إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للمسلم الاعتكاف في بيوت الله، لما فيه من اجتماع الفضائل والتي منها ملازمة أحب البقاع إلى الله، والمداومة على ذكر الله وتلاوة القرآن، وكثرة الركوع والسجود بين يدي الله، وأفضله ما كان في العشر الأواخر من رمضان؛ لما في ذلك من موافقة ليلة القدر التي من

    1.   

    الأيام التي يكره صومها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكره إفراد رجب والجمعة والسبت والشك، ويحرم صوم العيدين ولو في فرض، وصيام أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران.

    ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه، ولا يلزم في النفل ولا قضاء فاسده إلا الحج. وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وأوتاره آكد، وليلة سبع وعشرين أبلغ، ويدعو فيها بما ورد.

    باب الاعتكاف.

    هو لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، مسنون، ويصح بلا صوم ويلزمان بالنذر].

    إفراد شهر رجب

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكره إفراد رجب).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الصوم المستحب شرع الآن في بيان الصوم المكروه، فمن الصوم المكروه إفراد رجب بالصيام، ورجب وما ورد فيه من فضل لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في فضل صيام رجب.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، ولا يعتمد أهل العلم على شيء منها.

    وابن حجر رحمه الله تعالى له رسالة فيما يتعلق بفضائل رجب، بين فيها ضعف ما ورد في ذلك من أحاديث، وما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

    فإفراد رجب بالصيام، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه مكروه؛ لما في ذلك من إحياء شعار الجاهلية، فإن أهل الجاهلية هم الذين يعظمون رجب، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب أيدي الناس ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، وقال: لا تشبهوه برمضان.

    وصيام رجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: إفراده بالصيام، بأن يصوم شهر رجب وحده، فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بأنه مكروه.

    القسم الثاني: أن لا يفرده بالصيام، بل يصوم شهراً قبله أو بعده، فهذا جائز ولا بأس به؛ لأنه لم يفرده بالصيام، ولم يظهر في ذلك شيء من تعظيم هذا الشهر بخصوصه.

    القسم الثالث: أن لا يصومه كاملاً، وإنما يفطر بعض الأيام من شهر رجب، وحينئذ نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله؛ لأنه لم يفرده بالصيام، وإنما صام بعض أيامه.

    إفراد الجمعة

    قال رحمه الله: (والجمعة).

    يعني: يكره إفراد الجمعة بالصيام، فإذا صام الجمعة وحدها دون أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، فإن هذا مكروه، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)، وأيضاً يدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على إحدى أمهات المؤمنين فوجدها صائمة يوم الجمعة، فقال: (أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري).

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخصوا يوم الجمعة بالصوم من بين الأيام)، فإفراد يوم الجمعة بالصيام مكروه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي .

    والرأي الثاني: أنه لا يكره إفراد يوم الجمعة بالصيام، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والإمام مالك ، واستدلوا على ذلك بما يروى من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة)، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وحسنه، والجواب عنه من وجهين:

    الوجه الأول: أنه ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والوجه الثاني: على فرض ثبوته فإنه يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوماً قبله أو صام يوماً بعده.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخصوا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام)، هذه اللفظة جاءت في صحيح مسلم وفيها النهي عن التخصيص، فأخذ بعض أهل العلم من هذه اللفظة أنه إذا صام يوم الجمعة دون أن يكون هناك تخصيص فإن هذا جائز ولا بأس به، كما لو صام يوم الجمعة لا من أجل أنه يوم الجمعة، ولكن من أجل أن هذا اليوم هو يوم فراغ يستطيع فيه أن يصوم، فقال: إن هذا جائز ولا بأس به، فالنهي عن تخصيص يوم الجمعة، أخذ منه بعض أهل العلم على أنه إذا صام ولم يقصد التخصيص، وإنما صامه لعارض ونحو ذلك، فإن ذلك جائز ولا بأس به، ولا يدخل في الكراهة.

    والذي يظهر والله أعلم أن لفظة النهي عن التخصيص فيها نظر، ودليله ما ثبت في الصحيحين من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصام يوم الجمعة إلا أن يصام يوم قبله أو يوم بعده، والله أعلم.

    فالخلاصة في صيام يوم الجمعة: أنه يكره إلا إذا صام يوماً قبلها أو يوماً بعده، ولفظة التخصيص -كما ذكرنا- انفرد بها مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين فليس فيه لفظة التخصيص: (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده).

    إفراد يوم السبت

    قال رحمه الله: (والسبت).

    يعني: يكره إفراد يوم السبت بالصيام، ودليل ذلك حديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، وهذا الحديث اختلف فيه المحدثون كثيراً، وأعل بالشذوذ، وأعل بالاضطراب، وكذلك ِأيضاً قيل: بأنه منسوخ، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنه لا يكره إفراد يوم السبت بالصيام؛ لأن الأصل في ذلك المشروعية، ولا بد أن يقوم الدليل على عدم المشروعية، فالجمهور على أنه يكره إفراد يوم السبت بالصيام، ولكن عند شيخ الإسلام لا يكره؛ لأن هذا الحديث الذي ذكرنا -حديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء - لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا نقول: بأن صيام السبت لا يكره إفراده.

    وعلى هذا يتلخص لنا من ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن يوم الأحد لا يكره إفراده، وأن يوم الثلاثاء لا يكره إفراده، وأن يوم الأربعاء لا يكره إفراده، وأما الإثنين والخميس فذكر المؤلف رحمه الله أنه يستحب صيامهما، وعلى هذا نقول: صيام أيام الأسبوع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما يستحب صيامه، وهو يوم الإثنين، وهو الذي ثبت فيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤلف يضيف إلى يوم الإثنين يوم الخميس، ويرى أنه من التطوع المقيد، ولكن قلنا: إن الحديث الوارد في هذا -حديث أسامة رضي الله تعالى عنه- ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    القسم الثاني: ما يكره إفراده، وهو يوم الجمعة.

    القسم الثالث: بقية الأيام، يوم السبت ويوم الأحد ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وأيضاً يوم الخميس ما دام أنه لم يثبت فيه شيء، فنقول: إن هذه الأيام صيامها من التطوع المطلق، ولا بأس بإفرادها، ولا يكره إفرادها بصيام، وصيامها من التطوع المطلق وليس من التطوع المقيد.

    يوم الشك

    قال رحمه الله: (والشك).

    أي يكره صيام يوم الشك، ويوم الشك على المشهور من المذهب هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يكن هناك غيم ولا قتر، وكانت السماء صحواً.

    ولكن إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان، وكان هناك غيم أو قتر، فما حكم صيام الثلاثين من شعبان على المشهور من المذهب؟ حكمه واجب، يعني إذا كان هناك غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، يرون أن صيامه واجب للاحتياط للعبادة، وهذا سبق الكلام عليه، وتطرقنا إلى كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا لم يكن هناك غيم أو قتر فليس هناك شك؛ لأن الأمر واضح جلي، وأن الشهر لم يدخل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإكمال العدة، فإذا لم يكن هناك غيم أو قتر فليس هو يوم الشك كما يذهب إليه الحنابلة، بل الأمر في هذا جلي وواضح، وأن شهر رمضان لم يدخل لعدم رؤية هلاله، وحينئذ نكمل عدة شعبان، ولكن إذا كان هناك غيم أو قتر فالأمر هنا مشتبه، يحتمل أن الهلال ولد، لكن لم ير من أجل هذا الغيم أو القتر، فيكون هو يوم الشك، وهذا هو الصواب في تحديد يوم الشك.

    وما حكم صيام يوم الشك؟

    المؤلف رحمه الله يرى أن صيام يوم الشك مكروه، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه محرم؛ لحديث عمار رضي الله تعالى عنه: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم)، وهذا الحديث علقه البخاري ، ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه).

    1.   

    الأيام التي يحرم صومها

    صوم العيدين

    قال رحمه الله: (ويحرم صوم العيدين ولو في فرض).

    العيدان عيد الفطر وعيد الأضحى، يحرم صيامهما بالإجماع، ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى)، وكذلك جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه.

    قوله رحمه الله: (ولو في فرض). يعني: لو أنه صام يوم العيد في فرض، كقضاء رمضان مثلاً، أو كنذر، أو صام يوم الأضحى للمتمتع الذي لا يجد هدياً، فإنه يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فلو أنه صام شيئاً من هذه الثلاثة في يوم عيد الأضحى، نقول: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    صيام أيام التشريق

    قال رحمه الله: (وصيام أيام التشريق).

    المؤلف لما ذكر التطوع المستحب، ثم ذكر الصيام المكروه، شرع في الصيام المحرم، فقال لك أيضاً: يحرم صيام أيام التشريق، وأيام التشريق هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وسميت هذه الأيام بأيام التشريق لأنهم كانوا يشرقون فيها اللحم، تذبح فيه الأضاحي والهدايا ويكثر اللحم عند الناس، فيحتاجون إلى أن يقطعوه ويعرضوه للشمس؛ لكي ييبس، وتذهب عنه العفونة، وفي الزمن السابق لم يكن هناك آلات تحفظ فيها اللحوم كما يوجد في وقتنا الحاضر، فأيام التشريق يحرم صيامها، ودليل ذلك حديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله عز وجل).

    ثم قال رحمه الله: (إلا عن دم متعة وقران).

    يعني: لا بأس أن تصام أيام التشريق للمتمتع أو القارن الذي لم يجد هدياً، وكل من المتمتع والقارن يجب عليه الهدي، كما سيأتينا إن شاء الله في أحكام المناسك.

    لكن إذا لم يجد المتمتع أو القارن هدياً فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج، وهذه الأيام تبدأ من حين الإحرام بالعمرة، ويستمر صيام هذه الأيام إلى نهاية أيام التشريق، فإذا لم يصم قبل يوم العيد، فإنه يصوم هذه الأيام الثلاثة في أيام التشريق، اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فالمتمتع والقارن إذا لم يجدا هدياً فيجب عليهما أن يصوما ثلاثة أيام؛ لقول الله عز وجل: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، وإذا لم يصم قبل يوم العيد فإنه يصوم بعد يوم العيد هذه الأيام الثلاثة، ويدل لذلك حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، أنهما قالا:لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. أخرجه البخاري في صحيحه.

    والذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله: أنه لا بأس للمتمتع والقارن أن يصوما أيام التشريق إذا لم يصوما قبل ذلك، وهذا هو مذهب أحمد ومذهب الشافعي خلافاً لـأبي حنيفة ومالك ، فإنهما لا يريان أن المتمتع والقارن أنه يصوم أيام التشريق، ويستدلون على ذلك بما تقدم من حديث نبيشة الهذلي ، لكن نقول: حديث نبيشة الهذلي يخص منه ما يتعلق بصيام المتمتع والقارن.

    1.   

    حكم قطع الصيام

    قال رحمه الله: (ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه، ولا يلزم في النفل).

    قوله: (من دخل) يعني شرع في فرض موسع، وقوله: (في فرض) يخرج النفل، فالنفل على كلام المؤلف رحمه الله بمفهومه وصريحه بعد ذلك قال: (ولا يلزم في النفل). فصريح كلام المؤلف ومفهومه أنه إذا دخل في النفل فإنه لا يحرم عليه أن يقطعه، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والشافعي ، لكنهم يقولون: يكره أن يقطع النفل لغير حاجة.

    فعندنا حكمان: الحكم الأول: أنه يجوز قطع النفل، والحكم الثاني: أنه يكره.

    أما دليل الجواز فحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (يا رسول الله! أهدي إلينا حيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرنيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم)، رواه مسلم في صحيحه، وكذلك أيضاً يدل على ذلك حديث أبي جحيفة، وفيه: لما ذكر أبو الدرداء لـسلمان أنه أصبح صائماً، فقال سلمان رضي الله عنه: (ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان)، رواه البخاري في صحيحه. فهذا يدل على أنه لا بأس أن يقطع النفل.

    والدليل على أنه يكره قطع النفل: قول الله عز وجل: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، فقطع النفل يجوز كما تقدم، وهذا مذهب أحمد والشافعي .

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، أنه إذا شرع في نفل فإنه يجب عليه أن يتمه، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، لما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أهدي لهما طعام هي وحفصة ، وقد أصبحتا صائمتين، فأفطرتا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا عليكما صوما مكانه يوماً)، وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وهو ضعيف، ولو ثبت هذا الحديث فإنه يحمل على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو للاستحباب، وعند الإمام مالك رحمه الله يقول: لا يجب القضاء إلا إذا كان قطع النفل لغير عذر، فإذا كان قطعه لعذر يقول: لا يجب، أما إذا قطعه لغير عذر فإنه يجب، والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه المؤلف رحمه تعالى كما هو مذهب الشافعي .

    وقوله رحمه الله: (في فرض موسع).

    يفهم منه أن الفرض ينقسم إلى قسمين: فرض موسع، وفرض مضيق، والفرض الموسع هو الذي زمانه يتسع لفعله ولفعل غيره، والفرض المضيق هو الذي زمانه لا يتسع إلا لفعله، وإذا كان يحرم قطع الفرض الموسع. فمن باب أولى أنه يحرم قطع الفرض المضيق؛ لأن الزمن تعين لهذا الفرض.

    وعلى هذا نقول: بأن الفرض لا يجوز للمسلم أن يقطعه؛ لأنه لما دخل فيه تعين عليه أن يتمه، حتى ولو كان موسعاً، فمثلاً لو شرع في الصلاة في أول الوقت، بقي الآن ساعتان على خروج الوقت، نقول: لا يجوز لك أن تقطع هذا الفرض اللهم إلا لضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات.

    قطع النافلة وقضاء ما فسد ومقارنة الصيام بالحج في ذلك

    قال رحمه الله: (ولا يلزم في النفل).

    يعني: نافلة الحج ونافلة العمرة تختلف عن بقية النوافل، فإذا دخل وشرع في نافلة الحج أو نافلة العمرة، فإنه يجب عليه أن يتمهما؛ لقول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، ولقول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فجعل الله عز وجل الشروع والإحرام بالحج والعمرة من قبيل النذر: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج:29] والنذر يجب إتمامه؛ لحديث عائشة: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، فنافلة الحج ونافلة العمرة ما يخرج منها الإنسان إلا بإتمامها أو الإحصار أو الردة، نسأل الله عز وجل السلامة.

    ثم قال رحمه الله: (ولا قضاء فاسده إلا الحج).

    الحج -كما سيأتينا إن شاء الله- يفسد بالجماع، فإذا جامع قبل التحلل الأول فسد، ويجب عليه أن يمضي في هذا الفاسد، حتى ولو كان نافلة؛ لأنه لما شرع في نافلة الحج يجب عليه أن يتم هذا الحج، ولو أنه أفسده فإنه يجب عليه أن يمضي في هذا الحج الفاسد، والحج الفاسد يكون بالجماع قبل التحلل الأول، وهذا ما عليه جمهور العلماء خلافاً للظاهرية، وسيأتينا إن شاء الله في أحكام المناسك.

    وكذلك أيضاً العمرة إذا وطئ فيها قبل إتمامها فإنها تفسد عليه ويجب عليه أن يتمها، وأن يقضي كما سيأتينا إن شاء الله، ولا يخرج منها بالجماع.

    1.   

    ليلة القدر

    الأوقات التي تلتمس فيها ليلة القدر

    قال رحمه الله: (وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان).

    يعني تطلب ليلة القدر ويشرع طلبها في العشر الأواخر من رمضان، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر : (التمسوها في العشر الأواخر)، وهذا ما عليه الحنابلة رحمهم الله كما ذكر المؤلف رحمه الله خلافاً لـأبي حنيفة، فإن أبا حنيفة رحمه الله يرى أنها في جميع السنة، والصواب أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر من رمضان.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى (وأوتاره آكد).

    هي في العشر الأواخر، وآكد العشر الأواخر هي أوتاره، ويدل على ذلك ما تقدم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في الوتر من العشر الأواخر)، وإلا فهي تطلب في جميع العشر الأواخر؛ لأن الوتر قد يعتبر بأول الشهر، وقد يعتبر بآخر الشهر، وعلى هذا فهي تطلب في الأوتار وفي الأشفاع، كما جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لكن إن ضعف الإنسان فإنه يطلبها؟ في أوتار العشر الأواخر، فإن ضعف فإنه يطلبها في ليلة سبع وعشرين؛ كما جاء عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه كان يحلف أن ليلة سبع وعشرين هي ليلة القدر، وهي الليلة التي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقيامها.

    وعلى هذا نقول: أنها تلتمس في العشر الأواخر، وآكد العشر الأوتار، وآكد الأوتار هي ليلة سبع وعشرين، ولهذا قال رحمه الله: (وليلة سبع وعشرين أبلغ).

    لكن كما أسلفنا أنها ترجى في جميع العشر؛ لأن الأوتار قد تكون باعتبار البداية، وقد تكون باعتبار النهاية.

    فضل ليلة القدر والدعاء فيها

    قال رحمه الله: (ويدعو فيها بما ورد).

    والذي ورد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة : (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، هذا ما ورد بخصوص هذه الليلة، وإلا فإنه يدعو بخير الدنيا والآخرة، ويتحين الأدعية الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً يعنى بآداب الدعاء.

    ليلة القدر فضلها عظيم وأجرها كبير، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وسميت هذه الليلة بليلة القدر إما لعظم أمرها، أو أنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، أو لعظم قدرها عند الله عز وجل.

    علامات ليلة القدر

    ليلة القدر لها علامات:

    العلامة الأولى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: (أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها).

    العلامة الثانية: ما جاء من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها حمراء ضعيفة).

    العلامة الثالثة: ما جاء من حديث واثلة بن الأسقع (أنه لا يرمى فيها بنجم).

    1.   

    الاعتكاف

    قال رحمه الله: (باب الاعتكاف).

    لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى أحكام الصيام أعقبه بأحكام الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف تتأكد شرعيته في العشر الأواخر من شهر رمضان، والنبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان، واعتكف خارج رمضان على سبيل القضاء، فكان من المناسب أن يذكر أحكام الاعتكاف بعد أن ذكر أحكام الصيام.

    تعريف الاعتكاف والحكمة من مشروعيته

    الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء، ومنه قوله تعالى: يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ [الأعراف:138].

    وأما في الاصطلاح فقال المؤلف: (وهو لزوم مسجد لطاعة الله عز وجل).

    الاعتكاف لم يرد فيه أجر محدد بخصوصه، والذي ورد فيه هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف، واعتكف أزواجه من بعده رضي الله تعالى عنهن.

    ولا يحفظ في الاعتكاف أجر خاص، لكن من حكم الاعتكاف هو جمع القلب على الله عز وجل، والانقطاع إلى الخالق عن الخلق، وتحري هذه الليلة المباركة ليلة القدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول واعتكف العشر الأواسط ثم اعتكف العشر الأواخر، كل ذلك يلتمس هذه الليلة المباركة، وفي ذلك أيضاً الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم الاعتكاف

    قال رحمه الله: (مسنون).

    يرى المؤلف رحمه الله أن الاعتكاف حكمه مسنون، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه مسنون في كل وقت.

    إذاً: الاعتكاف سنة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو ما عليه جماهير أهل العلم، حتى حكي الإجماع على ذلك، وورد عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه مكروه، وعلته في ذلك أن الصحابة لم يعتكفوا لشدته فهو كالوصال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، والوصال هو أن يقرن بين صيام يومين أو ثلاثة دون أن يفطر بينهما، والوصال منهي عنه إما على سبيل التحريم أو الكراهة كما سيأتي، والذي ورد الترخيص فيه هو الوصال إلى السحر، كما جاء في حديث أبي سعيد : (من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر)، وهذا هو أرجح الأقوال، أنه يجوز الوصال إلى السحر، أما ما عدا ذلك فإنه ينهى عن ذلك إما على سبيل الكراهة، وإما على سبيل التحريم.

    المهم أن الإمام مالك رحمه الله شبهه بالوصال، والوصال منهي عنه، وهذا الكلام فيه نظر.

    أما قوله بأن الصحابة لم يعتكفوا، فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن من بعده، وورد الاعتكاف أيضاً عن علي رضي الله تعالى عنه وحذيفة وابن مسعود كما سيأتي رضي الله تعالى عن الجميع.

    وأما تشبيهه بالوصال فهذا فيه نظر، وفرق بين الوصال وبين الاعتكاف، فالوصال انقطاع عن الطعام والشراب، وأما الاعتكاف فهو انقطاع عن الخلق، وانقطاع إلى الخالق، إلى الله سبحانه وتعالى، وجمع القلب على الله سبحانه وتعالى، وفي هذا من لذة الطاعة وحلاوة المناجاة ما يدخل السرور على القلب.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الاعتكاف مشروع، وأنه سنة، ولهذا قال رحمه الله: (مسنون)، وكما ذكرنا أن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن الاعتكاف مسنون في كل وقت، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، ودليلهم على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وهذا يشمل كل وقت، وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في بعض السنوات وقضاه في العشر الأول من شوال، مما يدل على أن غير رمضان محل للاعتكاف.

    إذاً الاعتكاف مشروع في كل وقت، لكنه في رمضان آكد، وفي العشر الأواخر من رمضان آكد، يعني: هو يتأكد في العشر الأواخر في رمضان، ويتأكد ثانية في العشر الأواخر من شهر رمضان.

    الاعتكاف بلا صوم

    قال رحمه الله: (ويصح بلا صوم).

    هل يشترط الصيام لصحة الاعتكاف أو نقول: بأن الصيام ليس شرطاً لصحة الاعتكاف؟ المؤلف رحمه الله يقول: بأن الصيام ليس شرطاً لصحة الاعتكاف، فيصح أن يعتكف ولو لم يصم، وهذا أيضاً مذهب الشافعي ، واستدلوا على ذلك بالآية: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وهذا يشمل كل وقت، وأيضاً كما سلف أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في بعض السنوات وقضاه في العشر الأول من شوال، ويدخل في العشر الأول، ماذا؟ يوم العيد، ويوم العيد كما سلف لنا يحرم صيامه.

    وأيضاً حديث عمر رضي الله تعالى عنه لما نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره، والليل ليس محلاً للصيام، وكذلك أيضاً جاء مرفوعاً عن ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)، وهذا الحديث لا يصح مرفوعاً، لكنه يصح موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك أيضاً ورد هذا عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.

    الرأي الثاني: أنه لا بد من الصيام لصحة الاعتكاف، هذا قال به أبو حنيفة ومالك ، واستدلوا على ذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر أحكام الاعتكاف بعد أن ذكر أحكام الصيام، وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن هذا لا يلزم منه أن يكون الصيام شرطاً للاعتكاف، ودلالة الاقتران هذه ضعيفة عند الأصوليين، واستدلوا على ذلك بما يروى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: والسنة في من اعتكف أن يصوم، والصحيح والصواب أن قوله في الحديث: السنة فيمن اعتكف أن يصوم، أنه ليس من كلام عائشة رضي الله عنها كما سيأتي.

    قال رحمه الله: (ويلزمان بالنذر).

    الضمير في قوله: (يلزمان) يعود إلى الصوم والاعتكاف، فإذا نذر أن يعتكف صائماً فإنه يجب عليه أن يعتكف صائماً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، وهذا نذر أن يطيع الله فيجب عليه أن يطيعه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم انتقال المسلم من مكانه للتنفل بعد أداء المكتوبة

    السؤال: يقول: بالنسبة للصلاة، هل الأفضل أن ينوع المسلم فيه مكان صلاته لتشهد له الأرض بذلك؟

    الجواب: أما بالنسبة للإمام فالإمام لا يتطوع في مكان المكتوبة، وقد تقدم لنا أنه يكره للإمام أن يتطوع في مكان المكتوبة، وقد ذكرنا دليل ذلك، أما غيره فهذا هو الأولى، لكن لا يكره، كما جاء في حديث معاوية : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى نقوم أو نتكلم).