إسلام ويب

المسائل المعاصرة في الزكاة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مكافأة نهاية الخدمة حق مالي أوجبه ولي الأمر بشروط محددة على رب العمل لصالح الموظف عند انتهاء خدمته، ولها خصائص وسمات، وزكاتها لا تجب على الموظف إلا إذا حال الحول عليها وهي عنده، أما إن استهلكها قبل الحول فلا زكاة فيها، أما المال المحرم لذاته أو بسبب الكسب

    1.   

    زكاة مكافأة نهاية الخدمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    وبعد:

    تقدم لنا في الدرس السابق أن ذكرنا ما يتعلق بالورق النقدي.. حقيقته ومراحل تطوره، وكذلك أيضاً ما يتعلق بوجوب الزكاة فيه، وكذلك ما يتعلق بنصابه، وهل هو مقدر بالذهب أو بالفضة، أو بالأحظ للفقراء من الذهب والفضة.. إلى آخره؟ ثم بعد ذلك تكلمنا عن كيفية زكاة الرواتب الشهرية، وذكرنا أن المستفاد أثناء الحول لا يخلو من ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن يكون نتاج سائمة أو ربح تجارة، فهذا حوله حول أصله بالاتفاق.

    الأمر الثاني: أن لا يكون نتاج سائمة ولا ربح تجارة، لكنه من غير جنس المال الذي عنده، فهذا حوله ليس حول أصله، وإنما يعتبر حوله حولاً مستقلاً بالاتفاق.

    والقسم الثالث: أن يكون ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة، لكنه من جنس المال الذي عنده، فهذا موضع الخلاف، ويدخل في ذلك ما يتعلق بالرواتب الشهرية.

    درسنا اليوم سنتعرض لزكاة مكافأة نهاية الخدمة، وأيضاً سنتعرض لزكاة الأموال المحرمة، ثم بعد ذلك سنتعرض لزكاة السندات، ثم زكاة الأموال العامة، كالزكاة التي تكون في بيت المال، وتختص بها الدولة، هل فيه زكاة أو ليس فيه زكاة؟ كذلك أيضاً ما يوجد اليوم من كثير من الجهات الخيرية، كمكاتب الدعوة، وجمعيات البر، وجمعيات تحفيظ القرآن وما لديها من أموال، فهل هذه الجهات الخيرية ونحوها عليها زكاة في الأموال التي عندها، أو لا زكاة فيها؟

    وكذلك أيضاً ما يتعلق بزكاة أسهم الشركات، وخلاف المتأخرين في زكاة أسهم الشركات، ومدى وكيفية تزكية مثل هذه الأسهم.

    عندنا المسألة الأولى: وهي زكاة مكافأة نهاية الخدمة:

    وقبل أن نبيّن زكاة مكافأة نهاية الخدمة نقدم ببعض المسائل:

    المسألة الأولى: تعريف هذه المكافأة.

    والمسألة الثانية: التكييف الشرعي لهذه المكافأة؟

    والمسألة الثالثة: خصائص وسمات هذه المكافأة.

    والمسألة الرابعة: زكاة هذه المكافأة وكيفيته.

    الموظف سواء كان موظفاً في مؤسسات الدولة أو كان موظفاً في الشركات الأخرى غير تابعة للدولة إذا انتهى من عمله، سواء كان ذلك عن طريق الاستقالة أو كان ذلك عن طريق التقاعد، أو كان ذلك بسبب الوفاة، المهم أنهى خدمته لدى هذه المؤسسة الحكومية أو الشركة، فإنه يستحق مبلغاً من المال، وهذا المبلغ الذي يستحقه مقداره وشروطه لا يعنينا هنا، إنما يعنينا هذا المبلغ الذي أخذه الآن وصرفته له الدولة أو الشركة، هل تجب فيه الزكاة مباشرة أو نقول: لابد أن يستأنف فيه حولاً مستقلاً؟ المهم أنه تحصل على مبلغ من المال، فقد يتحصل مثلاً على خمسين ألفاً في نهاية الخدمة، وقد يتحصل على مائة ألف.. إلى آخره، حسب الشروط والضوابط التي وضعت لهذه المكافأة، فهذه المكافأة التي استحقها الموظف بعد نهاية خدمته وتركه لهذه الوظيفة، هل تجب فيها الزكاة مباشرة أو نقول الآن: تملكها واستحقها فيستأنف فيها حولاً، فإن أكلها قبل الحول لا زكاة عليه، وإن حال عليه الحول وجبت عليه الزكاة كسائر أمواله؟

    تعريف المكافأة

    المسألة الأولى: تعريف هذه المكافأة:

    مكافأة نهاية الخدمة: هي حق مالي أوجبه ولي الأمر بشروط محددة على رب العمل لصالح الموظف عند انتهاء خدمته.

    والموظف سواء كان موظفاً ضمن مؤسسات الدولة، أو كان موظفاً ضمن الشركات الأخرى، فإنه يستحق هذا الحق المالي عند تركه للعمل، سواء كان سبب الترك هي الاستقالة، أو التقاعد، أو الوفاة.

    خصائص المكافأة وسماتها

    المسألة الثانية: خصائص هذه المكافأة وسماتها:

    الأنظمة المنظمة لهذه المكافأة جعلت لها سمات وخصائص:

    الخصيصة الأولى: أن هذه المكافأة أمر واجب فرضه ولي الأمر على رب العمل لصالح الموظف، ولا يخضع في فرضه ولا صفته إلى إرادة طرفي العقد، يعني: أن هذا أمر واجب جعله ولي الأمر على هذه المؤسسة التي يتبع لها الموظف لصالح الموظف، فإذا انتهى الموظف فإن هذه المؤسسة أو الشركة يجب أن تدفع لهذا الموظف كذا وكذا من المال.

    الخصيصة الثانية: أن مقدار مكافأة نهاية الخدمة يتحدد بناء على سبب انتهاء خدمته، ومدة الخدمة ومقدار الراتب الأخير، يعني هذه المكافأة تتحدد قلة وكثرة على سبب ترك الموظف لهذه الوظيفة، وكذلك أيضاً راتب الموظف الأخير له أثر في كثرة هذه المكافأة أو قلتها، وكذلك مدة عمل الموظف في هذه الوظيفة له أثر في كثرة هذه المكافأة أو قلتها.

    الخصيصة الثالثة: أن وقت استحقاق الموظف للمكافأة عند نهاية خدمته، فلا يحق له أن يطالب بها قبل انتهاء خدمته.

    فكما أنه أيضاً لا يجوز له أن يتنازل عنها، لا يستحقها إلا عند نهاية الخدمة.

    الخصيصة الرابعة: أن هذه المكافأة يستحقها الموظف إذا انتهت خدمته أثناء حياته، أما إذا انتهت خدمته بسبب الوفاة فيستحق المكافأة من يعولهم الموظف دون التقيد بقواعد الإرث الشرعي، وهذه أيضاً لها أثر في بيان كيفية زكاة هذه المكافأة.

    الخصيصة الأخيرة لهذه المكافأة: يحق لرب العمل أن يحرم منها الموظف في بعض الحالات، كما لو ارتكب بعض الأخطاء.. إلى آخره، وهذه ليس لها أثر في موضوع الزكاة.

    التكييف الشرعي لمكافأة نهاية الخدمة

    المسألة الثالثة: التكييف الشرعي لمكافأة نهاية الخدمة.

    اختلف المتأخرون في ذلك على أقوال:

    القول الأول: أنها أجرة مؤجلة، ويعللون ذلك بأن رب العمل سواء كانت مؤسسة حكومية أو كانت شركة يلاحظ عند تعاقده مع هذا الموظف ما يتعلق بهذه المكافأة وشروطها، وكذلك أيضاً مقدار الراتب الذي سيؤثر في هذه المكافأة إلى آخره.

    الرأي الثاني: أنها تأمين من مخاطر انتهاء العقد، يعني: أن الموظف الآن إذا انتهى عقده يحتاج إلى شيء من المال، فقالوا: بأنها تأمين، وخصائص التأمين موجودة فيها فهي تشتمل على: مؤمِن ومؤمَن عليه، وكذلك أيضاً قسط التأمين، والنتيجة والثمرة إلى آخره.

    الرأي الثالث: بأنها تبرع أو التزام بالتبرع.

    الرأي الرابع والأخير: أنه حق مالي أوجبته الدولة للموظف، واستدلوا على ذلك بأن من حق الإمام الأعظم أن ينشئ بعض الحقوق والواجبات على الرعية وللرعية للمصلحة.

    إذاً: الرأي الأخير: قالوا: بأنه حق مالي أوجبته الدولة للموظف، وعلتهم في ذلك: أن الإمام الأعظم له أن ينشئ بعض الحقوق والواجبات لصالح الرعية وعلى الرعية إذا كان هناك مصلحة، وهذا الرأي الأخير هو الصواب في هذه المسألة.

    كيفية زكاة نهاية الخدمة

    المسألة الأخيرة: كيف تكون زكاة مكافأة نهاية الخدمة؟

    إذا أنهى الموظف الآن وظيفته بسبب الاستقالة، أو بسبب التقاعد، أو بسبب الوفاة، وأخذ هذه المكافأة من يعولهم الموظف، فكيف زكاة هذه المكافأة؟

    نقول من خلال ما تقدم: من خصائص هذه المكافأة وتكييفها الشرعي يتبين لنا أن الموظف يمتلك هذه المكافأة بعد نهاية خدمته وقبضه لها، فإذا انتهت خدمته وقبض هذه المكافأة أو قبضها من يعولهم نقول: الآن ابتدأ عليها حول الزكاة، أما حين القبض فإنه لا زكاة فيها إلا إذا قلنا على الرأي الأول بأنها أجرة مؤجلة، فإذا قبضها يزكيها مباشرة، أما إذا قلنا على الرأي الأخير وهو الذي رجحناه، وأنها حق مالي توجبه الدولة للموظف، أو أنها التزام بالتبرع إلى آخره، نقول على هذين الرأيين: بأن الموظف إذا قبض هذه المكافأة بعد نهاية خدمته فإنه يستأنف بها حولاً مستقلاً، فإن أكلها قبل الحول فلا زكاة فيها، وإن حال عليها الحول وهي عنده فإن فيها الزكاة، ويرجح هذا القول أيضاً:

    أولاً: أن المصدر لهذه المكافأة بيّن وقت استحقاقها، وأن الموظف لا يستحقها إلا عند نهاية خدمته، فالآن ملكها، أما قبل ذلك فإنه لا يستحقها، ولا يجوز له أن يتنازل عنها أو يتصرف فيها بشراء ونحو ذلك، فإنه لا يستحقها إلا عند نهاية خدمته، فدل على أنه ملكها الآن، وإذا كان كذلك فلا تجب فيها الزكاة إلا بعد أن يحول عليها الحول.

    ثانياً: أن الموظف لا يملك أن يتصرف في هذه المكافأة، فمثلاً: لو كان يستحق عند نهاية خدمته مبلغ مائة ألف ريال، لا يملك أن يشتري بها، ولا يتنازل عنها.. إلى آخره، مما يدل على أنه لا يملكها إلا عند نهاية خدمته، وحينئذٍ تدخل في ملكه، وإذا دخلت في ملكه يحتاج إلى أن يحول عليها الحول.

    ثالثاً: أن الموظف لو كان سبب ترك وظيفته هو الوفاة، فإنه لا يستحق هذه المكافأة، وإنما يستحقها من يعولهم هذا الموظف.

    رابعاً: أن هذه المكافأة غير مستقرة، فقد يُحرمها الموظف حسب الشروط والأنظمة التي سنت هذه المكافأة، فقد يكون عند الموظف أخطاء تقتضي أن يحرم من مكافأة نهاية الخدمة.

    والذي يترجح لنا أن هذه المكافآت التي يقبضها الموظفون سواء كانوا تابعين لمؤسسات الدولة أو تابعين لشركات أخرى لا تجب فيها الزكاة إلا بعد أن يحول عليها الحول، فإن استهلكوها قبل الحول فإنه لا زكاة فيها.

    1.   

    زكاة المال الحرام

    المسألة الثانية ما يتعلق بزكاة المال المحرم، بسبب وجود كثير من الأموال المحرمة في أيدي الناس، وبسبب وجود الآن بعض المعاملات التي تخالف الشرع يكثر سؤال الناس عن زكاة الأموال المحرمة، وهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب؟

    وعندنا في هذه المسألة ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: تعريف المال المحرم.

    والمسألة الثانية: بيان قسمي المال المحرم.

    والمسألة الثالثة: زكاة المال المحرم بقسميه.

    تعريف المال المحرم

    المسألة الأولى: وهي تعريف المال المحرم.

    نقول: بأن المال المحرم هو كل ما حرم الشارع على المسلم تملكه والانتفاع به.

    بيان قسمي المال المحرم

    المسألة الثانية: قسما المال المحرم.

    المال المحرم ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: محرم لذاته، والقسم الثاني: محرم لوصفه.

    المحرم لذاته: هو الذي ذاته وعينه محرمة، مثل: الخمر، فذاته وعينه محرمة، والدخان ذاته وعينه محرمة، والخنزير.. إلى آخره، هذه الأشياء ذاتها وعينها محرمة.

    القسم الثاني: محرم لكسبه، وهو المال الذي ذاته مباحة وليست محرمة، لكن طرأ عليه التحريم بسبب مخالفة الشرع في وجوه الاكتساب، مثال ذلك: هذه الدراهم، الريالات، إلى آخره، هذه ذاتها وعينها مباحة، لكن قد يطرأ عليها التحريم فتكون جاءت من جهة محرمة كالربا مثلاً أو: بيع المحرمات أو عن طريق الرشوة أو غيرها، هذا محرم لكسبه.

    كيفية الزكاة في المال الحرام

    المسألة الثالثة: الزكاة في الأموال المحرمة.

    الزكاة في الأموال المحرمة تختلف باختلاف هذين القسمين، فعندنا القسم الأول: زكاة المال المحرم لعينه وذاته، فهذا باتفاق الفقهاء لا تجب فيه الزكاة، ولنفرض أن صاحب بقالة يبيع في بقالته مواد غذائية، ويبيع الدخان، وقيمة المواد الغذائية بخمسين ألف ريال، والدخان بألف ريال، نقول: هذا الدخان لا تجب فيه الزكاة، إنما يخرج الزكاة عن الأموال المباحة شرعاً، أما الدخان هذا فإنه لا تجب فيه الزكاة، ومثل ذلك أيضاً لو كان الدكان كله يبيع الدخان، أو يبيع الشيشة، أو يبيع الأغاني.. إلى آخره، فنقول: هذا لا زكاة فيه.

    فعندنا القسم الأول: إذا كان محرماً لذاته وعينه فنقول: هذا باتفاق الفقهاء لا زكاة فيه، والدليل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك)، أي: بعد أن يستجاب لهذا، فهذا الرجل استجمع صفات إجابة الدعاء، مسافر، وأطال المسير، وأشعث رأسه، واغبرت قدماه، ومد يديه إلى السماء، لكن ردت يداه خائبتين؛ لأنه جعل بينه وبين رحمة الله عز وجل مانعاً بأكل الحرام، ولبس الحرام، إلى آخره، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.

    هذا ما يتعلق بزكاة القسم الأول وهي الأموال المحرمة لعينها وذاتها، فنقول: هذه لا زكاة فيها، وأيضاً عدم إيجاب الزكاة ليس تخفيفاً، وإنما هو تغليظ عليه وردع لفعله، من باب التغليظ عليه، ومن باب الردع لفعله، وأن من كانت أمواله هكذا فالله عز وجل لا يثيبه عليها ولا يأجره عليها، ولا يقبلها منه، وفي هذا زجر له وردع بأن يترك مثل هذا العمل.

    القسم الثاني: الزكاة في الأموال المحرمة لكسبها، وكما أشرنا أن هذه الأموال أصلها مباح، لكن طرأ عليها التحريم لمخالفة الشرع في وجوه الاكتساب، كما لو كان هذا المال اكتسبه عن طريق الرشوة، أو اكتسبه عن طريق الربا، أو اكتسبه عن طريق بيع المحرمات.. بيع الدخان، ونحو ذلك من الأمور المحرمة، فهل فيه الزكاة أو ليس فيه الزكاة؟ هذا اختلف فيه المتأخرون على آراء:

    الرأي الأول: عدم وجوب الزكاة في هذه الأموال المحرمة، سواء من ربا أو من رشوة أو من ميسر أو من غير ذلك وهذا ما عليه عامة المتقدمين، وكذلك أيضاً هو قول أكثر الفقهاء المعاصرين، واستدلوا على ذلك بما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وكذلك أيضاً قالوا: بأن الزكاة لا تجب إلا فيما يملكه المسلم، وهذا المال لا يملكه المسلم، بل يجب عليه أن يتخلص منه بطرق التخلص التي ذكرها العلماء رحمهم الله.

    الرأي الثاني: أن الزكاة واجبة في هذا المال المحرم، واستدلوا على ذلك بأن هذه الأموال المحرمة لو أعفي الناس من أخذ الزكاة عليها لتسارع الناس في هذه المكاسب المحرمة، فنوجب عليهم الزكاة، وهذا الجواب عنه سهل، نقول: أولاً: هذا غير مسلَّم، وثانياً: أن عدم أخذ الزكاة ليس من باب التخفيف، وإنما هو من باب الزجر والردع، بل إن عدم أخذ الزكاة سيؤثر في نفسه، ويدفعه إلى ترك مثل هذا العمل.

    أيضاً استدلوا بأن الزكاة تجب في الحلي المحرم، والحلي المحرم نص العلماء على أن الزكاة فيه واجبة، مثال ذلك: لو كان عندنا ذهب على صورة تمثال، وهذا التمثال محرم ولا يجوز، ومع ذلك فإن العلماء رحمهم الله ينصون على وجوب الزكاة فيه، فنقول: فرق بين هذا التمثال وبين هذه الأموال المكتسبة، هذا التمثال الصورة المحرمة لا تجب فيه، ولهذا تجب الزكاة في عينه وهو الذهب الموجود فقط دون اعتبار للصورة المحرمة، فلو فرضنا أن هذا التمثال وهو بهذه الصورة المحرمة يساوي ألف ريال، فإننا لا نعتبر هذه الصورة المحرمة، بل نلغي الصورة المحرمة ونعتبره كأنه لم يصنع، ونقدره موزوناً، وأما الصورة المحرمة فالفقهاء ينصون على أنها لا تجب فيها الزكاة، وأن المحرم شرعاً كالمعدوم حساً.

    وحينئذٍ يتلخص لنا أن القسم الثاني: وهي الأموال المحرمة بسبب الكسب لا تجب فيها الزكاة.

    1.   

    زكاة الأموال العامة

    المسألة الثالثة: زكاة الأموال العامة، وزكاة الأموال العامة هذه تشمل الأموال التابعة لبيت مال المسلمين، وكذلك أيضاً الأموال التابعة للجهات الخيرية، كجمعية تحفيظ القرآن، وكذلك أيضاً جمعيات البر، وكذلك أيضاً المكاتب التعاونية للدعوة، وغير ذلك من الجهات الخيرية، فهذه الجهات ونحوها التي يكون عندها شيء من المال من صدقات المحسنين، هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟

    ومن ذلك أيضاً الأوقاف التي تكون على جهات عامة، يعني: هذا الرجل وقف هذا المال على جهة عامة، لطلاب العلم، للفقراء، لكي يشترى بها مسجد.. إلى آخره، وحال عليه الحول، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه زكاة؟

    وكذلك أيضاً الأموال الموصى بها في جهات عامة.. إلخ هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟

    هذه المسألة تحتها مسائل:

    المسألة الأولى: تعريف المال العام.

    المسألة الثانية: مبنى القول في زكاة المال العام، أو عدم الزكاة فيه.

    المسألة الثالثة: إذا استثمرت هذه الأموال العامة فهل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ ولنفرض أن الدولة في هذه الأموال العامة استثمرتها في البيع والشراء، أو أن هذه الجمعية استثمرت هذه الأموال في البيع والشراء، وأصبحت عروض تجارة يباع ويشترى فيها، هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟

    تعريف المال العام

    المسألة الأولى: تعريف المال العام.

    المال العام: هو المال المرصد للنفع العام دون أن يكون مملوكاً لشخص معين أو جهة معينة.

    مبنى وجوب الزكاة في المال العام

    المسألة الثانية: مبنى وجوب الزكاة في المال العام أو عدم الوجوب.

    هذه المسألة: هل تجب الزكاة في المال العام أو لا تجب؟ ينبني على ما ذكره الفقهاء رحمهم الله من أن من شروط وجوب الزكاة أن يكون المال مملوكاً ملكاً تاماً لمعين، نقول: العلماء يشترطون لوجوب الزكاة أن يكون المال الذي تجب فيه الزكاة مملوكاً ملكاً تاماً لمعين، والملك التام كما فسره كثير من العلماء: القدرة، والملك، يعني: ملك الرقبة، والقدرة على التصرف فيه في الحال وفي المآل، فنقول: من شروط وجوب الزكاة أن يكون المال مملوكاً ملكاً تاماً لمعين.

    وما هو الدليل على اشتراط أن يكون المال مملوكاً ملكاً تاماً لمعين؟

    الدليل على ذلك:

    أولاً: قول الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، فقال الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [التوبة:103]، فأضاف الأموال إليهم مما يدل على ملكهم لهذه الأموال، واختصاصهم بالتصرف فيها، فدل ذلك على أنه يشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالكاً لها ملكاً تاماً، وأن يكون معيناً.

    الدليل الثاني: استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، فقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، والشاهد قوله: (تؤخذ من أغنيائهم)، فدل ذلك على اشتراط الملك التام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف المال إليهم.

    الدليل الثالث: قالوا: الزكاة تمليك الفقير، والتمليك لابد أن يكون من المالك، فإذا لم يكن هذا المال له مالك لم تجب فيه الزكاة.

    وكذلك أيضاً قالوا: إن من حكم الزكاة شكر الله عز وجل على نعمة المال، وهذا لا يكون إلا من المالك.

    وبعد أن قررنا أنه يشترط لوجوب الزكاة أن يكون المال لمالك يملك ملكاً تاماً إلى آخره، نستطيع أن نفهم أن هذه الأموال العامة التي ليس لها مالك معين، أنه لا تجب فيها الزكاة، فالأموال التي تكون في بيت المال ويحول عليها الحول، هذه لا تجب فيها الزكاة، وكذلك الأموال التي تكون لجمعيات البر، أو جمعيات تحفيظ القرآن، أو لمكاتب الدعوة، أو الجمعيات الخيرية ويحول عليها الحول، نقول: هذه لا زكاة فيها؛ لأنها ليس لها مالك معين، ومثل ذلك أيضاً الأموال الموقوفة على جهات عامة مثلاً، كالموقوفة على طلبة العلم، أو على بناء مساجد، أو مسجد، أو موصى بها لمثل هذه الأمور، نقول: هذه لا زكاة فيها.

    الخلاف في الزكاة في المال العام

    المسألة الأخيرة وهي: لو أن الجهة التي عندها الأموال استثمرتها في البيع والشراء والمضاربة لكي تنمي هذه الأموال، فهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟

    سبق أن قررنا أنه لا تجب فيها الزكاة، لكن اختلف المتأخرون فيما إذا استثمرت هذه الأموال بالبيع والشراء، فهل هذا العمل يوجب الزكاة أو لا يوجب الزكاة؟ اختلفوا في ذلك على رأيين:

    الرأي الأول: أن الزكاة تجب فيها إذا استثمرت، فإذا بيع واشتري بها، وحركت بالبيع والشراء والمضاربة إلى آخره، فهذه تجب فيها الزكاة، وهذا هو القول الأول، وقال به بعض المتأخرين، وأخذ به قانون الزكاة السوداني.

    القول الثاني: أنه لا تجب فيها الزكاة، وهذا ما عليه أكثر المتأخرين، وبه أفتت الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة في الكويت، وهذا القول أنه لا زكاة فيها، هو الأقرب.

    ولكل منهم دليل، فالذين قالوا: بأنه تجب فيها الزكاة استدلوا على هذا بأدلة، وقالوا: أموال بيت المال قبل أن تستثمر لا زكاة فيها؛ لأن مصرف بيت المال يختلف عن مصرف الزكاة، أما الآن بيع واشتري وأصبحت أموالاً زكوية.

    والذين قالوا: إنه لا تجب فيها الزكاة استدلوا بما تقدم من أنه يشترط لوجوب الزكاة أن تكون مملوكة ملكاً تاماً لمعين، وكونه عُمل بها الآن، هذا لا يخرجها عن أن تكون غير مملوكة.

    وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: هذه الأموال وإن اتجر فيها وعمل بها.. إلى آخره فإنه لا زكاة فيها، ويتفرع على هذا الشركات الاستثمارية التي تملكها الدول، فإن الدول يكون لها شركات مملوكة لها، فنقول: هذه الشركات التي تملكها الدول لا زكاة فيها.

    كذلك أيضاً يترتب على هذا الشركات الاستثمارية وتملك الدولة أسهماً فيها، نقول: نصيب الدولة من هذه الأسهم لا زكاة فيها.

    1.   

    زكاة السندات

    عندنا أيضاً ما يتعلق بزكاة الأسهم والسندات.

    تعريف السندات

    السندات هي عبارة عن صكوك، تصدرها بعض الدول أو بعض الشركات تمثل قرضاً عليها تلتزم بسداده في زمن محدد وبفوائد ثابتة.

    مثال ذلك: شركة بحاجة إلى أموال، إما أن هذه الشركة ستخسر فهي بحاجة إلى أموال لكي تتلافى هذه الخسارة، أو أن هذه الشركة تريد أن تنمي استثماراتها فتقوم بإصدار مثل هذه السندات فتطلب من الناس الأموال -مثلاً ألف ريال، عشرة آلاف ريال- بفائدة وتعطيه السند، هذه تسمى السندات.

    الاختلاف في زكاة السندات

    هذه السندات اختلف فيها العلماء رحمهم الله: هل فيها زكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟

    لا شك أن هذه السندات محرمة ولا تجوز؛ فهي قرض بفائدة، فهي داخلة في الربا المحرم، لكن بقينا هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها؟

    التكييف الفقهي لزكاة السندات

    عند بحث وجوب الزكاة في هذه السندات لابد أن نبحث مسألتين:

    المسألة الأولى: هل تجب الزكاة في الديون أو لا تجب الزكاة في الديون؛ لأن هذه السندات عبارة عن ديون على هذه الدولة أو على هذه الشركة؟

    والمسألة الثانية: هل تجب الزكاة في المال المحرم أو لا تجب الزكاة فيه؟ وهذه المسألة سلف البحث فيها، وانتهينا إلى أن الأموال المحرمة سواء كانت محرمة لكسبها أو لعينها أنه لا زكاة فيها، لكن بقينا عندما نريد أن نخلص أو نفهم هل تجب الزكاة في هذه السندات أو لا تجب الزكاة فيها لابد أن نبحث هل تجب الزكاة في الدين أو لا تجب الزكاة فيه؟

    العلماء رحمهم الله يقسمون الدين ثلاثة أقسام:

    دين على مليء باذل، ودين على معسر أو مماطل، ودين مؤجل، هذه ثلاثة أقسام، ونحتاج إلى أن نستعرض كلام العلماء رحمهم الله في كل قسم من هذه الأقسام ولو على سبيل الإجمال لكي نرتب على هذه المسألة ما يتعلق بزكاة السندات.

    القسم الأول: الديون التي تكون على مليء باذل، يعني: غني غير مماطل، هل تجب الزكاة في هذه الديون أو لا تجب؟ هذه اختلف فيها العلماء رحمهم الله على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: تجب فيها الزكاة، وهذا قول أكثر أهل العلم، من الشافعية والحنابلة، لكن الشافعية أزيد من الحنابلة، فالشافعية يقولون: يجب أن يزكي كل سنة ولو لم يقبض، والحنابلة يقولون: لا، صاحب الدين، إما أن يزكي كل سنة وهذا أفضل، أو يزكي بعد أخذ المال عن كل السنوات، ولو فرضنا أن المال جلس سنتين، فأنت إذا قبضت تزكي عن سنتين، أو تزكي كل سنة بسنتين، أما الشافعية فهم يقولون: يجب أن تزكي كل سنة بسنتها وإن لم تقبض المال.

    واستدلوا على ذلك قالوا: بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقبل ذلك استدلوا بالعمومات: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، والدين مال، ولا أحد يقول بأنه ليس مالاً، ولا يصح أن تبرأ منه وأن تتنازل وأن تبيع هذا الدين، إلى آخره بشروط، فهو مال من الأموال، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، فيشمل المال العيني والمال الديني.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقة تؤخذ من أموالهم)، إلى آخره، فهذه لاشك أنها أموال، ولا أحد يقول: بأن الدين ليس مالاً، فيدخل تحت هذه العمومات، وكذلك أيضاً هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عثمان ، وعمر ، وجابر ، وعلي ، وعائشة ، وجمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    الرأي الثاني: مذهب المالكية يقولون: يجب أن يزكى سنة واحدة فقط، وبعد أن يقبض.

    والرأي الثالث: مذهب الظاهرية يقولون: لا زكاة فيه، وقالوا: بأن هذا وارد عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من وجوب الزكاة فيه، وكما ذكرنا هو التي تدل عليه العمومات، وهو الوارد عن أكثر الصحابة كـعثمان ، وابن عمر ، وجابر ، وعائشة ، وعلي رضي الله تعالى عن الجميع.

    إذاً: يتلخص لنا أن القسم الأول وهو ما يتعلق بالديون التي تكون على مليء باذل أنه تجب فيها الزكاة.

    1.   

    الأسئلة

    العلماء الذين قالوا: إن الراتب الشهري ليس فيه زكاة

    السؤال: يقول: هل قال أحد من العلماء: بأن الراتب الشهري ليس فيه زكاة؟

    الجواب: لا أدري، ما أعرف أحداً قال به من أهل العلم، وكما ذكرت فتوى اللجنة الدائمة، ما يتعلق بزكاة الراتب الشهري إلى آخره.

    ضم المال بعضه إلى بعض لو ملكه أولاً نصاباً ثم دون النصاب

    السؤال: يقول: ذكرت لو أن رجلاً ملك نصاباً في شهر محرم ثم ملك بالإرث في شهر جمادى الثانية أقل من النصاب، فقلت: فيها الزكاة، مع أنك ترجح قول الجمهور في أن حول المالك الذي يستفاد به ليس بالتجارة، لا يضم ويكون حولاً مستقلاً؟

    الجواب: إذا كان عنده نصاب لمحرم، ثم ملك أقل من النصاب في شهر رمضان عن طريق الهبة مثلاً، فهذا له حول وهذا له حول، وليس المعنى أن كونه أقل من النصاب أنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه يملك النصاب، والعلماء يقولون: بالنسبة للنصاب يضم، لكن بالنسبة للحول، مادام أنه ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة لا يضم في الحول، يعني: إذا كان ربح تجارة أو نتاج سائمة يضم في الحول وفي النصاب، وإذا لم يكن ربح تجارة ولا نتاج سائمة النصاب يضم مادام أنه مالك نصاباً تجب الزكاة، لكن في الحول يكون له حول مستقل.