إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الودائع المصرفية تنقسم إلى قسمين: ودائع غير استثمارية، وهي إما ودائع مستردة؛ كودائع الصكوك والأوراق المالية للمصرف مقابل أجر، وقد أجازها الحنابلة، وإما ودائع مخصصة لعميل معين، بحيث يأخذ منه المصرف مبلغاً لتسديد فواتير أو شراء أسهم جائزة.. إلخ، وهذا جائز،

    1.   

    الودائع المصرفية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:

    تقدم لنا في الدرس السابق ما يتعلق بأقسام صور مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك، وذكرنا أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: جائز.

    والقسم الثاني: محرم.

    والقسم الثالث: مختلف فيه وهما إذا ضبط بضوابط.

    وذكرنا هذه الضوابط، وأن بعض العلماء منع من هذا القسم -القسم الثالث- مطلقاً؛ بناءً على أن فيه اشتراط عقدٍ في عقد، وهذا لا يصح، وأيضاً فيه تعليق عقد البيع على شرط مستقبل، وتعليق عقد الهبة على شرط مستقبل... إلى آخره.

    الرأي الثاني: الصحة بتلك الضوابط لانتفاء هذه المحاذير؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، واشتراط عقد في عقد الصواب أنه صحيح، وكذلك أيضاً تعليق العقود الصواب أنها صحيحة... إلى آخره.

    وذكرنا شيئاً من الصور التي أجازها مجمع الفقه الإسلامي.

    أما ما يتعلق بالودائع المصرفية، وأقسامها، وأنواع كل قسم، وبيان أحكامها فسوف يكون في الآتي:

    تعريف الودائع المصرفية

    الودائع: جمع وديعة، وهي في اللغة: مأخوذة من الودع وهو السكون.

    وأما في الاصطلاح فهو: التبرع بحفظ مال الغير بلا عوض.

    والمصرف: اسم مكان مشتق من الصرف، والصرف هو مبادلة نقد بنقد.. وهو نوع من أنواع البيع، لكنه يختص بالنقود.

    فالمصرف هو المكان الذي يتم فيه الصرف، يعني: مبادلة النقد بالنقد.

    وأما في اصطلاح الاقتصاديين فهو: عبارة عن مؤسسة تنشأ لغرض اقتراض النقود وإقراضها.

    وأما بالنسبة لكلمة بنك، فهي اصطلاح أوروبي.. ليس عربياً بل أعجمي، مأخوذٌ من كلمة بانكو الإيطالية، وهذه الكلمة في الأصل تعني الطاولة أو المنضدة؛ فإن التجار في القرون الوسطى كانوا يجلسون في الموانئ وفي الأماكن العامة ومعهم النقود على مثل هذه الطاولات التي تسمى بانكو، لكي يقوموا بصرف هذه النقود والبيع والشراء فيها، فيجلسون في الموانئ وفي الأماكن العامة على مثل هذه الطاولات التي تسمى بانكو، فسمّيت هذه المؤسسة الآن التي تُعنى باقتراض البنوك وإقراضها (بنك).

    وعلى هذا إذا تبين هذا وتبين أن كلمة بنك كلمة ليست عربية وإنما هي كلمة أعجمية، فالأولى عدم استخدامها، ويُستخدم بدلاً من ذلك كلمة مصرف.

    الودائع المصرفية غير الاستثمارية

    الودائع المصرفية تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الودائع المصرفية غير الاستثمارية، يعني: لا يُقصد بها الاستثمار، وإنما تودع في هذه المصارف لأغراض كما سيأتي بيانه إن شاء الله، فلا يُقصد من ذلك الاستثمار، يعني: الكسب والربح، وإنما تعطى المصرف لغرض معيّن غير الاستثمار.

    وهذه الودائع المصرفية غير الاستثمارية تتنوع إلى ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: ودائع الصكوك والأوراق المالية، وتسمى بالوديعة المستردية.

    وهذه الأوراق المالية تشمل الأسهم والسندات ومؤدى هذه الوديعة: أن يقوم المستفيد أو العميل بدفع صكوكه وأوراقه المالية إلى المصرف؛ ليقوم بحفظها، وأحياناً يقوم المصرف ببعض العمليات لإدارة هذه الأوراق كتحكيم أرباح الأسهم ونحو ذلك.

    فهذه وديعة بأجر، يعني: المصرف أو البنك يأخذ أجرة على هذا، وهذه وديعة بأجر، وعلى مذهب الحنابلة هذه إجارة؛ وتكييفها أن هذه من قبيل الأجير المشترك، ولأن الأجير ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أجير مشترك، والقسم الثاني: أجير خاص.

    والأجير الخاص: هو الذي قُدّر نفعه بالزمن، بمعنى: أنه استأجره شخص لكي يعمل من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية ظهراً، فهذا أجير خاص، قُدّر نفعه بزمن.

    والأجير المشترك: هو الذي قُدّر نفعه بالعمل، يعني: ليس مرتبطاً بزمن، وإنما مرتبط بعمل، فهو يتقبل أعمالاً من الناس كلهم، مثل: الخياط، والغسال، والطباخ، ومن يقوم بطباعة الأوراق... إلى آخره، فقالوا: هؤلاء أجراء إجارة مشتركة، يعني: ليس نفعه مقدراً بزمن، وإنما نفعه مقدر بعمل.

    فنظير مثل ذلك الآن: المصرف، إذا أخذ هذه الأوراق المالية، وهذه الصكوك... إلى آخره، وقام بحفظها للعميل أو قام بإجراء بعض العمليات المالية على هذه الأوراق فإن هذا من قبيل الإجارة المشتركة.

    وحكم هذا بأنه جائز ولا بأس به.

    وما يقوم به المصرف من إدارة هذه الأوراق المالية التي لا تتضمن محذوراً شرعياً هذا من باب الوكالة بأجر، والوكالة بأجر يصح أن توكل شخصاً لكي يبيع لك، ويشتري... إلى آخره، بأجرة؛ فإن هذا جائز ولا بأس به.

    النوع الثاني من أنواع الودائع المصرفية غير الاستثمارية: الودائع المخصصة لعمل معين.

    وذلك بأن يقوم العميل بدفع مبلغ معين إلى المصرف؛ لغرض تسديد الفواتير، أو سداد قيمة الكمبيالة، أو شراء أوراق مالية كأن يشتري له أسهماً... إلى آخره، بحيث لا يتضمن هذا الشراء محذوراً شرعياً فإن هذا جائز ولا بأس به، ومثل هذه الوديعة جائزة ولا بأس بها، وحكمها أنها وكالة بأجرة، يعني أنك وكلت المصرف في أن يقوم بهذا العمل فلو أخذ عليك عمولة مقابل أن يشتري لك هذه الأوراق النقدية، أو مقابل سداد هذه الكمبيالة كان هذا جائزاً ولا بأس به، وحكمه أنه وكالة بأجر، والوكالة يجوز أخذ الأجرة عليها كما سلف، فلو وكّلت شخصاً على أن يشتري لك سيارة، أو يشتري لك بيتاً وشرط عليك أجراً فإن هذا جائز ولا بأس به.

    والكمبيالة يعرفونها بأنها: وثيقة أو صك محرر يتضمن الأمر بدفع مال من شخص معين في وقت معين لآخر، من طرف ثالث.

    والكمبيالات هذه غالباً تستخدم في تسديد أقساط البيوع، والآن حل محلها كثيراً ما يسمى بالشيك، ونحوه.

    المهم أنه تلخص لنا: أن الودائع المخصصة لعمل معين أنها جائزة، وأنها عبارة عن وكالة بأجرة، والأصل في ذلك الحل وأنه لا بأس به، وأخذ الأجرة على الوكالة جائز ولا بأس به.

    النوع الثالث من الودائع المصرفية غير الاستثمارية: وديعة الخزائن الحديدية.

    وذلك أن بعض المصارف تؤجر خزائن حديدية مقابل أجرة معلومة، يستفيد العميل من هذه الخزينة لحفظ نقوده أو أوراقه الثمينة، أو مستنداته في مثل هذه الخزائن.. أو غير ذلك، ويكون مع العميل مفتاح، والمصرف يكون معه مفتاح آخر.

    حكم هذه أنها إجارة بعوض، فالمصرف يقوم بتأجير العملاء مثل هذه الخزائن الحديدية، وهذا جائز ولا بأس به.

    هذا ما يتعلق بالقسم الأول وهو الودائع المصرفية غير الاستثمارية.

    الودائع المصرفية الاستثمارية

    القسم الثاني: الودائع المصرفية الاستثمارية.

    وهي التي يُقصد منها الكسب والتجارة والربح، سواءٌ كان ذلك من قِبل المصرف، أو من قِبل العميل.. إلى آخره.

    وهذه الودائع تتنوع إلى أربعة أنواع:

    النوع الأول: الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب.

    وذلك بأن يقوم العميل بإيداع مبالغ نقدية لدى المصرف بقصد أن تكون قابلة للتداول والسحب عند الطلب.

    يعني: إذا أراد أن يأخذ هذه الدراهم فإنه يقوم بأخذها في أي وقت شاء.

    وهذا ما عليه عمل كثير من الناس اليوم في مثل هذه البلاد، أنهم يقومون بإيداع أموالهم ودائع جارية عند الطلب عند هذه المصارف؛ بحيث أن العميل يتمكن من سحب هذه المبالغ في أي وقت شاء.

    وهذه الودائع تحتها مسألتان:

    المسألة الأولى: ما هي الكيفية لهذه الودائع؟

    المسألة الثانية: حكم هذه الودائع.

    المسألة الأولى: ما يتعلق بكيفية هذه الودائع.

    اختلف المتأخرون في ذلك على رأيين:

    الرأي الأول: أن هذه الودائع تعتبر إقراضاً من العميل للبنك أو للمصرف، يعني: أنت إذا دفعت هذه الودائع إلى المصرف فإنك تكون أقرضت هذا المصرف، وهذا ما عليه أكثر العلماء، فإيداع العميل لهذه الدراهم عند المصرف إنما هو إقراضٌ منه للمصرف.

    واستدلوا على ذلك بأدلة:

    الدليل الأول: أن العلماء السابقين يقولون بأن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة فإنها تتحول إلى كونها قرضاً.

    يعني: أنت أعطيت زيداً من الناس ألف ريال أو عشرة آلاف ريال، وأذنت له أن يتصرف فيها، وهو قام وتصرف فيها.. اشترى، وباع... إلى آخره، فإنها تتحول من كونها وديعة إلى كونها قرضاً، وهذا ينص عليه العلماء رحمهم الله.

    والآن هذا هو الجاري وإن لم يأذن لفظاً فإنه آذنٌ عرفاً، فالعميل الآن يضع دراهمه في المصرف ويأذن للمصرف بالتصرف في هذه الدراهم، فيقوم المصرف باستغلال هذه الدراهم بالبيع والشراء... إلى آخره.

    الدليل الثاني: أنها لو تلفت هذه الدراهم فإن المصرف ضامن لهذه الدراهم، وهذا هو القرض.

    يعني: أنت الآن لو أعطيت زيداً من الناس ألف ريال قرضاً، ثم أخذ هذه الألف وضاعت منه، أو حفظها في الصندوق وكُسر الصندوق وسُرقت فهو الضامن لها؛ لأنها دخلت في ملكه.

    بخلاف الوديعة، فأنت لو أعطيت زيداً من الناس على أن يحفظ لك هذه الدراهم ثم حفظها في حرز مثلها.. وضعها في الصندوق، ثم جاء سارق وكسر الصندوق وأخذ الدراهم، فإن المودَع لا يضمن، فما دام أنه لم يتعد ولم يفرِّط فإنه لا ضمان عليه.

    فالمتفق عليه الآن على أن المصرف يقوم بضمان هذه الدراهم مطلقاً تعدى أو لم يتعد، فرّط أو لم يفرّط... إلى آخره، هذا أخرجها من كونها وديعة في الأصل إلى كونها قرضاً.

    الدليل الثالث: قالوا بأن المصرف لو أفلس فإن العميل يدخل على أنه دائن عادي، ولا يدخل على أنه صاحب وديعة، والفرق إذا قلنا: هل هو صاحب وديعة أو قلنا: إنه دائن؟

    النبي صلى الله عليه وسلم عندما نقص مال المفلس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من وجد متاعه عند رجلٍ أفلس فهو أحق به )، لو قلنا بأن هذه الدراهم التي يضعها العملاء عند المصارف: إنها ودائع، يكون هذا العميل أحق بهذا المال بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام أنه وجد متاعه بعينه فإنه يكون أحق به.

    أما إذا قلنا بأنها قرض، فإن هذا يكون دائناً عادياً، ويخضع في القسمة على سائر الغرماء.

    يعني: لو كان هذا المصرف اقترض من أناس، وأناس أودعوه، لو قلنا بأن هذه ودائع لكان أصحاب الودائع أحق بأموالهم؛ لأنها أموال لهم، ولا يدخلون تحت أسوة الغرماء، وإنما هذه أموال لهؤلاء الذين أودعوا، فتكون عند المصرف إنما هي أمانة فقط، ولا تكون أسوة الغرماء.. يعني: لا يدخلون في القسمة مع الغرماء، لكن لو أفلس المصرف فإن أصحاب هؤلاء الودائع وكذلك أيضاً الغرماء يدخلون جميعاً في المحاصّة، كلهم يقتسمون المال الذي يوجد في المصرف، ولا يخرج أموال المودعين باعتبار أنها أمانات، وإنما كلهم يعاملهم على أنهم مقرضون.

    مثال آخر في غير المصرف: زيد من الناس أعطاه عمرو ألف ريال، وأعطاه بكر، وصالح، وإبراهيم... أعطوه قروضاً، عندما يفلس ويريد القاضي أن يقسم أموال هذا المفلس على الغرماء؛ فإن أصحاب الأمانات أموالهم لا تدخل القسمة، بل يجب أن تُخرج، هذه ألف ريال معروفة لفلان يجب أنه يأخذها وتُخرج، أما بالنسبة للمقرضين فإنهم يتحاصّون المال، وفي المصرف ليس الأمر كذلك، بل الكل يدخلون في المحاصّة، ولا يُخرج أحدهم عن أحد، فدل ذلك على أن هذه الأموال التي تدفع إلى المصرف ليست ودائع، وإنما هي قروض، كما لو أن شخصاً أقرض هذا المصرف، والدليل أنهم يدخلون كلهم في المحاصّة، وهذا الذي أودع يخضع لقسمة بقية الغرماء.

    هذا هو الرأي الأول، وهو ما عليه جمهور أهل العلم، على أن هذه الودائع تعتبر قرضاً ولا تعتبر وديعة.

    القول الثاني: أن هذه ودائع كما هو الاسم عليها، وهذا ذهب إليه بعض الباحثين، واستدلوا على ذلك بأنها مبالغ توضع عند المصرف وتسحب عند الحاجة.

    والصحيح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن هذه الودائع التي توضع في البنوك إنما هي إقراض وليست ودائع، وكون الشخص يسحبها عند الحاجة نقول: هذا قرضٌ غير مشروط بأجل مطلق، فله أن يطالبه في أي وقت.

    هذا بالنسبة للمسألة الأولى وهي: كيفية هذه الودائع التي يضعها الناس.

    واستخدم اسم الودائع وإن كانت في حقيقتها على الراجح أنها قروض لهذه البنوك، بناءً على الاسم الأول، وأن الناس تعارفوا على هذا الاسم، وإلا فالحقيقة كما سلف أنها قروض يقرضها العملاء لهذا المصرف.

    حكم الإيداع في المصارف

    المسألة الثانية: حكم الإيداع في مثل هذه المصارف.

    والمقصود المصارف التي تتعامل بالربا وقد يكون لها معاملات مباحة.

    لا شك أن وضع النقود فيها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    لما ظهرت مثل هذه المصارف اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله على أقوال، ومن أشهر هذه الأقوال قولان:

    القول الأول: التفصيل: وأن المصرف لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون جميع معاملاته محرمة، فهذا لا يجوز وضع النقود فيها، لما في ذلك من الإعانة على الربا، ولا شك أن الربا من كبائر الذنوب، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    الأمر الثاني: أن يكون لهذا المصرف موارد أخرى مالية مشروعة غير ربوية، فقالوا: يجوز وضع النقود في هذا المصرف ما دام أن معاملاته ليست ربوية محضة، وإنما له موارد مالية مشروعة غير ربوية.

    والعلة قالوا: لأن الإنسان إذا أودع في مثل هذه المصارف التي تتعامل بالربا وبغير الربا، لا يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية، وإذا لم يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية فالأصل في ذلك الحل؛ لأن هذا أمر محتمل، والأصل في ذلك الحل.

    قالوا: والبُعد عن هذا أولى.

    فتلخص الرأي الأول: أنهم يقسمون هذه المصارف إلى قسمين:

    القسم الأول: مصارف معاملاتها ربوية محضة.

    وأيضاً يظهر من كلامهم أن المعاملات المباحة النادرة هذه لا عبرة بها؛ لكونها منغمرة في المحرم، فهذا لا يجوز وضع الدراهم أو النقود فيها؛ لما في ذلك من الإعانة على الربا.

    القسم الثاني: أن يكون لهذا البنك أو المصرف موارد مالية شرعية، فقالوا: يجوز وضع الدراهم فيها؛ لأن الإنسان إذا وضع دراهمه لا يتحقق أنها تستخدم في الأمور المحرمة. والبعد من هذا أولى للشبهة. هذا القول الأول.

    القول الثاني: التفصيل بين الحاجة وعدم الحاجة.

    فإذا كان هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس، يعني: إذا كان إنسان يحتاج أو يضطر إلى ذلك، فإن هذا جائز، وإذا لم يكن هناك حاجة أو ضرورة فإنه لا يجوز.. إذا كان هناك حاجة بحيث لا يتمكن إلا في هذا المصرف، أو يخشى على دراهمه الضياع، أو تكون أمواله كثيرة بحيث أنه لا يتمكن من حفظها في مكان آخر غير المصرف فهذا جائز، ومع عدم الحاجة أو الضرورة فإن هذا لا يجوز.

    الرأي الثالث: التفصيل قالوا: إن أمكن وضع هذه الأموال عند من يستقدمها في معاملات مالية مشروعة فهذا هو الواجب، وإذا لم يمكن واحتاج إلى ذلك فإنه جائز.

    ويظهر أن مسألة الحاجة اليوم، يعني: ما دام أن الناس ربطوا بهذه المصارف وهذه البنوك، فالحاجة الآن عمّت؛ لأن الناس الآن ربطوا بمثل هذه المصارف، فلا تكاد تجده يبيع أو يشتري إلا عن طريق المصارف لحاجته إلى التوثقة؛ لأن كثيراً من المعاملات ضبطت، لكن إذا كان الإنسان يستغني فهذا هو الأبرأ.

    والرأي الثالث هو أقرب الأقوال؛ لما في ذلك من البعد عن المحرم وخصوصاً الربا الذي هو من كبائر الذنوب.

    هذا بالنسبة للنوع الأول من قسمي الودائع المصرفية الاستثمارية، وهي الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب.

    1.   

    الودائع الائتمانية

    النوع الثاني: الودائع الائتمانية.

    الودائع الائتمانية هي: عبارة عن عقد يكون بين العميل والمصرف، يضع في المصرف مبلغاً من المال تحت تصرف العميل، خلال مدة معينة.

    وقد يكون ذلك حقيقة، يعني: المصرف يضع مثلاً كذا وكذا من الدراهم تحت تصرف العميل، وقد يكون ذلك حكماً يعني: أنه يتعهد له بوضع مبلغ من المال، ويكون من حق العميل سحب هذا المبلغ.

    حكم هذه الودائع الائتمانية، الغالب في الودائع الإسلامية -البنوك- أنها لا تضع هذه المبالغ للعملاء إلا بفوائد، يعني: كونه يكون هناك اتفاق بين المصرف وبين العميل على أن المصرف يتعهد بوضع مبالغ تكون تحت تصرف العميل، له أن يأخذها متى شاء، هذه حكمها أنها إقراض من المصرف للعميل.

    والمصارف الربوية هذه تقوم بأخذ فوائد على هذا الإقراض، وكون المصرف يقوم بإقراض العميل مقابل فائدة هذا محرم ولا يجوز. وتقدم أن ذكرنا في مسألة جمعية الموظفين أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أن المنافع التي يستفيدها المقرض من وراء قرضه أنها من الربا، وذكرنا ضابط ذلك، ولأن القرض يراد به الإرفاق والإحسان، وإرادة وجه الله عز وجل، فكون المقرض يشترط فيه منفعة يكون قد أخرجه عن موضوعه، فنقول: هذا محرم ولا يجوز، وبعض الناس يقول: أنا أعرف من نفسي أنني مثلاً سأسدد، مثلاً لو اشترط البنك على العميل، قال: إذا ما سددت في وقت كذا وكذا عليك فائدة، يقول: أعرف أنني سأقوم بالسداد في وقت كذا وكذا، وأنه سيأتيني مثلاً مرتب ويأتيني مال.. نقول: أصل الدخول في هذا العقد محرم، حتى ولو كان الإنسان يعرف أنه سيسدد، كونك توقع على عقد محرم لا يجوز أصلاً، فكونك تقول: أنا أعرف من نفسي أنني سأسدد... إلى آخره، هذا لا ينفع، فالدخول في العقود المحرمة هذا باطل ومحرم ولا يجوز، ومن أكل أموال الناس بالباطل.

    1.   

    الوديعة لأجل

    النوع الثالث: الوديعة لأجل، وهي عبارة عن المبالغ النقدية التي يودعها أصحابها في المصارف، لأجل معين، لا يستحق لهم سحبها إلا بعد مضي فترة محددة يتفق عليها العميل مع المصرف.

    فيضع مثلاً ألف ريال أو مائة ألف ريال في هذا المصرف، لا يتمكن من سحبه إلا بعد مضي شهر أو شهرين مثلاً.

    مقابل هذا: أن المصارف تقوم بدفع فوائد ربوية لهذا العميل؛ مقابل أنه لا يتمكن من سحب هذه الأموال إلا بعد مضي شهر أو شهرين مثلاً على حسب ما يتفقان عليه، وتكثر الفائدة كلما كثر الأجل، وتقل كلما قل الأجل، وكلما كثر الأجل كثرت الفائدة وازدادت، وكلما قل الأجل نقصت الفائدة.

    فهذا لا إشكال أنه محرم، الإيجار بهذا الغرض لا شك أنه محرم ولا يجوز.

    وهذه الفوائد الربوية: ما حكم أخذها؟ هذا فيه رأيان:

    ذكرنا أنه محرم ولا يجوز، وهذا قول جماهير المتأخرين أنه محرم الدخول في عقد الربا؛ لأن الربا محرمٌ بالإجماع، وأيضاً يحرم أخذ هذه الفوائد؛ لأن هذه من القروض التي جرت منفعة، وتقدم عن الصحابة أن كل قرضٍ جر منفعة فهو ربا. فكون العميل يضع دراهمه عند هذا المصرف هو إقراض من العميل للمصرف بشرط أن يعطيه والمصرف يقوم بإعطائه هذه الفائدة، فالجمهور على أن الدخول في عقد الربا محرم ولا يجوز كما سلف؛ لأن الربا محرم وأدلته ظاهرة في القرآن والسنة.

    وثانياً: كونه يأخذ هذه الفائدة هذا من الربا أيضاً؛ لأن أخذ المنافع مقابل القرض ربا كما ورد ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا بأس من أخذ الفوائد الربوية، وذكروا لذلك شبهاً وأهم هذه الشبه شبهتان:

    الشبهة الأولى: أن الربا المحرم في القرض إنما هو في القروض الاستهلاكية دون القروض الاستثمارية.

    والقروض الآن استثمارية، فلا يكون الربا داخلاً فيها، والفرق بين القرض الاستثماري والقرض الاستهلاكي أن القرض الاستهلاكي يستقرض منك مثلاً ألف ريال لكي يشتري طعاماً أو شراباً، لكي يسكن، أو يشتري لباساً... فكونك تأخذ عليه فائدة، قالوا: هذا هو المحرم، أما أن نقول: استقرض لكي يبيع ويشتري إلى آخره، ليس لكي يستهلك وإنما لكي يستثمر، وتأخذ عليه فائدة قالوا بأن هذا هو الجائز.

    فهم يقولون: الربا المحرم في القروض إنما هو في القروض الاستهلاكية وليس في القروض الاستثمارية.

    وقروض البنوك هذه قروض استثمارية وليست قروضاً استهلاكية، فالبيت يأخذ الدراهم هذه ولا يصرفها إلا بعد مضي مدة، وفي خلال هذه المدة يقوم بالبيع والشراء فيها، أو يقوم بإيداعها في بنوك أخرى ويأخذ عليها فوائد ويعطي العميل بعضاً من هذه الفوائد التي أخذها.

    فقالوا: هذه قروض استثمارية، فإذا كان كذلك فالمحرم هو ما كان في القروض الاستهلاكية دون ما كان في القروض الاستثمارية.

    والجمهور أجابوا عن هذا فقالوا: هذا باطل للأوجه التالية:

    الوجه الأول: أن العباس رضي الله تعالى عنه كان يأخذ الربا، وتصير قروضاً استثمارية، ما كان يأخذها في القروض الاستهلاكية؛ لأن العباس رضي الله تعالى عنه كان رجلاً كريماً، ولا يُعقل في مثل حال العباس أنه يرابي مع من يريد أن يأكل أو يشرب، وإنما يرابي مع من يريد أن يتاجر ويفشل.

    الوجه الثاني: قالوا بأن ديون بني المغيرة المخزوميين التي كانت لثقيف، وبنو المغيرة كانوا أهل جاه وشرف، ولا يعقل أن بني المغيرة كانوا يأخذون الربا على من يقتات.

    والوجه الثالث من رد هذا القول: العمومات؛ فإن عمومات الأدلة لم تفرق بين القروض الاستهلاكية والقروض الاستثمارية، والوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو عدم التفريق بين القروض الاستهلاكية والقروض الاستثمارية.

    كذلك أيضاً العلماء في السابق لم يفرقوا هذا التفريق وإنما حرموا المنافع التي يكتسبها المقرض، ولم يفرقوا بين القروض، وأيضاً حرموا الربا ولم يفرقوا.

    ومثل هذا التفريق مخالف لإجماع العلماء السابقين، فبطلت هذه الشبه من أربعة أوجه:

    الوجه الأول والثاني: العمومات وأنها لم تفرق، والصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يفرقوا، والعلماء لم يفرقوا.

    الوجه الثالث: أن العباس كان يأخذ الربا ولا يُظن به أنه يأخذ الربا ممن يقتات، وإنما هو رجل كريم إنما يأخذه ممن يستثمر.

    الوجه الرابع: أن بني المغيرة المخزوميين كانت لهم ديون عند ثقيف، ولهم ربا... إلى آخره، ولا يُعقل أنهم كانوا يأخذون الربا ممن يريد القوت، وإنما ممن يريد التجارة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042123572

    عدد مرات الحفظ

    731342419