إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب القصاص [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القصاص بين العباد مبني على العدل، والقاتل يقتل بمثل ما قتل به وهو أقرب إلى العدل، وهذا هو الصواب وإن كان في المسألة خلاف، ويقبل قول المجني عليه إذا قامت القرائن على صدقه، ويقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وفي قتل الرجل بالمرأة خلاف.

    1.   

    تابع شروط وأحكام القسامة

    تقدم لنا أحاديث القسامة، وعرفنا القسامة في اللغة والاصطلاح، وذكرنا شروطها، وأن قصتها هي ما يتعلق بقتل عبد الله بن سهل رضي الله تعالى عنه، وأن عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم؟ ).. إلى آخره، وذكرنا صفة القسامة، وأن صفة القسامة أن يوجد قتيل، ويدعي أولياؤه أن الذي قتله هو فلان، أو أن الذي قتلته الجماعة الفلانية، وتكون هناك قرائن تدل على أن الذي قتل هو فلان، أو الذي قتلت هي هذه الجماعة، ولم يكن هناك لا بينة ولا اعتراف، فحينئذٍ يحلف أولياؤه خمسين يميناً ويستحقون دم قاتلهم، حتى ولو كان ذلك في قتل العمد فإنهم يستحقون دمه، ويقتل به، وإن ادعوا أنه قتل خطأ فإنهم يستحقون الدية.

    والأيمان تقسم على الأولياء، وهل يشترط أن يكونوا ذكوراً أو لا يشترط؟

    المشهور من المذهب أنه يشترط أن يكونوا ذكوراً، وأن النساء لا مدخل لهن في أيمان القسامة.

    وعند الشافعية أن هذا ليس شرطاً، وأن النساء لهن مدخل في أيمان القسامة، وتقسم الأيمان عليهن ويجبر الكسر، فمثلاً: إذا كانوا ثلاثة والأيمان خمسون، فإننا نقسم خمسين على ثلاثة، ونجبر الكسر، بحيث يأخذ كل واحد سبعة عشر يميناً.

    إذا حلف الأولياء فالأمر ظاهر يستحقون دم صاحبهم في قتل العمد، ويستحقون الدية في قتل الخطأ وشبه العمد، وإذا نكلوا عن اليمين لم يرض الأولياء بالحلف، إما أن ينكلوا جميعاً أو ينكل بعضهم، فإن نكل البعض يحلف الباقون ويستحقون، لكن إن نكلوا جميعاً، فقال بعض العلماء: يحلف المدعى عليه يميناً واحدة، وقال بعض العلماء: لا، بل يحلفون خمسين يميناً.

    طيب! المدعى عليه هل يحلف يميناً واحدة أو يحلف خمسين يمينا؟

    هذا فيه رأيان كما تقدم، إن نكل المدعى عليه عن الحلف، قال: أنا لا أحلف، فإنه يقضى عليه بالنكول.

    أيضاً هناك مسألة أخرى، وهي: إذا رفض الأولياء أن يحلفوا وحلف المدعى عليه فما الحكم؟

    نقول: يبرأ المدعى عليه، لكن هل تجب دية المقتول في بيت المال أو لا تجب؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنها تجب.

    والرأي الثاني: أنها لا تجب، وهذا عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك هذه القصة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه من بيت المال، يعني: كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه من بيت المال.

    هذا الحديث يؤخذ منه مسائل، منها: أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين، الأصل في القضاء أن المدعي تكون عليه البينة، والمدعى عليه يكون عليه اليمين، لكن هذا الحديث بين أن اليمين أيضاً تكون في جانب أقوى المتداعيين.

    وفي هذا الحديث دليل لمن قال بأن اليمين ترد على المدعي، والأصل عند القضية لو تخاصم اثنان أن نقول للمدعي: أعطنا البينة، فلو أعطانا البينة حكمنا له، وإذا لم يكن معه بينة، نقول للمدعى عليه: تحلف، فإن حلف برئت ذمته، وإذا ما حلف، فنقضي عليه بالنكول.

    إذا قضينا عليه بالنكول فهل نرد اليمين على المدعي أو لا نرد اليمين عليه؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد أنها لا ترد، وقال مالك بأنها لا ترد كذلك، ومن أدلتهم هذا الدليل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأيمان في جانب المدعي.

    والصواب في هذه المسألة أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى القاضي أن يرد اليمين على المدعي ردها، وإن رأى القاضي أنه يحكم بمجرد نكول المدعى عليه فإنه يحكم بمجرد نكول المدعى عليه.

    وفي هذا الحديث أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كبر، كبر )، فيه أنه يقدم الأكبر في الكلام.

    وأيضاً في هذا الحديث: الوكالة في المطالبة بالحدود.

    وفيه دليل لما يسمى بالمحاماة؛ لأن الذي طالب هنا ليس هو ولي الدم، فولي الدم عبد الرحمن بن سهل رضي الله تعالى عنه، فذهب عبد الرحمن يتكلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كبر، كبر ) فسكت، فتكلم محيصة وحويصة ، فهذا فيه دليل لما يسمى بالمحاماة، وفيه دليل للوكالة بالمطالبة بالدم.

    وفي هذا أيضاً: إعمال غلبة الظن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم ).

    وفيه أيضاً: صحة اليمين من القاتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم ).

    وقوله: ( فوداه من إبل الصدقة ) فيه أن الأولياء إذا نكلوا عن الأيمان ولم يحلفوا وحلف المدعى عليه يبرأ المدعى عليه، لكن هل تدفع ديته من بيت المال أو لا تدفع؟ هذا الحديث دليل على أنها تدفع من بيت المال، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وقوله: ( فوداه بمائة من إبل الصدقة )، هذا مما استدل به بعض العلماء على جواز فرض الزكاة في كل ما هو من طرق الخير، وهذه مسألة سيأتي الكلام عليها في كتاب الزكاة، يعني: هل قول الله عز وجل: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] هل هو خاص بالجهاد أو يشمل كل طرق الخير إلى آخره؟

    هذا دليل لمن قال بأنه شامل، وأن الزكاة تصرف في طباعة الكتب، وفي حفر الآبار، وفي كل ما يكون فيه طرق خير، لكن هذا القول فيه ضعف، والصحيح أن قوله: ( فوداه من إبل الصدقة )، لا يلزم أن تكون الصدقة هذه هي الزكاة.

    وأيضاً: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه من بيت المال، وبيت المال يشمل الزكاة ويشمل غيرها، ولا يلزم أن تكون هذه هي الزكاة، والمعروف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو المبادرة بإخراج الزكاة.

    1.   

    شرح حديث: (أن جارية وجد رأسها مرضوضاً بين حجرين...)

    قال المؤلف رحمه الله: [ عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن جارية وجد رأسها مرضوضاً بين حجرين، فقيل: من فعل هذا به؟ فلان.. فلان، حتى ذكر يهودياً فأومأت برأسها، -يعني: أشارت برأسها- فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين).

    ولـمسلم والنسائي عن أنس : ( أن يهودياً قتل جارية على أوضاحٍ فأقاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].

    الشرح:

    مرضوضاً: يعني مدقوقاً بين حجرين.

    والأوضاح: هي حلي من الفضة، وسميت أوضاحاً لوضوحها وبياضها.

    وهذا الحديث اشتمل على مسائل، ومنها: خبث اليهود وكراهيتهم وحقدهم على المسلمين، وحبهم للمال، وجشعهم وطمعهم، والله عز وجل أخبر أن المسكنة ضربت عليهم، والمسكنة هي فقر النفس، وإن كانت عندهم أموال إلا أن نفوسهم فقيرة.

    وفي هذا الحديث أيضاً: أن الرجل يقتل بالمرأة، وكيف الجواب عن قول الله عز وجل: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178] يعني: مفهوم ذلك أن المرأة تقتل بالمرأة، وأن الرجل لا يقتل بالمرأة، هذا مفهوم الآية، لكن أجاب العلماء عن ذلك؛ بأن هذه الآية رد لما كان عليه أهل الجاهلية، فإن أهل الجاهلية كانوا يعتدون إذا قتل منهم أحد فإنهم يعتدون، فإذا قتل رقيق قتلوا بدلاً منه حراً، وإذا قتل منهم أنثى قتلوا بدلاً منها ذكراً، فبين الله عز وجل أن الحر بالحر، وأن العبد بالعبد، وأن الأنثى بالأنثى.

    وفي هذا أيضاً دليل على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، وهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله: هل القاتل يقتل بمثل ما قتل به أو لا؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن القاتل يقتل بالسيف؛ لحديث: ( لا قود إلا بالسيف )، ولكن هذا الحديث ضعيف.

    والرأي الثاني: أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، وهذا قال به كثير من العلماء رحمهم الله، إلا أن بعض العلماء استثنى ما لو قتله بشيء محرم، كما لو سقاه خمراً حتى مات، أو لاط به حتى مات ونحو ذلك، فيقولون: لا يسقى الخمر حتى يموت، ولا يلاط به حتى يموت، إنما يستثنى من ذلك.

    المهم أن هذا الحديث دليل على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، وهذا أقرب إلى العدل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] والقصاص مبني على العدل؛ لأن القاتل قد يكون قتله بأمر أسهل من السيف، وقد يكون قتله بأمر أشد من السيف، كما في هذه القصة، فالصحيح أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ [الشورى:40].

    وفي هذا أيضاً: يقبل قول المجني عليه إذا قامت القرائن على صدقه، فلو قال المجني عليه: قتلني فلان فإنه يؤخذ بقوله إذا قامت القرائن على صدقه، ولهذا لما أشارت هذه الجارية إلى أن الذي قتلها هو فلان اليهودي أُخذ واعترف، فهذا دليل على أنه يؤخذ بقول المجني عليه.