إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا خفيت القبلة على المصلي فالصواب أن له الاجتهاد مطلقاً سواء كان في الحضر أو السفر، وتشترط النية للصلاة، ويستحب إتيان الصلاة بسكينة ووقار، فإذا جاء وقد أقيمت الصلاة فلا يصلي السنة أو تحية المسجد، فإذا كبّر الإمام فيستحب له أن يرفع صوته ويسرّ غيره.

    1.   

    تابع شروط الصلاة

    تابع الشرط الخامس: استقبال القبلة

    تقدم الكلام على أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، وذكرنا أن الاستقبال يسقط في مواضع:

    الموضع الأول: في النافلة في السفر سواء كان الإنسان راكباً أو راجلاً, فإنه يسقط الاستقبال.

    الموضع الثاني: في حال الضرورة، فإذا كان الإنسان مضطراً إلى ترك الاستقبال فلا بأس، كما لو كان هارباً من سبع أو هارباً من نار أو من عدو أو في حال القتال فإنه يصلي حيث كان وجهه؛ لقول الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، قال ابن عمر : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.

    الموضع الثالث: في حال المشقة الظاهرة فلا بأس، فإذا كان الإنسان لا يتمكن من الاستقبال إلا بمشقة ظاهرة فإن الاستقبال يسقط عنه؛ لقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    وأيضاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).

    وأيضاً لقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .

    وقوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    فإذا كان هناك مشقة ظاهرة فإنه يسقط عنه الاستقبال.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل الكعبة ].

    يعني: ما عدا ما تقدم استثناؤه ممن يسقط عنه الاستقبال شرعاً لا تصح صلاته إلا مع الاستقبال؛ لما تقدم من الدليل على ذلك في قول الله عز وجل: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].

    ولحديث أبي هريرة السابق في المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: (لا تصح صلاته إلا مستقبل القبلة) أنه سواء صلى إلى غير القبلة عالماً أو جاهلاً أو ناسياً، فلو صلى إلى غير القبلة عالماً فالأمر في ذلك ظاهر، وكذلك أيضاً لو نسي وصلى إلى غير قبلة، أو جهل وصلى إلى غير قبلة، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا تصح صلاته؛ لقوله: ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل القبلة؛ لأن الاستقبال شرط من شروط صحة الصلاة, لا يعذر فيه بالجهل والنسيان ما دام أنه يمكنه أن يستدرك.

    استقبال عين الكعبة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها ].

    يعني: إذا كان قريباً من الكعبة، وحّد العلماء رحمهم الله القرب بأن يكون في المسجد، فإذا كان في المسجد الحرام فإنه لا بد أن يصيب عين الكعبة، يعني: أن يكون بدنه إلى عين الكعبة، فلو صلى إلى الجهة فإن صلاته لا تصح، يعني: لو كان الآن جالساً في المسجد واستقبل الكعبة ثم انحرف عنها وصلى إلى الجهة فإنها لا تصح، وذكر العلماء رحمهم الله حد القرب بأن يكون في المسجد، وحينئذ لا بد أن يصيب عين الكعبة، فلو انحرف يميناً أو يساراً فإن صلاته لا تصح، يعني: لا يكتفى بالجهة.

    وكذلك أيضاً لو أنه خرج شيء من بدنه عن عين الكعبة لا تصح صلاته، فلا بد أن يكون جسمه إلى عين الكعبة، فلو أنه انحرف عنها يميناً أو انحرف عنها شمالاً أو خرج شيء من بدنه عن الكعبة فإنها لا تصح صلاته.

    قال: (فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها)؛ لقول الله عز وجل: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].

    وأيضاً ما تقدم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).

    والنبي عليه الصلاة والسلام صلى داخل الكعبة ثم خرج وقال: ( هذه القبلة )، أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة.

    قال: [ وإن كان بعيداً فإلى جهتها ].

    يعني: إذا كان غير قريب بأن لم يكن داخل المسجد فإنه يصلي إلى الجهة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة )، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة؛ لأن أهل المدينة قبلتهم إلى جهة الجنوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أخرجه الترمذي وغيره، وصححه الترمذي .

    وعلى هذا لا يضر التيامن اليسير، العلماء يقولون: لا يضر التيامن اليسير, ولا التياسر اليسير، فعندنا الآن القبلة في هذا البلد إلى جهة الغرب، هنا الشمال وهنا الجنوب، ما بين الشمال والجنوب هذا كله قبلة، إذا صليت هكذا فصلاتك صحيحة، وإذا انحرفت يميناً فما دمت في الجهة فصلاتك صحيحة، أيضاً لو تياسرت فصلاتك صحيحة، يعني: إذا صليت إلى ما بين الركنين بين الركن الشمالي الغربي والركن الجنوبي الغربي كان هذا كله قبلة، لكن الآن إذا انحرفت إلى الركن الشمالي نقول: خرجت عن مساماة الجهة، أو انحرفت إلى الركن الجنوبي نقول: انحرفت عن مساماة الجهة، ما دمت في الجهة فصلاتك صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) يعني: كل جهة الجنوب هذه قبلة لأهل المدينة، في مثل هذا البلد نقول: كل جهة الغرب قبلة لهذا البلد، فعندنا الآن كل هذه الجهة والحمد لله قبلة، ولا يضر التيامن والتياسر, ما دمت أنك ما جعلت بدنك إلى الجهة الشمالية أو إلى الجهة الجنوبية، فهذا كله يكون لك قبلة.

    ودليل ذلك كما أوردنا: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).

    وقوله: (وإن كان بعيداً إلى جهتها) هذا يشمل حتى من كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض أهل العلم قال: بأن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لا بد فيه من إصابة عين الكعبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مسجده، وكان ينزل عليه الوحي، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام منحرفاً عن عين الكعبة يميناً أو يساراً لجاء الوحي بتنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، لكن الظاهر في ذلك ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, من أن الذي يلزمه العين هو من كان قريباً من الكعبة فقط بأن يكون في المسجد، ما عدا ذلك فالجهة؛ لأن بعض أهل العلم كما قلنا استثنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا بد فيه من العين.

    وأيضاً بعض أهل العلم استثنى من كان ناشئاً في مكة, قال: لا بد من العين، والصواب في ذلك: أن من كان ناشئاً في مكة أو كان ناشئاً في المدينة أو صلى في المسجد أنه تكفي في ذلك الجهة، ولا يشترط إصابة العين، نشترط إصابة العين على من كان قريباً منها بحيث يتمكن, وذلك مثل من كان في داخل المسجد يتمكن أن ينظر إلى عين الكعبة ويصيب عين الكعبة.

    الاجتهاد في القبلة في الحضر والسفر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن خفيت القبلة في الحضر سأل, واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة ].

    بالنسبة لما يستدل به على القبلة، ذكر المؤلف رحمه الله ما يستدل به على القبلة: أولاً المحاريب الإسلامية هذه يستدل بها على القبلة، فإذا دخلت بلداً ورأيت محراب مسجده إلى هذه الجهة فهذا تستدل به على جهة القبلة؛ لأن كون المسلمين يضعونه إلى هذه الجهة إنما وضعوه عن علم. هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: الخبر، خبر الثقة، فإذا أخبرك ثقة بأن جهة القبلة إلى كذا وكذا فإنك تأخذ بخبره، ويدل لذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث الرسل ويبعث الدعاة يبعثهم وحداناً، ومع ذلك يؤخذ خبرهم، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في بعث معاذ إلى اليمن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ), إلى آخر الحديث.

    وأيضاً أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس فجاءهم رجل فأخبرهم أن القبلة حولت من بيت المقدس إلى الكعبة, فتحولوا وهم في الصلاة.

    فنقول: خبر الثقة، ما دام أنه ثقة يوثق بقوله، وهل تشترط عدالته أو لا تشترط عدالته.

    هذه تكلم عليها العلماء رحمهم الله، والصواب: أن ذلك ليس شرطاً، المهم أننا نثق بقوله؛ لقول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فإذا كان صادقاً عرف عليه الصدق أو ظننت فيه الصدق ولم يعرف بالتساهل والكذب فإنه يقبل خبره، وسواء ذكراً أو أنثى، حراً أو رقيقاً, إلى آخره.

    الأمر الثالث: العلامات الأفقية والعلامات الأرضية، يعني: مما يستدل على القبلة العلامات الأفقية والعلامات الأرضية، فيستدل بالشمس والقمر، وأيضاً بالنجوم، وأيضاً العلماء يطيلون في مثل هذه المسائل، فالعلامات الأفقية كما ذكرنا الشمس والقمر والنجوم هذه يستدل بها وبمنازلها على القبلة، وكذلك أيضاً ذكر العلماء رحمهم الله أنه يستدل أيضاً على القبلة بالعلامات الأرضية, مثل الجبال الكبيرة ووجوهها ومصاب الأنهار الكبيرة, وأيضاً الرياح, هذه تكلم عليها العلماء رحمهم الله، وتكلموا على كيفية الاستفادة بهذه الأشياء بمعرفة جهة القبلة.

    الأمر الرابع مما يستدل به على القبلة: الآلات، فالآلات الآن تضبط لك جهة القبلة، فهذا أيضاً مما يستدل به على جهة القبلة.

    فعندنا أربعة أشياء:

    الشيء الأول: المحاريب الإسلامية.

    والشيء الثاني: خبر الثقة.

    والشيء الثالث: العلامات الأفقية لمن يستطيع ويعرف أن ينظر فيها، وأيضاً العلامات الأرضية.

    والشيء الرابع: الآلات الآن توجد الآلات الحديثة تستطيع أن تضبط لك جهة القبلة.

    قال: (فإن أخطأ فعليه الإعادة).

    يعني: إذا أخطأ القبلة فعليه الإعادة، يعني: لو أن إنساناً صلى بلا اجتهاد وليس من أهل اجتهاد وصلى إلى غير جهة القبلة في الحضر فإنه يلزمه الإعادة. لكن إذا اجتهد في الحضر هذا سيأتينا إن شاء الله بيان حكمه.

    قال: (وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة عليه).

    إذا خفيت القبلة في السفر اجتهد، والمجتهد في كل باب بحسبه، فالمجتهد في باب القبلة هو: الذي يعلم أدلة القبلة, وكيفية الاستدلال بهذه الأدلة على القبلة.

    المؤلف رحمه الله قال: (وإن خفيت في السفر اجتهد) أي لا يجتهد إلا من كان عالماً بأدلة القبلة، وكيف يستدل بهذه الأدلة على القبلة، وعلى هذا إذا اجتهد الإنسان وأخطأ فإنه لا إعادة عليه، ولهذا قال: وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة عليه.

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لا اجتهاد في الحضر، يعني: لو أن إنساناً سكن في بيت جديد وهو يعرف العلامات الأفقية، يعرف القطب ويعرف الشمس ويعرف القمر.. إلى آخره وقال: أجتهد أصعد إلى السطح وأنظر في العلامات الأفقية وأحاذي القبلة وأصلي.. هل الحضر مكان للاجتهاد أو ليس مكاناً للاجتهاد؟ يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن الحضر ليس مكاناً للاجتهاد، يعني: ليس لأحد أن ينظر في العلامات الأفقية في الحضر ويجتهد ويحاذي القبلة ويصلي؛ لأن بإمكانه أن يعلم القبلة بلا اجتهاد، بإمكانه أن ينظر إلى المحاريب أو يسأل, فهناك دليل أقوى من الاجتهاد، الاجتهاد قد يعتريه الخطأ، لكن كونه ينظر إلى المحاريب هذا لا يعتريه الخطأ، وكونه يسأل هذا أيضاً أقوى.

    والرأي الثاني: أنه لا بأس أن يجتهد حتى في الحضر، وهذا القول هو الصواب، فإذا كان الإنسان يعرف أدلة القبلة وكيف يستفيد منها واجتهد ونظر في أدلة القبلة فإن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله, وحينئذ إذا صلى فلا إعادة عليه حتى لو اجتهد في الحضر، لكن بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد، والذي هو من أهل الاجتهاد هو الذي يعلم أدلة القبلة, وكيف يستدل بها على القبلة.

    المؤلف رحمه الله قال: إن خفيت في السفر اجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، إذا لم يكن من أهل الاجتهاد كيف يفعل وهو مسافر؟

    فنقول: هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون بعيداً عن المساجد وعن الناس، فهذا يتحرى ويصلي ولا شيء عليه، مثل ما لو كان بعيداً عن الماء هذا يتيمم ويصلي ولا شيء عليه، فإذا كان بعيداً نقول: يتحرى ويصلي ولا شيء عليه.

    الحالة الثانية: أن يكون قريباً عرفاً من الناس ومن المساجد فهذا لا بد أن يقصد المساجد، وأن ينظر إلى المحاريب, أو يقصد الناس ويسأل.

    وحد البعد والقرب بالعرف، مثل كيلو وكيلوين هذا قريب عرفاً، يذهب ويقصد، لا يتحرى ويصلي، نقول: إن كان من أهل الاجتهاد يجتهد، لكن ليس من أهل الاجتهاد ما دام أنه قريب عرفاً فلا بد أن يقصد المساجد، وأن يسأل, أما إن كان بعيداً عرفاً مثل عشرة، كيلو عشرين كيلو.. إلى آخره فهذا يتحرى ويصلي, ولا إعادة عليه.

    تقليد أحد المجتهدين في القبلة للآخر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه ].

    إذا اختلف مجتهدان فخلافهما لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون خلافهما جهة، فيقول أحدهما: القبلة إلى هذه الجهة إلى جهة الشمال، والآخر يقول: القبلة إلى جهة الجنوب, هنا الآن اختلفا جهة, فقال المؤلف رحمه الله: بأنه لا يتبع أحدهما الآخر.

    والرأي الثاني في المسألة: أنه إذا ظن صواب اجتهاد الآخر فلا بأس أن يتبعه، وهذا القول هو الصواب، إذا ظن أنه قد أصاب في اجتهاده فنقول: لا بأس أن يتبعه، هذا الأمر الأول, وهو ما إذا كان الخلاف جهة.

    الأمر الثاني: إذا اختلفا تيامناً أو تياسراً، بمعنى: أنهما يتفقان في الجهة كل منهم يقول: الجهة هذه، لكن قال أحدهما: نتيامن, نأخذ إلى جهة اليمين، وقال الآخر: نأخذ إلى جهة الشمال، فهنا يتبع أحدهما الآخر؛ لأننا ذكرنا أن ما بين الجهتين كله قبلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).

    فتلخص عندنا أن اختلاف المجتهدين ينقسم إلى هذين القسمين.

    تقليد الأعمى والعامي لأحد المجتهدين إذا اختلفا في القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه ].

    المراد بالعامي الذي لا يعرف أدلة القبلة، ولا يعرف كيفية الاستدلال بهذه الأدلة على القبلة، ولو كان من أعلم الناس، لو كان من أحفظ الناس لكتاب الله، وأحفظ الناس لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في هذا الباب جاهل يكون عامياً، فمن يتبع منهما؟ وكذلك أيضاً الأعمى إذا اختلف المجتهدون.

    أما إن كان اختلافهما انحرافاً. فكما تقدم لنا أن أحدهما يتبع الآخر، وإذا كان أحدهما يتبع الآخر فالأعمى والعامي له أن يتبع كلاً منهما؛ لأن الانحراف يميناً ويساراً لا يضر.

    أما إذا اختلفا جهةً هذا يقول: إلى جهة الجنوب وهذا إلى جهة الشمال فيقول المؤلف رحمه الله: يتبع أوثقهما في علمه وتقواه، فإن تساويا فإنه يتخير.

    الشرط السادس: النية للصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها ].

    هذا الشرط السادس, وهو الشرط الأخير من شروط صحة الصلاة: النية.

    والنية في اللغة: العزم، وأما في الاصطلاح: فهو عزم القلب على فعل العبادة.

    ويدل على اشتراط النية حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )، ولأن الإنسان يصلي ركعتين -مثلاً- يقصد بهما السنة الراتبة، وقد يقصد الفريضة, وقد يقصد بها تطوعاً مطلقاً.. إلى آخره، فلا بد من النية التي تعين هذه العبادة, هل هي السنة أو الفريضة، ولا بد من النية التي تميز بين العبادات.

    وقال: (بعينها) يعني: لا بد أن يعين الصلاة بنيته، فإذا أردت أن تصلي المغرب لا بد أن تنوي أنها صلاة المغرب، وإذا أردت أن تصلي العشاء لا بد أن تنوي أنها صلاة العشاء.. وهكذا، فإن لم تعين لا تصح الصلاة، يعني: نية التعيين هذه لا بد منها.

    والصواب: أن هذا ليس شرطاً، وأن الإنسان إذا نوى أن يصلي الصلاة الذي حضر وقتها فإن هذه النية كافية، ولا يشترط نية التعيين، وإلا وقع الناس في حرج؛ لأن الإنسان يؤذن عليه المؤذن ثم يخرج إلى الصلاة ويغيب عن ذهنه أنه سيصلي صلاة المغرب, لكنه في ذهنه أنه سيصلي هذه الصلاة التي حضر وقتها وأذن لها، لكن يغيب عن ذهنه أنها المغرب أو أنها العشاء مثلاً.

    أما المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: لا بد أن يعين, يعني: لا بد من نية التعيين، مع أنهم قالوا رحمهم الله: لا يشترط أن ينوي نية الأداء، ولا يشترط أن ينوي نية القضاء.

    يعني: إذا كانت الصلاة تفعل في وقتها فهي أداء, فلا يشترط أن ينوي نية الأداء.

    وإذا كانت تفعل بعد وقتها فلا يشترط أن ينوي نية القضاء.

    وإذا كانت الصلاة تفعل في وقتها للمرة الثانية فهي إعادة, لا يشترط أن ينوي الإعادة.

    وإذا كانت الصلاة تفعل أيضاً لا يشترط أن ينوي نية الفريضة، ولا يشترط أن ينوي نية النافلة.

    إذاً: نية القضاء والأداء والإعادة والفريضة والنفل هذا كله ليس شرطاً، لكن نية التعيين هذا لا بد منه كما ذكر المؤلف رحمه الله، وقلنا: الصواب في ذلك: أنه يكفي أن ينوي الإنسان الصلاة التي حضر وقتها، ولا يشترط أن يعينها.

    قال: (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها).

    النية لها وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب.

    وقت الجواز أن تتقدم الصلاة بالزمن اليسير، يعني: إذا تقدمت النية الصلاة فإن كان الزمن كثيراً فإنه لا يصح، وإن كان الزمن قليلاً فإن هذا صحيح ولا بأس به، يعني: إذا تقدمت الصلاة بالزمن اليسير فجائز، وإن كان بالزمن الكثير فلا يكفي، هذا وقت الجواز.

    أما بالنسبة لوقت الاستحباب فقالوا: بأن تكون النية مقارنة للتكبير، مع أن بعض أهل العلم قال: إن هذا فيه شيء من العسر.

    هناك أحكام بقيت للنية, ما يتعلق بقطع النية والانتقال في الصلاة من صلاة إلى صلاة أخرى، وأيضاً نية الإمام، ونية الإتمام.. إلى آخره، هذه الأحكام إن شاء الله سيأتينا بإذن الله بيانها.

    1.   

    آداب المشي إلى الصلاة

    المشي بسكينة ووقار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب آداب المشي إلى الصلاة: يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار ].

    يستحب للإنسان أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.

    قال المؤلف: سكينة ووقار، واختلف أهل العلم رحمهم الله: هل هذا من باب الترادف أو أن هذا ليس من باب الترادف؟ يعني: السكينة هل هي مرادفة في المعنى للوقار أو ليس كذلك؟

    في ذلك رأيان للعلماء رحمهم الله:

    فالرأي الأول: قالوا: بأنه من باب المترادف، وأن السكينة بمعنى الوقار.

    والرأي الثاني: قالوا: بأن بينهما فرقاً، وأن السكينة المراد بها التأني في الحركات، واجتناب العبث, وأما الوقار فإنه يكون في الهيئة، كغض الطرف وخفض الصوت وعدم الالتفات، وهذا استظهره النووي رحمه الله.

    فيستحب للمسلم إذا مشى إلى الصلاة أن يكون عليه سكينة ووقار، السكينة أن يكون متأنياً في حركاته, وألا يعبث، وأيضاً يكون عليه وقار بحيث إنه يغض طرفه ولا يلتفت، وهذا أيضاً من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا مشى لا يلتفت، وأيضاً يخفض صوته, إلى آخره، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار ).

    مقاربة الخطا

    قال المؤلف: [ ويقارب بين خطاه ].

    أيضاً هذه سنة أخرى، السنة الأولى: أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.

    والسنة الثانية: أن يقارب بين خطاه، ودليل ذلك: حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أقيمت الصلاة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا, وقال: تدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطاي في طلب الصلاة )، وهذا الحديث أخرجه الطبراني وغيره، وهو غير ثابت, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد هذا عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه.

    وعلى هذا إذا لم يثبت في ذلك سنة فالقاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أن ما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه هو السنة، يعني: كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه هو السنة، ولا شك أن هذا السبب كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قارب بين الخطا أو أنه أمر بذلك, كما أنه أمر أن يخرج الإنسان إلى الصلاة متطهراً، وأمر بالمبادرة، وأمر بالخروج بسكينة ووقار, ولم يأمر بالمقاربة بين الخطا، وعلى هذا نقول: بأن هذا ليس سنة.

    عدم تشبيك الأصابع

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يشبك أصابعه ].

    ويدل لذلك حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه، أو فلا يشبكن يديه؛ فإنما هو في صلاة )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي والإمام أحمد رحمهم الله، وصححه الحاكم والذهبي وغيرهم.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن التشبيك بين الأصابع له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون من حين خروج الإنسان إلى الصلاة إلى إقامة الصلاة، فقالوا: بأن هذا منهي عنه، لما سلف في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.

    الحالة الثانية: أن يكون التشبيك في أثناء الصلاة, وهذا أيضاً أشد، وهذا سيأتينا إن شاء الله في مكروهات الصلاة، والعلماء رحمهم الله يعدونه في مكروهات الصلاة.

    الحالة الثالثة: بعد الفراغ من الصلاة ولو كان الإنسان في المسجد فلا بأس أن يشبك بين أصابعه، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم.. إلى آخره, فإن النبي عليه الصلاة والسلام شبك بين أصابعه.

    الدعاء بالمأثور

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقول: باسم الله، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78], الآيات, إلى قوله: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] ].

    هذا الذكر أو قراءة هذه الآيات ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا إذا كانت غير ثابتة فلا يفعلها الإنسان، لكن التسمية يسمي، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن التسمية يؤتى بها في ابتداء كل فعل مهم، وقد ثبتت هذه التسمية في حديث أنس رضي الله تعالى عنه.

    أيضاً ما ذكره المؤلف من الحديث الآخر حديث أبي سعيد : ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ).. إلى آخره، أخرجه ابن ماجه وغيره، وهو ضعيف, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا نستبدل هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فعندنا حديث ابن عباس في مسلم ، وعندنا حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وأيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه في سنن أبي داود والترمذي .

    وحديث ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعطني نوراً ).

    هذا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ينبغي للإنسان أن يحفظه.

    أيضاً حديث أم سلمة قالت: ( ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أجهل أو يجهل علي ).

    أيضاً حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته قال: باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا قال ذلك يقال له: هديت ووقيت وكفيت، وتنحى عنه الشيطان ).

    فهذه الأذكار ينبغي للإنسان أن يحفظها، أما ما أورده المؤلف رحمه الله فغير ظاهر.

    عدم السعي إذا أقيمت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) ].

    الظاهر أن هذا الحديث في الصحيحين، إذا سمع الإقامة، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله: إذا سمع الإقامة، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة ) أن الإقامة تسمع من الخارج، والعلماء رحمهم الله كما تقدم لنا في باب الأذان يقولون: يستحب للمؤذن أن يقيم في المكان الذي أذن فيه، وعلى هذا لو أذن في المنارة قالوا: يستحب أن يقيم في المنارة، ويؤخذ من هذا عمل بعض المؤذنين اليوم أنه يقيم في مكبر الصوت، بحيث إن الإقامة تنتشر، فيؤخذ من كلام العلماء رحمهم الله أن هذا لا بأس به، وهذا العمل له أصل في كلام العلماء رحمهم الله, في قولهم: أنه يستحب للمؤذن أن يقيم في المكان الذي أذن فيه، وأيضاً قولهم: إذا سمع الإقامة لم يسع إليها.

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ) يعني: الإنسان لا يكون علم بالإقامة وهو خارج الصلاة إلا إذا كان يسمعها.

    ترك صلاة التطوع إذا أقيمت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ].

    إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وهذا دليله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ). وهذا أخرجه مسلم في صحيحه. ويؤخذ من هذا أنه جميع الصلوات وأنه لا يستثنى شيء، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله أنها إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وعلى هذا إذا أقيمت الصلاة وأحرم الإنسان بنافلة بعد إقامة الصلاة فإن صلاته هذه لا تنعقد.

    وخالف في ذلك الحنفية، فاستثنوا ركعتي الفجر، فقالوا: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر، فللإنسان إذا جاء والإمام قد قام لصلاة الفجر أن يصلي ركعتي الفجر ما دام أنه سيدرك التشهد الأخير مع الإمام، هذا هو المشهور من مذهب الحنفية، ولذلك تلحظ بعض العمال الذين يأخذون بمذهب الحنفية أنه يأتي والناس يصلون الفجر ويشرع في صلاة السنة الراتبة، وهذا القول فيه نظر، وما في سنن البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر ) هذه الزيادة غير ثابتة، فالصواب في ذلك أنه ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، لكن إذا أقيمت الصلاة والإنسان يصلي الراتبة أو يصلي تحية المسجد فهل يستمر في صلاته أو يقطع الصلاة.

    هذه المسألة موضع خلاف، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يتمها خفيفة, إلا إذا خشي أن تفوته الجماعة فإذا خشي أن تفوته الجماعة فإنه يقطعها، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وقال بعض أهل العلم: بأنه يقطع هذه الصلاة؛ للحديث.

    والرأي الثالث وهو الأقرب في هذه المسألة: أنه إن صلى ركعة فإنه يضيف إليها ركعة أخرى، وإن لم يصل ركعة بأن أقيمت الصلاة قبل أن يصلي ركعة فإنه يقطعها.

    ويدل لهذا أنه إذا صلى ركعة لا يقطعها بل يضيف إليها ركعة أخرى خفيفة أنه أدرك هذه الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، أما إذا لم يصل ركعة فإنه لم يدرك هذه الصلاة، وحينئذ يقطعها لهذا الحديث.

    تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول ].

    إذا دخل المسجد فإنه يقدم رجله اليمنى، وقد تقدم القاعدة في ذلك، وأن اليد اليمنى والرجل اليمنى تقدم في الطيبات أو ما كان في باب التكريم، واليسرى على خلاف في ذلك.

    وذكرنا أن هذه المسألة لها ثلاثة أقسام: ما كان من باب التكريم، وما كان من باب الاستخباث، وما تردد، فتقدم اليمنى في موضع التكريم وإذا تردد الإنسان، أما إذا كان في باب الاستخباث كالتمخط وغير ذلك فإنه تقدم اليد اليسرى والرجل اليسرى.

    دعاء دخول المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك ].

    هذا يدل له حديث أبي حميد أو أبي أسيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).

    وحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها أن تقول إذا دخلت المسجد: اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وإذا خرجت أيضاً أن تقول: افتح لي أبواب فضلك ), هذا لا يثبت، لكن الثابت في هذا حديث أبي أسيد أو أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).

    1.   

    صفة الصلاة

    تكبيرة الإحرام

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب صفة الصلاة:

    إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ].

    صفة الصلاة يعني: الهيئة والكيفية التي تكون عليها الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام بين الصلاة في قوله وفعله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبين الصلاة للناس ويقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ).

    يقول: (إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر). ومتى يقوم الإنسان إلى الصلاة؟

    هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يقوم إلى الصلاة عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، فإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة فإنه يستحب أن يقام إلى الصلاة. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    قال أبو حنيفة رحمه الله: يقوم إلى الصلاة إذا قال المقيم: حي على الفلاح، إذا قال المقيم: حي على الفلاح فإنه يقوم إلى الصلاة.

    عمر بن عبد العزيز وطائفة من السلف كـالزهري وسالم بن عبد الله وغيرهم قالوا: بأنه يقوم إلى الصلاة إذا بدأ المقيم بالإقامة, إذا بدأ المقيم بالإقامة فإنه يقوم.

    عند الإمام مالك رحمه الله: أنه لا توقيت في ذلك، وهذا القول هو الصواب, أنه ليس هناك سنة محددة للقيام إلى الصلاة، هذا القول هو الصواب، ولم يرد إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوموا حتى تروني )، هذا الذي ورد، ما عدا ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: إن الإنسان سواء قام في أول الإقامة أو في وسط الإقامة أو في نهاية الإقامة إلى آخره، لكن ينتظر حتى يأتي الإمام، فإذا جاء الإمام فإنه يقوم سواء قام في أول الإقامة، أو في وسط الإقامة، أو في نهاية الإقامة؛ لأن الذي ورد هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تقوموا حتى تروني )، ما عدا ذلك لم يثبت فيه سنة، والإنسان يستحب أن يكون متهيئاً للصلاة، لكن تحديده عند: حي على الفلاح أو بدء الإقامة إلى آخره كما قال الإمام مالك رحمه الله: لا توقيت فيها، وعلى هذا نقول: ينتظر المأموم حتى يرى الإمام، فإذا رأى الإمام فإنه يقوم، سواء قام في أول الإقامة أو في وسطها أو في آخرها.

    قال: (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر).

    والقيام كما سيأتينا في الأركان ركن من أركان الصلاة، وأيضاً قوله: الله أكبر، تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة.

    وقوله: (الله أكبر) لا يجزئ إلا هذا اللفظ، فلو قال: الله الأجل، أو الله الأعظم، أو الله أعظم.. إلى آخره فإنه لا يكفي؛ لأن هذا خلاف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله, خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله.

    جهر الإمام بالتكبيرات وإسرار غيره بها

    قال المؤلف رحمه الله: [ يجهر بها الإمام وبسائر التكبير؛ ليسمع من خلفه ].

    يعني: يجهر بالتكبير؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الهدي أن إخفاء التكبير إنما هو من صنيع أمراء بني أمية؛ لأن أمراء بني أمية تصرفوا في الصلاة، فنشأ من نشأ على هذا التصرف، يعني: خالفوا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فنشأ من نشأ على ذلك، من هذه المخالفة أنهم كانوا لا يجهرون بالتكبير، يعني: تكبير الانتقال يركع ويرفع ما يجهر، ولهذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يبينون للناس سنة النبي عليه الصلاة والسلام كـأبي هريرة وغيره, يجهرون بالتكبير ويبينون السنة, مخالفة لما ورد عن أمراء بني أمية رحمهم الله.

    وكذلك أيضاً من تصرفهم في الصلاة عدم الطمأنينة في القيام والاعتدال بعد الرفع من الركوع، بعد الرفع من الركوع كانوا لا يطمئنون، وكذلك أيضاً في الجلسة بين السجدتين كانوا لا يطمئنون، وقد ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم حتى يقول القائل: قد أوهم, قد نسي ).

    ما معنى: حتى يقول: قد أوهم قد نسي؟

    هذا بالنسبة لما كان عليه الناس في زمن بني أمية؛ لأن الإمام كان إذا قام يهوي بسرعة، فإذا قام وطبق السنة كان قيامه قريباً من ركوعه ماذا يقول القائل؟ يقول القائل: إنه نسي أو وهم، وإذا جلس في الجلسة بين السجدتين وكان جلوسه قريباً من السجود يقول القائل في هذه الحالة: إنه قد وهم، هذا بناء على ما كان عليه الناس في زمن أمراء بني أمية رحمهم الله، فيجهر كما ذكر المؤلف رحمه الله.

    قال: [ ويخفيه غيره ].

    يعني: بالنسبة للمأموم وبالنسبة للمنفرد، فالإمام يجهر بحيث يسمع المأمومين، المنفرد يخفيه، المأموم يخفيه، لكن هل يشترط أن يسمع نفسه أو أن هذا ليس شرطاً؟

    هل يشترط بالنسبة للمأموم في التكبيرات وفي الأذكار الواجبة أن يسمع نفسه أو أن نقول: بأن هذا ليس شرطاً؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يشترط أن يسمع نفسه، يعني: يجهر به بحيث يسمع التكبير.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن هذا ليس شرطاً، بل يكفي أن يمر الذكر على لسانه، إذا حرك لسانه بالتكبير أو حركه بالتسبيح أو بقول: رب اغفر لي فإن هذا كاف ولا بأس به، ولا يشترط أن يجهر به بحيث يسمع نفسه.

    وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الصواب، فنقول: يكفي أن يمر هذا الذكر على لسانه، فإذا أمره على لسانه فإن هذا كاف ولا بأس به.

    رفع اليدين عند ابتداء التكبير

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويرفع يديه عند ابتداء التكبير ].

    والأيدي ترفع في أربعة مواضع دلت لها السنة الصحيحة، والموضع الخامس هذا موضع خلاف كما سيأتينا إن شاء الله، أيضاً الموضع الرابع محل خلاف, لكن السنة الصحيحة دلت عليه، فعندنا بالنسبة لرفع الأيدي ذكر العلماء رحمهم الله أربعة مواضع ترفع فيها الأيدي في الصلاة.

    قال: (يرفع يديه عند ابتداء التكبير).

    يعني: إذا أراد أن يكبر، وهذا هو الموضع الأول الذي ترفع فيه الأيدي في الصلاة، ويدل لذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وكان لا يفعل ذلك في السجود )، وهذا الحديث في الصحيحين.

    وقال المؤلف رحمه الله: عند ابتداء التكبير, يعني: يكون الرفع عند ابتداء التكبير، وهذا ورد له صفات, يعني: عندنا حد الرفع، وعندنا زمن الرفع متى يرفع؟ وقال المؤلف رحمه الله: إنه عند ابتداء التكبير، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يرفع مع ابتداء التكبير، وينهي الرفع مع نهاية التكبير، يبدأ بالرفع مع ابتداء التكبير، وينهيه مع نهاية التكبير، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح البخاري قال: ( فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ) قال: ( فرفع يديه حين يكبر )، هذه الصفة هي التي مشى عليها الحنابلة رحمهم الله.

    الصفة الثانية: أنه يكبر ثم يرفع يديه، يعني: يقول: الله أكبر ثم يرفع يديه، وهذه الصفة رواها مالك بن الحويرث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى كبر ثم رفع يديه )، وهذا أيضاً في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كبر ثم رفع يديه ).

    الصفة الثالثة: يرفع يديه أولاً ثم بعد ذلك يكبر، وهذا دليله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر ).

    أصبح عندنا ثلاث صفات في زمن الرفع:

    الصفة الأولى: أن يكون الرفع مع التكبير إلى أن ينتهي، يعني: يضع مع انتهاء التكبير.

    الصفة الثانية: يقول: الله أكبر ثم يرفع.

    الصفة الثالثة: يرفع ثم يقول: الله أكبر.

    والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أن الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه متنوعة أنها تفعل كلها، هذا هو السنة، السنة أنك تفعلها كلها، فتارة تكبر ثم ترفع، وتارة ترفع ثم تكبر، وتارة ترفع مع التكبير، فتفعل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها، هذا هو الأفضل، وهذا فيه فوائد، إذا فعلت هذه السنة كلها أولاً: تحفظ العلم.

    ثانياً: تطبق السنة كلها.

    وثالثاً: أنه أدعى إلى حضور القلب والخشوع في الصلاة.