إسلام ويب

شرح الفروق والتقاسيم للسعدي [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الفروق الضعيفة التي لم تلتفت إليها الشريعة: التفريق بين حق الشفعة وخيار الشرط للورثة وبقية الحقوق والخيارات، وجعل بعض الوجودية حداً فاصلاً في الأحكام كأقل الحيض وأكثره، كما أن من الفروق الصحيحة التي اعتنت بها الشريعة التفريق بين الذكر والأنثى في بعض ال

    1.   

    الفرق بين حق الورثة في الشفعة وخيار الشرط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن الفروق الضعيفة جداً: تفريقهم بين حق الشفعة إذا مات الشفيع قبل المطالبة، وخيار الشرط كذلك وأن وارثه لا يملك الشفعة ولا الخيار، وبين بقية الحقوق والخيارات، وأنها تثبت للوارث مطلقاً، والصواب أن الوارث يقوم مقام مورثه في كل الأشياء ].

    يقول المؤلف رحمه الله: هذا من الفروق الضعيفة، وهذا الفرق يتعلق بحق الشُفعة وحق خيار الشرط، وبيان ذلك بالنسبة لحق الشُفعة: إذا كان شريكان في أرض أو عطاء ثم باع أحدهما نصيبه فإن الشريك يكون له حق الشُفعة، فمثلاً: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، فباع زيد نصيبه على صالح بعشرة آلاف ريال مثلاً فعمرو شريك زيد يملك أن يشفع على صالح المشتري الجديد بحيث يعطيه ما دفعه من الثمن لشريكه زيد ويستقل بكل النصيب، وهذا يُسمى حق الشُفعة، يقول المؤلف رحمه الله: الشريك يجوز له حق الشفعة على المذهب في المال على تفصيل هو: إن طالب بالشفعة قبل موته فتثبت لورثته، وإن مات قبل أن يُطالب فلا تثبت لورثته؛ وعلى ذلك فالورثة إن كان مورثهم عمراً قد بدء بالمطالبة بالشُفعة فلهم الأخذ، وإن كان لم يُطالب ومات قبل المطالبة فليس لهم الأخذ.

    ومثله أيضاً خيار الشرط فلو أن المشتري قال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام ثم بعد ذلك مات، فهل لورثته حق خيار الشرط أو نقول: يسقط؟ يقول المؤلف رحمه الله: على المذهب إن كان المشتري قد طالب فيثبت له الحق ولورثته، وإن لم يكن طالب فإنه لا يثبت له الحق ولا لورثته، والصواب في ذلك كما قال المؤلف رحمه الله: أن الوارث يقوم مقام مورثه في كل الأشياء، فالوارث يملك الشُفعة سواء طالب مورثه أو لم يُطالب، وكذلك يملك ما يتعلق بخيار الشرط من الفسخ أو الإمضاء سواء طالب مورثه أو لم يُطالب، هذا هو الصواب في هذه المسألة؛ لأن هذا من حقوق التركة، والتركة تشمل الأموال والحقوق والله عز وجل يقول: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، وهذا يشمل ما تركه الأزواج من الأموال والحقوق، ويدخل في الحقوق: حق الشفعة، وحق الشرط.. إلخ، والحقوق المالية تورث.

    1.   

    الفرق بين أخذ الجعل على الاقتراض لغيره بجاهه، وعلى الكفالة

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الضعيفة: قولهم: وله أخذ الجعل على اقتراضه له بجاهه لا على كفالته، والأولى المنع في الصورتين؛ لما في ذلك من الأخطار، وتفويت مقاصد القرض والوثيقة ].

    صورة المسألة: لو قال: اقترض لي من زيد ألف ريال وأعطيك عشرة ريالات، أو اقترض لي مائة ألف وأعطيك ألف ريال، يقولون: هذا جائز، أما على الكفالة كما لو قال: أنا أريد قرضاً من زيد أو أريد أن أشتري منه بثمن مؤجل فاكفلني عنده وأعطيك ألف ريال، فهذا لا يجوز، ويقول المؤلف رحمه الله: الصواب أنه لا فرق بين الصورتين في القرض والكفالة في أخذ الجُعل، والأولى المنع من ذلك في الصورتين، والمسألة موضع خلاف، قال: لما في ذلك من أخطار، وتفويت مقاصد القرض والوثيقة؛ لأن القرض والوثيقة يراد بهما الإرفاق والإحسان.

    1.   

    الفرق بين عارية الأرض للزرع وعاريتها للدفن

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الضعيفة: تفريقهم بين عارية الأرض للزرع وعاريتها للدفن أو السفن للحمل أن له الأجرة منذ رجع في الزرع، والصواب الذي لا شك فيه أنه ليس له أجرة في الزرع؛ لأنه الذي أذن له وغرّه ].

    قالوا: إن أعار أرضه لكي يزرع فيها فالمعير يملك الرجوع، فإذا رجع المُعير فله الأجرة منذ رجع، وأما إذا أعارها للدفن فليس له الأجرة منذ رجع حتى يبلى الميت، يعني: هذا زيد من الناس أعار أرضه لكي يدفن فيها الأموات، فلا يملك الرجوع حتى يبلى الميت، لكن لو أعار أرضه لكي يزرع فيها زيد من الناس وبدأ زيد بالزرع فلما بدأ رجع المعير، فيصح الرجوع، ويثبت له الأجرة من حين رجع، والصواب في هذه المسألة كما ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يملك الرجوع حتى ينتهي الزرع كما أنه لا يملك الرجوع إذا أعارها لدفن حتى يفنى الميت فكذلك أيضاً هنا لا يملك الرجوع حتى ينتهي الزرع؛ لأنه -كما قال المؤلف رحمه الله- هو الذي أذن له وغره.

    1.   

    الفرق بين عتق العبد المرهون وبيعه أو هبته ونحوها

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الضعيفة: تفريقهم بين عتق العبد المرهون أنه ينفذ، دون التصرف بوقف الرهن وبيعه وغير ذلك من التصرفات فلا تنفذ، والصواب: عدم نفوذ العتق مطلقاً حتى يأذن المرتهن؛ لما في ذلك من إبطال حق المسلم، ولأن العتق قربة فلا يتقرب إلى الله بفعل محرم ].

    يفرقون في العين المرهونة بين العتق وغيره من التصرفات، فالعتق ينفذ؛ وأما بقية التصرفات فإنها لا تنفذ، فمثلاً: زيد اقترض من عمرو ألف ريال فقال له المقرض عمرو: أعطني رهناً، فأعطاه رقيقه بكراً؛ لكي يكون وثيقة يعني: لو أن الراهن أعتق رقيقه الذي أعطاه المرتهن والذي جعله وثيقة الرهن فإنه ينفذ، وأما إن كان ذلك بغير عتق، مثلاً: باعه أو وهبه أو وقفه فإنه لا ينفذ، وذكر المؤلف رحمه الله أن هذا كله لا يصح، سواء كان عتقاً أو بيعاً أو هبة أو وقفاً.. إلخ وهذا كله لا ينفذ؛ لما في ذلك من إبطال حق المرتهن من الوثيقة، والله عز وجل يقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فيجب على الإنسان أن يوفي بالعقد ولا يجوز له أن يؤخر، فالصواب في ذلك أن الراهن إذا أعتق رقيقه الذي جعله رهناً وثيقة بالرهن فلا ينفذ عتقه كما أنه لا ينفذ بيعه ولا وقفه ولا هبته.. إلخ، إلى أن يُسدد ما عليه، وينفك هذا الرقيق من الرهن.

    1.   

    التفريق بين الأحكام بالأمور الوجودية الأغلبية

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الضعيفة: جعل الفقهاء رحمهم الله الأمور الوجودية الأغلبية فرقاً فاصلاً وحدًّا محرزاً لكثير من الأحكام الشرعية التي أطلقها الشارع، مثل: أقل سن تحيض له المرأة وأكثره، وأقل الحيض وأكثره، وأكثر مدة النفاس، وأقل السفر، وأكثر الحمل ].

    يقول المؤلف رحمه الله: من الفروق الضعيفة أنهم جعلوا الوجود قاصراً في كثير من المسائل، فمثلاً: أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنوات، وما قبل تسع سنوات ما تراه المرأة من الدم ليس حيضاً شرعاً فلا تسقط معه الصلاة، وتصوم ومعها هذا الدم، والدليل الوجود، قالوا: لأن هذا أقل ما وجد، وكذلك يقولون: أكثر سن تحيض فيه المرأة خمسون، وهذا هو المذهب، قالوا: لأن هذا الذي وجد.

    وأيضاً أقل الحيض بالنسبة للأيام يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وهذا كله معلق بالوجود.

    وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً، وأكثر الحمل أربع سنوات كما حدده أهل العلم؛ لأن هذا هو الذي وجد.

    وكذلك أيضاً أقل السفر حددوه بأربعة بُرد، يعني: ما يساوي ثمانية وأربعين ميلاً.. إلخ.

    المهم أن هذه الأشياء التي حُددت كان مرجع تحديدها إلى الوجود.

    قال رحمه الله: [ وأن من لم يبلغ من الذكور عشر سنين، ولم تبلغ من النساء تسع سنين لم تتعلق الأحكام بوطئه ووطئها وما أشبه هذه المسائل ].

    يعني: لو أن له تسع سنوات وجامع فهذا الجماع لا يترتب عليه أحكام، فلا يترتب عليه وجوب الغسل ولا يكون محصناً ولا يكون دخل بالمرأة، ولا تجب بهذا الجماع عدة إذا كان له أقل من عشر سنوات، والمرأة إذا كان لها أقل من تسع سنوات وجُومعت هذا الجماع فلا يترتب عليه أحكام، فلا يجب عليها الغسل ولا يجب عليها العدة، يعني: لو طلقها زوجها بعد أن جامعها ولها أقل من تسع سنوات فلا يجب عليها العدة؛ لأن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49]، وهذه لا تعتبر ممسوسة ما دام أنها أقل من تسع سنوات، وهكذا.

    قال رحمه الله: [ وإنما القول المستقيم الذي يدل عليه الدليل، وتتناوله النصوص الشرعية بظاهرها: تعليق الأحكام بتحقق وقوعها، وأنه متى وجد الشيء الذي علق الشارع الحكم عليه وجب تحقق الحكم الشرعي ].

    هذا هو الصواب، مثل: الحيض متى وجد مع المرأة فنقول: يثبت عليها الحكم الشرعي، سواء كان لها تسع سنوات أو أقل أو أكثر، أيضاً متى وجد مع المرأة حمل سواء لها خمسون أو أقل أو أكثر تثبت لها أحكامه، وهكذا.

    قال رحمه الله: [ فمتى وجد الدم في أوقاته حكمنا أنه حيض، ومتى زاد أو نقص لم يتغير الحكم ].

    أي: نحكم بأنه حيض سواء زاد أو ونقول: ولا يتغير الحكم، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وهذا الأذى الآن موجود فنحكم بوجوده، أو هذا الأذى قد ارتفع فنحكم برفعه.. إلخ.

    قال رحمه الله: [ ومتى وجد مطلق السفر حكمنا بتعلق الأحكام السفرية عليه كالقصر والفطر والجمع وغيرها ].

    أي: دون أن نقيد ذلك بمسافة أو أن نقيد ذلك بمدة، بل متى وجد مطلق السفر فنؤكد أحكام السفر عليه.

    قال رحمه الله: [ ومتى وجد الحمل وتحقق أنه في البطن لم تزل المرأة حاملاً ومحكوماً بحملها حتى تضع ].

    أي: ولا نقيد ذلك بأربع سنوات، كما هو مذهب ابن القيم ، حيث يرى أن أكثر الحمل لا حد له، لكن الأطباء الآن في الوقت الحاضر يقولون: لا يمكن أن يبقى الحمل في البطن أكثر من العادة المعروفة وهي تسعة أشهر.

    قال رحمه الله: [ ولو مضى أكثر من أربع سنين ].

    المهم أن المؤلف رحمه الله يرى أن الحمل لا حد لأكثره وهو خلاف المشهور من المذهب، حيث يرون أن أكثر الحمل أربع سنوات.

    قال رحمه الله: [ ومتى وطئت من لها دون تسع سنين، أو وطئ من له أقل من عشر سنين تعلقت أحكام الوطء بذلك الجماع سوى الأحكام المتعلقة بالبلوغ، فإنهما إلى الآن لم يبلغا حتى يوجد السبب الذي يحكم الشارع لصاحبه بالبلوغ ].

    يعني: هذا الوطء لا يلزم له أن يكون الإنسان قد بلغ؛ لأن البلوغ لا يكون إلا بالإنزال فإن أنزل، علمنا أنه بلغ، وإن لم يُنزل علمنا أنه لم يبلغ، فلابد من الإنزال أو إنبات الشعر الخشن حول القُبل أو تمام السن وتزيد الجارية رابعاً وهو الحيض، وعلى العموم إذا لم يوجد السن، ولم يوجد الإنبات، ولم يوجد الإنزال وحصل وطء فيقول المؤلف رحمه الله: لا نحكم بالبلوغ.

    قال رحمه الله: [ وكذلك متى تحققت عدالة الشخص، وصار مرضياً عند الناس صار شاهداً معتبراً، ولو لم توجد فيه الصفات التي اعتبرها الفقهاء التي لا تكاد تجتمع في شخص، وباعتبارها تضيع الحقوق، ونكون إذا اعتبرنا اعتباره عند الناس عاملين بقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282] ].

    متى نحكم للشخص بأنه عدل؟ المذهب لا يُحكم بأنه عدل إلا إذا تحققت صفات، كما ذكر المؤلف رحمه الله، وهذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص، فإن العدالة عندهم دين ومروءة، والدين: هو أن يفعل الواجبات ويترك المحرمات، يعني: بأن لا يُصر على صغيرة ويفعل كبيرة، والمروءة: أن يترك ما يدنسه ويشينه ويفعل ما يجمله ويزينه .. إلخ.

    يقول المؤلف رحمه الله: هذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص، لكن إذا قلنا: العدل هو ما كان مرضياً عند الناس، فالناس يرضون شهادته لكونه لم يُعرف بالكذب، ولا يُعرف بالتساهل والتسرع وغيره، فهنا في هذه الحالة نعتبر شهادته، وهذا هو الذي دل له قول الله عز وجل: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282].

    1.   

    الفرق بين الحر والعبد في الجمعة والجماعة والحج

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الضعيفة: التفريق بين العبد والحر في أن الجمعة والجماعة لا تلزم العبد، وأنه لو حج وهو عبد بالغ، ثم أعتق يلزمه أن يعيد حجة الإسلام مع أنه إذا حج وهو معسر لا يلزمه الحج أجزأه بالاتفاق، فظاهر النصوص وعمومها يقتضي مساواة العبد للحر في الأحكام البدنية التي وظّفها الشارع على المكلفين الذي هو منهم، وبهذا قال طائفة من العلماء: أما الجمهور فإنهم لا يوجبون عليه جمعة ولا جماعة ولا يكتفون بحجه بعد بلوغه عن حجة الإسلام ].

    هذا أيضاً من الفروق الضعيفة: الفرق بين الرقيق والحُر في الأحكام، وهنا المؤلف رحمه الله ذكر قاعدة وهي: أن الأصل تساوي الرقيق والحُر في الأحكام أو في العبادات البدنية المحضة، فقوله: العبادات البدنية يُخرج المالية، وقوله: المحضة، يُخرج المركبة، فالأصل هو التساوي بين الأحرار والأرقاء، يعني: فيما يتعلق بالجمعة هل تجب على الرقيق أو لا تجب على الرقيق؟ أو الجماعة هل تجب على الرقيق أو لا تجب على الرقيق؟

    الصواب في ذلك أنها تجب، وكذلك الأذان والإقامة.. إلخ، هذه الأشياء الصواب أنها تجب عليه، كما أنه يجب عليه الصلاة ويجب عليه الوضوء ويجب عليه الغسل والتيمم، وله أن يمسح على الخفين.. إلخ، فالصواب في ذلك تساوي هذه الأحكام وأنه لا يُفرق بين الحُر والرقيق إلا لدليل يدل على التفريق، كذلك أيضاً إذا حج هذا الرقيق وهو بالغ ثم أعتق يلزمه أن يُعيد حجة الإسلام، هذا المشهور من المذهب، وذهب المؤلف رحمه الله أنه لا يلزمه كما أن المُعسر، يعني: الحر المُعسر لو حج وهو مُعسر أجزأه فكذلك الرقيق، وأما حديث ابن عباس : ( أيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام )، فهذا لا يثبت رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال رحمه الله: [ أما الأحكام المالية فالفرق بين العبد والحر ظاهر؛ لأن العبد لا مال له تتعلق به زكاة أو كفارة أو قيمة متلف، أو غير ذلك من الواجبات التي تتعلق بمن له مال، والله أعلم ].

    فيما يتعلق بالأحكام المالية الفرق ظاهر بين الحر والرقيق؛ لأن الرقيق مال، ملكه لسيده فلا تجب عليه الزكاة ولا الكفارة وقيمة متلف تلزم سيده، والعلماء رحمهم الله يقولون: يتعلق برقبته، بمعنى أن السيد مُخير بين أن يغرم عنه أو يُباع هذا الرقيق ويُسدد قيمة ما أتلفه.. إلخ، قيمة المتلف وأرش الجناية.. إلخ.

    1.   

    الفرق بين الذكر والأنثى في بعض الأحكام دون بعض

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الصحيحة: التفريق بين الذكر والأنثى في إيجاب الجمعـة، والجماعة، والجهاد البدني على الذكر دون الأنثى، وفي تنصيف الميراث، والدية، والعقيقة، والشهادة، واختصاص الرجال بالولايات ].

    هذه فروق بين الذكر والأنثى: الجماعة تجب على الذكر ولا تجب على الأنثى، وهذا فرق صحيح، والجمعة تجب على الذكر ولا تجب على الأنثى، فالشارع أوجب الجمعة والجماعة على الذكر دون الأنثى، والجهاد البدني يُخرج الجهاد المالي، فالجهاد المالي يستوي فيه الذكر والأنثى، وكل منهم يجب عليه الجهاد بماله، لكن الجهاد البدني يجب على الذكر دون الأنثى.

    أيضاً من الفروق الصحيحة مضاعفة الميراث لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]؛ لأن الرجل هو الذي له القوامة وهو الذي تجب عليه النفقات، أما المرأة فليس لها قوامة ولا تجب عليها النفقات، فكان من الحكمة أن يكون للذكر ضعف ما للأنثى.

    وكذلك أيضاً الدية، الذكر إذا قتل خطأ فديته مائة من الإبل، والمرأة على النصف من ذلك، وهذا فرق صحيح.

    والعقيقة أيضاً على النصف؛ للذكر شاتان وللأنثى شاة، والشهادة كذلك فشهادة الرجل بشهادة امرأتين، وكذلك اختصاص الرجال بالولايات، كولاية النكاح.. إلخ، فالرجل يختص بها، وقول المؤلف رحمه الله: إن اختصاص الرجال بالولايات مثل: ولاية النكاح وولاية القضاء والإمامة العظمى.. إلخ وولاية الإمامة في المساجد وفي الأذان.. إلخ هذه يختص بها الذكر، لكن هناك بعض الولايات تملكها المرأة فيصح للمرأة أن تكون ناظرة على الوقف، ويصح أن تكون ولية على أولاده على الصحيح، والأمر موضع خلاف، ويصح أن تكون ولية على أموالها.. إلخ، وهناك بعض الولايات تملكها المرأة.

    قال رحمه الله: [ فهذه الفروق تابعة للحكمة، وتعليق الأحكام بحسب أهلية المحكوم عليهم وكفاءتهم وحاجتهم، كما أن من الحكمة مساواة الأنثى للذكر في أحكام التكليف، والتصرفات والتملكات وغيرها؛ لتساويهما في الأسباب والمسببات ].

    أيضاً التكليف كوجوب الصلوات، ووجوب الغسل من الجنابة، ووجوب الوضوء من الحدث، ووجوب التيمم، ووجوب الصيام والزكاة.. إلخ يستوي فيه الذكر والأنثى؛ لعدم الفرق.

    والتصرفات أيضاً كالتصرفات المالية، وعقود المعاوضات، وعقود التبرعات، يستوي فيها الذكر والأنثى، والمرأة لها أن تعقد عقد البيع، ولها أن ترهن، ولها أن تعقد عقد الضمان، وعقد الكفالة، وعقد الحوالة، وعقد الشركة، والوقف، والبيع.. إلخ، فكذلك أيضاً ما يتعلق بالتصرفات كما أن للذكر أن يتصرف فللمرأة أيضاً أن تتصرف.

    وكذلك التملكات، فكما أن لها أن تملك الهبة، وتملك البيع، وتملك الشراء، وتملك الوقف، وتملك صداقها.. إلخ.

    1.   

    الفرق بين إضافة العتق والطلاق إلى جزء منفصل ومتصل

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن الفروق الصحيحة: تفريقهم بين إضافة الطلاق أو العتاق ونحوها إلى جزء ينفصل كالشعر، والظفر فلا يثبت، وإلى جزء متصل فيثبت للجملة كلها، ولا يتبعض ].

    يقول المؤلف رحمه الله: هذا فرق صحيح، يعني: إذا أضاف الطلاق أو العتق إلى جزء ينفصل مثل: الشعر، والظفر والعرق، والروح، ونحو ذلك من الأشياء التي تنفصل فإذا قال: طلقت شعرك، أو قال: طلقت ظفرك، أو قال: طلقت روحك أو عرقك ونحو ذلك فهنا يقول المؤلف رحمه الله: لا يقع الطلاق، ومثله أيضاً العتق فلو قال: أعتقت ظفرك، أو أعتقت شعرك، ونحو ذلك فيقول المؤلف رحمه الله: لا يثبت العتاق، لكن إذا كان الجزء لا ينفصل بل يتصل فيضاف إلى الجملة ويقع الطلاق، مثل لو قال لزوجته: طلقت يدك أو رأسك أو رجلك ونحو ذلك فيثبت للجملة، ويقع الطلاق على المرأة، وكذلك لو قال لرقيقه: أعتقت يدك، أو رجلك أو رأسك أو نحو ذلك مما لا ينفصل بل هو متصل، فيقول المؤلف رحمه الله: يثبت للجملة كلها ولا يتبعض.

    قال رحمه الله: [ لكن قولهم: من خولع بعضها وجزء منها لم يصح الخلع ضعيف، فإن التفريق في هذا بين الخلع والطلاق ضعيف ].

    الخُلع: هو فراق الزوجة بعوض سواء كان بلفظ الطلاق أو بغيره من الألفاظ على الصحيح، فإذا خُلع بعضها وجزء منها فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح، وأن هذا القول لا يصح وهو ضعيف، وهذا هو الصواب أنه لا فرق بين الطلاق والخُلع فلو قال: طلقت يدك بألف ريال أو خالعت نصفك أو طلقت نصفك بألف ريال، أو قال: خلعت يدك أو خالعت نصفك بألف ريال سواء كان جزءاً أو بعضاً فالصحيح أنه لا فرق بينه وبين الطلاق، فهذا كله خُلع يثبت، كما أنه لو قال: طلقت نصفك وقع الطلاق، أو قال: طلقت يدك وقع الطلاق فكذلك أيضاً إذا خالع، فقال: خلعت يدك بألف ريال، أو خلعت نصفك بألف ريال فنقول: يقع ولا فرق.

    قال رحمه الله: [وأما التصرفات الأخر كالبيع والإجارة والشركات والوقف، والهبة ونحوها فيصح تبعيضها، ووقوعها على بعض الشيء دون بقيته، والله أعلم].

    هذا ظاهر، لو باع نصف سيارته أو وقف نصفها أو أجر نصفها أو وهب نصفها ونحو ذلك من هذه التصرفات فيقع البعض ويقع الجزء وهذا كله جائز ولا بأس به، لكن بالنسبة للطلاق والعتق فقد فصلوا بين ما ينفصل وبين ما لا ينفصل، وهكذا الخُلع فقالوا: لا يصح إذا خالع بعضها أو جزءاً منها، يقول المؤلف: والصحيح أنه لا فرق بين الخُلع والطلاق، فكما أن له أن يطلق يد زوجته كذلك أيضاً له أن يخلع يد زوجته ويثبت الخُلع للجملة.

    1.   

    الفرق بين الهبة والوصية والعطية

    قال رحمه الله: [ ومن الفروق الصحيحة: الفروق التي ذكروها بين الهبة والوصية، والفروق التي بين العطية في مرض الموت والوصية ].

    العلماء رحمهم الله فرقوا بين الهبة والعطية بأن الهبة هي: التبرع بالمال في حال الصحة، وأما العطية فهي: التبرع بالمال في حال مرض الموت، والوصية هي: التبرع بالمال بعد الموت، ولكل من هذه الأشياء أحكام تخصها.

    قال رحمه الله: [ فإن الهبة: العطية في حال الصحة على وجه العدل ثابتة كلها في وقتها قليلة أو كثيرة، ولو استوعبت جميع المال، والوصية لا تثبت إلا بالثلث فأقل لغير وارث، وتشارك العطية الوصية في هذا المعنى ].

    هذا الفرق، فرق المؤلف رحمه الله بين الهبة والوصية والعطية، فالوصية لا يثبت منها إلا الثلث إلا إذا أجاز الورثة، والهبة إذا كانت على سبيل العدل فإنها تثبت في جميع المال، فلو أن إنساناً وهب جميع ماله، فما دام أنه يُعطي في حال الصحة فله ذلك، وأما الوصية فإنه ما يملك أن يهب إلا الثلث فقط؛ لأنها تبرع بالمال بعد الموت والنبي صلى الله عليه وسلم قال لـسعد : ( الثلث، والثلث كثير )، كذلك أيضاً العطية، وهي: التبرع بالمال في مرض الموت، ما يملك منها إلا الثلث فقط، فالوصية والعطية يتفقان في أنه لا يملك أن يتبرع إلا بالثلث فقط لغير وارث، وأما الهبة فإنه يملك أن يتبرع بجميع ماله إذا كانت على سبيل العدل، فإن كانت على سبيل الجور فإنه لا يجوز، فمثلاً: هذا وهب أحد أولاده كذا وكذا ووهب الآخر من أولاده كذا وكذا وفاضل بينهما فنقول: لا يجوز هنا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم )، فيجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده، فلو أعطى هذا مثلاً عشرة آلاف، وهذا خمسة آلاف فإنه يجب عليه أن يعدل بينهم، فإما أن يزيد هذا المفضول، أو يرجع على الفاضل ويأخذ منه الزائد.

    1.   

    الفرق بين العطية والوصية

    قال رحمه الله: [ وتفارقها في أن العطية تلزم من حينها ويقدم فيها الأول فالأول مع التزاحم ].

    عندنا العطية والوصية يتفقان في الثلث فأقل لغير وارث.

    وهناك فروق بين العطية والوصية ذكرها المؤلف رحمه الله، فالعطية تلزم من حينها؛ لأنها هبة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) والهبة تلزم من حينها، فمثلاً: زيد وهو في مرض الموت وهب ألف ريال، فنقول: تكون لازمة، لكن ننظر هل هذه الألف تخرج من الثلث أو لا؟ فإن خرجت من الثلث فالأمر ظاهر، يعني إن كانت الثلث فأقل فالأمر ظاهر.

    أما بالنسبة للوصية فهي ليست لازمة، فلو أوصى لزيد بألف ريال اليوم، وغداً نقض ذلك فقال: يعطى عمرو، فلا يُعطى زيد شيئاً، ويصح ذلك؛ لأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت، وهذا تبرع بالمال في حال حياة لكنه في حال حياة مخصوصة وهو في مرض، هذا الفرق الأول.

    إذاً: الفرق الأول: أن العطية تكون لازمة من حينها، لكن يبقى النظر هل يخرج من الثلث أو لا.

    وأما الوصية فإنها لا تكون لازمة؛ لأنها تبرع بالمال بعد الموت، فيملك الرجوع فيها.

    الفرق الثاني: العطية نقدم فيها الأول فالأول عند التزاحم، فمثلاً: إذا كان الثلث ثلاثة آلاف، فقال: يعطى زيد ألفين، ويعطى عمرو ألفاً ويعطى بكر ألفاً، فلو أعطينا زيداً ألفين، وأعطينا عمراً ألفاً، وأعطينا بكراً ألفاً. صارت أربعة آلاف، فوق الثلث، ولا يمكن هذا إلا بإذن الورثة، فنقول: يبدأ بالأول فالأول؛ لأنها تقع لازمة، فيعطى زيد ألفين وعمرو ألفاً وبكر ما له شيء.

    بخلاف الوصية؛ فإنهم يتزاحمون فيها، فمثلاً في هذا المثال: أوصى لزيد بألفين، وأوصى لعمرو بألف، وأوصى لبكر بألف، فمجموع الوصية أربعة آلاف، ويوم أنه مات وجدنا أن الثلث ثلاثة آلاف، فهل نقول: أن الوصية كالعطية فنبدأ بالأول فالأول، أو نقول: يتزاحمون؟ الرأي الثاني: أنهم يتزاحمون؛ لأن التبرع بالمال بعد الموت والموت يأتي دفعة واحدة، وليس هناك فرق بين الأول والثاني.

    فنقول: يتزاحمون، ويدخل النقص على الجميع بمقدار النسبة، فننظر إلى مجموع العطايا وننسبها إلى الوصية، ويأخذ كل واحد منهم من وصيتهم بمقدار هذه النسبة، فالوصية أربعة آلاف، والثلث ثلاثة آلاف، فننظر إلى نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا، فالثلث ثلاثة آلاف، ومجموع الوصايا أربعة آلاف، ونسبة الثلاثة إلى الأربعة هي ثلاثة أرباع.

    فمن له ألفان نعطيه ثلاثة أرباع، ومن له ألف نعطيه ثلاثة أرباع، ومن له ألف نعطيه ثلاثة أرباع، فيدخل النقص على الجميع، أي: نقسم عليهم هذه الثلاثة الآلاف ولا نقدم بعضهم على بعض.

    فالذي له ألف نعطيه ثلاثة أرباع فينقص عليه مائتان وخمسون، والذي له ألف نعطيه ثلاثة أرباع فينقص عليه مائتان وخمسون، فهذه خمسمائة.

    وكذلك أيضاً صاحب الألفين ينقص عليه خمسمائة، ونعطيه ثلاثة أرباع ألفين وهي ألف وخمسمائة، وهذا معنى كلام المؤلف رحمه الله.

    إذاً: العطية والوصية يشتركان في الثلث فأقل لغير الوارث، ويفترقان في أن العطية تكون لازمة، وأما الوصية فلا تلزم وله أن يرجع.

    الفرق الثاني: يقدّم الأول فالأول في العطية عند التزاحم، وأما في الوصية: فلا يقدّم الأول فالأول، بل يقسم عليهم جميعاً ويدخل النقص عليهم جميعاً، فيتحاصّون ويتزاحمون، ونقسم بينهم بالمحاصة.

    قال رحمه الله: [ولا يملك المعطي الرجوع فيها بعد القبض المعتبر].

    هذا الفرق الثالث في العطية لا يملك الرجوع، وأما في الوصية فإنه يملك الرجوع، فله أن يغير وأن يرجع وأن يبطل ما أوصى به لهذا ويوصي به لآخر.. إلى آخره.

    قال رحمه الله: [والوصية لا تلزم ولا تثبت إلا بالموت، وله الرجوع قبل الموت، ويساوى فيها بين المتقدم والمتأخر].

    ما نقدم أحداً على أحد كالعطية، وإنما نساوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية، وأما في العطية فنقدم الأول فالأول.

    قال رحمه الله: [لأنها لا تثبت إلا بالموت، وتثبت دفعة واحدة].

    هذه العلة بالنسبة للوصية أننا نساوي ولا نقدّم؛ لأنها تبرع بالمال بعد الموت، والموت يأتي دفعة واحدة.

    قال رحمه الله: [وأيضاً العطية يثبت الملك من حينها لكنه مراعى، والوصية لا يثبت إلا بعد الموت فهذه ثابتة مبنية على الأصول الشرعية كما هو معروف مفصّل ].

    هذا من الفروق: العطية إذا أعطاه فإنه يملك، فتثبت العطية ويثبت الملك فيها من حينها؛ لأنها تمليك في حال الحياة، لكنه مراعى، لا ندري هل يخرج من الثلث أو لا؟ فمثلاً قال وهو في مرض الموت: أعطيت زيداً ألف ريال، فقال زيد: قبلت، فتمت العطية، فنقول: يثبت الآن ألف ريال لزيد، لكن هذا مراعى ما ندري، قد يخرج من الثلث، فقد يموت وهي ثلاثة آلاف ريال وأكثر، فتكون العطية صحيحة؛ لأن هذا الألف أصبح من الثلث، وقد لا يخرج من الثلث، فقد يموت وما له إلا ألفان، وقد يموت وما له إلا ألف، كم يخرج؟ يخرج الثلث فقط؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: [لكنه مراعى].

    فإن كانت العطية من الثلث فأقل ثبتت كلها، وإلا خرج بقدرها، فقد يعطيه ألف ريال ويخلي ثلاثة آلاف ريال فنقول: العطية صحيحة وقد يعطيه ألف ريال في مرض الموت لكن ما يخلف إلا مائة ريال، أو ما يخلف إلا هذه الألف؛ فنقول: له ثلث ما خلّف.

    وهنا قال المؤلف رحمه الله: مراعى، يعني: ما ندري ما الذي سيصير عليه حال هذا الميت، فقد يخرج من الثلث وقد لا يخرج من الثلث.. إلى آخره.

    ويترتب على هذا أيضاً أن نماء هذه العطية تكون للمعطى؛ لأنها ثبتت له، لكنه كما تقدم ما يتبين لنا ثبوتها كلها أو بعضها إلا حين الموت، فحينما يموت ننظر هل خرجت هذه العطية من الثلث يعني: كانت الثلث فأقل فتثبت كلها، وإن كانت لم تخرج فنقول: لا يخرج إلا بقدرها، فإذا كان ما خلّف إلا ألفين فنقول: له ثلث الألفين فقط، فإذا خلّف ثلاثة آلاف ريال وقد أوصى له بألف فنقول: يأخذها كلها، أما إذا ما خلف إلا أقل بحيث أنه ما ينفذ الألف من الثلث فنقول: ليس له إلا بقدره، إلا إذا أجازه الورثة.

    فإذا قال: أوصي له بألف ريال، فهذا لا يثبت إلا بعد الموت، ويترتب على ذلك نماء هذا المال، فنماء هذه الوصية تكون للورثة، فلو قال: أوصيت بهذه الشاة لزيد ثم ولدت فهذه الزيادة للورثة؛ لأنه حتى الآن ما ثبت الملك فيها للموصى له، إلا بعد الموت ويقبل، بخلاف العطية فإنه إذا أعطاه في حال الحياة وقبل وولدت، فالولد يكون للمعطى.

    لكن هل تنفذ كلها أو بقدرها؟ هذا كما تقدم، ومثله أيضاً الوصية، فلو أعطاه ألف ريال فننظر هل هذه الألف تنفذ من الثلث فتنفذ كلها أو بقدرها، فإذا كان مثلاً تبين أن ماله ثلاثة آلاف وقد أوصى له بألف فنقول: ينفذ كله، وإن تبين أن المال أقل فنقول: ينفذ بقدره.

    1.   

    الفرق بين الوصية لوارث والوقف له في مرض الموت

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الضعيفة جداً بل الخارقة للإجماع: تجويز الفقهاء وقف المريض مرض الموت المخوف على بعض ورثته بلا إذن الباقين، فإن هذا القول هو عين الوصية للوارث الذي نص الشارع على بطلانه وأجمع العلماء عليه].

    يقول المؤلف رحمه الله: من الفروق الضعيفة: تجويز الفقهاء وقف المريض مرض الموت المخوف على بعض ورثته بغير إذن الباقين، يعني: كونه يوقّف على بعض الورثة دون بقية الورثة، والمشهور من المذهب أن هذا جائز، والصواب: أن هذا غير جائز؛ لأنه في حال مرض الموت عندما يوقف فهو نوع من الهبة، وكونه يخص بعض الورثة دون بعض كأنه خص بعضهم دون بعض في الهبة، وقد تقدم لنا أن العطية حكمها حكم الوصية في الثلث فأقل لغير الوارث، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـسعد : ( الثلث والثلث كثير )، فعطية الثلث فأقل لغير الوارث حكمها حكم الوصية تماماً، وإذا كانت الوصية ما تجوز للوارث فكذلك العطية لا تجوز للوارث، فكونه يخصص العطية في مرض الموت، ويجعلها لبعض الورثة دون بعض ومثله الوقف فهذا محرم ولا يجوز؛ لأن الوقف كما تقدم نوعٌ من الهبة والتبرع، والهبة والتبرع في مرض الموت لا يجوز لوارث.

    1.   

    الفرق بين أنواع القتل

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة الثابتة بالنص والإجماع: التفريق بين قتل العمد العدوان الذي يوجب ما اختاره الولي من القصاص أو الدية، وقتل الخطأ، وشبه العمد الممتنع فيه القصاص الذي يوجب الدية فقط إلا إن عفي له عنها ].

    هذا ظاهر في الفرق بين قتل العمد العدوان، وبين الخطأ وشبه العمد؛ لأن القتل أقسامه ثلاثة: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، وعند الإمام مالك قسمان: عمد، وخطأ، ولا يثبت شبه العمد، والصواب إثباته كما ورد في السنة.

    والمهم أن من الفروق بين قتل العمد وقتل الخطأ وشبه العمد: أن العمد للولي أن يقتص، وله أن يعفو، وله أن يأخذ الدية، فهو مخيّر، وأما بالنسبة للخطأ وشبه العمد فليس له القصاص، وإنما هو مخيّر بين أن يأخذ الدية، وبين أن يعفو، وهذا ظاهر.

    قال رحمه الله: [وهذا موافقٌ غاية الموافقة للحكمة والمصلحة، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] ].

    لأن الخطأ لم يقصد الجناية، وشبه العمد: قصد جناية لا تقتل غالباً، والعمد أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله ثم يغلب على الظن موته به، هذا تعريف العمد.

    قال رحمه الله: [وكذلك في الأطراف].

    إذا كان في حال العمد فيجب القصاص، فإذا قطع يده فتقطع يده، ولو فقأ عينه فتفقأ عينه.

    أما في حال الخطأ وشبه العمد فإما الدية أو العفو، أما القصاص فليس هناك قصاص.

    قال رحمه الله: [إلا أنه إذا لم يمكن المماثلة امتنع القصاص وتعينت الدية، وذلك في مسائل عديدة]

    يعني: قد يكون هناك جناية عمد لكن ما يمكن أن نقتص منه، مثل ما ذكروا، والقاعدة: أنه متى أمكن القصاص في الجروح والجنايات فهذا هو الواجب؛ لقول الله عز وجل: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، وأما إذا لم يمكن وتعذر فإنه لا قصاص ولو كان عمداً، فإما الدية، أو أن يعفو.

    وهذا مثّل له العلماء بالمأمومة فهذه ما يمكن القصاص فيها، والمأمومة هي: الجرح في الرأس؛ بحيث يصل إلى أم الدماغ، فإذا وصل إلى أم الدماغ فالغالب أنه ما يبقى بل يهلك، يعني: يخرق الجلد، ثم العظم، ثم الخريطة التي يكون داخلها هذا المخ (الودك)، فإذا خرق هذه الخريطة فالغالب أنه ما يسلم بل يموت، لكن لو فُرض أنه ما مات وبقي، فالقصاص هنا متعذر؛ لأننا لو قلنا: نقتص منه فيخرق رأسه ثم تخرق الخريطة فهذا الغالب أنه يموت.

    1.   

    الفرق بين الأعضاء المغسولة في الطهارة والأعضاء الممسوحة

    قال رحمه الله: [ومن الفروق الصحيحة: التفريق بين الأعضاء المغسولة في الوضوء فيشرع فيها التكرار، والممسوحة كالرأس والخفين والخمار والعمامة فلا يُشرع فيها التكرار لبناء الممسوحات على السهولة، ولذلك جعل المسح في التيمم في بعض عضويه بدلاً عن غسل الجميع].

    وهذا فرق صحيح، أعني: الفرق بين الغسل والمسح: فالغسل يُشرع فيه التكرار، وأما المسح فلا يشرع فيه التكرار؛ لأن المسح عبادة مخففة، وإذا كانت مخففة والشارع خفف في أصلها، فكذلك أيضاً يخفف في عددها، فكون الإنسان يكرر مسح الرأس ثلاثاً كما قال الشافعي فهذا فيه نظر؛ لأنه أصلاً في عبادة الغسل، وكذلك يقال أيضاً عندما يكرر مسح الخفين، ويكرر مسح الأذنين، ويكرر المسح على الخمار، وفي التيمم أيضاً الصواب أنه يكفي ضربة واحدة كمذهب الإمام أحمد رحمه الله كما ذكر المؤلف من التفريق بين الأعضاء المغسولة والممسوحة خلافاً لجمهور العلماء.