إسلام ويب

نواقض الإيمانللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان رأس مال العبد في هذه الحياة، ولذا كان لابد من معرفة ما ينقض هذا الإيمان، كالشرك بالله في العبادة والتعظيم، حيث يسوي بالله غيره من خلقه، ويطلب منهم، ويستغيث بهم في الشدائد، وكذلك عدم تكفير الكافرين والبراءة من أديانهم، وكذلك اعتقاد فضل دين على دين

    1.   

    الإيمان رأس مال العبد

    الحمد لله رب العالمين، أمر عباده المؤمنين بالإيمان وغيرهم من باب أولى، فقال جل من قائل عليماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حذر من النكوث على الأعقاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله استعاذ بالله من الحور بعد الكور، وأرشد أمته إلى ذلك، كما في دعاء السفر، والحور بعد الكور تغير حال الإنسان من الإيمان إلى الكفر، أو من التقوى والصلاح إلى الفجور والسوء، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى سائر صحابة رسول الله أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، والاستمساك بالعروة الوثقى، والعزة بالإسلام ظاهراً وباطناً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    أيها المسلمون! الإيمان هو رأس مال العبد في هذه الحياة، وهو التجارة التي يفد بها إلى الله بعد الممات، وخسارة الإيمان لا تعدلها خسارة، ولا تقبل فيها الفدية ولو كانت ملء الأرض ذهباً: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:91]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5].

    وما أتعسها من حالة حين يهيم الإنسان على وجهه في هذه الحياة، حيران قلقاً، بعيداً عن نور الإيمان، تتردى حالته بعد، فلا ينقضي النكد، ولا يخفف العذاب، قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، إذا علمتم قدر الإيمان وحقيقته، وكان الاعتقاد سليماً، والعمل صائباً، فأنتم محتاجون إلى تكميل ذلك بمعرفة نواقض الإيمان، وهادمات الإسلام، وقد اعتنى العلماء قديماً وحديثاً بنواقض الإيمان وأوسعوها بحثاً وتفصيلاً، ودعوة للحق ونصحاً للخلق، وما أحرى المسلم أن يتنبه لهذه النواقض فيعلمها ويحذرها: فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [يونس:108].

    1.   

    من نواقض الإسلام

    أحصى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أصولاً عشرة اعتبرها نواقض للإسلام، حذر الأمة منها ودعا إلى العلم بها، وقد كان الناس إلى عهد قريب يتدارسونها في المساجد، وتقرأ عليهم من قبل أئمة المساجد، قال رحمه الله: اعلم أن نواقض الإسلام عشرة:

    الشرك في عبادة الله ناقض للإسلام

    الأول: الشرك في عبادة الله، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال سبحانه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، ومنه الذبح لغير الله، كمن ذبح للجن أو للقبر، انتهى كلامه.

    فالشرك الأكبر: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، سواء كان ذلك في الألوهية، كأن يصرف المخلوق نوعاً من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، أو كان ذلك في الربوبية، كأن يصرف خصيصة من خصائص الربوبية لغير الله عز وجل، كالعلم بكل شيء، أو القدرة على كل شيء، أو كان ذلك من خصائص الأسماء والصفات، كأن يصرف شيئاً مما اختص الله عز وجل به من الأسماء والصفات إلى غير الله.

    وأما الشرك الأصغر: فهو كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والعقائد، وجاء في النص تسميته شركاً.

    اتخاذ الوسائط بين الله وعبده ناقض للإسلام

    ثم قال رحمه الله: الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً، وهذا الناقض من أكثر النواقض وقوعاً وأعظمها خطراً، وذلك لأن كثيراً من المنتسبين للإسلام جعلوا بينهم وبين الرب وسائط، يدعونهم لكشف الملمات وإغاثة اللهفات وتفريج الكربات، بحيث يصرفون لهم أنواعاً من العبادات، كالدعاء والاستغاثة، فيصرفون هذه العبادات لهؤلاء الموتى والمقبورين والأولياء، وهذا كفر مخرج من الملة، قال الله عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [الإسراء:56].

    يا عبد الله! أخلص العبادة لله وحده، وادعه وحده، واعلم أن غيره كائناً من كان لا يملك جلب النفع ولا دفع الضر، واستمسك موقناً بقوله تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:106-107].

    أجل: لقد قال المشركون قديماً: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وما زال المشركون حديثاً يستغيثون بالأولياء، ويستصرخون بالموتى، ويطوفون حول الأضرحة، ويذبحون لها، ويطلبون المدد والشفاعة ممن لا يملكها، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3].

    عدم تكفير الكافر ناقض للإسلام

    الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً، إن الإله الحق واحد لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وإن الدين الحق واحد، وهو ناسخ لجميع الأديان قبله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، فمن عبد مع الله غيره أو ابتغى غير الإسلام ديناً فهو كافر إجماعاً، لابد من تكفيره والبراءة منه ومعاداته، كما قال سبحانه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]، تلك الحنيفية التي أمرنا الله بالاقتداء بها، ومن رغب عنها فقد سفه نفسه، أما الاستمساك بالعروة الوثقى فشرطها الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256].

    عباد الله! يوجد بعض الناس اليوم ممن يخرجون في بعض القنوات الفضائية يزعمون أن اليهود أو النصارى ليسوا كفاراً، وأنهم إخوان لنا، وأنهم مسلمون، وهذا تكذيب للقرآن، فقد حكم الله عز وجل بكفرهم، وأخبر أنهم من أهل النار، قال الله عز وجل: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، وقال سبحانه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6].

    قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وصفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، كاليهودية والنصرانية وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.

    1.   

    الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان

    أيها المسلمون! وحين تغيب هذه الحقائق المهمة في المعتقد يضعف الإحساس بالولاء للمؤمنين، والبراءة من الكافرين، وتندثر في دنيا العلاقة المحبة في الله والبغض في الله، ويغيب التميز في الثقافات، وتنسى أصالة الفكر واختلاف المعتقدات، فهنا يقع الخلل، ويرتع الهمل، وتشيع بين الناس دعوات باطلة، وأفكار مضللة، ظاهرها التسامح والحرية، وباطنها الكفر وفرض التبعية، وتقام المؤتمرات العالمية، وتكثر الملتقيات والحوارات من أجل تقرير وحدة الأديان، ومقارنة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي، وإسقاط الفوارق الأساسية بين الأديان، والتشبث بأمور بسيطة، يخدعون بها الدهماء من الناس، ويجعلونها أساساً للوحدة المزعومة، وربما سمعت ببعض المصطلحات الباطلة، كمصطلح الديانة الإبراهيمية، أو الديانة العالمية، وإبراهيم عليه السلام بريء من أي نوع من أنواع الشرك والوثنية، وقد برأه الله من اليهودية والنصرانية المحرفة، وألبسه لبوس الحنيفية المسلمة، قال سبحانه: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67]، وجعل أولى الناس به الذين اتبعوه، كما قال سبحانه: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68].

    فهذه حاسمة الخلاف، والحق واضح لمن رامه، وكفى بالله شهيداً، وبالقرآن حكماً، أما المخدوعون بالسراب فربما ساغت لهم فكرة زمالة الأديان، وإمكانية التعايش والتعاون بين أصحاب الديانات المختلفة كما يدعوها بعض الناس.

    ولا يخفى على أولي الألباب أن هذه الدعوات المحمومة نشأت في أحضان التنصير والصهيونية العالمية لتحطيم الإسلام، وتذويب الشخصية المسلمة؛ لأنهم يرون في الإسلام وأهله أكبر قوة تهددهم.

    ومن ذلك ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، فهو عامل رئيس في إحياء تلك الشجرة الخبيثة، إذ تعقد المجتمعات ويأتمر الملأ لهذا الغرض الخبيث، وينبغي أن يعلم الناس أن هذه الدعوات المشبوهة ليست وليدة اليوم، بل لجلجت في غابر القرون، ودعا إليها قوم آخرون، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينقل عن ملاحدة الصوفية كـابن سبعين ، وابن هود ، والتلمساني وغيرهم أنهم كانوا يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإسلام، ويجعلون هذه طرقاً إلى الله، بمنزلة مذاهب المسلمين، بل ذكر رحمه الله تعالى أن هؤلاء المخرفين ربما يميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من إباحة المحظورات، كالخمر مثلا، ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول، بل ربما استحى الواحد منهم أن ينتسب للإسلام بحضرة هؤلاء الكفار، نعوذ بالله من الخذلان والردة بعد الإسلام.

    كما أن التتار قديماً نادوا بمساواة الأديان، وقال الأكابر من وزرائهم: إن دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى معلقاً على ذلك: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين، أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:150-151].

    نفعني الله وإياكم بهدي القرآن وهدانا لاتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    الحكم بغير الإسلام ناقض له

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أكمل الدين وأتم النعمة على المسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ختم الله به الأنبياء، وجعل رسالته للناس كافة، ونسخت شريعته الشرائع السماوية السابقة كلها، اللهم صل عليه وعلى سائر الأنبياء.

    أما بعد:

    فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله! قال الشيخ رحمه الله: الناقض الرابع من نواقض الإسلام: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر بقول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، فالذي يعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه مساوٍ له، سواء كان ذلك في العبادات أو العادات أو الأنكحة أو الحدود والقصاص، وما رتب الله من عقوبات على الجرائم، فذلك كفر مخرج من الملة، قال الله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، وقال سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، فمن يدعي أن الإسلام محصور في أمور خاصة لا تتجاوز الأحوال الشخصية، أما السياسات العامة، والقضايا الكبرى فتلك يحكمون فيها أهواءهم، ويقلدون فيها غيرهم، فقد قال الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    ولقد أحسن بعض العلماء في وصف من طمست بصيرته، فاستبدل بالشريعة القانون، حيث قال: إن مثل هذا، مثل الجعل يتأذى من رائحة المسك والورد الفواح، ويحيا بالعذرة والغائط في المستراح.

    1.   

    التحذير من فتنة التكفير

    عباد الله! احذروا من مسلك خطير، واستعمال محذور ألا وهو محاولة تطبيق الأحكام الشرعية النظرية على الواقع من قبل أناس لا يملكون أدوات التطبيق، وليس لهم من فهم قواعد الشريعة وكلياتها ما يستطيعون به تنزيل النصوص منازلها الحقة، فلا ينبغي أن تدرج قضية التكفير على كل لسان، ومصيبة أن يتجرأ فيها سفهاء الأحلام بغير علم ولا برهان، وأهل السنة قديماً وحديثاً يحتاطون لذلك كثيراً، ولذلك نجد العلماء رحمهم الله يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين، ووضعوا شروطاً للتكفير وموانع يعذر بها الجاهل والمتأول، إلى غير ذلك من ضوابط يعيها الراسخون في العلم.

    وإليكم شيئاً من احتياطهم وحذرهم من تكفير المعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة.

    وقال رحمه الله مبيناً بعض الأعذار التي تمنع من تكفير المعين، قال: الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطاياه، كائناً ما كان، سواء في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام.

    وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما نقل الشيخ يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، ولكن ما كان يكفر أعيانهم، وكذلك نقل ابن تيمية عن الإمام الشافعي رحمه الله.

    وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94].

    وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما).

    اللهم اعصمنا من الزلل، ووفقنا لسلوك الطريق الأقوم، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الحاقدين، والنصارى المعتدين، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعل اللهم الدائرة عليهم، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أصلحنا وأصلح بنا وأصلح لنا، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.