إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [28]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العمرى هي: هبة المنافع مدة العمر، ويمنع الرجوع فيها، وتكون للموهوب ولعقبه سواء ورد فيها ما يدل على التأبيد أو لم يرد، وأما إذا شرط الرجوع فيها ففيها خلاف. واللقطة هي: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره لقصد الحفظ والصيانة عن الهلاك، وعلى ملتقطها أن يعرفها س

    1.   

    باب هبة العمرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له ).

    وفي لفظ: ( من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ).

    وقال جابر : ( إنما العمرى التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن يقول: هي لك ولعقبك, فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها ).

    وفي لفظ لـمسلم: ( أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها: حياً, وميتاً, ولعقبه )].

    الشرح:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب هبة العمرى، الهبة: هي تمليك ماله المعلوم غيره في حياته، والعمرى نوع من أنواع الهبة، وهذا النوع كان موجوداً في الجاهلية فأقره الإسلام مع تهذيبه.

    العمرى في اللغة: مأخوذ من العمر وهو الحياة.

    وفي الاصطلاح: هي هبة المنافع مدة العمر، كأن يقول: أعمرتك بيتي عمري أو عمرك، أو نحو ذلك من الألفاظ.

    قال المؤلف: [عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ( قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له ) وفي لفظ: ( من أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه عطاء وقعت فيه المواريث)].

    العمرى أقسام هي:

    القسم الأول: أن يذكر فيها ما يدل على التأبيد، كما لو قال: أعمرتك هذا البيت لك ولعقبك من بعدك، أو يقول: أعمرتك هذا البيت أبداً ونحو ذلك فهذه لمن وهبت له، لا ترجع.

    القسم الثاني: أن يطلق ولا يذكر فيها ما يدل على التأبيد، كما لو قال: هذه البيت لك عمري أو لك عمرك، لا يذكر فيها ما يدل على التأبيد إنما أطلق، فهل ترجع للواهب أو تكون للموهوب له أبداً؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصواب في ذلك أن هذه هبة صحيحة، وأنها تكون لمن وهبت له ولا يملك المعمر الواهب أن يرجع فيها، بل هي لمن أعمرها.

    وكما جاء في حديث جابر: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعمرى لمن وهبت له )، هذا يشمل النوعين، وفي لفظ: ( من أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه عطاء وقعت فيه المواريث).

    القسم الثالث: أن يشترط فيها الرجوع، فهل يصح هذا الشرط أم لا؟

    لو أن الواهب المعمر اشترط أن ترجع إليه، مثلاً قال: بعد موتك أيها المعمر الموهوب له فإنها ترجع لي؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن هذا الشرط غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( قضى بالعمرى لمن وهبت له ).

    والرأي الثاني: ذهب إليه الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه شرط صحيح، والدليل على ذلك حديث: ( المسلمون على شروطهم )، ولأن هذا الرجل إنما وهب هذه الهبة على هذا الشرط، وعندنا قاعدة الرضا في عقود المعاوضات والتبرعات، وهو لم يرض بهذه الهبة إلا على هذا الشرط، وهذا القول هو الصواب.

    إذاً: الصحيح في ذلك أنه إذا اشترط أن ترجع إليه، قال: إذا مت فإنها ترجع لي، أو إذا أنا مت فإنها ترجع لورثتي، فالصواب في ذلك أن هذا شرط صحيح، للحديث المتقدم ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.

    1.   

    باب اللقطة

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [باب اللقطة].

    الشرح:

    اللقطة بضم اللام وفتح القاف: لُقَطة، ويقال أيضاً: لقاطة، ويقال أيضاً: لقْطة بتسكين القاف.

    واللقطة: هي مال أو مختص ضل عن ربه، والمال: هو كل ما أباح الشارع الانتفاع به والعقد عليه كسائر العروض، مثل: الأقمشة، والألبسة، والأغذية ونحو ذلك.

    والمختص: ما أباح الشارع الانتفاع به ولم يجز العقد عليه، مثل: كلب الصيد، وكلب الحرث، وكلب الماشية، ودهن الميتة، ونحو ذلك.

    واللقطة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ما يباح التقاطه ولا يجب تعريفه، وهذا يشمل كل ما لا تتبعه همة أوساط الناس، كأن لا يهتمون لفقده إذا فقد، مثل: قلم الرصاص، الريال والريالين والخمسة الريالات، مثل: علبة البسكويت ونحو ذلك، فهذه الأشياء يباح للإنسان أن يلتقطها ولا يجب أن يعرفها.

    بل العلماء يقولون: هذا القسم أحكامه:

    أولاً: أنه يباح التقاطه.

    ثانياً: أنه يملك بالالتقاط.

    ثالثاً: لا يجب تعريفه.

    رابعاً: أنه إذا استهلكه ثم جاء صاحبه لا ضمان عليه.

    خامساً: إذا كان يعرف صاحبه دفعه إليه.

    هذه خمسة أحكام تتعلق بهذا القسم.

    وأضاف بعض العلماء إلى هذا القسم ما لا يمتنع من صغار السباع من الحيوانات، مثل: الشاة، والفصيل، والعجل، ونحو ذلك، فهذه الأشياء يجوز أن تلتقطها، ولا يجب عليك أن تعرفها.

    القسم الثاني من أقسام اللقطة: ما يحرم التقاطه، والذي يحرم التقاطه نوعان:

    النوع الأول: ما يمتنع من صغار السباع، إما لكبر جثته، كالإبل ونحو ذلك، أو لسرعته، كالضبا، أو لطيرانه كالحمام إلى آخره، ويدل لذلك كما سيأتينا في حديث زيد بن خالد قال: ( وسألته عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها ) يعني: خفها، ( وسقاءها ) جوفها تحمل فيه كثيراً من الماء والطعام، ( ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها ).

    النوع الثاني مما يحرم التقاطه: كل ما يتحفظ بنفسه من الأموال فيترك حتى يأتي صاحبه، مثلاً: الأخشاب الكبيرة، المكائن، الصناديق الكبيرة، القدور الكبيرة هذه اتركها لأنها تحفظ بنفسها، حتى يأتي صاحبها.

    القسم الثالث من أقسام اللقطة: يشرع التقاطه ويجب تعريفه، وهذا نوعان:

    النوع الأول: ما تتبعه همة أوساط الناس من الأموال ولا يتحفظ بنفسه، مثل: النقود، خمسمائة ريـال، مائتا ريـال إلى آخره، هذه تتبعها همة أوساط الناس، ويهتمون لفقدها، والعلماء يقيمون ذلك بأوساط الناس ولا عبرة بأشرافهم، لأن الشريف الغني قد لا يهتم بالألف والألفين، ولا عبرة بأراذلهم؛ لأن أراذل الناس قد يهتمون للخمسة الريالات، والعشرة الريالات إلى آخره، فالعبرة بأوساط الناس.

    النوع الثاني: ما لا يمتنع من صغار السباع من الحيوانات، وهذا مثل: الشاة، والفصيل -ولد الناقة- والعجل -ولد البقرة- ونحو ذلك، فهذه الأشياء التي لا تمنع هل يجب تعريفها أو لا يجب تعريفها؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم، بعض العلماء جعل هذه الأشياء تدخل في القسم الأول حيث أباح أن تلتقط ولا يجب أن تعرف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الشاة، فقال: ( هي لك أو لأخيك أو للذئب )، وما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تعريفها.

    وقال بعض العلماء: بل تعرف لعموم حديث زيد بن خالد الجهني قال: ( ثم عرفها سنة )، والأحوط أن تعرف.

    1.   

    شرح حديث: (اعرف وكاءها وعفاصها..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب أو الورق؟ ) أي: الفضة.

    فقال: ( اعرف وكاءها )، الوكاء: الخيط الذي تربط به.

    ( وعفاصها ), العفاص: هو الوعاء.

    ( ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه ), وسأله عن ضالة الإبل؟ فقال: ( ما لك ولها؟ فإن معها حذاءها )، يعني: خفها.

    ( وسقاءها ), يعني: جوفها، ما تحمله في جوفها من كثير من الطعام والشراب.

    ( ترد الماء وتأكل الشجر ), وسأله عن الشاة؟ فقال: ( خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب ).

    هذا الحديث فيه أحكام:

    قوله: ( اعرف وكاءها وعفاصها ) الحكم الأول: إذا كانت هذه اللقطة مما لا يملك بالتعريف، مما يباح أو يشرع التقاطه ويجب تعريفه، فهذه إذا التقطها يعرف صفاتها، كما أرشده النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: ( ثم عرفها سنة )، هذا الحكم الثاني: أنه يجب أن تعرف سنة، وهذا القسم الثاني: مما يباح أو يشرع التقاطه ويجب تعريفه، ومدة التعريف سنة، وهذا هو الراجح, وقد جاء في غير الصحيح ثلاث سنوات، لكن هذا غير ثابت، والثابت سنة كما في الصحيحين.

    قال: (ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التعريف) ذكر مدة التعريف وأطلق بالنسبة للكيفية، وعندنا قاعدة: أن ما جاء مطلقاً على لسان الشارع فإنه يرجع في تقييده إلى العرف.

    وعلى هذا نقول: ما يتعلق بكيفية التعريف فيرجع فيه إلى العرف، والأعراف تختلف، ففي الزمن السابق كانت تعرف اللقطة عند أبواب المساجد، وفي مجامع الناس، وفي الأسواق، والآن ممكن أن تعرف عن طريق وسائل الاتصال، وهذه أشمل وأعم من كونها تعرف في أبواب المساجد، أو في الأسواق، أو تجمعات الناس ونحو ذلك، فيعرفها في وسائل الاتصال، سواء كانت مقروءة أو مرئية أو مسموعة ونحو ذلك.

    وقوله: ( فإن لم تُعرف فاستنفقها ولتكن وديعة )، إذا مضت السنة ولم تعرف، فما حكم هذه اللقطة؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها تكون ملكاً للملتقط قهراً عليه، وهذا من الأملاك الجبرية التي يملكها الشخص، وقد ذكر ذلك ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد، مثل: الميراث يملكه الوارث جبراً وقهراً عليه حتى وإن لم يختر التملك، بمجرد أن يموت مورثك يدخل ماله ملكاً لك قهراً عليك، وإن لم تشأ التملك، ومثلها أيضاً: اللقطة، فإن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها تكون ملكاً لك جبراً وقهراً عليك.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله أنها لا تدخل في تملك الشخص إلا باختياره، فإذا مضى الحول نقول: إما أن تختار التملك، وإما أن تختار عدم تملكها وتكون وديعة عندك.

    ويترتب على مذهب الإمام أحمد إذا قلنا بأنها دخلت قهراً عليك أنها لو تلفت تكون من ضمانك، ولو حصل لها نماء، فإن النماء يكون للملتقط.

    بخلاف ما إذا اختار -على رأي الشافعية- عدم التملك فإنها تكون أمانة عنده، إذا تلفت لا يضمن، إلا إذا تعدى أو فرط، ولو حصل لها نماء يكون النماء تبعاً للقطة.