إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الديات [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من قتل نفساً محرمة خطأ مباشراً أو متسبباً يلزمه كفارة، وقد اختلف الفقهاء في الكفارة على القاتل الكافر والرقيق وغير المكلف، كما اختلفوا في الكفارة على قتل الجنين. والكفارة تتعدد بتعدد القتل، والقسامة أيمان مكررة في قتل معصوم، ومن أهم شروطها اللوث، فإن لم

    1.   

    تابع شروط كفارة القتل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في كفارة القتل:

    من قتل نفساً محرمةً خطأً مباشرة أو تسبباً فعليه الكفارة.

    باب القسامة: وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ومن شرطها اللوث: وهو العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر، فمن ادعي عليه القتل من غير لوث حلف يميناً واحدةً وبرئ، ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يميناً، فإن نكل الورثة أو كانوا نساءً حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ].

    تقدم لنا ما يتعلق بالعاقلة، وذكرنا من هي العاقلة، ومن الذي يتحمل العقل -أي: الدية- وما شرطه، وكذلك هل العاقلة تحمل العمد؟ وهل تحمل الصلح؟ وهل تحمل الاعتراف مع الإنكار؟ وهل تحمل ما دون الثلث أو لا تحمل شيئاً من ذلك؟

    كذلك تقدم ما يتعلق بكفارة القتل، وأن الكفارة في اللغة: الستر، والتغطية، والجحود.

    وأما في الاصطلاح: فهي ما يخرجه من قتل خطأً أو شبه عمد من إعتاق أو صيام. يعني: ما يفعله من قتل خطأً أو شبه عمد من إعتاق أو صيام.

    وتقدم شروط وجوب الكفارة في قتل الخطأ أو شبه العمد، وأما العمد فتقدم لنا أيضاً أن أكثر أهل العلم يرون أن العمد لا تجب فيه الكفارة، خلافاً للشافعي رحمه الله تعالى، فإنه يرى أن الكفارة واجبة فيه.

    وتقدم أن من شروط وجوب الكفارة أن تكون النفس المقتولة معصومة، وهل إذا قتل نفسه تجب الكفارة في تركته أو لا تجب؟

    وكذلك سبق لنا هل يشترط لوجوب الكفارة أن يكون المقتول مسلماً أو أنها تجب حتى في قتل الكافر؟ وهل يشترط أن يكون حراً أو لا يشترط بل تجب الكفارة في قتل الرقيق؟

    كفارة القتل إذا كان عن طريق التسبب

    قال رحمه الله: (من قتل نفساً محرمة مباشرة أو تسبباً).

    القتل إما أن يكون مباشرة أو تسبباً، فإن كان مباشرةً فهذا تجب فيه الكفارة، لكن إذا كان عن طريق التسبب، فهل تجب الكفارة أو لا تجب؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو قول جمهور أهل العلم: أن الكفارة تجب في القتل، سواء كان مباشرة أو تسبباً؛ لعموم الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    والرأي الثاني رأي الحنفية: وهو قتل التسبب لا تجب فيه الكفارة؛ لأنهم يرون أن قتل التسبب أدنى من القتل مباشرة .. إلخ. والصحيح في هذا هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لعموم الآية.

    الكفارة على القاتل الكافر

    الشرط الثامن من شروط وجوب الكفارة: هل يشترط أن يكون القاتل مسلماً، أو تجب حتى على الكافر؟

    المسلم تقدم أن الكفارة تجب عليه بالإجماع، لكن هل الكافر تجب عليه الكفارة أو لا تجب عليه؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو المشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أنه لا فرق بين المسلم والكافر، فالكافر تجب عليه الكفارة لعموم الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، ولأن الحدود تجب على الكافر الملتزم لأحكام الشريعة، فإذا كانت الحدود تجب عليه وهي عقوبات فكذلك تجب عليه الكفارة أيضاً.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية: أن الكافر لا تجب عليه الكفارة؛ لأن الكفارة عبادة خالصة فلا تجب على الكافر كالصوم والصلاة.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أن الكفارة تجب على الكافر كما أنها تجب على المسلم، وهي داخلة في العمومات.

    صحيح أنه لا يكفر بالصيام؛ لأن الصيام عبادة بدنية لا تصح منه، لكن يكفر بالإعتاق وأروش الجنايات والديات وكذلك ما يتعلق بالكفارة.

    الكفارة على القاتل غير مكلف

    الشرط التاسع: هل يشترط أن يكون القاتل مكلفاً أو لا يشترط؟ فلو قتل المجنون أو قتل الصبي عن طريق هذه الحوادث فهل تجب عليه الكفارة، أو نقول: بأن الكفارة لا تجب عليه؟ الحنفية يقولون: يشترط التكليف لوجوب الكفارة فلا تجب على الصبي ولا على المجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهم، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (رفع القلم عن ثلاثة)، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: (المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ). ولأن الكفارة شرعت لمحو الذنب، وغير المكلف لا ذنب عليه.

    والرأي الثاني وهو قول أكثر أهل العلم: أن الكفارة تجب على الصبي والمجنون؛ لعموم الآية، ولأن الكفارة حق مالي فكما أن الزكاة تجب في أموالهم وكذلك أيضاً ما يتعلق بالنفقات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، والزكوات فكذلك أيضاً ما يتعلق بالكفارة تجب في أموالهم.

    والذي يظهر والله أعلم: أن ما ذهب إليه الحنفية هو الأقرب في هذه المسألة وأنه يشترط لوجوب الكفارة أن يكون مكلفاً، وعلى هذا إذا قتل الصبي أو المجنون فإنه لا كفارة في قتلهما؛ لأن القلم مرفوع عنهما، صحيح أن الواجبات المالية تجب عليهما من الزكوات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات وغير ذلك إلا أن الكفارة مركبة فليست مالاً محضاً، بل هي مركبة من المال والبدن، فهي مركبة من الإعتاق والصيام، فيظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الحنفية أقرب.

    الكفارة في قتل الجنين

    الشرط العاشر: هل يشترط أن يكون المقتول متحقق الحياة أو ليس شرطاً؟

    عند المالكية يشترط أن يكون المقتول متحقق الحياة، وعلى هذا لا تجب الكفارة في قتل الجنين، وهذا مذهب المالكية وكذلك أيضاً هو مذهب الحنفية؛ لأن الجنين حياته ليست متحققة، ويستدلون بحديث أبي هريرة في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الكفارة فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة مع أن هذه المرأة قتلت هذه المرأة وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة -دية الجنين- إلا أنه لم يقضِ بالكفارة.

    والرأي الثاني: رأي الحنابلة والشافعية وهذا أيضاً هو قول الظاهرية، قالوا: بأن الكفارة تجب في قتل الجنين؛ لعموم الآية؛ ولأن هذا وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    لكن من هو الجنين التي تجب الكفارة في قتله؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنه من تبين فيه خلق إنسان، بمعنى أنه إذا جني على المرأة فأسقطت وتبين فيه خلق إنسان وجبت الكفارة والدية بقتله كما سلف، أما الدية فتقدم لنا أقسام الجنين.

    الرأي الثاني: أن الجنين التي تجب الكفارة بقتله هو من نفخت فيه الروح، وعلى هذا إذا لم تنفخ الروح فيه فإنه لا تجب الكفارة بقتله، فلو أسقطت دماً مجتمعاً، أو مضغة لم يتبين فيها خلق إنسان، أو تبين فيها خلق الإنسان إلا أنه لم ينفخ فيها الروح فهنا لا تجب الكفارة؛ لأنه إذا لم تنفخ فيه الروح فليس هناك إزهاق للنفس، والكفارة إنما وجبت حرمة للنفس والمناط إنما هو في نفخ الروح، فإذا نفخت فيه الروح وجبت الكفارة بقتله، وإذا لم تنفخ فيه الروح فإن الكفارة لا تجب في قتله، وهذا القول هو أحسن الأقوال في هذه المسألة وهو رأي الظاهرية.

    الكفارة على الرقيق إذا قتل

    الرقيق إذا قتل كالحر تجب الكفارة عليه، لكن هل يكفر بالإعتاق؟ الرقيق يكفر بالصيام بالاتفاق؛ لأن الصيام عبادة بدنية محضة يتمكن منها الرقيق.

    أما بالنسبة للعتق: إذا لم يأذن له سيده فإنه لا مال له، وحينئذٍ لا يكفر بالعتق، لكن إن أذن له سيده في العتق، بمعنى أن سيده ملكه رقيقاً يعتقه، أو أنه أعتقه السيد عن رقيقه، فهل هذا مجزئ أو ليس مجزئاً؟

    بمعنى: هل يصح من الرقيق أن يعتق في الكفارة، أو نقول: بأنه لا يصح منه والواجب عليه هو الصيام لتمكنه من الصيام؟

    الرأي الأول: جمهور العلماء أن الرقيق لا يتمكن من الإعتاق؛ لأن الإعتاق يترتب عليه الولاء والميراث والولاية، وهذه الأشياء لا تمكن من الرقيق، فقالوا: بأن الرقيق لا يكفر إلا بالصيام، ولأن الرقيق لا يملك ولو ملك فإن ملكه ضعيف.

    الرأي الثاني: أنه يمكن أن يكفر الرقيق بالإعتاق، فإذا أذن له سيده في ذلك ومكنه من الرقبة التي يعتقها عن الكفارة فإن هذا مجزئ؛ لأن الأصل في ذلك -كما سلف لنا- هو تساوي الأحرار والأرقة في الأحكام البدنية المحضة، وهنا أذن له سيده في ذلك فما المحذور من ذلك؟

    وأما كون الرقيق لا يرث فلأن الرقيق إذا أعتق فإنه يترتب عليه الولاء للمعتق، وسيترتب عليه الميراث، ويترتب عليه الولاية ونحو ذلك، والرقيق لا يملك مثل هذه الأشياء، نقول: كونه تمتنع عليه بعض الأحكام فهذا لا يلزم منه امتناع كافة الأحكام.

    فيظهر -والله أعلم- أنه إذا أذن له سيده في الإعتاق وأعتق فإنه يجزئه ذلك عن الكفارة، وإن امتنعت بعض الأحكام، مثلاً: الميراث يشترط عدم المانع في الميراث.

    ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث

    رق وقتل واختلاف دين

    فكونه رقيق هنا لا يرث.

    والخلاصة في ذلك -والذي يظهر والله أعلم- أنه إذا أذن له سيده في ذلك ومكنه من الإعتاق فإنه يجزئه ذلك، وكونه يمتنع عليه بعض الأحكام لا يلزم من ذلك أن تكون جميع الأحكام ممتنعة عليه.

    1.   

    تعدد الكفارة

    الكفارة أيضاً تتعدد بتعدد القتل، فإذا قتل نفسين وجب عليه كفارتان، وإذا قتل ثلاث أنفس وجب عليه ثلاث كفارات، وعلى هذا فقس.

    1.   

    الإطعام في كفارة القتل

    كذلك أيضاً: كفارة القتل ليس فيها إطعام، وهذا ما ذهب إليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكر الإطعام.

    وفي رواية عن الإمام أحمد وهو قول للشافعي أنه إذا لم يستطع العتق والصيام فإنه ينتقل إلى الإطعام قياساً على كفارة الظهار.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى أن كفارة القتل لا إطعام فيها؛ لأن حرمة النفس أشد من حرمة وطء المظاهر فإنه إذا وطئ استقرت الكفارة عليه.

    فيظهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه جماهير العلماء أنه لا إطعام في كفارة القتل هو الصواب، ولأن الله سبحانه وتعالى ما ذكر ذلك، ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)) [مريم:64].

    1.   

    القسامة

    قال رحمه الله تعالى: (باب القسامة).

    تعريف القسامة

    القسامة طريق من طرق إثبات القتل إذا تعذر إثبات القتل بالطرق المعتادة، والقسامة كانت موجودة في الجاهلية، ولهذا جاء في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)، وقيل: إن أول قسامة هي قسامة أبي طالب في قتيل بني هاشم، وقيل: إن أول من قضى بها الوليد بن المغيرة.

    المهم أن القسامة طريق من طرق إثبات القتل، سواء كان القتل عمداً أو خطأً أو شبه عمد.

    والقسامة في اللغة: اسم من الإقسام، والقسم -بالتحريك- اليمين، والقسَام الجمال والحسن. يقال: فلان قسيم الوجه، أي: جميل كله.

    وأما في الاصطلاح فهي كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم).

    مشروعية القسامة

    والأصل في القسامة هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث أحد الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. وأيضاً يدل على ذلك حديث سهل بن أبي حتمة ، ورافع بن خديج في قصة قتل عبد الله بن سهل : ( أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر، فجاء محيصة إلى عبد الله وهو يتشحط بدمه، فذهب محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن لكي يتكلم، فقال: كبر كبر، فتكلما محيصة وحويصة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقسم منكم على رجل منهم خمسين يميناً، فقالوا: يا رسول الله! لم نحضر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فتبرؤكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: يا رسول الله! أيمان كفار. فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده).

    وسيأتينا إن شاء الله أن القسامة هي طريق من طرق إثبات القتل، وهذا الطريق لكي يتحقق ولكي يثبت به القتل، سواء كان قتل عمد أو قتل خطأ أو قتل شبه عمد.

    وجماهير العلماء على القول بالقسامة، ويتفق عليها الأئمة، وذهب بعض السلف إلى عدم شرعية القسامة، وممن قال بذلك سالم بن عبد الله ، وقتادة وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار وأبو قلابة ، كلهم لا يرون القول بالقسامة، وحجتهم على ذلك أن القسامة مخالفة للأصول من أوجه:

    الوجه الأول: أن الأصل أن البينة على المدعي، وأن اليمين على من أنكر. وفي القسامة الأيمان مشروعة في جانب المدعين، ويجاب عن ذلك بجوابين:

    الجواب الأول: أن القسامة أصل مستقل بنفسه، لا كسائر الدعاوى.

    والجواب الثاني ما ذكره ابن القيم رحمه الله: أن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين، وسيأتينا -إن شاء الله- شيء من ذلك في أبواب القضاء.

    والوجه الثاني قالوا: الأصل في الشريعة أنه لا يحكم إلا بدليل ثابت، فكيف يحكم بأيمان من لم يحضروا؟ لأن المدعين سيدعون وسيحلفون، يدعون أن هذا الرجل الذي قتل، وسيحلفون خمسين يميناً ويستحقون دمه إن كان القتل عمداً، أو الدية إن كان خطأً أو شبه عمد، فالأصل في الشريعة أنه لا يحكم إلا بدليل ثابت فكيف يحكم بأيمان من لا يحضروا؟

    والجواب عن هذا من وجهين:

    الوجه الأول: كما تقدم لنا أن القسامة سنة ثابتة.

    والجواب الثاني: أن اليمين هنا على غلبة الظن، واليمين على غلبة الظن جائزة في الشريعة، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فهو حلف على غلبة الظن وإلا هو ما تتبع بيوت المدينة.

    وكذلك أيضاً من أوجه مخالفتها للأصول، قالوا: بأن الأيمان لا تأثير لها في إثبات الدماء، يعني: اليمين لا تأثير لها في إثبات الدم، والقسامة تجعل لليمين أثراً في إثبات الدم، وتقدم الجواب عن هذا.

    1.   

    شروط القسامة

    القسامة يشترط لها شروط، الشرط الأول: أن تكون في قتل النفس، فلا قسامة في إتلاف الأطراف، أو المنافع، أو الكسور، أو الجراح.. إلخ، بل يشترط أن تكون القسامة في إتلاف الأنفس؛ لأن القسامة إنما وردت في القتل كما في حديث سهل ورافع بن خديج كما تقدم.

    قال: (من شرطها اللوث).

    هذا الشرط الثاني، لكن ما هو اللوث؟

    قال: (وهو العداوة الظاهرة، كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر).

    اشتراط اللوث هذا رأي جماهير أهل العلم خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    واللوث اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسيره على رأيين:

    الرأي الأول كما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى قال: (وهي العداوة الظاهرة)، فإذا وجد قتيل في محلة هذه القبيلة وبين أهل القتيل وأهل القبيلة عداوة فهذا هو اللوث، كما في قصة مقتل عبد الله بن سهل رضي الله تعالى عنه، لأن بين المسلمين وبين اليهود عداوة ظاهرة ووجد عبد الله مقتولاً في محلة اليهود، هنا يقسم أولياؤه على شخص أنه هو الذي قتله وحينئذٍ إذا كان القتل عمداً فإنهم يستحقون دمه، وإن كان خطأ أو شبه عمد فإنهم يستحقون الدية.

    الرأي الثاني: أن اللوث: هو كل ما يغلب على الظن صدق الدعوة به، وهذا مذهب المالكية، ومذهب الشافعية قريب من هذا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا أوسع.

    ومن صور اللوث: وجود العداوة، ومن صور اللوث -على هذا- أن يشهد بالقتل من لا تقبل شهادته فيه، مثل النساء، فإن جمهور العلماء أن النساء لا تقبل شهادتهن في القتل، فإذا شهدت النساء على أن هذا هو القاتل فإن هذا لوث يحلف أولياؤه خمسين يميناً ويستحقون دمه أو الدية.

    وأيضاً من صور اللوث: أن يشهد بذلك الصبيان، كأن يشهد الصبيان أن هذا هو القاتل.

    وأيضاً من صور اللوث: أن يوجد رجل معه سلاح وفيه دم .. إلخ بجنب شخص، فهذه قرينة على أنه هو الذي قتله ونحو ذلك.

    ومن صور اللوث اليوم: قرائن القتل، والاكتشافات الآن تطورت في اكتشاف القاتل، فإذا دلت هذه الاكتشافات عن طريق البصمات، وعن طريق أشياء كثيرة فهذه كلها تفيد بحيث أنه يغلب على الظن أن هذا الشخص هو القاتل فإن هذا يكون من صور اللوث التي يتمكن من خلالها أولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يميناً ويستحقون دم القاتل أو يستحقون الدية.

    فتلخص لنا في اللوث أن الصواب فيه: أنه كل ما يغلب على الظن صدق الدعوى به، ويدخل في ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من العداوة الظاهرة.

    قال: (فمن ادعي عليه القتل من غير لوث حلف يميناً وبرئ).

    إذا ادعي أن زيداً هو الذي قتل عمراً فإن كان هناك لوث فلأوليائه -كما تقدم- أن يحلفوا خمسين يميناً.

    وإذا لم يكن هناك لوث فإن المدعى عليه لا يخلو من أمرين: إما أن يحلف، أو لا يحلف، فإن حلف أن ما هناك لوث فإنه يبرأ.

    الحالة الثانية: أن ينكل عن اليمين ولا يحلف، فإن كانت الدعوى بقتل الخطأ أو شبه العمد فإنه يقضى عليه بالنكول كسائر الدعوات؛ لأنه يقضى عليه بالمال، لأن الدعوى هنا دعوى مال، كما لو ادعى عليه ثمن مبيع، أو ادعى عليه قرضاً .. إلخ فنكل عن اليمين -لأن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والمدعي ليس له بينة، نقول: اليمين على من أنكر- فإذا لم يحلف فإنه يقضى عليه بالنكول وتجب عليه الدية إذا كانت الدعوى عليه بقتل الخطأ أو شبه العمد؛ لأن هذه دعوى بمال.

    أما إذا كانت الدعوى بقتل العمد، فالمشهور من المذهب أنه يخلى سبيله إذا لم يكن هناك لوث، ومن باب أولى ليس هناك بينة؛ لأن الدعوى ليست بمال، والحلف يكون على الأموال، فإن كانت بقتل الخطأ أو شبه العمد فلا بد أن يحلف؛ لأنه إن حلف برئ، وإن لم يحلف قضينا عليه بالدية.

    وإن كانت الدعوى بقتل العمد فالمشهور من المذهب أنه يخلى سبيله.

    والرأي الثاني: أنه لا يخلى سبيله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، بل يلزم - حتى لو كانت الدعوى بقتل العمد- بالحلف، فإن لم يحلف فإنه يقضى عليه بالدية، وهذا لعله أقرب.

    فتلخص لنا أنه إذا لم يكن هناك لوث فلا يخلو ذلك من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون الدعوى بقتل الخطأ وشبه العمد، نقول: يلزم المدعى عليه باليمين، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف قضي عليه بالنكول ولزمته الدية.

    الأمر الثاني: أن تكون الدعوى بقتل العمد، فالمذهب أنه إذا لم يحلف يخلى سبيله.. وإن حلف فالأمر ظاهر.

    والرأي الثاني: رواية ثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه يلزم باليمين، فإن لم يحلف فإنه يقضى عليه بالنكول ولا نقضي عليه بالقود.

    هذان شرطان من شروط العمل بالقسامة.

    الشرط الثالث: أن يكون المدعى عليه القتل مكلفاً، وعلى هذا إذا كانت الدعوى على مجنون أو على صبي .. إلخ فإنه لا يعمل بالقسامة ولا تصح، بل لا بد أن يكون المدعى عليه بالقتل مكلفاً.

    الشرط الرابع: أن يكون القتيل آدمياً، فإن كانت الدعوى بقتل بهيمة ونحو ذلك فإنه لا قسامة.

    الشرط الخامس: دعوى القتل من أولياء المقتول؛ لأن حق الآدمي لا يثبت بدون دعوى.

    الشرط السادس: أن لا يكون هناك بينة أو اعتراف، فإن كان هناك بينة على أن هذا هو الذي قتل، أو أن القاتل اعترف فإنه لا حاجة حينئذٍ إلى القسامة.

    الشرط السابع: وصف القتل في الدعوى، كأن يقول: قتله بسلاح كذا، ونحو ذلك.

    الشرط الثامن: طلب جميع ورثة الدم، فإن طلب بعضهم ولم يطلب البعض الآخر فإنه لا قسامة.

    الشرط التاسع: أن يتفق جميع الورثة على دعوى القتل ويطلب جميع ورثة الدم.

    الشرط العاشر: أن تكون الدعوى على معين، يعني: أن يكون المتهم في القتل معيناً، فلا يقولون: قتله واحد من هؤلاء، بل لا بد أن يعين القاتل، ويقال: الذي قتله هو فلان ابن فلان.

    الشرط الحادي عشر: أن يكون في ورثة الدم ذكور مكلفون، وعلى هذا إذا كان الورثة نساءً أو صغاراً أو مجانين أو نحو ذلك فإنه لا قسامة، بل لا بد أن يكون فيهم ذكور مكلفون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقسم خمسون رجلاً منكم).

    الشرط الثاني عشر: أن تكون الدعوى على واحد لا على أكثر من واحد.

    1.   

    كيفية القسامة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يميناً فإن نكل الورثة أو كانوا نساءً حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ).

    إذا توفرت الشروط السابقة نقول: يبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم، فيحلف الرجال وأما النساء فإنهن لا يحلفن؛ لأنهن لا مدخل لهن في القسامة، كما أن غير المكلفين لا مدخل لهم في القسامة وإنما يحلف الذكور المكلفون، فيحلفون خمسين يميناً، وإن كانوا خمسين كل يحلف يميناً، وإن كانوا خمسة وعشرين رجلاً حلف كل واحد يمينين، وإذا كان هناك كسر فإن الكسر يجبر، إذا كانوا ثلاثة فسيكون هناك كسر فيحلف كل واحد سبعة عشر يميناً جبراً للكسر، فيحلفون خمسين يميناً، (فإن نكل الورثة، أو كانوا نساءً)، أو كانوا غير مكلفين، يعني لم يكن هناك إلا نساء، أو لم يكن هناك إلا صغار أو مجانين أو نكلوا عن اليمين.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ).

    فإذا نكل الورثة عن اليمين، أو لم يكن فيهم رجال، أو كانوا صغاراً، أو كانوا مجانين، وكان اللوث موجوداً والدعوى موجودة فيحلف المدعى عليه خمسين يميناً ويبرأ، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تبرؤكم يهود بخمسين يميناً).

    قال: (يحلف المدعى عليه خمسين يميناً ويبرأ).

    إذا رفض المدعي يمين المدعى عليه -كما في قصة قتل عبد الله بن سهل رضي الله تعالى عنه، فإن أولياء عبد الله بن سهل لم يرضوا بأيمان الكفار- فالمشهور من المذهب إذا نكل الورثة عن الحلف، أن توجه إلى المدعى عليه فيحلف خمسين يميناً ويبرأ.

    والمدعي لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يرضى بيمين المدعى عليه، فإن رضي بيمين المدعى عليه وحلف المدعى عليه فإنه يبرأ.

    الحالة الثانية: أن لا يرضى بيمين المدعى عليه -كما في قصة عبد الله بن سهل رضي الله تعالى عنه، فإن أولياءه لم يرضوا بأيمان اليهود- فالمشهور من المذهب أن الإمام يفديه من بيت المال بدليل قصة عبد الله بن سهل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فداه من عنده بمائة بعير.

    وإن نكل المدعى عليه عن اليمين ولم يحلف فالمشهور عند المالكية أنه يحبس حتى يحلف أو يموت في السجن، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه أنه لا يحبس، وعند الشافعية يقولون: بأن الأيمان ترد على المدعين، فإذا لم يحلفوا لا شيء لهم.