إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الوصايا [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوصية تنقسم إلى وصية بمال أو بتصرف أو وصية الضرورة، وتبطل وصية الأمر بالتصرف إن كانت في أمر لا يملكه الموصي، ولا تبطل إن ظهر دين على الميت بعد توزيع التركة، ولا ضمان، وله تغييرها إلى الأفضل فقط على خلاف، وأما وصية الضرورة ففي من يتولى مال ميت لا وصي له و

    1.   

    الوصية بالتصرف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دينه وتفرقة ثلثه، والنظر لصغاره، ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك، ومن وصي في شيء لم يصر وصياً في غيره، وإن ظهر على الميت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي لم يضمن، وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده، ومن مات بمكان لا حاكم به، ولا وصي جاز لبعض من حضره من المسلمين تولي تركته، وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره].

    الموصى إليه: هو الذي يتصرف بالمال، ويشترط فيه: التكليف والعدالة والرشد.

    وقلنا: إن الدخول في الوصية يستحب، لكن يحرم إذا كان يعلم من نفسه أنه ليس له قوة عليها وأنه سيضيعها.. إلى آخره.

    قال رحمه الله تعالى: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلومٍ يملكه الموصي كقضاء دينه).

    تقدم أن الوصية تشمل أمرين:

    الأمر الأول: التبرع بالمال.

    الأمر الثاني: الأمر بالتصرف.

    وإذا كانت من الأمر الثاني: وهو الأمر بالتصرف فيشترط في هذا الأمر الذي وصى الموصي بالتصرف فيه شرطان:

    الشرط الأول: أن يكون معلوماً لا مجهولاً، فلا يصح أن يقول: وصيتك في بيع، أو وصيتك في نظر، أو وصيتك في إعطاء شخص.

    الأمر الثاني: لابد أن يملكه الموصي، فإن كان لا يملكه فلا تصح الوصية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومثل المؤلف رحمه الله فقال: (كقضاء دينه)، فلو وصى أن يقضي الدين الذي عليه من التركة صح؛ لأن الديون مقدمة على الوصية التي هي تبرع، ويجب قضاؤها -كما سبق لنا- سواء وصى بها، أو لم يوص، فإذا قال: اقض الدين الذي عليّ لزيد، أو لمن يأتي بوثيقة، أو للديون الثابتة عليه ونحو ذلك، فنقول: هذا صحيح، ومثله أيضاً رد الودائع إذا كان عنده ودائع للناس، فقال: اقضها أو ردها، أو عنده سرقات أخذها، فقال: ردها على أهلها، فهذا كله معلوم، ويملكه الموصي، ومثل ذلك أيضاً لو قال: تقوم بتغسيلي إذا أنا مت، أو بتكفيني ونحو ذلك، فنقول: هذا كله صحيح يملكه الموصي وهو تصرف معلوم.

    قال رحمه الله: (وتفرقة ثلثه) أي: إذا وصى بأن يُفرق ثلثه على المساكين، أو على طلاب العلم.. إلخ، فوصية صحيحة.

    قال رحمه الله: (والنظر لصغاره)، يعني: وصى أن يقوم على القُصر من أولاده إما لعدم العقل، وإما لعدم البلوغ فيهم: غير المكلفين، فوصى أن يقوم عليهم، وأن يحفظ أموالهم، وأن ينمي أموالهم وأن يتصرف في أموالهم لما فيه حظ لهم فهذا كله صحيح.

    ما يبطل الوصية بالتصرف

    قال رحمه الله: (ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر).

    فلو أن المرأة وصت، فقالت: يقوم على أولادي القُصر زيد من الناس، فلا يصح؛ لأن المرأة لا تملك -على المذهب- النظر على أولادها القُصر، ولا تملك النظر على المجانين، فإذا كانت هي لا تملكه فنائبها من باب أولى أنه لا يملكه، وهذا هو المذهب، وتقدم أن ولاية المال على المذهب تكون للأب، ثم لوصيه، ثم الحاكم؛ وعلى هذا لو وصت الأم أن الذي يقوم على أولادها زيد من الناس.. إلى آخره، فلا يصح ذلك.

    الرأي الثاني في المسألة: وهو أن الأم لها ولاية على أولادها، وأن كل من يتولى شئونهم يتولى أموالهم؛ وعليه فيصح أن توصي بهم.

    قال رحمه الله: (ونحو ذلك).

    يعني: مثل هذه الوصية التي لا يملك أن يوصي بها ولا تصح: لو وصى الأب بالنظر على ولده المكلف، فلا يصح؛ لأنه لما كُلف فله أن ينفرد بنفسه، فهو الذي ينظر لنفسه، فلا ينظر غيره له.

    ومن الأمثلة على ذلك أيضاً ما سيأتينا في كتاب النكاح: لو وصى الأب زيداً من الناس أن يزوج بناته، فقال: إذا مت فيتولى التزويج زيد من الناس، فهل تستفاد ولاية النكاح بالوصاية، أو لا تستفاد؟ هذا سيأتينا إن شاء الله، وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك والصواب: أن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصاية، وعلى هذا نقول: هذا تصرف لا يملكه الموصي، وحينئذ تكون ولاية التزويج لمن جعله الشارع، والشارع جعلها كما سيأتينا للأصول والفروع والحواشي.. إلى آخره.

    قال رحمه الله: (ومن وصي في شيء لم يصر وصياً في غيره)، أي: إذا وصي في شيء فإنه لا يكون وصياً في غيره، والعلة أنه استفاد التصرف بالإذن فلا يملك التصرف في غيره، فيكون مقصوراً على ما أذن التصرف له فيه كالوكيل، ومثال ذلك: قال: يغسلني زيد من الناس، فزيد الآن ملك التغسيل؛ ولكن هل يملك أن ينظر على صغاره؟ نقول: لا يملك، وهل يملك أن يفرق ثلثه، أو أن يقوم على ثلثه؟ نقول: لا يملك ذلك.

    ضمان الوصي إن ظهر دين على الموصي بعد تفريق تركته

    قال رحمه الله: (وإن ظهر على الميت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي لم يضمن).

    إذا ظهر على الميت دين بعد أن فرق الوصي الثلث الموصى إليه بتفرقته، وظهر عليه دين، فهل يضمن الموصي، أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يضمن، ومثال ذلك: هذا رجل أوصى لزيد من الناس أن يقوم على ثلثه بأن يفرقه على طلاب العلم، فقام وفرق الثلث على طلاب العلم، واقتسم الورثة الباقي، ثم بعد ذلك ظهر عليه دين، فجاء شخص معه وثيقة، وأنه يريد من الميت كذا وكذا من المال، فلا يضمن الموصي والقاعدة في ذلك: أن الموصي إذا تحرى واجتهد ولم يظهر منه تفريط فلا ضمان عليه، لكن يرجع على الورثة؛ لأن الدين مقدم على الوصية ومقدم على الورثة، فهو سيدخل النقص الآن على صاحب الثلث، ويدخل أيضاً على الورثة.

    مثال ذلك: رجل عنده ثلاثمائة ألف ووصى بمائة ألف للفقراء، فيبقى للورثة مئتان ثم بعد أن أعطى الموصى إليه الفقراء المائة جاء رجل وادعى ديناً، وعنده بينة على هذا الدين، ولنفرض أنه مائة، فسينقص الثلث الآن إلى سبعة وستين ألفاً تقريباً، فصاحب الثلث سيضمن ثلاثة وثلاثين، وأيضاً الورثة سيأخذون مائة وثلاثة وثلاثين، وهذه الثلاثة والثلاثون التي وزعها الموصي على الفقراء والمحتاجين لا يضمنها ما دام أنه اجتهد؛ لأنه معذور بعدم علمه.

    فإذا قال الميت للوصي: اقض ديوني، والباقي يكون للورثة فجاء أناس وادعوا ديوناً على الميت، فهل يجوز له أن يعطيهم، أم لابد من البينات؟ هذا موضع خلاف:

    الرأي الأول، وإليه ذهب كثير من أهل العلم: أن من ادعى ديناً فإنه لا يعطى، ولابد من البينة، ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال رجال ودماءهم؛ ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر )، فإن لم يكن بينة، فإنه لا يستحق شيئا وهو الذي فرط.

    الرأي الثاني وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يُنظر إلى القرائن، فإذا كان هذا الشخص ممن يعامل الناس وله مبايعات معهم، وهذه الدعوى مما يغلب على الظن صحتها.. إلى آخره، فله أن يعطي وله أن يبرئ ذمة الميت.

    والرأي الثالث رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن هذا يرجع إلى إذن الحاكم، فالأمر يُرفع إلى القاضي، فإن أذن صرف وإن لم يأذن لم يصرف؛ ولكن شيخ الإسلام يقول: يرُجع إلى القرائن؛ لأنه ربما يكون هذا الشخص له ديون عليه سابقة وسُددت، وربما يكون له معاملات كثيرة.. إلى آخره، فالمهم أن هذا راجع إلى اجتهاد الموصى إليه.

    أخذ الموصى إليه من الوصية إن فوض في توزيعها

    قال رحمه الله: (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده).

    هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون هناك عُرف، فنقول: يُرجع إلى أعراف الناس، وسبق أن ذكرنا قاعدة: أن ألفاظ الموقفين والمتبرعين والموصين يرجع فيها إلى مقاصدهم وأعرافهم.

    وعرف الناس عندنا اليوم إذا قال: وصيت بالثلث، خصوصاً إذا كان كثيراً مثل: ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً، من ذلك أن يكون هذا الثلث يشترى به عقار ويؤجر، ويصرف منه ما ذكره الموصي من أضحية، أو حجة، أو التبرع للأقارب، أو للمساكين، أو حفاظ القرآن وغير ذلك، فنقول: إذا كان هناك عرف فيرجع إلى العرف، وإذا لم يكن هناك عرف، فكما قال المؤلف: (ضع ثلثي حيث شئت)، فنقول: الأمر في هذا واسع؛ لكن يجب عليه أن يجتهد في الأصلح، فمثلاً: لو أن الثلث قليل مثلاً: ألف ريال أو خمسة آلاف ريال، ورأى أن الأصلح أن يوزعه على الفقراء والمساكين والناس بحاجة مثلاً، فكما قال المؤلف رحمه الله: (لم يحل له ولا لولده)، فلا يحل له أن يأخذ منه ولا ولده ولا سائر ورثته، يعني: أصوله فروعه، فمن يرثه كلهم لا يجوز له أن يعطيهم من هذا الثلث شيئاً، وهذا هو المشهور من المذهب، وعلة هذا الرأي أنه متهم في حقهم فليس له أن يأخذ.

    الرأي الثاني: وإليه ذهب الحنفية، وقال به أبو ثور : له أن يأخذ بإطلاق.

    الرأي الثالث: أن هذا راجع إلى القرائن، وهذا هو الأقرب، وهو ما ذهب إليه صاحب الشرح الكبير، فنقول: إن دلت القرائن على أنه ليس له أن يأخذ فلا يأخذ، ولنفرض مثلاً أنه قال: وصيت لك بألف ريال، والباقي توزعه على الفقراء وهو فقير، فهنا قرينة على أنه خصصه بشيء وأنه يكتفي بما أعطاه وبما وصى له؛ لكن لو قال أنا وصيتك بألف ريال.. إلى آخره، أو قال: بثلاثة آلاف ريال، وزعها لطلاب العلم وهو طالب علم، أو وزعها على الفقراء وهو فقير... إلى آخره، فنقول: هذا راجع إلى القرائن فإذا كان يُفهم من مقصوده ومراده أنه لا يأخذ فلا يأخذ، وإن كان يُفهم منه أنه يأخذ، فنقول: لا بأس أن يأخذ.

    تغيير الموصى إليه في الوصية

    ولكن هل يملك الموصى إليه أن يغير الوصية؟ لنفرض أنه قال: اصرف الوصية على الفقراء، فهل يملك أن يغيرها، وأن يصرفها على طلاب العلم، أو نقول: لا يملك؟

    جمهور العلماء على أنه لا يملك، وأنه يتقيد بما نص عليه الموصي.

    والرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن له أن يغير إلى ما هو أصلح، وهذا كما سبق ذكره في الوقف، وعلى هذا نقول: هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يغيره من فاضل إلى مفضول، فهذا لا يملكه.

    القسم الثاني: العكس، بأن يغيره من مفضول إلى فاضل أو من صالح إلى ما هو أصلح، فهذا -كما تقدم- فيه الخلاف، والأقرب في ذلك: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لما تقدم من الأدلة التي سبقت في تغيير الوقف مثل حديث: عائشة رضي الله تعالى عنها وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم )، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يهدم الكعبة وأن يغيرها.. إلى آخره، وأيضاً قصة الرجل الذي نذر إن فتح الله عز وجل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيت المقدس... إلى آخره، فنقله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يوفي بنذره في حرم مكة.

    القسم الثالث: من مساوٍ إلى مساوٍ، وهذا محرم ولا يجوز.

    1.   

    وصية الضرورة

    قال رحمه الله: (ومن مات بمكان لا حاكم به، ولا وصي جاز لبعض من حضره من المسلمين تولي تركته، وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره).

    هذه يسميها العلماء رحمهم الله: وصية الضرورة، يعني: إذا مات شخص في مكان لا حاكم فيه، أي: لا قاضي وما وصى لأحد فيجوز لبعض من حضره من المسلمين أن يتولى تركته، وأن يعمل الأصلح فيها، والدليل على هذا قول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فنقول: يعمل فيها ما هو الأصلح، وإن لم يوص إليه؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( المسلم أخو المسلم )؛ ولأن ترك تركته هكذا عرضة للضياع والفساد.. إلى آخره، والنبي عليه الصلاة والسلام ( نهى عن إضاعة المال ).

    وقول المؤلف رحمه الله: (وعمل الأصلح) ينبني على قاعدة مسبقة وهي: أن من تصرف لغيره فإن تصرفه تصرف مصلحة، ومن تصرف لنفسه فإن تصرفه تصرف تشهي.

    ولو أنفق عليه أو احتاجت إلى حمل، ولنفرض أنها ذو حياة تحتاج إلى إنفاق، وتحتاج إلى حفظ، فهل يرجع على التركة، أو نقول: لا يرجع؟ هذا كما سلف، نقول: إن نوى تبرعاً فلا يرجع، وإن نوى رجوعاً، فإنه يرجع، وإن لم ينو شيئاً فهذا موضع خلاف، والصواب أنه يرجع.