إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصل في الميتة النجاسة إلا ما استثني من بعض أعيانها وأجزائها، وما لا نفس له سائلة طاهر سواء تولد من طاهر وغيره، وبول ما يؤكل لحمه وسؤر الهرة كذلك طاهر، وأما الحيض فهو من الدماء النجسة ولا حد لأقله ولا لأكثره، وما خرج من الحامل من دم فلا يعتبر حيضاً، أما

    1.   

    تابع الأعيان النجسة

    قال المؤلف رحمه الله: [وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر، وبول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومنيه، ومني الآدمي، ورطوبة فرج المرأة، وسؤر الهرة، وما دونها في الخلقة طاهر، وسباع البهائم، والطير، والحمار الأهلي والبغل منه نجسة.

    باب الحيض:

    لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين، ولا مع حمل، وأقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وغالبه ست، أو سبع، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره].

    تقدم لنا ما يتعلق بتطهير المتنجس أو النجس، وذكرنا أن تطهير المتنجس لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن تكون النجاسة على الأرض.

    القسم الثاني: أن تكون النجاسة متوسطة.

    القسم الثالث: أن تكون النجاسة مغلظة.

    القسم الرابع: أن تكون النجاسة مخففة.

    وذكرنا بأن النجاسة المغلظة هي ما يتعلق بنجاسة الكلب، ونجاسة الخنزير ذكرنا أنها من النجاسة المتوسطة، وكذلك ما يتعلق بنجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام ذكرنا بأن نجاسته نجاسة مخففة، وأنه يكفي في ذلك النضح، وكذلك أيضاً المذي يكفي فيه النضح كما جاء في سنن أبي داود وغيره، فإذا أصاب المذي الثوب فإنه يكفي في ذلك النضح، ونجاسته نجاسة مخففة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتكلمنا أيضاً عن النجس هل يطهر بالاستحالة أو لا يطهر بالاستحالة؟

    ثم بعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله ما يعفى عنه من النجاسات، وذكرنا أن الضابط في ذلك: هو العفو عن سائر يسير النجاسات، وذكرنا الدليل على ذلك، ثم بعد ذلك ذكرنا أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن هناك أعياناً نجسة، وشرعنا في ذكر ضوابط الأعيان النجسة، فذكرنا الضابط الأول وقلنا: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس، وذكرنا ما يستثنى من ذلك، وأنه يستثنى من ذلك الآدمي، كذلك أيضاً ما يشق التحرز عنه، وما لا نفس له سائلة.

    وذكرنا الضابط الثاني وهو: ما خرج من محرم الأكل فهو نجس، وذكرنا ما يستثنى من ذلك فيما يتعلق بالخارج من الآدمي وأن عرقه وريقه ولبنه ومنيه ويضاف القيء، وكذلك ما يتعلق برطوبة فرج المرأة كل هذه الأشياء طاهرة، ومن المستثنيات ما يخرج مما لا نفس له سائلة فهو طاهر، وكذلك أيضاً ما يشق التحرز عنه: عرقه، وريقه، وسؤره: بقية طعامه، ودمعه، كل هذه الأشياء طاهرة.

    الضابط الثالث: كل ميتة نجسة، والميتة هي: كل ما مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية، فكل ميتة نجسة لكن نستثني استثناءين: استثناءً يتعلق بأعيان الميتات، واستثناءً يتعلق بأجزائها.

    ما يستثنى من أعيان الميتات

    أما الاستثناء الأول -وهو ما يتعلق بأعيان الميتات- فنقول: يستثنى من ذلك ميتة الآدمي، فميتة الآدمي طاهرة سواء كان مسلماً أو كافراً.

    ثانياً: ميتة البحر، فهي طاهرة؛ لقول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة:96] ، فصيده ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة : ( الحل ميتته ).

    ثالثاً: مما يستثنى من الميتات ما لا نفس له سائلة، كالخنفساء والجعل ونحو ذلك، فهذه الأشياء طاهرة.

    ما يستثنى من أجزاء الميتات

    وأما الاستثناء الثاني: فهو ما يتعلق بأجزاء الميتة، فنقول: ما يتعلق بأجزاء الميتة نستثني كل ما لا تحله الحياة، فكل ما لا تحله الحياة فهو طاهر، يدخل في ذلك الوبر، والريش، والصوف، والشعر، وكذلك القرون، والأظلاف، فهذه الأشياء كلها طاهرة.

    ثانياً: مما يستثنى من الميتة: جلد الميتة -كما سلف لنا- فجلدها إذا دبغ فإنه يكون طاهراً، وتقدم الكلام حول هذه المسألة، وما هو الجلد الذي يطهر بالدبغ، والجلد الذي لا يطهر بالدبغ، هذا سبق بيانه.

    ثالثاً: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن عظام الميتة طاهرة.

    الدم

    رابعاً: الدم.

    والدم ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الدم المسفوح، والدم المسفوح: هو الذي يخرج عند التذكية، فما دام أن الحيوان لم يمت فهذا إذا كان مأكول اللحم، فإن الدم الخارج عند تذكيته نجس، أما بعد الموت فهو طاهر كما سيأتينا إن شاء الله.

    القسم الثاني: الدم الخارج من فرج الإنسان، كالحيض والنفاس والاستحاضة ونحو ذلك فهذه الدماء نجسة، وقد تقدم لنا حديث أسماء رضي الله تعالى عنها في دم الحيض يصيب الثوب فقال النبي صلى الله عليه وسلم (تحته ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء ثم تصلي فيه).

    القسم الثالث: المسك وفأرته، وهذا تقدم أيضاً الكلام عليه، وذكرنا أن هناك غزلان يقال لها: غزلان المسك، وأنها تُجْرى، فإذا جرت نزل من عند السرة شيء من الدم، فربط بخيط ويشد هذا الخيط حتى ينفصل هذا الدم، فإذا انفصل يكون من أطيب المسك، فهذا الدم إذا تحول إلى مسك فالأصل أن هذا الدم الخارج من الغزال نجس، هذا الأصل لكنه يصير طاهراً، وفأرته أيضاً طاهرة.

    القسم الرابع: الدم الخارج من بدن الحيوان، والدم الخارج من بدن الحيوان كالشاة -مثلاً- نجس، ومن البعير نجس، من باب أولى الحيوانات النجسة كالأسد والنمر ونحو ذلك، وسبق لنا أن ما أبين من حي فهو كميتته، وهذا الدم قد أبين من هذا الحي فيكون كميتته كميتة الشاة وميتة الأرنب ونحو ذلك، فإذا خرج دم من هذا الحيوان سواء كان طاهراً في حال الحياة، أو كان نجساً فإن الدم الخارج منه نجس، فلو انجرح بعير وخرج منه دم فإن هذا الدم الخارج منه نجس.

    القسم الخامس: الدم الخارج من بدن الإنسان غير الفرج، فمثلاً: لو انجرحت يد شخص أو رجله وخرج من ذلك دم فهل هو طاهر أو نجس؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فأكثر العلماء على أنه نجس، بل حكي الإجماع على ذلك لما تقدم من حديث أسماء في دم الحيض: ( تحته، ثم تقرصه، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه)، وأيضاً يقولون بأن الله سبحانه وتعالى يقول: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] .

    الرأي الثاني: أن هذا الدم طاهر، ويدل لذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه صلى وجرحه يثعب دماً، وكذلك أيضاً في حديث جابر رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عيناً فرماه رجل من المشركين بسهم فنزف دماً ومضى في صلاته رضي الله تعالى عنه، وأيضاً سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه لما أصيب ضربت له قبة في المسجد، فنزف دمه في المسجد، فهذا مما يدل على أنه طاهر.

    القسم السادس: دم الشهيد الذي عليه، فدم الشهيد ما دام أنه عليه، فالمشهور من المذهب أنه طاهر، وعند المالكية والشافعية نجس، والقول بطهارة دم الشهيد يؤيد قول من قال: بأن دم الإنسان الخارج منه طاهر؛ لأن دم الشهيد لا فرق بينه وبين دم غيره، فالدم كله خارج من بدن الإنسان، أما كون هذا الرجل تحصل له المنقبة والمنزلة عند الله عز وجل بهذه الشهادة، فهذا لا يغير الحكم بالنسبة لدمه، فقبل أن يقتل كنا نقول بأن دمه نجس لو خرج، وبعد أن قتل واستشهد نقول بأنه طاهر، فهذا فيه نظر.

    القسم السابع: الدم الخارج من حيوان البحر وهو طاهر؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته، وحيوان البحر ميتته طاهرة.

    القسم الثامن: الدم الذي يبقى في العروق بعد ذبح الذبيحة، كالذي يبقى في العروق في اللحم، أو دم الكبد ونحو ذلك، فهو طاهر ولا بأس به.

    التاسع: ما يخرج مما لا نفس له سائلة، فما خرج مما لا نفس له سائلة كالذي يخرج من الخنفسة أو من الجعل ونحو ذلك فإنه طاهر، وليس فيه شيء.

    القسم العاشر: الصديد والقيح ونحو ذلك، فما تحول من هذه الدماء إلى قيح وصديد يأخذ حكمه كما سلف.

    الخمر

    الضابط الأخير: الخمر، والذي عند جمهور العلماء ودلت عليه السنة أن الخمر: هي كل ما أسكر، وهكذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله -وسيأتينا إن شاء الله في باب الأطعمة- خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله، يخص الخمر بماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، والصواب أن الخمر أعم من ذلك، وأنها كل مسكر، فكل مسكر خمر.

    وهل الخمر نجسة أو ليست نجسةً؟ هذا موضع خلاف، فأكثر العلماء رحمهم الله يرون أنها نجسة، ويستدلون على هذا بأدلة، فمن أدلتهم: قول الله عز وجل في وصف خمر الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21] ، فوصف خمر الجنة بأنه طهور يدل بالمفهوم على أن خمر الدنيا نجس.

    ويستدلون بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90] .

    الرأي الثاني: وبه قال ربيعة والمزني والليث بن سعد وغيرهم من أهل العلم يقولون: بأن الخمر طاهرة، وأما النجاسة الواردة فيها فهي نجاسة معنوية، ويستدلون على ذلك بأن الخمر كانت مباحة ثم حرمت فخرج الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالخمر لما حرمت فأراقوها في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما تقدم لنا في آداب قضاء الحاجة لا يجوز قضاء الحاجة في طرق المدينة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم )، وأيضاً صاحب الراوية: الذي أهدى راوية خمر للنبي صلى الله عليه وسلم فساره رجل أنها حرمت، أراقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن يغسلوا ثيابهم وأوانيهم لما حرمت الخمر.

    أعيان طاهرة

    قال المؤلف رحمه الله: (وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر).

    قوله: (وما لا نفس له سائلة) يعني: الحيوان الذي إذا قتل لم يخرج منه دم يسيل حكمه أنه طاهر، لكن المؤلف اشترط أن يكون متولداً من طاهر، وعلى هذا إذا تولد من النجس فإنه يكون نجساً، وعلى هذا فصراصير الكنف التي تتولد من النجاسة نجسة؛ لأنها ليست متولدة من طاهر، فالذي لا نفس له سائلة لكي يكون طاهراً لا بد أن يكون متولداً من طاهر، فإن تولد من النجاسة فإنه يكون نجساً، وهذا مبني -كما سلف- على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة، والصواب في ذلك: أن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهذه العذرة الآن استحالت إلى حيوان، فالصواب: أنه لا فرق في ما لا نفس له سائلة سواء تولد من طاهر أو تولد من نجس، ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة الذباب، (وأن الذباب إذا سقط في شراب أحدكم فليغمسه)، ولو كان نجساً ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغمسه، وتذكية الحيوان إنما شرعت لتطهير الحيوان، ولتطييبه؛ لأنك إذا ذكيت الحيوان فإنك تستخرج ما فيه من الرطوبات المحتقنة في بدنه، وهذا الذي ليس له نفس سائلة لا يحتاج إلى تذكية، فدل ذلك على أنه طاهر، والجراد يؤكل مباشرة لا يحتاج إلى تذكية، مما يدل على أنه طاهر، ولو كان نجساً لاحتجنا لتذكيته لكي نستفرغ الرطوبات المحتقنة في بدنه.

    بول وروث ومني مأكول اللحم

    قال المؤلف رحمه الله: (وبول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومنيه).

    يقول المؤلف رحمه الله عما ذكر بأنه طاهر، فكل ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم بوله وروثه ومنيه طاهر، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، وهذا يدل على أنها طاهرة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر بأن القول بنجاسة بول ما يؤكل لحمه أو روث ما يؤكل لحمه قول محدث خلاف ما عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعيره، ولو كان الروث نجساً لما طاف على البعير، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلّى في مرابض الغنم، فهذا يدل على أن هذه الأشياء طاهرة خلافاً لما ذهب إليه الشافعي من أن هذه نجسة، لكن الصواب في ذلك أنها طاهرة.

    مني الآدمي

    قال المؤلف رحمه الله: (ومني الآدمي).

    يرى المؤلف رحمه الله أن مني الآدمي طاهر، وقد تقدم أن ما خرج من محرم الأكل فهو نجس، واستثنينا من ذلك مني الآدمي وقيئه، والقول بطهارة مني الآدمي هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي ، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيب المني ثوبه، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تفركه إذا كان يابساً، وتغسله إذا كان رطباً، ولو كان نجساً لما اقتصرت على الفرك ولغسلته كما غسلت الرطب، وورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن المني إنما هو بمنزلة المخاط، وأنه يكفي أن تزيله عنك بإذخرة، وعند أبي حنيفة ومالك أن المني نجس إلحاقاً له بالبول؛ لأنه خارج من الفرج.

    وابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد عقد مناظرة بين رجلين: بين رجل يقول بطهارة المني، ورجل يقول بنجاسته، وذكر في أثناء المناظرة أن الذي يقول بطهارة المني يقول: أنا أقول له: بأن أصلك طاهر، فيقول: لا بل أصلي نجس، وهذا من أحسن الردود، وقال: كيف يقال: بأن أصل الأنبياء والشهداء والصالحين يكون نجساً.

    رطوبة فرج المرأة

    قال المؤلف رحمه الله: (ورطوبة فرج المرأة).

    رطوبة فرج المرأة هي التي تخرج من فرج المرأة تعتبر بمنزلة العرق، فليست نجسةً، وتقدم لنا أيضاً أن هذه الرطوبة ليست ناقضةً للوضوء.

    سؤر الهرة وما دونها في الخلقة

    قال المؤلف رحمه الله: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر).

    هكذا ضبطه المؤلف رحمه الله، أولاً سؤر الهرة: هو بقية طعامها، فإذا أكلت الهرة وما كان دونها في الخلقة كالفأرة فسؤرها طاهر، فالهرة ومثلها في الخلقة ودونها في الخلقة طاهرة في حال الحياة.

    الرأي الثاني: أنه لا يقيد بالحجم وإنما يقيد بالتطواف، فإذا كان يكثر التطواف علينا فإنه يكون طاهراً، وهو الذي يشق التحرز عنه، وذكرنا كيفية طهارة أو ما هي طهارة هذا الذي يشق التحرز عنه؟ إما لكثرة تطوافه أو لما ضبطه المؤلف رحمه الله تعالى بالعجز، والمراد بطهارته طهارة عرقه، وطهارة ريقه، وبقية طعامه، ودمعه، وشعره، أما ما عدا ذلك من بوله وروثه ودمه ومنيه ولبنه فإنها نجسة، فبول القط وروثه ومنيه ولبنه ودمه كل هذه نجسة.

    1.   

    تابع الأعيان النجسة

    سباع البهائم والطير

    قال المؤلف رحمه الله: (وسباع البهائم والطير).

    يرى المؤلف رحمه الله تعالى أن سباع البهائم نجسة، وأن سباع الطير نجسة، وسباع البهائم وسباع الطير هي التي أكبر من الهرة خلقة، فسباع البهائم مثل: الأسد والنمر والفيل والفهد، سباع البهائم التي لا تؤكل، وهي أكبر من الهرة في الخلقة، فكل ذي ناب من السباع لا يؤكل وهو نجس، وكل ذي مخلب من الطير لا يؤكل أيضاً وهو نجس، مثل: الصقر والبومة والحدأة، وقد تقدم أن ذكرنا في الضوابط أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس، ويدل لذلك حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه قال في الهرة لما أصغى لها الإناء: ( إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات )، فالعلة في عدم نجاستها هو مشقة التحرز عنها بالتطواف، فيخرج ما عداها من بقية السباع، ويؤيد ذلك حديث القلتين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء )، فيفهم من ذلك أن ما دون القلتين ينجس، ويؤخذ من هذا أن السباع نجسة، ونستدل على ذلك بحديث أبي قتادة؛ لأن حديث القلتين فيه كلام كما سلف لنا.

    الرأي الثاني رأي أكثر أهل العلم: أن سباع البهائم طاهرة لحديث جابر رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم وبما أفضلت السباع )، لكن هذا الحديث ضعيف، والصواب في هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من أن سباع البهائم وسباع الطير نجسة، لكن استثنى من ذلك شعر هذه السباع فلا تحله الحياة، وأيضاً كما تقدم لنا الشعر والقرون والأظلاف والصوف والوبر والريش كل هذه لا تحلها الحياة فتكون طاهرة.

    1.   

    الحمار والبغل المتولد منه

    قال المؤلف رحمه الله: (والحمار الأهلي والبغل منه نجسة).

    هذا المذهب، والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم أن الحمار طاهر، وأن البغل المتولد منه ومن الفرس أيضاً طاهر، والقول بالطهارة هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار، ويعرق عليه، والبغل أيضاً، ويصيبه العرق، وسبق أن ذكرنا أن الطاهر منها: الريق، والعرق، والسؤر، والدمع، أما ما يتعلق ببولها وروثها ومنيها ولبنها والدم الخارج منها فهذه نجسة.

    وقد ذكرنا أن النجاسة أو المتنجس يغسل سبع مرات على المذهب.

    وما هو ضابط الغسل؟ يقولون: لا بد من الحت والقرص بأطراف الأصابع، والعصر إن أمكن وهذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: إخراجها من الماء، فما دامت في الماء فهي غسلة، وإذا أخرجتها ثم أدخلتها شرعت الآن في الغسلة الثانية.

    مسألة أخرى: إذا بقي شيء من أثر النجاسة فهذا لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الباقي طعم النجاسة، فالمحل لم يطهر؛ لأن الطعم يدل على وجود العين.

    القسم الثاني: أن يكون الباقي لون النجاسة، فهذا لا يضر، فإذا بقي أثر احمرار أو اصفرار فإنه لا يضر، فإذا كان الباقي لون النجاسة أو رائحة النجاسة هذا لا يضر.

    القسم الثالث: أن يبقى اللون والرائحة جميعاً، فإذا بقي اللون والرائحة جميعاً فيقولون بأنه يضر إلا إذا عجز.

    1.   

    الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: (باب الحيض).

    المؤلف رحمه الله عنون بباب الحيض؛ لأن الأصل هو الحيض، وأما دم النفاس والاستحاضة فهي دماء حادثة، فالدم الطبيعي بالنسبة للمرأة هو دم الحيض، وقوله: (باب الحيض) يدخل فيه ما يتعلق بدم الاستحاضة ودم النفاس كما سيأتينا.

    تعريف الحيض والأصل في أحكامه

    الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال.

    وأما في الاصطلاح: فدم طبيعة وجبلة يخرج من الأنثى في أوقات معلومة.

    والأصل في أحكامه القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] .

    وأما السنة فسيأتينا إن شاء الله أحاديث كثيرة في أثناء الحديث على هذا الباب، والإجماع قائم على ذلك.

    بداية زمن الحيض ونهايته

    قال المؤلف رحمه الله: (لا حيض قبل تسع سنين).

    قوله: (لا حيض قبل تسع سنين) يعني: لا حيض شرعاً، أما حساً فإذا خرج من الأنثى فهو حيض، فالجارية إذا حاضت ولها ثمان سنوات، فهذا الحيض ليس حيضاً شرعياً بمعنى أننا نرتب عليه الأحكام الشرعية، وعلى هذا إذا حاضت التي لها ثمان سنوات ونحو ذلك فنقول: ما بلغت، فلا تجب عليها صلاة، ولا يجب عليها صيام، وتصلي حتى مع وجود الدم؛ لأن هذا الدم لا نحكم بأنه حيض شرعاً، وإن كان حيضاً حساً لخروج هذا الدم، واستدلوا على ذلك بما يروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنوات فهي امرأة، وهذا الأثر عن عائشة في البيهقي وهو ضعيف، وحتى لو ثبت نقول بأنه محمول على الغالب.

    الرأي الثاني: أنه لا يقيد بتسع سنوات، فمتى رأت الجارية الدم المعروف عند النساء فهو حيض، تثبت له أحكام الحيض؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] ، فعلق الله عز وجل الأمر على وجود الأذى، فإذا وجد الأذى ترتبت الأحكام، وإذا انتفى الأذى انتفت الأحكام، ولم يعلقه على سنوات، فالصواب في ذلك أنه لا يحد وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا بعد خمسين).

    يعني بعد خمسين سنة، يقول المؤلف رحمه الله: إذا جاء الحيض بعد خمسين سنة فليس حيضاً شرعاً وإن كان حيضاً حساً، فهذه امرأة الآن بلغت خمسين سنة، كانت قبل الخمسين يأتيها الدم فنقول لها: اتركي الصلاة، فلما تم لها الآن خمسون سنة نقول: يجب عليها أن تصلي حتى مع وجود هذا الدم، فيقولون: بعد الخمسين ليس حيضاً شرعاً.

    وعند أبي حنيفة يحده بخمس وخمسين سنة.

    الرأي الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن الدم حتى ولو بعد الخمسين إذا تكرر فهو دم حيض، وهذا القول هو الصواب؛ أننا لا نحده بسنوات؛ لقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فالله سبحانه وتعالى علق الأمر بوجود الأذى، فمتى وجد، بعد الخمسين أو قبل الخمسين ترتبت عليه أحكام.

    الحيض مع الحمل

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا مع حمل).

    يقول: لا حيض مع الحمل، فلو أن المرأة حملت ثم بعد ذلك جاءها دم، فإن هذا الدم لا نحكم بأنه حيض، ونحكم بأنه دم فساد، وأن هذه المرأة يجب عليها أن تصوم وأن تصلي، فيقول المؤلف رحمه الله: لا نحكم بالحيض مع وجود الحمل، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، واستدلوا على ذلك ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في السبي أن توطأ حامل حتى تضع، والحائل حتى تحيض )، ولو كانت الحامل تحيض لعلق الأمر بالحيض، لكن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائل علقه بالحيض، وفي الحامل علقه بوضع الحمل، يعني تنتهي عدة الاستبراء إن كانت حاملاً بوضع الحمل، وإن كانت حائلاً بأن تحيض حيضة، وهذا يدل على أن الحامل لا تحيض.

    وكذلك أيضاً يقولون: بأنه وارد عن عائشة رضي الله تعالى عنها بإسناد حسن (أن الحامل إذا رأت الدم تغتسل وتصلي).

    الرأي الثاني كما قلنا رأي مالك والشافعي : أن الحامل تحيض؛ لأن الله سبحانه وتعالى علق الأمر على وجود الأذى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222] ، فمتى وجد الأذى حتى مع الحمل فإنها تأخذ أحكامه، والأطباء في الوقت الحاضر يؤيدون ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية، ويقولون بأن الحمل لا يمكن معه الحيض؛ لأن الحيض هو تكون الدم على جدار الرحم، فإذا جاء وقت خروج الدورة تكسر هذا الدم ثم خرج، هذا التكون ما يوجد، يقولون: ولا يوجد هذا التكون مع وجود الحمل.

    وعلى هذا نقول: الأقرب ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية والله أعلم، وعلى هذا فالمرأة إذا رأت الدم مع الحمل فإنها تصلي وتحتاط، فقد يكون نقطاً وقد يكون نزغات، وقد يكون مضطرباً فلا يأخذ صفات الدم الطبيعي، لكن لو أن هذا الدم لم يضطرب عليها وخرج بصفته وكثرته التي يخرج بها قبل الحمل فيظهر والله أعلم أنه حيض.

    أقل الحيض وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: (وأقله يوم وليلة).

    يقول المؤلف رحمه الله بأن أقل دم الحيض يوم وليلة، وعلى هذا فلو أن المرأة جاءها الدم لمدة عشرين ساعة فهذا ليس حيضاً فتصلي وتصوم، فلا بد أن يتم له يوم وليلة فأكثر، وهذا أيضاً قول الشافعي رحمه الله تعالى، وعند أبي حنيفة يجعل أقله ثلاثة أيام.

    والصواب في ذلك -كما تقدم لنا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أنه لا حد لأقله، كما أنه لا حد لأكثره بالنسبة للسنوات، فكذلك أيضاً نقول: لا حد لأقله ولا لأكثره بالنسبة للأيام؛ لأن الله سبحانه وتعالى علق الأمر على وجود الأذى، فمتى وجد هذا الأذى ترتبت عليه الأحكام حتى لو كان هذا الأذى لمدة عشرين ساعة ونحو ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأكثره خمسة عشر يوماً).

    وعلى هذا إذا زاد على خمسة عشر يوماً فإنه يكون استحاضة كما سيأتينا إن شاء الله، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وعند الحنفية يقولون: أكثره عشرة أيام، والذين حدّوه بخمسة عشر يوماً استدلوا لاعتباره بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تجلس إحداكن شطر الدهر لا تصلي ) يعني: نصف الدهر.

    الرأي الثاني: أنه لا حد لأكثره، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله لما ذكرنا من الدليل في قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فالله سبحانه وتعالى رتب الأمر على وجود الأذى.

    قال المؤلف رحمه الله: (وغالبه ست، أو سبع).

    هذا صحيح، فكثير من النساء من تحيض لمدة ستة أيام، ومنهن من تحيض لمدة سبعة أيام هذا هو الغالب، والوجود يشهد لهذا، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ( تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة.. )، فهذا يدل على أن الغالب هو ست أو سبع، وقد تحيض بعض النساء خمسة أيام، وبعض النساء قد تحيض ثمانية أيام أو تسعة، لكن هذا خلاف الغالب.

    أقل الطهر بين الحيضتين وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: (وأقل طهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً).

    يقول المؤلف رحمه الله بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا لو أن المرأة طهرت من حيضتها، وبعد عشرة أيام جاءها دم، فنقول بأنه ليس دم حيض، فلا بد أن يكون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا لو أنه بعد اثني عشر يوماً جاءها دم فلا نحكم بأن هذا الدم دم حيض؛ لأن أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً.

    وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا حد له، وهذا القول هو الصواب، وقد تقدم لنا أن مثل هذه الأشياء لم يرد فيها تقدير وتحديد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ولا حد لأكثره).

    يعني: لأكثر الطهر وهذا صحيح، فالطهر أيضاً ليس له حد لأكثره؛ لأن بعض النساء لا تحيض أصلاً، فلا حد لأكثره.