إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [44]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز للمودع عنده أن يستعمل الوديعة فيما يكون في مصلحتها، وإذا خلطها بشيء من جنسها بحيث لا تتميز فإنه يضمنها، أما إذا خلطها بما يمكن تمييزه فلا يضمن، وقول المودع هو المقبول إذا تلفت الوديعة أو ردها، وإذا أنكر ثم أقر بعد البينة عليه فلا يقبل إنكاره.

    1.   

    تابع الانتفاع بالوديعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها وعدم التفريط، فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة، بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه, أو بعده بها، وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يقبل إلا ببينة، وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه, وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين.

    باب إحياء الموات: وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فمن أحياها ملكها من مسلم وكافر بإذن الإمام وعدمه, في دار الإسلام وغيرها، والعنوة كغيرها، ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته، ومن أحاط مواتاً أو حفر فيه بئراً فوصل إلى الماء أو أجراه إليه من عين ونحوها أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه ].

    تقدم لنا جملة من أحكام الوديعة، وذكرنا تعريفها في اللغة والاصطلاح، وحكمها، وأنه يشترط فيها ما يشترط في الوكالة؛ لأنها إنابة في الحفظ. وأيضاً تقدم لنا من مسائلها: أنه يجب على المودع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها؛ لأنه مأمور بأدائها، ولا يمكن أن يؤديها إلا إذا حفظها في حرز مثلها.

    وتقدم لنا أيضاً من مسائل الوديعة: ما إذا عين المودع حرزاً فخالف المودع، وأن هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام.

    وأيضاً تقدم لنا فيما إذا حصل لنا خوف أو سفر، وكيف يتصرف المودع مع الوديع، وهل للمودع أن يودع الوديعة عند من يحفظ مال ربها أو عند من يحفظ ماله كوكيله والموظف عنده وعند زوجته ونحو ذلك, أو ليس له ذلك؟ هذا تقدم الكلام عليه. ‏

    ثم قال رحمه الله: (ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها أو ثوباً فلبسه أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها أو رفع الختم ونحوه).

    تقدم أن تكلمنا على شيء من هذه المسألة، وقلنا: بأن المودع إذا تصرف في الوديعة فإن هذا التصرف لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون من مصلحة الوديع فهذا لا ضمان له، فمثلاً لو أنه ركب الدابة لكي يعلفها، أو لكي يسقيها, أو ركب السيارة لكي يحفظها في مكان يرى أنه أحرز, أو أخرج الثوب خشية عليه من العبث ونحو ذلك فهذا لا ضمان له؛ لأنه محسن، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91].

    الأمر الثاني: أن يكون التصرف ليس لمصلحة الوديعة، كما لو ركب السيارة لمصلحته هو، ليعمل عليها عملاً، أو لبس الثوب لكي ينتفع به هو، فتلفت هذه الوديعة، فإنه يضمن؛ لأنه تعدى، لكن لو أنه رد الوديعة إلى الحرز، فهل يعود ائتمانه مرة أخرى؟ أو نقول: لا بد من عقد جديد؟ المشهور من المذهب وكذلك مذهب الشافعية أنه لا يعود ائتمانه، ولا بد من عقد جديد، وعلى هذا يجب عليه أن يبادر برد الوديعة إلى مالكها، إما أن يعقد عقداً جديداً، أو أنه يبادر إلى رد الوديعة إلى مالكها, ولو تلفت فإنه يكون ضامناً. والعلة في ذلك: أنه زال ائتمانه لما تصرف هذا التصرف.

    الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة وكذلك أيضاً هو قول المالكية أنه لا يضمن، فإذا ردها إلى حرزها وتاب من هذا التعدي ثم بعد ذلك تلفت فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لما ردها إلى حرزها فقد زال التعدي، وحينئذ يزول الضمان.

    1.   

    خلط الوديعة بغيرها

    قال رحمه الله تعالى: (أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن).

    إذا خلط الوديعة بغيرها فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يخلطها بشيء غير متميز، كما لو خلط الزيت بزيت مثله، أو خلط الدراهم بدراهم مثلها، يعني: خلطها بشيء لا تتميز معه، قال المؤلف رحمه الله: (فضاع الكل ضمن) أي: الوديعة؛ لأنه تعدى بالخلط. فلو خلط الزيت بزيت مثله مثلاً أو خلط البر ببر مثله أو الشعير بشعير أو الأرز بأرز أو نحو ذلك، وضاع الجميع فإنه يضمن، وإن ضاع البعض فإنه يضمن ما ضاع؛ لأنه تعدى بالخلط، لكن لو لم يضع خلط الزيت الآن بزيت مثله فهل يكونان شريكان أي المودِع والمودَع, أو نقول: بأن المودع يضمن هذا الزيت؟ أكثر أهل العلم أنه إذا خلط الوديعة بشيء لا تتميز به كزيت بزيت فإن المودع يضمن للمودع وديعته، وتكون الوديعة وما خلط معها للمودع، فمثلاً إذا خلط زيتاً بزيت، والزيت الذي هو الوديعة يساوي صاعاً فيضمن المودع للمودع صاعاً من زيت، ويكون الجميع له, أي: الوديعة وما خلط معها للمودع, هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه إذا خلطه بجنس مثله فإنهما يكونان شريكان, مثلاً إذا خلط البر ببر فيكونان شريكان بقدر ملكيهما، فهذا مثلاً له صاع وهذا له صاع، يكون هذا له النصف وهذا له النصف، أو هذا له صاعان وهذا له صاع، فهذا يكون له الثلثان، وهذا يكون له ثلث، والأقرب في مثل هذا: أن يقال: ينظر إلى المصلحة، أي: مصلحة المودع؛ لأن المودع تعدى بهذا الخلط. هذا القسم الأول، وهو إذا خلط الوديعة بجنسها.

    القسم الثاني: إذا خلط الوديعة بغير الجنس، كما لو خلط ثياباً بدراهم، ففي هذه الحالة لا يضمن المودع، وإنما يجب عليه أن يرد الوديعة إلى صاحبها، وذلك بأن يميز الوديعة من الشيء الذي خلطت به، ويرد ذلك إلى صاحبها، يقولون: لا ضمان عليه، لكن يجب عليه أن يرد الوديعة إلى صاحبها، وإن حصل نقص في الوديعة بسبب الخلط فإنه يردها.

    1.   

    رد الوديعة

    قبول قول المودع في الرد

    قال رحمه الله: (فصل: ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها، وعدم التفريط).

    هذه ثلاث مسائل يقبل فيها قول المودع:

    المسألة الأولى: قوله: (ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) فإن قال المودع: لقد رددت الوديعة لك، وقال المودع: لا ما رددتها، وقال: أنا رديت الكتاب، وقال المودع: لم ترد الكتاب، فمن قوله؟ قول المودع؛ لأنه أمين، ومقتضى الأمانة أن نقبل قوله، وإلا ما الفائدة من كونه أميناً؟ فما دمنا حكمنا بأنه أمين، وأعطيناه هذا الوصف فمقتضى الأمانة أننا نقبل قوله، فإذا قال: رددت الوديعة فإننا نقبل قوله في رد الوديعة، لأن القول قوله.

    قوله: (أو غيره بإذنه) فلو قال: أنا رديت الوديعة إلى زيد، أو الكتاب أعطيته زيداً, أو السيارة أعطيتها زيداً، وقال المالك المودع: لماذا أعطيتها زيداً؟ فقال: أنت أذنت لي، أو أنت الذي أمرتني بذلك، فلو قال: لا، لم آمرك. فمن قوله؟ قول المودع؛ لما تقدم أنه أمين، وما دام أنه أمين فإن القول قوله.

    قوله: (وتلفها). فلو قال المالك: أعطني الوديعة، أو اعطني الثوب أو الكتاب أو القلم، فقال: لقد تلفت الوديعة، أو احترقت أو سرقت، وقال المالك: لم تتلف، فمن قوله؟ نقول: القول قول المودع؛ لأنه أمين، كما تقدم.

    اللهم إذا ادعى التلف بأمر ظاهر لا يخفى فهنا يكلف بالبينة، مثل لو قال: حصل حريق في البيت, هنا نقول له: ائت بالبينة على وجود الحريق ؛ لأن مثل هذا الأمر لا يخفى، فلا بد أن يأتي بالبينة.

    قوله: (وعدم التفريط) هذه المسألة الثالثة. فلو قال المودع: تلف الكتاب، وقال المودع المالك: أنت فرطت، ولم تحفظ الكتاب في حرزه، فقال: لا أنا حفظته في حرزه أو في حرز مثله، فقال المالك: لا, فمن قوله؟ نقول: بأن القول قول المودع.

    إقرار المودع وإنكاره

    قال رحمه الله: (فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة، أو إقرار ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده، لم يقبلا ولو ببينة, بل في قوله: ما لك عندي شيء، أو نحوه، أو بعده بها).

    هذه ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: لو قال المالك: أعطني الوديعة، فقال المودع: أنت ما أودعتني، فذهب المالك وأحضر بينة على أنه أودعه، ولما أحضر المالك البينة قال المودع: أنا رددت الوديعة إليك، قوله: (سابقين لجحوده), الكلام هذا حصل يوم الأحد مثلاً، حين قال: ما أودعتني؟ ويوم الإثنين المالك أتى بالبينة، وثبتت الوديعة, فقال المودع: أنا رددتها عليك يوم السبت، وأنا قلت يوم الأحد: ما أودعتني؛ لأني رددتها عليك يوم السبت، فهل يقبل قوله؟ قال: (ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة)، حتى لو أحضر بينة وقال: أنا رديت يوم السبت، أو أنها تلفت يوم السبت يقول: لا يقبل قوله حتى لو أحضر بينة؛ لأنه مكذب بالبينة، فهو يقول: ما أودعتني, ثم يأتي ببينة تشهد على أنه ردها يوم السبت, وهو أصلاً ينكر الوديعة, ويكذب البينة. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: لا يقبل قوله بالرد ولو ببينة؛ لأنه يكذب نفسه، ويكذب البينة، فلا نقبل قوله ولا قول البينة.

    ولو قال: سأحضر شهوداً على أنها تلفت يوم السبت لم يقبل قوله حتى لو أتى ببينة؛ لأنه أصلاً يكذب البينة، وينكر أصل الوديعة، فهو مكذب للوديعة. ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: لم يقبل، فكونه ادعى الرد أو ادعى التلف يوم السبت وقال: يوم السبت تلفت الوديعة لم نقبل قوله بأنها تلفت؛ لأنه أصلاً يكذب هذا الكلام، فهو أصلاً ينكر الوديعة، وما أقر بها أصلاً. ولهذا قال المؤلف: (لم يقبلا ولو ببينة).

    وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو الصواب.

    إلا إذا دلت القرائن على صدق المودع؛ لأن المودع قد يقول: ما أودعتني, ويقصد وديعة مستقبلة غير هذه الوديعة، أو أنه مثلاً يقصد أنه ليس عليه ضمان ونحو ذلك, المهم أننا نرجع إلى القرائن، فإن أثبتت القرائن شيء من صدق المودع قبلنا قوله؛ لأنه أمين، وإلا فإنه كما ذكر المؤلف رحمه الله بأن لا نقبل قوله، وهذه المسألة الأولى.

    قوله: (بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه). لو كانت عبارة المودع بأنه لم يقل: ما أودعتني, بل لما طالبه يوم الأحد قال: ما لك عندي شيء. فهو ما أنكر الوديعة هنا, ثم يوم الإثنين المالك أثبت الوديعة بالبينة، والمودع قال: بأني رديتها عليك يوم السبت، فهنا نقبل قوله؛ لأن قوله: ما لك عندي شيء لا يكذب إدعاء الرد، وهو صادق في قوله: ما لك عندي شيء، فهو ما أنكر الوديعة، بخلاف الصورة الأولى، فإنه يكذب؛ لأنه أنكر أصل الوديعة, وأنكر فيها الوديعة، لكن هنا ما أنكر الوديعة، بل اعترف أن هناك وديعة، ولكن قال: ما لك عندي شيء؛ لأنها تلفت، أو لأني رددتها عليك.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو بعده بها), أي: أدعى الرد أو التلف بعد الجحود، فيقبل بالبينة.

    وصورة هذه المسألة الثالثة: أنه طالبه بالوديعة يوم الأحد، فقال: ما أودعتني، فالمالك أثبت الوديعة بالبينة، والمودع أثبت أنه رد الوديعة بعد يوم الأحد بعد الجحود، فالجحود حصل يوم الأحد، فأثبت أنه رد الوديعة بعد الأحد، أو أن الوديعة تلفت بعد الأحد، كأن قال: بأنها تلفت يوم الإثنين، أو أنني رددتها عليك يوم الإثنين. فيقول المؤلف رحمه الله: نقبل قوله بالبينة أنه ردها يوم الإثنين، أو أنها تلفت يوم الإثنين. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أو) -يعني: إذا ادعى الرد أو التلف (بعده) أي: بعد جحوده (بها) أي: ثبتت بالبينة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة، ولا يكذبها. فقوله: ما أودعتني هذا لا ينافي ما شهدت به البينة؛ لأن البينة الآن تشهد بتلف هذه السلعة يوم الإثنين، أو برد هذه السلعة إلى مالكها يوم الإثنين، وهذا لا ينافي قوله ما أودعتني.

    فأصبحت المسائل هنا ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: لا يقبل قوله ولو بالبينة إذا ادعى الرد أو التلف، وكان هذا الرد أو التلف الذي يدعيه سابقاً لجحوده، فلا نقبله ولو بالبينة.

    والمسألة الثانية: إذا لم ينف الوديعة، وإنما قال: ما لك عندي شيء، أو لا أضمن لك شيئاً أو نحو ذلك، فهذا يقبل قوله.

    المسألة الثالثة: إذا ادعى الرد أو التلف بعد الجحود, أي: بعد أن قال: ما أودعتني ثم ادعى أنه ردها أو أنها تلفت بعد أن جحدها، كأن يكون الجحود يوم الأحد وادعى الرد أو التلف يوم الإثنين، فنقبل قوله بالرد أو التلف بالبينة, وأما مع عدم البينة فلا نقبله، فهنا نحتاج إلى البينة. وإنما قبلناه بالبينة؛ لأنه لا يكذب البينة، ولا ينافي ما شهدت به.

    دعوى ورثة المودَع رد الوديعة

    قال رحمه الله: (وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يقبل إلا ببينة).

    قوله: (وارثه) يعني: وارث المودع، كأن يكون المودع مات وجاء المالك المودع لورثة المودع وقال: أعطوني الوديعة، فقال الورثة: رددنا الوديعة عليك، فنقول: لا يقبل كلامهم في الرد؛ لأن المالك ائتمن الميت، ولم يأتمن الحي، فهو ائتمن المودع، ولكنه لم يأتمن وارثه.

    فهنا نقول: بأنه لا يقبل قولهم. فإذا قال ورثة المودع: رددناها عليك أيها المودع، فلا يقبل قولهم؛ لأنهم ليسوا أمناء؛ ولأن المودع ائتمن المودع، ولم يأتمن ورثته.

    قوله: (أو من مورثه)، أي: ادعى من مورث المودع، فلو أن المودع قال للمالك: رددتها عليك فإننا نقبل قوله، لكن لو أن المودع المالك مات وجاء وارثه أي: وارث المودع. وطلب الوديعة من المودع فقال له: رددتها عليك، فيقول المؤلف: لا يقبل قوله. نعم نقبل قوله إذا ادعى الرد على المالك، لكن إذا ادعى الرد على وارث المالك المودع فلا نقبل قوله؛ لأن وارث المودع لم يأتمنه، وإنما الذي ائتمنه هو المودع، فلا بد من البينة.

    والصواب في هذه المسألة: أنه لا فرق بين المودع أو وارث المودع في هذه الصورة، وأن المودع أمين، فإذا ادعى الرد من المودع أو من مورث المودع فنقول في هذه الحالة: الصواب: أنه يقبل قوله.

    طلب أحد المودعين نصيبه من الوديعة

    قال رحمه الله تعالى: (وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه).

    يعني: لو كانت الوديعة من المكيلات أو من الموزونات أو من المعدودات التي تنقسم، وطلب أحد المودعين نصيبه من هذه الوديعة - ولنفرض مثلاً أن الوديعة مائة صاع من البر، وأودعها اثنان، فطلب أحدهما نصيبه من هذه الوديعة- فلا بأس أن يعطيه المودع نصيبه، أو مثلاً موزون كسكر ينقسم، أو معدود, فطلب نصيبه، فنقول: ما دام أنه ينقسم ولا يكون هناك ضرر فإن هذا لا بأس به.

    ذكر من له المطالبة بالوديعة عند غصبها

    قال رحمه الله: (وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين).

    هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف رحمهم الله هم أمناء، وهم نواب عن المالك، فالمستودع نائب عن المودع، والمضارب نائب عن المالك، والمرتهن نائب عن الراهن، والمستأجر نائب عن المؤجر، فإذا غصبت منهم العين فإنهم يملكون المطالبة؛ لأمرين:

    الأمر الأول: أنهم نواب عن المالك، فكما أن المالك يملك المطالبة، فكذلك أيضاً نائبه يملك المطالبة.

    والأمر الثاني: أنهم أمناء مأمورون بالحفظ، وهذا من الحفظ، فمثلاً المودع لو أنه أودع الكتاب وجاء شخص وغصب هذا الكتاب فالمودع له أن يطالبه؛ لأنه نائب عن المالك في الحفظ، ومادام أنه نائب عن المالك وهو مأمور بالحفظ فيقوم مقامه، ولا يملك أن يعترض عليه الغاصب بأنه ليس مالكاً.

    وكذلك أيضاً المستأجر لو استأجر السيارة ثم جاء شخص وغصب السيارة أو سرق السيارة أو نهبها ونحو ذلك فإنه يملك أن يطالب.

    ومثله أيضاً المرتهن، فإنه يملك أن يطالب بالعين، ومثل ذلك لو حصل عليها حادث مثلاً, فلو أنه استأجر السيارة وجاء شخص وضرب السيارة، فالمستأجر له أن يطالب؛ لأنه مأمور بالحفظ، وهذا من تمام الحفظ، ولأنه نائب عن المالك، كذلك المودع لو أنه أودع سيارة ثم جاء شخص وضربها فنقول: بأنه يملك المطالبة.

    1.   

    إحياء الموات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب إحياء الموات:

    وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم).

    تعريف إحياء الموات

    الموات بفتح الميم والواو, مشتقة من الموت، وهو: عدم الحياة. والإحياء: جعل الحياة في شيء ميت.

    والموات كما قال المؤلف رحمه الله هي: (الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم).

    وإحياء الموات هو: جعل الحياة في هذه الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.

    وإحياء الموات هذا من قبيل التملكات، وليس من قبيل العقود، ومثله أيضاً كما سيأتينا إن شاء الله اللقطة وأحكام اللقطة.

    أدلة مشروعية أحياء الموات

    والأصل في إحياء الموات السنة والإجماع، فالعلماء رحمهم الله مجمعون على جواز إحياء الأرض الميتة.

    وكذلك أيضاً السنة، كما سيأتينا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه.

    ومثله أيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    وقوله: (وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم). الاختصاصات يعني: كل ما يختص ويرتفق به البلد والناس مثل الطرق والأفنية ومسايل المياه والمعادن الظاهرة، ونحو ذلك. كل هذه لا تملك بالإحياء.

    قوله: (وملك معصوم) المعصوم هو المسلم والذمي والمستأمن والمعاهد، هؤلاء هم المعصومون. فالأرض التي يملكها أحد هؤلاء لا تملك بالإحياء.

    إحياء الكافر للموات

    قال رحمه الله: (فمن أحياها ملكها).

    ذلك بشروط الإحياء كما سيأتينا، ويدل لذلك: حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ).

    قال رحمه الله: (من مسلم وكافر بإذن الإمام وعدمه).

    هذه بعض شروط الإحياء.

    الشرط الأول: أن يكون المحيي مسلماً. وعلى هذا لو أحيا الكافر في بلاد الإسلام فهل يملك الأرض بإحيائها أو لا يملك؟ المؤلف رحمه الله يقول: من مسلم وكافر، يعني: أنه لا يشترط الإسلام. وعلى هذا فلو أن الكافر أحيا الأرض في بلاد الإسلام فإنه يملكها بالإحياء. وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.

    والرأي الثاني وبه قال الإمام مالك رحمه الله: أن الذمي لا يملك في دار الإسلام، وإذا كان الذمي لا يملك فغيره من باب أولى.

    أما الجمهور فيستدلون بعموم الحديث: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ). وهذا يشمل المسلم والكافر.

    وكذلك أيضاً كما أن الكافر يباح له أن يتملك الاحتطاب والاحتشاش والصيد فكذلك أيضاً يباح له أن يتملك الأرض وأن يحييها، وإذا أحياها ملكها، وإذا ترتب على ملكه محذور شرعي يلزم بإزالة الملك بالبيع أو نحوه، المهم أنه يملك ما دام أنه أحيا.

    ورأي الإمام مالك رحمه الله أنه ليس له ذلك، وقد جاء في ذلك حديث ضعيف، وهو ( عادي الأرض لله ولرسوله, ثم هي لكم بعد ) رواه أبو عبيد والبيهقي ، لكنه غير ثابت.

    وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة: أنه لا يشترط الإسلام، وأن الإحياء يكون من الكافر ومن المسلم، فالكافر إذا أحيا فإنه يملك كما أنه يملك الاحتطاب والاحتشاش.

    إذن الإمام في إحياء الموات

    قوله: (بإذن الإمام وعدمه) هل يشترط إذن الإمام أم أن إذن الإمام ليس شرطاً؟ المؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه لا يشترط إذن الإمام. وهذا هو المذهب، وكذلك أيضاً مذهب الشافعية، أن إذن الإمام لا يشترط.

    ودليلهم على ذلك: ما تقدم من عموم حديث جابر : ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ).

    ولأن هذا بمنزلة الاحتطاب والاحتشاش والصيد, ونحوه.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة : أنه يشترط إذن الإمام، وقد جاء في ذلك حديث ضعيف، وهو حديث معاذ : ( ليس للمرء إلا ما طابت به نفسه وإمامه ).

    وعند المالكية يقولون: يشترط إذن الإمام في القريب من العمران دون البعيد.

    والذي يظهر والله أعلم: أن إذن الإمام ليس شرطاً، إلا إذا منع الإمام من الإحياء لمصلحة مثل وجود الخلاف والنزاع والشقاق كما يوجد اليوم كل يدعي الإحياء, فإذا كانت هناك مصلحة فمنع الإمام من ذلك فإن هذا سائغ.

    إحياء الموات في دار الكفر

    قال المؤلف رحمه الله: (في دار الإسلام وغيرها).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا فرق بين دار الإسلام أو دار الكفر، فيملك بالإحياء حتى في دار الكفر إذا كان للمسلمين عليها سلطة، أو لم يكن للمسلمين عليها سلطة. المهم أنه أحيا فيملك.

    قال رحمه الله: (والعنوة كغيرها).

    مقصود المؤلف رحمه الله بقوله: (العنوة) أي: البلاد التي فتحت قهراً بالسيف، وهذا كبلاد مصر والشام والعراق، فيقول: هذه وغيرها واحد، تملك بالإحياء.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته).

    هذا الشرط الثالث من شروط صحة الإحياء وهو: أن تكون هذه الأرض منفكة عن الاختصاصات، فما يتعلق بمختصات البلد ومرافقه التي يحتاجها الناس هذه لا تملك بالإحياء كما ذكرنا، مثل: المحتطبات والمعادن الظاهرة كالملح ومسايل المياه والطرقات والأفنية ونحو ذلك، فهذه لا تملك بالإحياء، فيشترط أن تكون منفكة عن الاختصاصات.

    الشرط الرابع: أن تكون منفكة عن ملك معصوم، فإذا كانت هذه الأرض ملكاً لمعصوم فإنها لا تملك بالإحياء.

    إحياء حرم مكة

    الشرط الخامس: ألا يكون ذلك في حرم مكة. والإحياء في حرم مكة ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: إحياء أراضي المشاعر، مثل أرض منى ومزدلفة وعرفات، فجمهور العلماء رحمهم الله على أن الأرض لا تملك بالإحياء في هذه الأماكن، وأن الإحياء غير جائز فيها لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ( ألا نبني لك بيتاً بمنى، أو بناء يضللك من الشمس؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هو مناخ من سبق )، أي: من سبق إليه فهو أحق به.

    ولأن هذه المشاعر بمنزلة المساجد، أي أنها بقع محظورة للعبادة بمنزلة المسجد، والمسجد لا يملك، فكذلك أيضاً هذه البقع.

    القسم الثاني: بقية حرم مكة هل يملك بالإحياء أو لا يملك؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو رأي جمهور العلماء: أنه يملك بالإحياء؛ لعموم الأحاديث.

    والرأي الثاني وهو المذهب: أنه لا يملك بالإحياء؛ لقول الله عز وجل: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25].

    والذي يظهر والله أعلم أن الصواب هو رأي جمهور العلماء, وأن بقية حرم مكة كسائر البلاد, وأنها تملك بالإحياء.

    ضابط إحياء الموات

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن أحاط مواتاً).

    هذا الشرط السادس من شروط صحة الإحياء، وهو: أن يحيي هذه الأرض بما دل العرف على أنه إحياء، فلا بد أن يحييها بما يدل العرف على أنه إحياء.

    وهنا ذكر المؤلف رحمه الله ضابط الإحياء, والشارع أطلق ذلك, فقال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ). وما جاء مطلقاً على لسان الشارع يرجع في ذلك إلى العرف في تقييده وضبطه. فنقول: نرجع إلى العرف، فما دل العرف على أنه إحياء فهو إحياء.

    وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة فقال: (ومن أحاط مواتاً), أي: أنه أدار حول هذه الأرض حائطاً منيعاً بما جرت به العادة فقد أحياها (أو حفر فيه بئراً فوصل إلى الماء) فقد أحياها أي أحيا هذه البئر، (أو أجراه إليه من عين أو نحوها). أي أجرى الماء إلى هذا الموات (أو حبسه عنه ليزرع)، أي: هذه الأرض يأتيها الماء فحبس الماء عنها ليزرع (فقد أحياه). والضابط في ذلك العرف، فإذا أجرى الماء إليها أو حفر لها البئر ووصل إلى الماء أو أنه غرس الأشجار أو بنى الحائط المنيع ونحو ذلك فإنه يملك، ويكون حينئذ أحياها.

    قال رحمه الله: (ويملك حريم البئر العادية خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البدية نصفها).

    العادية بمعنى: القديمة، نسبة إلى عاد، والبدية بمعنى: الجديدة المبتدئة، فإذا حفر بئراً فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يحفر البئر لكي يزرع، فنقول: ما وصل إليه الماء فإنه يملكه، فما مد الماء إليه وزرع فهذا كله له، هذا إذا كان ليزرع.

    القسم الثاني: أن يحفر لكي يشرب أو لكي يسقي بهائمه ونحو ذلك، فهنا لا بد للبئر من حريم، يعني: مكان يحيط بها؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع إلا إذا ملك ما حول البئر، وهذا الذي حول البئر يسمى حريم البئر، فهو لا يمكن أن ينتفع إلا إذا ملك ما حول البئر. فهنا يملك كما قال المؤلف: إذا كانت قديمة يملك خمسين ذراعاً له؛ لأنها حفرت مرتين، فله خمسة وعشرون ذراعاً بالمرة الأولى، وخمسة وعشرون ذراعاً بالمرة الثانية. وإن كانت البئر ليست قديمة بل جديدة فيملك خمسة وعشرين ذراعاً، وقد جاء في الحديث وهو ضعيف لا يثبت: ( السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدي خمسة وعشرون ذراعاً ). لكن من حيث المعنى: البئر إذا كانت قديمة يملك خمسين؛ لأنها حفرت مرتين، وإن كانت جديدة فإنه يملك خمسة وعشرين؛ لأنها حفرت مرة واحدة. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه يملك ما دام أنه حفر بقدر حاجته, فقد يحتاج خمسين ذراعاً, وقد يحتاج أقل، وقد يحتاج أكثر.

    وهذا القول يظهر أنه الصواب: أن يملك بقدر حاجته ما دام أنه حفر لكي يشرب، أما إذا كان حفر لكي يزرع ويغرس فيملك مقدار ما يصل إليه الماء ويزرع.