إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الوقف [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهبة ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع والنظر، ولا تصح في الشيء المجهول أو المعدوم أو المطلق، وتثبت بصيغة الإيجاب والقبول، والسنة قبولها وعدم ردها، ولا يجوز أن يعود فيها إلا الوالد، وتنفذ الهبة في إبراء ذمة المدين من الدين ولو لم يقبل، ويجب العدل بين الأبن

    1.   

    تغيير شرط الواقف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الهبة والعطية: وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره، فإن شرط فيها عوضاً معلوماً فبيع، ولا يصح مجهولاً إلا ما تعذر علمه، وتنعقد بالإيجاب والقبول والمعاطاة الدالة عليها، وتلزم بالقبض بإذن واهب إلا ما كان في يد متهب، ووارث الواهب يقوم مقامه، ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها برئت ذمته ولو لم يقبل، ويجوز هبة كل عين تباع وكلب يقتنى.

    فصل: يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم، فإن فضل بعضهم سوى برجوع أو زيادة، فإن مات قبله ثبتت].

    تقدم لنا آخر مباحث الوقف، وذكرنا من ذلك: أن الوقف عقد لازم، وأنه لا يجوز فسخه بإقالة ولا غيرها، وهل يجوز الرجوع فيه بالشرط؟ وقد تكلمنا عن هذه المسألة، وكذلك إذا ظهر دين على الواقف، فهل له أن يرجع في وقفه، أو ليس له ذلك؟ وما يتعلق ببيع الوقف، متى يجوز ومتى لا يجوز؟ وكذلك ما يتعلق بما فضل على الوقف أو ما فضل عن ريع الوقف، تكلمنا عن هذه المسائل، وبقيت عندنا مسألة في الوقف، وهي ما يتعلق بتغيير شرط الواقف.

    تقدم أنه يجب العمل بشرط الواقف، وذكرنا دليل ذلك من قول الله عزّ وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] وإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة الذي علقه البخاري : ( المسلمون على شروطهم )، وحديث عقبة : ( إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج )، فالأصل هو العمل بشرط الواقف، وهذا واجب، ولا يجوز تغييره، لكن ما يتعلق بتغيير شرط الواقف، نقول بأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يغير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى، فهذا جائز ولا بأس به، أو الأصل أنه موضع خلاف، ولكن الصواب أنه جائز ولا بأس به، فإذا غيره من أدنى إلى أعلى، كما لو قال: هذا وقف على العباد في هذا المسجد، ثم صرفه إلى طلبة العلم، أو إلى من يحفظون القرآن، ونحو ذلك، فهنا الآن غير الشرط من أدنى إلى أعلى؛ لأنه لا شك أن طلب العلم عبادة، وزيادة على ذلك أن العلم نفعه متعد، بخلاف العبادة القاصرة كالصلاة، والاعتكاف والقراءة ونحو ذلك.

    فهنا نقول: يجوز أن يغيره، ودليل ذلك: ما تقدم من الأدلة الدالة على جواز تغيير الوقف للمصلحة، وذكرنا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لولا أن قومك حديث عهد بكفر، لهدمت الكعبة، وألزقتها بالأرض، وبنيتها على قواعد إبراهيم ) فهو أراد أن يغير للمصلحة، وحديث جابر أيضاً تقدم لنا في قصة الرجل الذي قال: (يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: صل ها هنا )، فنقله هنا من المفضول إلى الفاضل.

    القسم الثاني: أن يغير شرط الواقف من مساوٍ إلى مساوٍ له، فهذا لا يجوز؛ لأن الأصل هو العمل بشرط الواقف، فإذا غيره من مساوٍ إلى مساوٍ له، نقول: بأن هذا غير جائز، لماذا؟ لأن الأصل هو العمل بشرط الواقف، فمثلاً لو قال: هذا وقف على العباد في هذا المسجد فصرفه إلى العباد في المسجد الآخر، أو قال: هذا وقف على طلاب العلم في هذا المسجد، فصرفه على طلاب العلم في مسجد آخر، نقول بأن هذا غير جائز؛ لأن الأصل وجوب العمل بشرط الواقف.

    القسم الثالث: أن يغيره من أعلى إلى أدنى، وهذا لا خلاف في أنه لا يجوز، فلو قال: هذا وقف على طلاب العلم، فصرفه إلى العباد أو قال: هذا وقف على فقراء الأقارب فصرفه إلى فقراء الأجانب، نقول بأن هذا لا يجوز.

    1.   

    الهبة والعطية

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الهبة والعطية).

    تعريف الهبة لغة واصطلاحاً

    الهبة في اللغة: مأخوذة من هبوب الريح، أي مرور الريح؛ لأنها مرت من يد الواهب إلى يد الموهوب.

    وأما في الاصطلاح فعرفها المؤلف رحمه الله، فقال: (التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره).

    هكذا عرفه المؤلف رحمه الله، وهذا التعريف فيه نظر؛ لأنه ينبني على مسائل، كما سيأتينا إن شاء الله، فقوله: (المعلوم، الموجود) إلى آخره هذا فيه نظر.

    والتعريف الثاني: تعريف الحنفية وقريباً منه تعريف المالكية: أن الهبة هي تمليك مالٍ بلا عوض أما عند الشافعية فكلامهم قريب من هذا، فهي تمليك مال بلا عوض في حال الحياة، والأقرب أن يقال في تعريف الهبة: بأنها تمليك ما ينتفع به حال الحياة بلا عوض، وهذا أقرب شيء في تعريف الهبة.

    وقوله: (العطية)، العطية نوع من الهبة، لكن العلماء رحمهم الله يقصدون بالعطية هنا الهبة في مرض الموت، فالعطية يقصد بها عند فقهاء الحنابلة: أنها الهبة في مرض الموت، وإلا فإن العطية نوع من الهبة.

    والأصل في الهبة القرآن، والسنة والإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [الأحزاب:50].

    وأيضاً قال الله عزّ وجل: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4].

    وأما السنة فسيأتينا إن شاء الله كثير من الأحاديث، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، ويثيب عليها).

    والإجماع قائم عليها في الجملة، والنظر الصحيح يقتضي ذلك لما في الهبة من مصالح كثيرة، منها التعبد لله عزّ وجل بهذه الهبة، أو في هذه العبادة، ومنها أيضاً سل سخائم القلوب، وإيجاد الألفة والمحبة بين المتهادين، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ما يحصل فيها من صلة المهدى إليه، فيكون فيها بر الوالدين وصلة الرحم، وإكرام الجار، وإكرام الصديق وغير ذلك من مصالحها الكثيرة.

    ضوابط الهبة

    وقوله: (التبرع بتمليك ماله المعلوم، الموجود في حياته غيره)، التبرع: ويشترط أن يكون هذا التبرع من جائز التصرف، وقد تقدمت لنا صفات جائز التصرف، وتكلمنا أيضاً عن تبرعات عقود الصبي، وتكلمنا على هذه المسألة، ومسألة السفيه، والرقيق، فلا حاجة إلى إعادة مثل هذه الأشياء.

    وقوله: (تمليك) يخرج العارية، فإن العارية إباحة النفع، وليس فيها تمليك النفع، كما تقدم.

    وقوله أيضاً: (التبرع)، يخرج عقود المعاوضات كالبيع والإجارة ونحو ذلك.

    وقوله: (ماله) يُخرج غير المال من المختصات مثل الكلب، والنجاسة وغيره، لكن هبة الكلب، وهبة النجاسة، وهبة ما ينتفع به من المختصات من الكلاب والنجاسات وغيره، هذه جائزة ولا بأس بها، والحنابلة ينصون على ذلك فيقولون: يصح هبة الكلب الذي يقتنى، وكذلك هبة النجاسة التي ينتفع بها، كما سيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

    قوله: (المعلوم) يخرج به المجهول، وعلى هذا لا يصح أن يهب شيئاً مجهولاً، فلو قال مثلاً: وهبتك ما في جيبي من الدراهم، فعلى كلام المؤلف رحمه الله أن هذا لا يصح، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، ومذهب الشافعية رحمهم الله، وسيأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف رحمه الله قوله: (ولا يصح مجهولاً)، فالمذهب، ومذهب الشافعية والحنفية أنه لا يصح، ودليلهم على ذلك إلحاق الهبة بالبيع، فكما أن بيع المجهول لا يصح، فكذلك أيضاً هبة المجهول يرون أنها لا تصح.

    والرأي الثاني: أنه تصح هبة المجهول، وهذا قول المالكية؛ لأن:

    أولاً: الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن: ( نصيبي من المغنم لكم )، ونصيبه مجهول عليه الصلاة والسلام.

    ثانياً: أن الأصل في الهبة أنها فعل خير وقربة، فلا يمنع من ذلك إلا بدليل، وأما إلحاق الهبة بالبيع، فهذا لا يصح فهناك فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات.

    فعقود المعاوضات نشترط فيها الكسب والضبط والتحرير؛ لأن كلاً من المتعاقدين يقصد الكسب والتجارة، فنشترط الضبط والتحرير، لئلا تقع المنازعات.

    أما في عقود التبرعات فلا نشترط ذلك، لماذا؟ لأنها إرفاق وإحسان، فالواهب المتبرع أخرج المال، والموهوب له يدخل في هذه المعاملة، وهو إما غانم، أو سالم، بخلاف عقود المعاوضات، فهو إذا كان المعقود عليه مجهولاً، فإنه يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم.

    فالصواب في هذه: أنه لا يشدد في عقود التبرعات، والفقهاء تارة يوسعون فيها، وتارة يضيقون، كما سيأتينا، وأوسع عقود التبرعات هو عقد الوصية، كما سيأتينا إن شاء الله.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الموجود)، يخرج المعدوم، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، هل يصح أن يهب معدوماً أو لا؟ فمثلاً لو قال: وهبتك ما تحمل شاتي، أو وهبتك ما تحمل أشجاري من الثمار، فهذه معدومة، فهل يصح أو لا يصح؟ على رأي المؤلف: أنه لا يصح.

    والرأي الثاني: أن هذا صحيح، ولا بأس به، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    قوله: (في حياته)، يخرج الوصية، فالوصية تبرع بالمال بعد الموت في حياته لغيره.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن شرط فيها عوضاً معلوماً فبيع).

    أي تثبت لها أحكام البيع، مثلاً لو قال: وهبتك الكتاب بشرط أن تعطيني عشرة ريالات، أو وهبتك السيارة بشرط أن تعطيني سيارتك، ماذا يقولون هنا؟ يقولون: حكمه حكم البيع؛ لأن حقيقة البيع هنا موجودة، فالبيع ما هو؟ هو مبادلة مال بمال، وهنا مبادلة مال بمال، هذا هو المشهور من المذهب، وعلى هذا يترتب على ذلك أنه تثبت فيها أحكام البيع، أي: يثبت فيها خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب وسائر أحكام البيع.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية يقولون بأنها هبة ابتداءً، بيع انتهاءً، أي: في الابتداء هي هبة، وفي الانتهاء هي بيع.

    والرأي الثالث: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يغلب فيها حكم الهبة، وهذا نصره الحارثي .

    الهبة المجهولة

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يصح مجهولاً إلا ما تعذر علمه).

    قوله: (لا يصح مجهولاً)، أي: لا تصح الهبة المجهولة، وتكلمنا عن هذه المسألة، وذكرنا رأيين لأهل العلم رحمهم الله، وذكرنا الصواب في هذه المسألة، أنه تصح هبة المجهول، والمؤلف رحمه الله استثنى (إلا ما تعذر علمه) كما لو اختلط مال شخصين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما نصيبه لرفيقه، فيقولون: بأن هذا جائز، ولا بأس به.

    والصواب في هذه المسألة: كما تقدم لنا، أنه تصح هبة المجهول، سواء تعذر علمه، أو لم يتعذر علمه، ومثل ذلك أيضاً: غير المقدور عليه، هل تصح هبته أو لا تصح؟ مثلاً لو سرقت سيارته، فقال: إن وجدتها فهي لك، أو الأرض المغصوبة أو الآبق، أو الشارد ونحو ذلك، فجمهور أهل العلم كما سلف أنه لا يصح.

    والرأي الثاني: رأي المالكية أنه يصح، وهذا القول هو الصواب كما تقدم.

    صيغة الهبة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتنعقد بالإيجاب، والقبول، والمعاطاة الدالة عليها).

    يقول المؤلف رحمه الله: بماذا تنعقد الهبة؟ وما هي صيغتها؟ قال صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية.

    فالصيغة القولية: مكونة من الإيجاب والقبول، وهذه تقدم الكلام عليها، وعرفنا القبول، وعرفنا الإيجاب، وذكرنا شروط الصيغة في أول البيع.

    والصيغة الفعلية: هي المعاطاة الدالة على الهبة، وتقدم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: وينعقد البيع والهبة بكل ما دل علية العرف، من قول أو فعل متعاقب أو متراخٍ، فالمرجع في ذلك إلى العرف، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي، ويهدى إليه، ويقبل الهدية، ويفرق الصدقات، ويأمر صحابته بذلك، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب ولا قبول.

    الهبة المطلقة

    قال رحمه الله: (وتلزم بالقبض بإذن واهب).

    الهبة المطلقة، هل تقتضي العوض أم لا؟ أي: لو أن شخصًا وهب شخصًا كتاباً، هل يقتضي ذلك أن يعاوضه، أو نقول: بأن الهبة المطلقة لا يقتضي لها حق العوض؟ نقول: الهبة المطلقة لا تقبل العوض، إلا إذا قامت القرينة على ذلك.

    فإذا قامت القرينة على أنه إنما وهبك لكي تهبه، فنقول: هنا تقتضي العوض، فمثلاً وهب لهذا الكبير، وهو يطمع أن يعطيه أكثر من هبته، فنقول: بأن هذا حكمه أنها تقتضي العوض.

    قبول الهدية وردها

    والسنة قبول الهبة، فليس من السنة أن ترد الهبة، بل السنة أن تقبلها، والسنة أيضاً أنك تثيب على الهبة، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، ويثيب عليها)، ورد الهبة خلاف السنة وهو مكروه، إلا إذا كانت هذه الهبة وقعت موقع المحظور الشرعي، كما لو كانت رشوة ونحو ذلك، فهنا نقول: لا يجوز له أن يقبل هذه الهبة.

    لزوم الهبة بالقبض

    قوله: (وتلزم بالقبض بإذن واهب) معلوم أن الهبة تصح بالعقد، لكن هل تلزم بالعقد، أو أنها لا تلزم إلا بالقبض؟ أي: هل هي لازمة بمجرد العقد، أو أنها لا تلزم إلا بالقبض؟

    يعني صورة المسألة: زيد قال لعمرو: وهبتك كتاباً، فالموهوب له عمرو لم يقبض الكتاب، فعلى رأي المؤلف رحمه الله، وقول أكثر أهل العلم أن الهبة ليست لازمة، وللواهب أن يرجع.

    فالعقد صحيح، لكنها لا تلزم إلا بالقبض، فيقولون: له أن يرجع، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، أنها لا تلزم إلا بالقبض.

    ودليلهم على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقيء) أي: يخرج القيء، ثم يعود فيه، فدل ذلك على أنه إذا أخرج الهبة إلى الموهوب له، ثم رجع فيها هنا المحظور، مثل الذي يقيء أي: يخرجه، ثم يعود في القيء.

    وكذلك أيضاً يستدلون على هذا بحديث عبد الله بن الشخير في صحيح مسلم ( أن ابن آدم يقول: مالي، مالي وهل لك من مالك، أو ليس لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، المهم الشاهد هنا قوله: (تصدقت فأمضيت)، وأيضاً قالوا: بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه نحل عائشة رضي الله تعالى عنها جذاذ عشرين وسقاً من نخله بالعالية، ثم رجع لأنها لم تقبضه، قال أبو بكر : لو كنتِ حزتيه لكان لكِ، إنما اليوم مال وارث.

    والرأي الثاني: أن الهبة تلزم بالعقد، وهذا رأي الظاهرية، لقول الله عزّ وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العائد في هبته... )، وهذا عائد في هبته، وأما قوله: ( كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )، فهذا لا يدل على أنه يحرم الرجوع عند الإقباض، بل إنه إذا رجع بعد القبض فهذا أشد حرمةً، كمن يقيء ثم يعود في قيئه، وذكر بعض أفراد العام لحكم يوافق العام فنأخذ التخصيص، وأما بالنسبة لـعائشة رضي الله تعالى عنها، وقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لها: لو كنتِ حزتيه أي: قبضتيه لكان لكِ إنما هو اليوم مال وارث، نقول: أولاً: أبو بكر هو أب، والأب له أن يرجع، أي: أن الأب له أن يرجع في هبته، كما سيأتينا إن شاء الله.

    فالهبة يحرم الرجوع فيها إلا الوارث، فالأب له أن يرجع؛ لأن الأب بالنسبة للمال يختلف أمره عن غيره في كثير من الأحكام، فـأبو بكر رضي الله تعالى عنه هو أبو عائشة ، ورجع؛ لأنه يملك الرجوع، وقوله: (لو كنتِ حزتيه أي: قبضتيه) فهذا يعني أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أراد أن يبين أن عائشة رضي الله تعالى عنها لو قبضت المال فإنه سيتركه، أما الآن فرجع؛ لأنه أصبح الآن مال وارث، فالذي يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الظاهرية أقرب والله أعلم.

    إذن الواهب في قبض الهبة

    وقوله: (تلزم بالقبض بإذن واهب) أي: لابد من إذن الواهب، فلو قال: وهبتك الكتاب، ثم ذهب الموهوب له وقبضه، هل هذا قبض معتبر أو ليس معتبرًا؟ يقولون: إنه ليس قبضاً معتبرًا؛ لأنه لابد أن يأذن لك الواهب، فيقول وهبتك الكتاب فاقبض الكتاب، ووهبتك السيارة فاقبض السيارة، أما لو قبض دون أن يؤذن له، فلا يصح.

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا ما كان في يد متهبٍ).

    يقول المؤلف رحمه الله: ما كان في يد المتهب، فكونه في يده، فإنه يقوم مقام القبض، فمثلاً لو كان الكتاب في يد عمرو وقال له زيد: وهبتك الكتاب الذي في يدك، فهل يكفي ذلك؟ وهل يستتبع القبض السابق؟ قال: (إلا ما كان في يد متهب).

    بناءً على المذهب، وأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، قال المؤلف رحمه الله: (ووارث الواهب يقوم مقامه).

    وارث الواهب يقوم مقام الواهب في الإقباض، أو عدم الإقباض، فلو فرض أن الواهب مات قبل القبض، وقال: وهبتك الكتاب لكنه لم يعطه الكتاب، فورثته يقومون مقامه، إما أن ينفذوا ويمضوا، وإما أن يرجعوا.

    نفاذ الهبة في إبراء ذمة المدين ولو لم يقبل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال، أو الصدقة، أو الهبة، ونحوها، برأت ذمته، ولو لم يقبل).

    هذه المسألة تكثر، فلو قال: الدين الذي في ذمتك لي، أحللتك، أو وهبتك إياه، أو أسقطه، أو عفوت، وغير ذلك، فهل تبرأ ذمة المدين، أم لا تبرأ؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: تبرأ ولو لم يقبل فلو قال: لا أنا سأعطيك دينك، مع ذلك نقول بأن ذمته برأت الآن ولو أعطى له دراهم فماذا تكون الدراهم هنا؟ تكون هبة مبتدأة، يقول المؤلف: إنه بمجرد أن يقول: وهبتك، أو أسقطت عنك، أو عفوت ونحو ذلك، تبرأ ذمته ولو رفض، لماذا تبرأ الذمة؟ قالوا: لأن هذا إسقاط، ولا يحتاج إلى قبول؛ ولأن الشارع يتشوف إلى إبراء الذمم، فلو لم يقبل تبرأ الذمة.

    الرأي الثاني: فيه تفصيل: فإن كان المدين تلحقه بهذا الإبراء مضرة، فلابد من القبول، أما إذا لم تلحقه مضرة، فنقول: لا حاجة إلى القبول، فلو كان المبرئ منه مجهولاً؟ هل يصح؟ يقول المؤلف رحمه الله: حتى ولو كان المبرأ منه مجهولاً، وهذا مما يدل لصحة ما ذهب إليه الإمام مالك وشيخ الإسلام ، أي: لو كان له دين، ولا ندري كم الدين، هذا بسبب ضياع الوثيقة، ربما أنه يساوي ألفاً أو ألفين، فلو قال: أبرأتك من الدين، فهل يبرأ أم لا يبرأ؟ نقول: يبرأ ولو كان مجهولاً، مع أنهم يقولون: لا تصح هبة المجهول، لكن هنا في الإبراء يقولون: يصح، لكن لو أن المدين كتم الدين ولم يخبر به الدائن؛ لأنه لو أخبره به لم يعف عنه، فهل هذا جائز أو ليس جائزًا؟ نقول: هذا ليس جائزاً، ولابد أن يخبره.

    ضابط ما تصح هبته وما لا تصح

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجوز هبة كل عين تباع وكلب يقتنى).

    هذا ضابط ما تصح هبته، وما لا تصح هبته، قال المؤلف رحمه الله: الضابط هو: أن كل ما يباع تصح هبته، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، والأقرب في الضابط أن نقول: إن كل ما ينتفع به تصح هبته، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وكلب يقتنى)، فهل الكلب يباع، أو لا يباع؟

    لا يباع، ولهذا احتاج المؤلف أن ينصّ على الكلب، لكن لو قال المؤلف رحمه الله: كل عين ينتفع بها تصح هبتها صح ذلك، ولا احتاج أن يقول الكلب؛ لأن الكلب ينتفع به، لكن لا يباع، فالصواب في الضابط أن نقول: الضابط هو: كل ما ينتفع به، أو كل عين ينتفع بها انتفاعاً مباحاً تصح هبتها، ويدخل في ذلك الأموال والمختصات، الأموال كسائر النقود، والدراهم، والأطعمة، والألبسة.

    وكذلك أيضاً المختصات مثل: كلب الصيد، وكلب الحرث، وكلب الماشية، والنجاسة التي ينتفع بها، وكل.

    ما نهى الشارع عن العقد عليه، وأباح الانتفاع به.

    1.   

    عطية الوالد

    يقول المؤلف رحمه الله: (فصل: يجب التعديل في عطية أولاده، بقدر إرثهم).

    لو قال المؤلف رحمه الله: يجب التعديل في هبة، لكان أحسن، لأن العطية كما تقدم هي الهبة في مرض الموت. ‏

    أقسام هبة الأولاد

    ما يعطي الأولاد ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون ذلك من أجل النفقة، فالتعديل هنا أن يعطي كل واحد قدر حاجته، فمثلاً: هذا الولد الذكر يحتاج إلى قلم بريال، نعطيه ريالاً، وهذه الأنثى تحتاج إلى حلي بألف ريال، نعطيها ألف ريال، هذا العدل، العدل نعطي هذا الذكر ريالًا وهذه الأنثى نعطيها ألف ريال، وهذا الذكر يحتاج إلى زواج، وليس عنده شيء لكي يتزوج، فيحتاج إلى عشرة آلاف ريال للزواج، نعطيه عشرة آلاف ريال، وهذا يحتاج إلى ثوب بمائة ريال، نعطيه ثوباً بمائة ريال، فإذا كان ذلك السبب أي: سبب العطية هي النفقة، فماذا نقول؟ نقول: إن ضابط العدل أن نعطي كل واحد من الأولاد قدر نفقته.

    القسم الثاني: أن يكون ذلك ليس سببه النفقة، وإنما سببه التوسعة، والهبة، فلو أراد أن يوسع عليهم، وأن يعطيهم، فهل يجب أن يعدل بين أولاده، أو له أن يفضل أو يخصص؟

    المشهور من المذهب: أنه يجب عليه أن يعدل بين أولاده، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد .

    والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم أنه لا يجب عليه أن يعدل، وهذه المسألة من المفردات، أي من مفردات مذهب الحنابلة، ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا بأنه يجب أن يعدل، فاستدلوا بحديث النعمان بن بشير ، وأن أباه بشير بن سعد وهبه هبةً، فلم ترض أمه حتى يشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب لكي يشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أكل أولادك أعطيته مثل هذا؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، وفي لفظ في مسلم : ( فلا تشهدني على جور )، سماه النبي صلى الله عليه وسلم جورًا، وفي لفظ قال: ( فارجع. قال: فرجع أبي في هبته).

    الرأي الثاني: كما قلنا رأي جمهور أهل العلم، أنه لا بأس أن يفضل وأن يخصص، يعطي هذا، ويحرم هذا، أو يفضل فيعطي هذا مائة وهذا خمسين، فهذا جائز، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، فكونه يعطي ابنه من الإحسان، يقولون: لا بأس، واستدلوا أيضاً بما جاء في حديث النعمان بن بشير في مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أشهد على هذا غيري )، وأيضاً استدلوا بما ثبت في الموطأ وغيره أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقاً من نخله بالعالية.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، وأنه يجب على الأب أن يعدل بين أولاده، هذا الذي يجب في الهبة، وأنه إذا وهب أحدهم، فإنه يجب عليه أن يهب البقية، والحديث صريح: ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، (اتقوا الله) هذا أمر (واعدلوا) هذا أمر آخر، والألفاظ كثيرة، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أشهد على هذا غيري )، فالجواب عن هذا سهل، نقول: النبي صلى الله عليه وسلم هل قاله على سبيل الإقرار أو قاله على سبيل الإنكار؟ قاله على سبيل الإنكار، قصد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الزجر والتوبيخ، وأما قول الله عزّ وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، نقول: إذا كانت هذه الهبة تخالف السنة، نقول: ليست من الإحسان، والله عزّ وجل قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90] فأين العدل؟ نظروا إلى الإحسان ونسوا أو لم ينظروا إلى كلمة العدل التي أمر الله عزّ وجل، بها.

    وأما فعل أبي بكر رضي الله عنه مع عائشة ، فهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله في أجوبة كثيرة، قالوا: بأن أبا بكر ربما أنه يقصد أن يعطي البقية، أو أن هذا من قبيل النفقة، أو أن هذا برضا بقية إخوتها، أو أن هذا على سبيل النفقة ونحو ذلك.

    فالصحيح في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الحنابلة.

    قسمة الهبة بين الأولاد

    وقوله: (بقدر إرثهم) أي للذكر مثل حظ الأنثيين قياساً لحال الحياة على حال الوفاة، قال عطاء رحمه الله: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله، وهذا نقل عن السلف، فإن قول المؤلف رحمه الله في عطية أولاده يخرج بقية الأقارب، يعنى: لا يجب على الشخص أن يعدل في هبة بقية الأقارب باتفاق الأئمة، فله أن يعطي هذا الأخ وأن يحرم الأخ الآخر، وله أن يعطي هذا العم وأن يحرم الآخر، وله أن يفضل من شاء؛ لأن الأصل في ذلك الحل، لكن إذا كان سيترتب على ذلك مفسدة وقطيعة رحم، فإنه يفعل ذلك على سبيل السر.

    تفضيل الوالد بين أولاده في الهبة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن فضل بعضهم سوى برجوع أو زيادة، فإن مات قبله ثبتت).

    الآن إذا فضل فماذا يجب على الأب؟ يجب عليه أن يعدل، وكيف يعدل؟ له ثلاث طرق:

    الطريق الأول: الرجوع، أي: يرجع في الهبة أو يرجع في الزيادة.

    الطريق الثاني: أن يزيد المفضول، مثلاً أعطى هذا مائةً وهذا أعطاه خمسين، فيزيد المفضول خمسين، أو أنه يرجع في الزيادة.

    الطريق الثالث: أن يأخذ الزيادة وأن يقسمها بينهم.

    قوله: (فإن مات قبله ثبتت) إذا مات قبل ذلك يقول المؤلف رحمه الله تعالى: تثبتت، فلو أن الأب مات قبل أن يعدل بين أولاده ثبتت الهبة للموهوب، ولنفرض أنه وهب ابنه سيارة، وقبل أن يعدل مات، فالسيارة لمن تكون؟ للموهوب له، تثبت، ولا يجب على الموهوب له أن يردها في التركة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، إلا أنهم يستثنون يقولون: بشرط ألا يكون ذلك في مرض الموت، فلابد من إجازة البقية وإلا ترد في التركة.

    الرأي الثاني: وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنها لم تثبت لأنها جور وظلم، فمادام أنها جور وظلم، فإنها لا تثبت، ويجب على الموهوب له أن يرد الهبة في التركة، إلا إذا رضي بقية إخوته وأخواته، فالأمر ظاهر في ذلك.