إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصيام [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الصيام فرضاً ونفلاً، وما ذلك إلا لعظيم أجره وكثرة فوائده، ومما ندب إلى صيامه: صيام الست من شوال، وأيام البيض، والإثنين والخميس، ويوم عرفة، وعاشوراء، وشهر المحرم، ومما يستحب للمسلم الاعتكاف وله أحكام وآداب.

    1.   

    تابع صيام التطوع

    كنا في الدرس السابق شرعنا في أحكام صيام التطوع، وذكرنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التطوع ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: تطوع حافظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

    القسم الثاني: تطوع رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُحفظ عنه، كصيام يوم وإفطار يوم، وكصيام شهر الله المحرم، وكصيام الإثنين ... إلى آخره.

    والقسم الثالث: تطوع أكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام شهر شعبان.

    والقسم الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم، إذا وجد الفراغ سرد الصوم كما ذكرت عائشة : (كان يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم)، فكان أحياناً يسرد الصوم، وأحياناً يسرد الفطر حسب ما يتعلق به عليه الصلاة والسلام من أعمال.

    صوم الست من شوال

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله].

    ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين، فيكون كأنه صام الدهر كله.

    وهل الأفضل أن يوالي هذه الست مع رمضان أو أنه يفصلها عن رمضان؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والذي يظهر -والله أعلم- أن السنة أن يواليها؛ لظاهر الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أتبعه ستاً من شوال)، فيتمكن المسلم أن يُتبع هذه الأيام الستة برمضان مباشرة، فهذا يظهر أنه أفضل، ولأنه أسرع في الخير، وأحوط لصيام هذه الأيام.

    وهل إذا كان عليه قضاء يُقدم هذه الأيام الستة على القضاء أم أنه لابد أن يقضي أولاً؟

    نقول: لابد أن يقضي أولاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال)، وإذا صام هذه الأيام الستة قبل أن يقضي عليه، فإنه يكون قد أتبع هذه الأيام بعضاً من رمضان، ولم يكن مُتبعاً لرمضان، وإنما أتبع بعضاً من رمضان، فهذا هو الأقرب في هذه المسألة، وسواء صام هذه الأيام الستة متتابعة أو متفرقة.

    صوم عاشوراء

    قال المؤلف رحمه الله: [وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة].

    يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، يقول المؤلف رحمه الله: صيامه كفارة سنة، ودليل ذلك حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم عرفة يُكفر سنتين، سنة ماضية ومستقبلة وصوم يوم عاشوراء يُكفر سنة ماضية)، رواه مسلم .

    فيوم عاشوراء يُكفر سنة، وهو كما ذكرنا اليوم العاشر من شهر الله المحرم، ويُستحب أن يصوم قبله اليوم التاسع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع).

    هذا أفضل شيء أن يصوم التاسع والعاشر، ولو أنه اقتصر على صيام يوم عاشوراء وأفرده فإن هذا لا يُكره، يعني لا بأس أن يُفرد عاشوراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفرده في أول الأمر وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، يعني مع العاشر كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم ، لكن الأفضل أن نصوم التاسع مخالفة لأهل الكتاب، والمخالفة هنا ليست واجبة وإنما هي مستحبة، المخالفة هنا مستحبة؛ لأن العمل مشروع عندهم وعندنا، فلا تجب المخالفة في هذه الحالة، فلو أفرد يوم عاشوراء بالصيام فإنه مشروع، ويؤجر ويدرك الفضل، ولا كراهة في عمله وإن خالف الأفضل.

    صوم يوم عرفة

    قال المؤلف رحمه الله: [وصيام يوم عرفة كفارة سنتين].

    لما تقدم من حديث أبي قتادة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة يُكفر سنتين ماضية ومستقبلة).

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُستحب لمن بعرفة أن يصومه].

    لا يُستحب لمن بعرفة أن يصومه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه كما في حديث أم الفضل في الصحيحين (أنهم تماروا في يوم عرفة هل صامه الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فبعثت إليه بلبن فشرب)، مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم يوع عرفة، فمن كان حاجاً مُحرماً في ذلك اليوم فإنه لا يُستحب له أن يصومه، أولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه، وثانياً: لكي يتقوى في ذلك اليوم على الدعاء، ويُكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى.

    صوم أيام البيض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويُستحب صيام أيام البيض].

    أيام البيض هي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر، وسُميت بأيام البيض لابيضاض القمر فيها، ويدل لذلك حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشرة وأربعة عشرة وخمس عشرة) رواه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا الحديث في سنده اختلاف، فمن العلماء كـأبي زرعة رحمه الله تعالى رجح رفعه، ومن العلماء من لم يُرجح رفعه.

    وعلى كل حال صيام ثلاثة أيام من كل شهر ثابت في الصحيحين كما في حديث عبد الله بن عمرو ، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر كله.

    صوم يوم الإثنين والخميس

    قال المؤلف رحمه الله: [والاثنين].

    يُستحب صيام يوم الاثنين، ويدل لذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن صيام يوم الإثنين فقال: ذلك يوم ولدت فيه، وأُنزل عليّ فيه، أو بُعثت فيه).

    قال المؤلف رحمه الله: [والخميس].

    لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الإثنين والخميس، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والنسائي ، وله شواهد وفي إسناده خلاف، لكن له شواهد كحديث أبي ذر في سنده اختلاف لكن له شواهد.

    إفطار الصائم المتطوع

    قال المؤلف رحمه الله: [والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه].

    المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، لكن يُكره إبطال العمل الصالح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ، فإبطال العمل الصالح مكروه إلا لحاجة، فإن احتاج إلى ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به.

    ويدل على جواز إبطال العمل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم، قال: هل عندكم من شيء؟ قالت: فقدمت له حيساً، فقال: لقد أصبحت صائماً، فأكل منه)، رواه مسلم في صحيحه، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه هذا يدل على أنه لا بأس أن يُفطر الصائم إذا كان صيامه تطوعاً.

    وقول المؤلف: (والصائم المتطوع) يُخرج من صام صوماً واجباً، كصيام نذر أو كصيام قضاء ونحو ذلك، فإنه إذا صام صوماً واجباً فإنه لا يجوز له أن يقطعه؛ لأن الواجب يجب عليه أن يُتمه، ولا يجوز له أن يخرج منه.

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك سائر التطوع].

    كذلك سائر التطوع من صلاة واعتكاف ونحو ذلك، هذا كله يجوز لمن شرع فيه أن يخرج منه، لكن كما ذكرنا يُكره أن يُبطل العمل لغير حاجة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ، فإن كان هناك حاجة فإن الكراهة تزول بالحاجة.

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما فسد منهما].

    الحج والعمرة ولو كان تطوعاً فإنه يجب إتمامهما؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، فإذا شرع في نسك الحج أو نسك العمرة فإنه يجب عليه أن يتمهما؛ لما تقدم من الآية، ولأن الله سبحانه وتعالى قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] ، فشبه الله سبحانه وتعالى الإحرام بالحج بالنذر، والنذر يجب الوفاء به، (من نذر أن يطيع الله فليطعه).

    قال: (فيجب إتمامهما)، فإذا شرع في نسك الحج أو العمرة ما يخرج منهما إلا بواحد من أمور ثلاثة:

    الأمر الأول: إتمام النسك.

    الأمر الثاني: الإحصار، إذا حصل إحصار ومُنع من إتمام نسكه، فإنه يتحلل كما هو معروف عند أهل العلم رحمهم الله، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما حُصر ومُنع من الحرم، تحلل النبي صلى الله عليه وسلم.

    والأمر الثالث: الرِدة نسأل الله السلامة بمنه وكرمه.

    قال: (وقضاء ما فسد منهما)، متى يفسد الحج؟ نقول: يفسد الحج إذا جامع فيه، إذا جامع في الحج قبل التحلل الأول فإن حجه يفسد، ويجب عليه أن يقضيه، ويمضي في هذا الحج الفاسد، وكذلك أيضا إذا جامع في العمرة قبل نهاية السعي فإن عمرته تفسد عليه، ويجب عليه أن يمضي في هذا الفاسد وأن يقضيه كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قضاء الحج الفاسد.

    1.   

    الأيام المنهي عن الصيام فيها

    يوم العيدين

    قال المؤلف رحمه الله: [ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفِطر ويوم الأضحى].

    كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفِطر ويوم الأضحى)، وهذا مجمع عليه عند العلماء رحمهم الله، والحِكمة من النهي عن صيام يوم الفِطر حماية عبادة رمضان، بمعنى أن يوم العيد كالحريم لهذه العبادة؛ لئلا يُدخل فيها ويُزاد فيها ما ليس منها، كما أنه نُهي أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ حماية لهذه العبادة لئلا يُزاد فيها ما ليس منها.

    وأما يوم الضحى فإنه اليوم الذي يُتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذبح النُسك، سواء كان ذلك للحلال أو كان ذلك للمُحرم، فكانت الحِكمة أن يكون مُفطراً؛ لكي يأكل ويتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الأكل من هذا النُسك.

    أيام التشريق

    قال المؤلف رحمه الله: [ونهى عن صيام أيام التشريق].

    أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحِجة، وسُميت هذه الأيام بأيام التشريق؛ لأن الناس في هذه الأيام يُشرقون اللحم، يُقطعونه وينشرونه في الفضاء لكي لا يتسارع إليه الفساد.

    ويدل لذلك حديث نبيشة الهذلي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذِكر لله سبحانه وتعالى)، وورد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال في أيام التشريق: (هذه هي الأيام التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها)، رواه الإمام مالك رحمه الله في موطئه وأبو داود وإسناده صحيح.

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أنه رُخص في صومها للمتمتع الذي لم يجد الهدي].

    المتمتع يجب عليه الهدي، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ، لكن هذا المتمتع إذا لم يجد هدياً فإنه يصوم، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196] ، الثلاثة الأيام التي تكون في الحج يبدأ وقتها من حين الإحرام للعمرة.

    المتمتع يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم يفرغ منها، ثم يُحرم بالحج من عامه، فيبدأ صيام ثلاثة أيام من حين الإحرام بالعمرة، فلو أنه مثلاً أحرم بالعمرة في عشرين من ذي القعدة، فإنه يبدأ الصيام، لو صامها قبل عرفات الحمد لله، لم يصمها حتى جاء عرفات وجاء يوم النحر، فإنه يصومها في أيام التشريق، رُخص له في ذلك.

    ويدل لذلك حديث ابن عمر وعائشة أنهما قالا: (لم يُرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي)، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله، فإنه لا يرى أن المتمتع يصوم أيام التشريق، لكن ما ذهب إليه الجمهور رحمهم الله تعالى هو الصواب في هذه المسألة؛ لما ذكرنا من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم كما في الصحيحين.

    1.   

    ليلة القدر

    قال المؤلف رحمه الله: [وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان].

    ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، وأرجاها الأوتار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب (أنه كان يحلف أن ليلة القدر هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها ليلة سبع وعشرين).

    وليلة القدر اختلف فيها العلماء رحمهم الله كثيراً، وأصوب الأقوال في ذلك أنها في العشر الأواخر، لكنها تنتقل، ليلة تكون ليلة إحدى وعشرين كما في حديث أبي سعيد، وتارة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وتارة تكون ليلة خمس وسبع وتسع.

    بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها كما تُلتمس في الأوتار أيضا تُلتمس في الأشفاع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى...) إلى آخره، وعلى هذا نقول: الأحوط للمسلم أن يلتمسها في العشر كلها، سواء كان ذلك في الأوتار أو كان ذلك في الأشفاع، لكن إن غُلب فإنه يلتمسها في الأوتار، كما ذكرنا أن الأوتار أرجى من الأشفاع، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين، وأنها تنتقل على الصحيح من كلام أهل العلم.

    1.   

    الاعتكاف

    تعريف الاعتكاف وحكمه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاعتكاف].

    الاعتكاف في اللغة: اللزوم، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52].

    وأما في الاصطلاح فهو لزوم مسجد لطاعة الله سبحانه وتعالى، والأصل في الاعتكاف القرآن والسنة والإجماع.

    أما القرآن فقول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].

    وأما السنة فاعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي اعتكف العشر الأواخر، اعتكف أولاً العشر الأول ثم الأواسط ثم اعتكف العشر الأواخر يلتمس هذه الليلة المباركة ليلة القدر.

    قال المؤلف رحمه الله: [وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، وهو سنة].

    الاعتكاف سنة، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله خلافاً لما يروى عن الإمام مالك رحمه الله من كراهة الاعتكاف، وأنه لشدته كالوصال، وأنه لم يعتكف أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا فيه نظر، والاعتكاف ثابت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأزواج النبي اعتكفن من بعده.

    قال: (سنة)، والأدلة على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وقول الله سبحانه وتعالى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [لا يجب إلا بالنذر].

    لا يجب إلا بالنذر، ويدل لهذا حديث عائشة في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، والنذر يجب الوفاء به.

    المسجد الذي يصح في الاعتكاف

    قال المؤلف رحمه الله: [ويصح من المرأة في كل مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة].

    المرأة يصح منها الاعتكاف في كل مسجد، لكن هل يصح منها في مسجد بيتها؟

    نقول: لا يصح منها في مسجد بيتها، فلو اتخذت مصلى في بيتها، فإن الاعتكاف في هذا المصلى لا يصح، ولهذا نساء النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في مسجده، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وضربن الأخبية في المسجد.

    فالاعتكاف في البيت أو في مسجد البيت أو مصلى البيت لا يصح، لابد أن يكون الاعتكاف في مسجد الجماعة، لكن هل لابد من إقامة الجماعة فعلاً أو لا؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إن كانت المعتكفة امرأة لا يُشترط أن تكون الجماعة تُقام في هذا المسجد، فقد يكون الناس في هذا الشهر في شهر رمضان لا يحتاجون هذا المسجد، ولا تُقام فيه الجماعة، لكنه مسجد جماعة، فيصح للمرأة أن تعتكف فيه.

    أما الرجل فإنه لابد أن يعتكف في مسجد تُقام فيه الجماعة، المرأة تعتكف في مسجد جماعة، لكن ليس بشرط أن تكون الجماعة مما يُقام في هذا المسجد، فلو أن الناس تركوا إقامة الجماعة في هذا المسجد لفترة ونحو ذلك فنقول: يصح للمرأة أن تعتكف فيه، أما الرجل فإنه لا يصح له أن يعتكف فيه؛ لأن الرجل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة، صلاة الجماعة واجبة، فإذا اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجماعة، يكون قد أخل بهذا الواجب.

    ولنفرض أن هناك مسجداً يُبنى للجماعة، لكنه حتى الآن لم يصل فيه الناس، لم يشرع الناس في الصلاة فيه، فالمرأة يجوز لها أن تعتكف فيه؛ لأنها ليست من أصل الجماعة ولا الجُمع، أما الرجل فإنه لا يجوز له أن يعتكف فيه.

    قال المؤلف رحمه الله: [واعتكافه في مسجد تُقام فيه الجمعة أفضل].

    الرجل يعتكف في مسجد تُقام فيه الجمعة، يقول المؤلف رحمه الله: بأن هذا أفضل، لئلا يحتاج إلى الخروج إلى صلاة الجمعة.

    وركن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، هذا هو ركن الاعتكاف، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يُشترط أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة، وهذا ما عليه جماهير العلماء خلافاً لما ذهب إليه بعض السلف من أنه يُشترط أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة.

    وأما ما يُروى من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، فهذا الجواب عنه من وجهين:

    الوجه الأول: أنه لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الثقات من الأئمة يقفونه ولا يرفعونه.

    الوجه الثاني: على ثبوت رفعه فإنه محمول على الكمال، لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة، وقول الله سبحانه وتعالى:وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] يشمل كل مسجد.

    وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة هو الوارد عن الصحابة.

    الاعتكاف المنذور في مسجد معين

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن نذر الاعتكاف والصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره].

    إذا نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد، فإن هذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون النذر أو الصلاة في المساجد الثلاثة، إذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة، فنقول: إن نذر أن يكون اعتكافه أو تكون صلاته في المسجد الحرام يجب أن يوفي به.

    نذر في المسجد النبوي يجوز في للمسجد النبوي، ويجوز أن يخالفه إلى ما هو أفضل في المسجد الحرام، نذر في المسجد الأقصى، يجوز أن يخالفه إلى المسجد النبوي وإلى المسجد الحرام، فإذا نذر الأعلى تعين، إذا نذر ما دونه له أن ينتقل إلى الأعلى.

    ويدل لهذا قصة الرجل -كما في حديث جابر - الذي نذر إن فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلم مكة أن يصلي في المسجد الأقصى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا) فأعاد الرجل، فقال النبي: (صل ها هنا)، فأعاد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا)، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (شأنك إذاً)، فنقله النبي صلى الله عليه وسلم من المفضول إلى الأفضل.

    فنقول: إن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة تتعين هذه المساجد، لكن إذا نذر الأعلى تعين، وإن نذر ما دونه له أن ينتقل إلى الأعلى، ودليل الانتقال ما ذكرنا من قصة الرجل، ودليل تعين هذه المساجد الثلاثة؛ لأن هذه المساجد الثلاثة هي التي يُشرع للمسلم أن يشد الرحل إليها، لا توجد بقعة تُشد الرحال إليها إلا هذه المساجد الثلاثة، ماعدا ذلك من البقاع فإن الرِحال لا تُشد إليها، هذا القسم الأول.

    الحالة الثانية: أن ينذر الاعتكاف أو الصلاة في غير المساجد الثلاثة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يتعين، فلو مثلاً نذر أن يصلي في هذا المسجد ركعتين، أو أن يعتكف في هذا المسجد، له أن يخالف إلى مسجد آخر ولا يتعين، لماذا؟

    لئلا يترتب على ذلك شد الرحال، فقد ينذر -مثلاً- أن يعتكف في مسجد في المدينة غير المسجد النبوي، لو قلنا: بأنه يتعين يترتب على ذلك أن يشد الرحل إلى هذا المسجد، كما ذكرنا لا تُشد الرحال لأي بقعة إلا لهذا الثلاث البقع فقط، فإذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في أي مسجد غير المساجد الثلاثة فإنه لا يتعين وله أن يخالفه.

    وقال بعض العلماء: بل يتعين إذا لم يترتب على ذلك شد الرحل، وخصوصاً إذا كان له مزية شرعية، إذا كان لا يترتب على ذلك شد الرحل؛ لأن العِلة هي لئلا يترتب على ذلك شد الرِحال، إذا انتفت هذه العِلة انتفى ما يترتب عليها، فيتعين إذا لم يترتب عليه شد الرحل، وهذا القول قوي.

    الاعتكاف المنذور في المساجد الثلاثة

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر في المسجد الحرام لزمه، لأن المسجد الحرام هو أفضل المساجد].

    ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف فيما سواه)، والحديث حديث جابر رضي الله عنه أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن المنذر وإسناده صحيح.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن نذر في مسجد المدينة فله فعله في المسجد الحرام]، لأن المسجد الحرام أفضل من مسجد المدينة؛ لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن نذر في المسجد الأقصى فله فعله فيهما] يعني إذا نذر أن يعتكف أو أن يصلي في المسجد الأقصى فله أن يفعل نذره في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام؛ لأنهما أفضل منه، ولما ذكرنا من حديث جابر رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك أن أُصلي في بيت المقدس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ها هنا)، فسأله فقال: (صل ها هنا)، فسأله فقال: (شأنك إذاً)، رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الحاكم وإسناده حسن.

    ما يستحب للمعتكف

    قال المؤلف رحمه الله: [ويُستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القُرب].

    يُستحب للمعتكف أن يشتغل بفعل القُرب، يعني: الطاعات، وهي كل ما يُقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وهل هذا خاص بالعبادات المحضة أو أنه يشمل العبادات المحضة والمتعدية؟

    العبادات المحضة مثل: قراءة القرآن، والدعاء، والصلاة .. وغير ذلك، أو أنه يشمل العبادات المحضة والمتعدية.

    هذا موضع خلاف، فكثير من العلماء يرى أن الاعتكاف خاص بالعبادات المحضة، يعني يشتغل بالقراءة والدعاء والصلاة والذكر ونحو ذلك، وأما العبادات المتعدية من إقراء القرآن، وتعليم العلم، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، يقولون: بأنه لا يفعلها، إذ إن مقصود الاعتكاف هو جمع القلب على الله سبحانه وتعالى، والانقطاع إلى الله والخالق عن المخلوق ونحو ذلك.

    والصواب في ذلك أن هذا كله جائز، المهم أن المعتكف يُقضي لحظات الاعتكاف فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كانت عبادة محضة أو كانت عبادة متعدية.

    قال المؤلف رحمه الله: [واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل].

    المعتكف أيضا يُستحب له أن يجتنب ما لا يعنيه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ويضرب له خباء ينفرد فيه بنفسه وبذكر الله ودعائه، ولم يكن يجالس من حيث الجملة صحابته ولم يكن يُحدثهم، وإنما ينفرد بنفسه، فاجتناب ما لا يعنيه هذا هو الذي ينبغي للمعتكف.

    خروج المعتكف من المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه].

    اللبث في المسجد ركن الاعتكاف، وعلى هذا نقول: المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأُرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً).

    وخروج المعتكف من المسجد يقسمه العلماء رحمهم الله تعالى إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يخرج بعض جسمه من المسجد، فإذا أخرج بعض جسمه من المسجد فإن هذا لا يضره، ويدل له ما سلف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُخرج رأسه إلى عائشة فتُرجله، تُسرحه تدهنه، والنبي صلى الله عليه وسلم معتكف.

    القسم الثاني: أن يخرج لأمر لابد له منه طبعا أو شرعاً، طبعاً كما لو احتاج إلى قضاء الحاجة أو احتاج إلى أن يأكل أو أن يشرب، وليس هناك من يأتيه له به في المسجد ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، أو شرعاً، كما لو احتاج إلى الوضوء، احتاج إلى أن يخرج لصلاة الجمعة ونحو ذلك.

    القسم الثالث: أن يخرج لأمر يُنافي الاعتكاف، كما لو خرج للبيع والشراء أو لجماع الزوجة أو مباشرتها ونحو ذلك من أمور الدنيا فنقول: بأنه يبطل عليه اعتكافه.

    القسم الرابع: أن يخرج للضرورة، إذا اضطر إلى الخروج كما لو حاضت المرأة أو نفست أو حصل خوف في المسجد أو حريق ونحو ذلك، يعني خاف على نفسه من لص أو حريق، حصل حريق في المسجد أو نحو ذلك فالخروج للضرورة هذا لا بأس به، وهذا جائز، ولا يُبطل عليه اعتكافه.

    القسم الخامس: أن يخرج لقربة من القرب، يعني يخرج لأمر لا يُنافي الاعتكاف، لقربة من القرب، كما لو خرج للصلاة على جنازة أو لعيادة مريض أو لحضور درس علم أو نحو ذلك من القرب، فقال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يشترط] يعني هذا الخروج لهذه القرية جائز مع الاشتراط، فإذا اشترط فإن هذا لا بأس، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء رحمهم الله.

    واستدلوا على ذلك بقصة ضباعة بنت الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حُجي واشترطي)، لما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له أنها تريد الحج، وأنها تجدها شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حُجي واشترطي)، فحديث ضباعة يدل على الاشتراط، وهو في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    وأما قوله: (فإن لكِ على ربكِ من استثنيت)، فهذه اللفظة شاذة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب بعض العلماء إلى أن الاشتراط غير صحيح؛ لأن العبادات توقيفية ولا يُشترط فيها مثل ذلك، والله أعلم.