن والشتم والسباب والطعن، ويحبس يديه عن الضرب وإتلاف المال، كما قال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية).

    اللهم اجعلنا من المقيمين للصلاة، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يا ذا الجلال والإكرام، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    التواضع.. والتحذير من الكبر

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه الله رحمة للعالمين.

    عباد الله! وأما الوصية السادسة التي يوصى بها الأبناء: فقوله سبحانه: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]، أي: لا تتكبر فتحتقر عباد الله، أو تعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، ولا يظهر في مشيتك الكبر والخيلاء، وتذكر أن بدايتك من ماء مهين، وأنك مهما بلغت من الجاه، أو جمعت من المال فنهايتك إلى التراب.

    وحين ينهى لقمان ابنه عن التكبر والخيلاء في الهيئة أو المشية أو التعامل مع الناس وينهاه كذلك عن تعاظم النفس وغرورها وعجبها فهو يأمره بالاعتدال في مشيته والقصد في ذلك، قال الله عز وجل: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان:19]، والمعنى امش مشياً مقتصداً، ليس بالبطيء المتماوت، ولا بالسريع المفرط، هي وسط بين مشية المرح والبطر والتكبر، ومشية التماوت والتباطؤ، فالمشية المحمودة وسط بين مشيتين مذمومتين، وعلى المربين أن يعوا هذه اللفتة التربوية، فيمنع ما يحرم، ويقدمون البديل الحلال، كما أن عليهم نزع الخلق المذموم قبل إعطاء البديل المحمود، فالتخلية قبل التحلية.

    خفض الصوت في الخطاب

    وأما الوصية الأخيرة: فيقول الله عز وجل حاكياً عن لقمان أنه وصى ابنه: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19]، والغض من الصوت فيه أدب وثقة في النفس، واطمئنان إلى صدق الحديث، وحين يقبح رفع الصوت ويستهجن إغلاظه، يضرب لذلك مثل تشمئز منه النفوس، إنه صوت الحمار: إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]، فعلو صوت الحمار لم يحسنه، بل قبحه وشانه، ولذلك ينبغي أن يخفض العقلاء أصواتهم حين حديثهم، وما من شك أن الكلمة الطيبة تبلغ مبلغها، وينفع الله بها وإن كانت هادئة، والكلمة الخبيثة تسيء وإن بالغ أصحابها في رفع أصواتهم، وإذا عد في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجالس الكرماء، أفيليق التشبه به برفع الصوت في النطق، ذلك توجيه ينبغي أن يعيه الآباء والأبناء.

    عباد الله! هذه وصايا نافعة جداً، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم رحمه الله تعالى، ليتمثلها الناس ويقتدوا بها كما قال ابن كثير رحمه الله.

    ألا ما أحوج الآباء والمربين والمعلمين إلى الوقوف عندها طويلاً لتفهمها، والعمل بمقتضاها، وتربية النشء عليها، نسأل الله ذلك بمنه وكرمه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم يا أرحم الراحمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم احفظ الحجاج والمعتمرين، اللهم يسر لهم قضاء نسكهم على الوجه الذي يرضيك عنهم، اللهم وردهم إلى بلادهم سالمين غانمين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286].