إسلام ويب

فقه المواريث - إرث المفقودللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرقت المالكية في المدة المقدرة للمفقود بين من يكون في بلاد المسلمين وبين من يكون في بلاد الشرك في قتال وغير قتال، وأما حكم زوجة المفقود إن عاد بعد انتهاء المدة فإن لم تتزوج فهو أحق بها، فإن تزوجت فالحنفية والشافعية أبطلوا نكاح الثاني دخل أو لم يدخل، وعكس المالكية، وتوسط الحنابلة فقالوا: إن لم يدخل الثاني فالأول أحق، وإن دخل خير الأول بين الصداق وبين زوجته، والراجح أنها ترد على كل حال كما يرد المال، ولموت مورث المفقود في مدة الانتظار حالتان، والمال الموروث في مدة الانتظار إذا لم يأت خبر لورثة المفقود الأحياء عند موته، وهكذا الموقوف عند الحنابلة، وقال الجمهور برده.

    1.   

    تابع المذهب الثالث: التفصيل في أحوال المفقود

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس أنواع التوريث عن طريق التقدير والاحتياط، وقلنا: يدخل في هذا عدة مباحث: إما الشك في الوارث هل هو ذكر أو أنثى، أو الشك فيه هل هو حي أو ميت، فالأمر الأول يدخل تحته نوعان: وهو الخنثى، والحمل، وأما بعد ذلك هل هو حي أو ميت؟ موجود أو مفقود؟ فقلنا: يدخل في ذلك ثلاثة أنواع: الحمل فهو مشترك بين الأمرين، يشك في ذكورته وأنوثته ويشك أيضاً في حياته وموته.

    والثاني: المفقود، من كان حياً وفقد.

    والثالث وهو آخر الأمور من النوع الثاني: الذين يموتون موتاً جماعياً ولا نعلم سبق بعضهم من موت وتأخر بعضهم بالحياة.

    لا زلنا نتدارس المفقود بعد أن انتهينا من الحمل، وإذا انتهينا من هذا يبقى معنا مبحث واحد ألا وهو من يموتون موتاً جماعياً في حرق أو غرق، ثم يبقى معنا مبحثان من مباحث الفرائض فقط: الرد وتوريث ذوي الأرحام بإذن ربنا الرحمن.

    إخوتي الكرام! ذكرت تعريف المفقود فيما مضى، والمدة التي ينبغي أن ننتظرها من أجل أن يحكم على المفقود بالموت إذا لم يأتنا خبر يقيني بموته، ذكرت قول الحنفية والشافعية وقولهما واحد: أن اليقين في حياة المفقود لا يترك إلا بيقين، فلابد من أن يأتينا خبر بموته أو ما ينزل منزلة الخبر: أن تمضي مدة لا يمكن أن يعيش المفقود فيها، ثم هذه المدة هل تحدد بفترة معينة بحيث إذا انتهت نحكم بعد ذلك على المفقود بالموت أو منقولة للحاكم؟ تقدم معنا قولان في ذلك: إما أن الحاكم يقدرها، أو هي مقدرة من سبعين إلى مائة وعشرين كما تقدم معنا أقوالهم في ذلك، وبعد ذلك ذكرت أدلتهم في هذا وتوجيه أقوالهم.

    انتقلنا إلى القول الثاني وهو قول الحنابلة باعتباره منضبطا أكثر من قول المالكية من ناحية التفريع، فقلت: يُقسم المفقود إلى قسمين اثنين: مفقود يغلب على فقده الهلاك والعطب والتلف والموت فيقدر له أربع سنوات، فإن عاد وإلا حكم بموته، فإذا حكم بموته يقسم ماله وتعتد زوجاته، ويأتينا بعد ذلك لو وُرث في هذه الفترة ما حكم المال الذي ورثه عندما حكمنا بحياته قبل أن نحكم بموته.

    وذكرت أدلتهم في ذلك، تقدم معنا قضاء خمسة أو ستة من الصحابة الكرام: عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ونقل عن علي أيضاً وعمر بن الخطاب قبل هذين وثبت عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.

    على كل حال: تقدم معنا أن امرأة المفقود تنتظر أربع سنين وإذا كنا نعامل المفقود بهذا فيما يتعلق بالأبضاع ونحل البضع الذي له لغيره بعد هذه المدة فمن باب أولى ما يتعلق بالأمور الأخرى، هذا كله تقدم معنا.

    والمفقود الثاني عند الحنابلة: مفقود يغلب على فقده السلامة والحياة، تقدم معنا أيضاً أحوال هذا فقلت: قولهم فيه كقول الحنفية والشافعية: لابد من التيقن بموته، وإذا لم نتيقن فحددوا تسعين سنة قولاً واحداً كما تقدم معنا، إذا انتهت فيحكم عليه بالموت بعد ذلك.

    قول المالكية فيه تفصيل إلى أربعة أقسام سنتدارسها، ذكرت بعضها وسأعيدها إن شاء الله لترتبط المباحث ببعضها بإذن الله.

    تقدم معنا في مباحث سنن الترمذي أن رجلاً خرج ليصلي صلاة العشاء ولم يعد إلى بيته، فزوجته رفعت الأمر إلى سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، زوجها خرج ليصلي وفُقد فقداً يغلب عليه الهلاك لا السلامة، خرج ليصلي وفقد إذاً في الغالب اغتيل، وقاتله كتم الأمر وعمى خبره، فسيدنا عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين أمرها أن تنتظر أربع سنوات، فإن عاد وإلا حكم بموته، فمضت أربع سنوات ولم يعد، فلما لم يعد حكم رضي الله عنه وأرضاه بموته ووافقه الصحابة، ولذلك الإمام ابن قدامة يقول: هذا إجماع من الصحابة، يعني: هذه قضية اشتهرت ولم ينكرها أحد، فلما انقضت المدة حكم بموته فاعتدت أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم تزوجت ونكحت غيره، فبعد أن تزوجت عاد زوجها الأول، فوجدها مزوجة فرفع الأمر إلى سيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: يغيب أحدكم الغيبة الطويلة ولا يخبر أهله! يعني: كيف تغيب أربع سنين وأكثر ولا تخبر أهلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لي عذر، قال: وما عذرك؟ قال: خرجت لأصلي فخطفني الجن، فخيره عمر رضي الله عنه وأرضاه بين زوجه أن يأخذها وبين أن يأخذ المهر الذي دفعه، وكان دفع أربعة آلاف درهم فأخذ ألفين منها وألفين لزوجه، يعني: إذا أردت الزوجة فأنت أحق بها من زوجها الثاني، وإذا أردت أن تقر هذا النكاح فخذ المهر الذي دفعته لئلا تخسر زوجة ومهراً، فرضي بأن يأخذ المهر وترك الزوجة مع زوجها الثاني، والقصة إسنادها صحيح وأحلت إلى هذه الكتب، أما لفظها بالأثر الوارد فانظره هناك. وتقدم معنا طريق إعادته أيضاً أنه عندما كان مع صديق من الجن حصل قتال أيضاً بينه وبين فريق آخر، والفريق الذين قاتلوا هذا الفريق من الجن الذي أسر هذا العبد الصالح من المؤمنين، فلما أسروه وأخذوه وجدوه من أهل الإيمان، فقالوا: لا يحل لنا أن نأخذك أسيراً عندنا، فأنت مخير: إن شئت أن تبقى عندنا فتعيش معززاً مكرماً كما نعيش، وإن شئت أن نعيدك إلى أهلك، ماذا تريد؟ قال: أعيدوني إلى أهلي، فأعادوه كما تقدم معنا في الأثر.

    قول المالكية في المفقود وهو آخر أقوال المذاهب الأربعة المتبعة قسموا المفقود إلى أربعة أقسام: ‏

    المفقود في بلاد المسلمين

    القسم الأول: مفقود لا يعلم حاله وفقد في بلدان المسلمين، فجعلوا المدة له تنقسم إلى قسمين أيضاً: مدة من ناحية العدة، فتنتظر امرأته أربع سنين قولاً واحداً.

    ومدة من ناحية إرثه والإرث منه، يعني: متى نورثه وهو مفقود؟ ومتى نرث ماله ونحكم بموته لنأخذ تركته؟ فقالوا: ننتظر إلى مدة التعمير التي تعيشها هذه الأمة وهي سبعون سنة كما تقدم معنا، وهذا الراجح عند المالكية، وقول لهم: خمس سبعون، وقول: ثمانون، واختار هذا الشيخان من المالكية أبو محمد بن أبي زيد القيرواني وأبو الحسن القادسي عليهم جميعاً رحمة الله، لكن الراجح عندهم سبعون سنة، وقلت لكم: انظروا حاشية الدسوقي وغير ذلك من الكتب كما أحلنا.

    هذا في المفقود الذي فقد في بلاد المسلمين، أي: انقطع خبره وهو في بلاد المسلمين، ما ذهب لبلاد الشرك ولا لقتال بين المسلمين ولا لقتال بين المسلمين والكافرين، إنما فقد في بلاد المسلمين، يعني: ذهب إلى بلد إسلامي وما جاءنا خبر منه وانقطع، ننتظر أربع سنين فيما يتعلق بالعدة وفيما يتعلق بتوريثه والإرث منه مدة التعمير وهي سبعون سنة.

    المفقود في بلاد الشرك

    المفقود الثاني عندهم: من فقد في بلاد الشرك ويلحق به الأسير، وأما من فقد في المعركة وانقطع خبره فلا، إنما ذهب لبلاد المشركين فما جاءنا خبر منه، حصل قتال بيننا وبين المشركين فأسر وهو عندهم ضمن الأسرى هل قتلوه أو لا؟ ما نعلم، إنما الخبر انقطع، لكن نعلم أنه مأسور عندهم، نعلم أنه ذهب لبلادهم وانقطع خبره، هذا ننتظره مدة التعمير مطلقاً فيما يتعلق بالعدة لزوجه وفيما يتعلق بتوريثه والإرث منه، لابد من أن تمضي سبعون سنة، فالزوجة تبقى في عصمته حتى تمضي هذه المدة، والمال لا يقسم إلا بعد مضي سبعين سنة من حياته، ونقطع إرثه من مورثيه إذا بلغ هذا الأمر، وأما قبل هذه الفترة فكل من مات من مورثيه نجعله حياً ونورثه منه، قد يموت عشرة من أقربائه نورثه منهم، فإن عاد قبل انتهاء مدة التعمير أخذ ما وقفناه له، وإن لم يعد فسيأتينا حكمه إن شاء الله ضمن مباحث البحث بعون الله.

    الشاهد: أنه ما دمنا نحكم بحياته نورثه ولا نرثه، فإذا انتهت مدة التعمير قطعنا توريثه فلا يرث أحداً من مورثيه، أي: من قرابته، بل نرث ماله ونقتسم تركته. هذا من فقد في بلاد المشركين ويلحق به الأسير. وكما قلت: هذا في الكتب المتقدمة انظروها في المواهب الجنية في الجزء الثالث صفحة عشر ومائتين وفي حاشية الدسوقي في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين وأربعمائة.

    المفقود في معركة بين المسلمين

    المفقود الثالث: المفقود في المعترك بين المسلمين بعضهم بعضاً، قتال نشب بين المسلمين، إمارة مع إمارة وطائفة مع طائفة ثم فقد بعض الناس ولم نقف على خبر عنه، هذا يحكم بموته فيما يتعلق بالعدة وفيما يتعلق بتوريثه والإرث منه بعد انتهاء المعركة مباشرة وانفصال الصفين، قتال قام بين فئتين من المسلمين وحضر فلان وفلان وفلان ثم فقد من حضر في هذه المعركة، إذا انتهت المعركة ولم يعد إلينا من حضر نعلم أنه مات، هذا لا ننتظره يوماً واحداً، ويلحق بهذا المسافر لبلد فيه الطاعون، أو من كان في بلد فيه الطاعون في زمن انتشار الطاعون، بلغنا أنه حصل طاعون في مكان وواحد من أهل هذه البلاد ذهب إلى هناك ثم انقطع خبره، بعد انتهاء الطاعون ما جاءنا خبره نقول: إنه مات في هذا المرض، فلا ننتظر أربع سنوات ولا سنة ولا مدة التعمير فمن يفقده في معترك بين المسلمين، أو من يذهب إلى بلد ينتشر فيه وباء عام من طاعون أو غيره ثم ينتهي المرض ولا يأتينا خبر عنه، أو ينتهي القتال ولا يأتينا خبر عنه يبقى مفقوداً، إذا ما جاءنا خبر عنه وبحثنا فما عثرنا على خبر نحكم بموته مباشرة، فالزوجة تعتد والمال يقسم. وهذا انفردوا به فهم لا ينتظرون أبداً.

    المفقود في قتال بين المسلمين والكفار

    المفقود الرابع عندهم: من فقد في قتال بين المسلمين والكفار فننتظر سنة مطلقاً أيضاً فيما يتعلق بالعدة وفيما يتعلق بإرثه وتوريثه من غيره، فإذا لم يأت بعد سنة يحكم أيضاً بموته.

    ومدة البحث قد تأخذ أسبوعاً واحداً، يرسل مثلاً أهله أو ولي الأمر إلى بلاد الكفار بعد انتهاء الحرب رسولاً: فلان عندكم أسير؟ فإن قالوا: لا، تحقق أن خبره منقطع، احتمال أنه في مكان ما عثرنا عليه تضرب له سنة بعد البحث، بحث وسنة، أي تلوم وسنة، لكن مدة التلوم لا تصل إلى سنة قطعاً، السؤال لمعرفة حقيقة الحال يتطلب شهراً أو شهرين على حسب وضع الناس، فأحياناً تصل إلى المطلوب في أيام عن طريق الاتصالات، وأحياناً لابد من أن ترسل شخصاً بنفسه ليسأل ويفاوض، فإذا ما عثرنا على خبر فلا نحكم بموته بعد انتهاء التلوم، لابد من سنة تضرب بعد أن نبحث ونتحقق.

    وهذا الأمر فيما يتعلق بالجزئية الرابعة والحالة الرابعة للمفقود منقول عن سعيد بن المسيب في صحيح البخاري ، انظر الجزء التاسع صفحة ثلاثين وأربعمائة بشرح الحافظ ابن حجر قال سعيد بن المسيب : إذا فقد في الصف عند القتال، يعني: بين المسلمين والكافرين تتربص امرأته سنة، وتقدم معنا أنه إذا أبيحت الأبضاع بعد السنة فالأموال من باب أولى.

    قال الحافظ ابن حجر : ووقع عند ابن التين ستة أشهر، قال: وهذا تصحيف، سنة صحفها إلى ستة، هي تتربص سنة، السنة فهمها ستة! فألحق بها أشهر زيادة، يقول: الأشهر زيادة، وهذا ليس في جميع نسخ البخاري.

    فـسعيد بن المسيب أطلق يقول: إذا وقع القتال تتربص امرأته سنة، والإمام مالك فرق بين القتال الذي يكون بين المسلمين بعضهم بعضاً وبين المسلمين والكافرين والعلم عند رب العالمين.

    هذا خلاصة قول المالكية في المفقود، وحقيقة هذا التفصيل الذي ذكروه يعني لا يستند إلى دليل كما تقدم معنا في القولين المتقدمين: قول الحنفية والشافعية أو قول الحنابلة لا يستند إلى دليل منقول في هذا التفريق، إلا إذا قلت: إن هذا من باب التفريق بين أحوال المفقود، لكن لا يوجد دليل على هذا التفصيل، أنه غاب في بلاد المسلمين من غير حرب أن امرأته تنتظر أربع سنين، القضاء بذلك منقول عن عدد من الصحابة الكرام سبعين سنة، هذه الحالة يمكن أن يوجد لها آثار في الجملة، لكن الحالة التي بعدها وهي: لو فقد في بلاد الشرك تنتظر مدة التعمير مطلقة، ولو فقد في القتال بين المسلمين لا تنتظر زوجته أبداً بعد انتهاء الصفين وبعد ويقسم ماله مباشرة، ما الدليل على هذا؟ يعني من قال بهذا من السلف الكرام من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم؟ لا يوجد دليل إلا إذا أراد أن يقول: هذا يغلب على الظن أنه مات، لأنه قتال بين المسلمين انفض وما علمنا خبراً عنه دل على أنه مات، فلا يوجد دليل منقول، أما أن له اجتهاداً في ذلك فقطعاً له اجتهاد وهو مأجور.

    ثم بعد ذلك التفريق بين القتال بين المسلمين بعضهم بعضاً وبين المسلمين والكافرين: في القتال بين المسلمين والكافرين تنتظر سنة مع التلوم لكن المدة سنة، فإذاً: عندنا سنة، حسناً! فلم لم تجعل سنة أيضاً في القتال بين المسلمين بعضهم بعضاً؟

    على كل حال! هذا قول المالكية، وهذا مقرر عندهم في كتبهم رضي الله عنهم وعن أئمتنا أجمعين.

    المبحث الثالث من مباحث المفقود: إن جاء الزوج المفقود فما الحكم بالنسبة لزوجته فقط؟ لا نريد أن نتكلم عن المال، فسيأتينا بعد ذلك خبر المال إن شاء الله ضمن مراحل البحث، وهذا المبحث الثالث ضمن مباحث المفقود يعني لا يتعلق غرضنا به في الفرائض كثيراً، إنما من باب الإحاطة بأحكام المفقود إن شاء الله.

    1.   

    حكم زوجة المفقود إن عاد بعد انتهاء المدة ولم تتزوج

    أولاً عند المذاهب الأربعة: إن عاد الزوج ولم تتزوج الزوجة، أي: لم يُعقد عليها، وليس دخل أو ما دخل، فهو أولى بها من غيره ولا تزال في عصمته، حتى وإن انتهت المدة ومر عليها سنوات وسنوات، فلو قدرنا أربع سنين، فانتهت ومر معنا ثلاثون سنة ثم جاء الزوج نقول: الزوجة لا زالت تتبع زوجها، هذا متفق عليه بين المذاهب الأربعة، وهناك خلاف لبعض التابعين، ولا قيمة لهذا الخلاف من حيث الدليل، نقل عن ربيعة أنه قال: إذا فرق السلطان بينهما فلا سبيل للأول عليها ولا رجعة دخل بها الزوج أو لم يدخل، وعقد عليها أو لم يعقد. انتهى، إذا فرق السلطان بينهما بعد مضي المدة ملكت نفسها، فلو جاء الزوج بعد ذلك لا يحق له أن يسترجعها ولا تبقى في عصمته، وهذا قال به ربيعة فقط.

    أما الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء التاسع صفحة ست وثلاثين ومائة فنسبه إلى بعض أصحاب الشافعي ، وما أعلم الشافعي قال بهذا، إنما قلت: قال بهذا بعض أصحاب الشافعي ، أما أثر ربيعة فهو مروي عنه بالإسناد في المحلى في الجزء العاشر صفحة ثمان وثلاثين ومائة. وهذا شذوذ خارج عن المذاهب الأربعة.

    إن عاد الزوج والزوجة لم تتزوج هو أحق بها ويعيدها رغم أنفها ولا زالت في عصمته ولو مضت المدة ومضت فترة عليها ما دام أنها لم تتزوج.

    1.   

    حكم زوجة المفقود إن عاد وقد تزوجت

    الحالة الثانية: إن تزوجت وعاد الزوج الأول فللمذاهب الأربعة ثلاثة أقوال في ذلك:

    القول الأول: زوجها الأول أحق بها

    أولها: قول الحنفية والشافعية، والذين يشنون دائماً حملات مسعورة على الحنفية ما أعلم وقل أن تجد قولاً للحنفية ينفردون به، إما معه المالكية كما تقدم معنا في الخيار في المجلس، وإما أن يوافقهم الشافعي ، وإما أن يوافقهم الإمام أحمد ، ثم بعد ذلك تسمع التشويش بالباطل، بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس:39] والله لا يوجد إلا هذا فقط سفاهة بدون علم وبينة.

    بالنسبة الآن لحال المرأة إن تزوجت وجاء الزوج الأول، فقال الحنفية والشافعية قاطبة: زوجها أحق بها من الزوج الثاني دخل بها أو لم يدخل، فإن لم يدخل فالأمر واضح يلغى العقد مباشرة وتعود للأول، وإن دخل بها دل على أن العقد صح ظاهراً لا باطناً، فهو لم يزنِ، لكن في الباطن لا زالت مرتبطة بعصمة الأول فنلغي النكاح مباشرة، أي: النكاح الثاني، ولا تعود للأول إلا بعد أن تعتد من أجل استبراء الرحم، فإذا اعتدت كأنها مطلقة من الثاني عادت إلى الأول كما كانت بلا تركيب جديد، من مهر أو غيره، والطلاق الذي حصل من قبل ولي الأمر والسلطان هذا من أجل دفع المضرات عن الناس في هذه الحياة، لما لم يعد الزوج حكم بموته، وهذا حكم ظاهري وليس بحكم حقيقي يطابق الواقع، فإذا تبين لنا خلافه نقضناه نقول: هذا كما لو حكم الحاكم في قضية خالف فيها نصاً، وهو ما علم هذا الحكم ينقض حكمه للإجماع، لكن لو كانت المسألة اجتهادية فهنا لا ينقض حكمه، لكن لو حكم الحاكم بما يخالف النص يعني بما لا تأويل فيه لا اجتهاد فيه ينقض هذا بالإجماع، ولا يقال: إنه معذور وقضاء الحاكم لا ينقض فيما تتسع له الاجتهادات، أما نص في قضية حكم الحاكم بخلافه ولم يقف على النص فنقول: معذور في ما حكمت لكن الحكم يرد، ترد الجهالات إلى السفهاء. يعني: لو قدر أن الحاكم قضى بجواز نكاح الأخت من الرضاعة لعدم وقوفه على الدليل المحرم، والذي رفع إليه القضية جاهل، ثم بعد أن خرج الصك وذاك تزوج تبين أنه أجاز نكاح الأخت من الرضاعة، قلنا: كيف؟ قال: ما علمت نصاً يحرم ذلك، فيعذر فيما حكم لكن يقال له: النص ثابت، فهذا الحكم ينقض قطعاً وجزماً، وإذا تبين مخالفة الحكم للنص تبين أن ذاك الحكم باطل لكن من ناحية الصلة الظاهرة يعتبر شرعياً، ولو قدر أولاد من أخته من الرضاعة ينسبون إليه، وقس عليها.

    المقصود: إذا خالف حكم الحاكم نصاً ثابتاً، ينقض حكمه بالإجماع، وهنا المرأة هذه متزوجة وفي عصمة زوج فجاء الزوج فتبين أن حكم الحاكم يوافق الظاهر: أن الزوج كان غائباً ولا يوافق الباطن، أي: حقيقة الأمر، فينقض قضاؤه وتعود للأول. وهذا القضاء الذي قال به الحنفية وبعدهم الشافعية رضي الله عنهم أجمعين منقول عن سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه.

    فمتى ما علمنا حياته بطل النكاح الثاني، لا يقال بأنه غير موجود، لكن هذا الوطء وقع بحكم الشرع أيضاً فمعتبر، إن جاء أولاد ينسبون إليه فنقول: عودي للأول بعد أن تعتد من الثاني، وإذا لم يردها الأول فليطقها ثم يتزوجها الثاني بعد ذلك أو غيره، وهذا كما لو أن الإنسان نكح أخته من الرضاعة ثم تبين له أنها أخته من الرضاعة، فمتى ما تبين له يقال: النكاح كان صحيحاً في الظاهر لكنه في الحقيقة باطل، وهذا واقع بكثرة، ومرة وقعت هذه المسألة في بعض البلاد وسألوني عنها: له خمسة أولاد وتبين أنها أخته من الرضاع، فقلت: لا تحتاج إلى طلاق ولا إلى شيء، هذه الآن بانت منك، ولا علاقة لك بها، إنما عليها العدة، فلا تحتاج أن تطلقها، مثل الإنسان إذا دخل في الصلاة بغير وضوء فلا يحتاج بعد ذلك أن يسلم وينصرف، الصلاة، كلها ما انعقدت، وهنا كذلك.

    فالحكم عند الحنفية والشافعية: إن عاد الزوج فالنكاح الثاني باطل ولا يحتاج إلى طلاق رضي الأول أو لم يرض، أراد الثاني أن يتمسك أو لم يرد، وهذا منقول عن علي رضي الله عنه كما في المحلى لـابن حزم في الجزء العاشر صفحة ثمان وثلاثين ومائة، وهو في السنن الكبرى للإمام البيهقي أيضاً، ونقله البيهقي أيضاً عن الحكم بن عتيبة وهو من رجال الكتب الستة غالب ظني أنه تقدم معنا ذكره، توفي سنة خمس عشرة ومائة للهجرة، ونقله عن إبراهيم النخعي ونقله سعيد بن منصور في سننه في الجزء الأول صفحة ثلاث وأربعمائة، وابن أبي شيبة في مصنفه في الجزء الرابع صفحة أربع ومائتين عن الإمام الشعبي : أن زوجها الأول أحق بها، وهو زوجها الحقيقي، والنكاح الثاني يلغى. فهذا منقول عن علي وعن الحكم بن عتيبة وعن النخعي وعن الشعبي ، وقال به أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك يقول الغمراوي في السراج الوهاج شرح المنهاج للإمام النووي ، والسراج الوهاج من الكتب الجيدة المختصرة مهذب ومنقح في مجلد واحد في حدود ستمائة صفحة، يقول في السراج الوهاج: إن نكحت بعد التربص والعدة، تربصت الفترة المحددة واعتدت فبان أن زوجها الأول كان ميتاً صح النكاح ظاهراً وباطناً، وإن كان حياً ونكاح الثاني ملغي باطل. وهذا في صفحة أربع وخمسين وأربعمائة، وهو قول الحنفية انظروا كتاب الإفصاح لـابن هبيرة في الجزء الثاني صفحة ست وسبعين ومائة.

    القول الثاني: زوجها الثاني أحق بها

    القول الثاني عكسه تماماً وهو قول من؟ قول السادة المالكية رضي الله عنهم وأرضاهم، يقولون: إن تزوجت من رجل ثان دخل بها أو لم يدخل فلا تحل للأول، بمعنى: لا ترجع إليه، يعني لا تحل وليس تحريماً مؤبداً، فالثاني زوجها والأول لا علاقة له، بمجرد ما يعقد عليها دخل أو لم يدخل انتهت المدة والعدة وتزوجت، فلو جاء الزوج الأول قبل أن يدخل الثاني نقول: هذه تزوجت بحكم الشرع فلا تعود إليك، ومن باب أولى لو دخل بها، وهذا موجود في موطأ الإمام مالك في الجزء الثاني صفحة خمس وسبعين وخمسمائة، وفيه يقول الإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إن تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها وذلك الأمر عندنا. وهذا هو الذي عليه أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    يقول: وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج والمراد بالزواج العقد، وليس الوطء الآن لأن هناك يقول: إن أدركها زوجها بعد انقضاء عدتها، تزوجت بعد انقضاء عدتها فدخل بها زوجها أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول إليها وذلك الأمر عندنا، وإن أدركها زوجها -أي: الأول- قبل أن تتزوج يعني: قبل أن يعقد عليها زوج ثانٍ، هذا هو المراد من الزواج وليس المراد: الوطء، وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج أي يعقد عليها فهو أحق بها، وهذا متفق عليه عند المذاهب الأربعة، ولم يخالف إلا ربيعة.

    يقول الإمام مالك : وأدركت الناس ينكرون المنقول عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يخير زوجها الأول إذا جاء في صداقها أو امرأته، والإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا وهو تلميذ الإمام مالك رد على شيخه وقال: أنت فرقت بين أثر واحد، الأثر منقول عن عمر بأنها تتربص أربع سنين فأخذت بهذا الشق منه، وإذا جاء زوجها يخير بين الصداق وبين امرأته وهما في أثر واحد رددته، قال: كيف ترد ما رواه الأتباع فتأخذ بقسم منه وتترك قسماً منه؟ وينقل الإمام البيهقي رد الشافعي على الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين في السنن الكبرى. في المسائل المتقدمة في هذا المبحث الذي ذكرته إن شاء الله في الجزء السابع انظروا صفحة ست وأربعين وأربعمائة.

    إذاً: هذا قول المالكية لا تخيير للزوج الأول وليس له بهذه المرأة علاقة دخل الزوج الثاني أو لم يدخل، بمجرد ما يعقد عليها الثاني بانت من الأول ظاهراً وباطناً، والنكاح الثاني صحيح فلا علاقة للأول بها. هذا قول الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    ويقول: أنا أدركت الناس ينكرون ما يقال: إن عمر قال: إنه يخير بين الصداق وبين امرأته.

    يقول: هذا عندنا في المدينة مستنكر غير معترف به، هو ثابت من طريق الثقات الأثبات فيقول: نحن لا نعترف به، هذا عندنا في المدينة مستنكر ولم يثبت عن عمر رضي الله عنه، وهذا يقرره في الموطأ وهو مذهب المالكية، كل كتب المالكية على هذا، إذا عقد الثاني عليها فلا علاقة للأول بها دخل أو لم يدخل، واضح هذا؟

    القول الثالث: التفريق بين دخول الثاني وعدمه

    أما الحنابلة فعندهم شيء من السعة والتوقف في هذه المسألة، فالأمر المتفق عليه بين المذاهب الأربعة: إن جاء الزوج الأول قبل أن تتزوج بثان فهي لزوجها الأول، لكن إن تزوجت فالحنفية والشافعية قالوا: النكاح باطل إذا جاء الزوج الأول دخل الثاني أو لم يدخل، والمالكية قالوا: النكاح صحيح دخل الثاني أو لم يدخل ولا علاقة للأول، وهؤلاء توسطوا فقالوا: إن تزوجت وجاء الزوج قبل الدخول فيلغى النكاح الثاني ولا يخير الزوج الأول بين الصداق وبين زوجته، ولا علاقة للثاني بها، فإن دخل الثاني يخير الأول بين امرأته وبين الصداق، فإذاً: إذا لم يدخل فكن مع الحنفية والشافعية النكاح الثاني باطل وتعود للأول، لكن إن دخل فالحنفية والشافعية قالوا: وإن دخل هو باطل، والحنابلة قالوا: إذا كان الأمر كذلك فنخير الأول، فإن أراد المرأة انتزعت من الثاني واعتدت عدة الطلاق وعادت للأول، وإن أراد الصداق فله ذلك، وبهذا قرر سيدنا عمر رضي الله عنه.

    والأقوال الثلاثة ليس فيها نص محدد من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فما بقي بعد ذلك إلا الاجتهاد في القضاء، فعلام بعد ذلك النظر حول أئمتنا الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين، وهذه المسألة تقع في هذه الأيام بكثرة، أنا أعرف بعض الناس ممن هم على قيد الحياة دخل السجن لفترة طويلة زادت على عشر سنين فزوجته تزوجت؛ لأن خبره انقطع، يسألون عنه ومن يسأل عنه يضعونه في سجون لا يعلم أحد أين هو أيضاً الذي ذهب يسأل، فتزوجت، ثم بعد فترة حصل شيء من الفرج فخرج هذا الذي زاد مدته في السجن على عشر سنين، فذهب إلى بيته فوجد رجلاً مع زوجه في بيته هذا وقع ما أتكلم عن خيال، فالمسكين بهت، فالزوج الثاني لما جاء هذا استنكر: من أنت؟ وذاك يقول له: من أنت؟ فالزوجة لما خرجت ورأت زوجها الأول وقعت على الأرض مغمى عليها، نسأل الله حسن الخاتمة، هذا وقع بكثرة. ويوجد بعض النساء أعرفهن إلى الآن زوجها بعد زواجها منه بسنتين أو أقل، ولدت الأول وكانت بالثاني حامل ثم ولدته بعد أن أخذ زوجها وأخذت دون العشرين ومضى عليها الآن قرابة خمس عشرة سنة ولم تتزوج، لكن لو قدر أنها تزوجت فتأتي هنا نفس هذه مشكلة، وزوجها الآن ما يعلم عنه خبر، هذا في الزمن الذي يقولون: كثرت فيه الاتصالات وأمكن الوقوف على أحوال المخلوقات، وهذا المسكين في بلاده لا يستطيع أحد أن يسأل عنه، وأحياناً برشاوي وعشرات الألوف تصل بطرق خفية لتأخذ خبراً هل هو حي أو ميت؟ وموجود ضمن القوائم أو لا؟ لا أنك تتصل به أو تراه أو تسمع منه صوتاً أو تبلغه شيئاً.

    وهذا في الزمن الذي تطورت فيه الاتصالات، قال مرة بعض الإخوة: قال هذا عصر المنهجية والتحقيق تحقيق التراث والإعلام وغير ذلك، قلت: هذا عصر التزوير والدجل، ما أظن أنه مر على الأمة الإسلامية عصر فيه تزوير ودجل وأخبار كاذبة كالعصر الذي نعيش فيه، يكفي أنه على وجه الأرض بلا استثناء كل يوم تطالعنا الصحف بأنباء مكذوبة لا حقيقة لها، ينشر الكذب على مرأى من الناس ومسمع، في هذه الصحف والمجلات، إن قلت: بالمائة تسعين فهي نسبة قليلة، بل مثل الكهان تسع وتسعون كذب وواحدة مشكوك فيها، وليست صدقاً ولا يوجد مكان إلا وتنتشر فيه هذه الصحف، ولما حصل التحقيق أيضاً في الكتب حصل تخليط لا نهاية له باسم التحقيق.

    فالآن عندنا بالنسبة للزوجة ثلاثة أقوال، كلها معتبرة والأمر متروك للقاضي، ولو كان الأمر إلي لقضيت بالقول الأول؛ لأن هذا النكاح ثابت للأول، فهذا اليقين لا يترك إلا بيقين، وما هو؟ إذا علمنا موته، وإن قيل: كيف أبحتموها للثاني؟ نقول: هذا اجتهاد، لنرفع الضرر عن العباد، تأخر فترة حددناها لموته ثم جاء فكما نعيد إليه ماله نعيد إليه زوجته، وقد اتفقنا على إعادة المال، فلماذا لا نعيد الزوجة والزوجة أغلى من المال؟ وإعادتها أولى، أما إذا كان لا يريدها فهذا موضوع آخر، فالأقوال معتبرة، لكن لو كان لي رأي في هذه المسألة لقضيت بالقول الأول لا كما يقولون تقليداً لـأبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه وتقليده مفخرة، إنما من أجل هذا التعليل، فنحن عندنا مال وعندنا زوجة، وقد أجمعنا على إعادة المال إليه، ولا نقول له هذا أخذ بحكم شرعي فلا يعود إليه، سيعود إليه بالإجماع، فأعد إليه زوجته كما أعدت إليه ماله وكفى الله المؤمنين القتال، وأما المالكية فأعادوا المال وتركوا الزوجة.

    ولو كان ما يوجد قول لـعلي في هذه المسألة ممكن تقول: أحدث أبو حنيفة قولاً، لكن الذي أحدث قولاً الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، لأن قوله في هذه المسألة لا وافق قول عمر ولا وافق قول علي ، ما أعادها للأول ولا خير الأول، الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه أخذ بقضاء عمر في هذه المسألة، والإمام أبو حنيفة والشافعي أخذا بقضاء علي ، والإمام مالك يقول: الأمر عندنا على خلاف ما نقل عن عمر فقط، هذا المنتشر في المدينة.

    والحقيقة أن الزوج الثاني دخل على هذه المرأة بحكم شرعي فلا يلام، فإذا أردت أن تنتزعها منه فقد بقي له حق وذاك له حق، نقول: الأسبق لا ينقض حقه، هو أولى بها منك، نحن نعتبر ما فعلت سليماً من حيث الظاهر وجاءك منها أولاد فينسبون إليك وهي أمهم، لكنها تعود للأول فهو أولى بها منك، فأنت لك حق فيها وذاك له حق، والحق الطارئ لا يرفع الحق السابق كما يقول أئمتنا.

    1.   

    موت مورث المفقود في مدة الانتظار

    إن مات مورث المفقود في مدة الانتظار، يعني: مات بعض قراباته ممن يرثهم المفقود، فلذلك حالتان:

    الحالة الأولى: ألا يكون لمورث المفقود وارث إلا المفقود، فنوقف جميع المال له حتى يتضح معنا حاله أو تمضي مدة انتظاره، المال كله يوقف ولا يتصرف فيه ولا ينقل إلى بيت المال حتى يتضح الحال، فإن جاءنا خبر بأنه حي فالمال له، أو ميت صرفناه في المصارف التي يصرف فيها في بيت المال.

    الحالة الثانية: هناك وارث أو ورثة آخرون مع المفقود، فالمورث له ورثة غير المفقود، فالمعتمد عند المذاهب الأربعة وهو المقرر عند أتباع تلك المذاهب: أننا نعامل الورثة الذين هم مع المفقود بالأضر ونترك الأحظ للمفقود، وعليه؛ من لا يرث من الورثة على تقدير حياة المفقود لا نعطيه شيئاً ونمثل الآن بأمثلة إن شاء الله.

    وإذا كان بعض الورثة مع المفقود يرثون متفاضلاً فنعطيهم أقل النصيبين، يعني: إن قدرته ميتاً فسيرثون، وإن قدرته حياً فسيرثون، لكن على تقدير موته يرثون أقل من تقدير حياته، أو العكس: على تقدير حياته سيرثون أقل من تقدير موته كما سيأتينا، أحياناً لو قدر أنه حي بعض الورثة يأخذ أقل، فنعطيه أنزل النصيبين .

    الحالة الثالثة: وإن كان بعض الورثة يرث إرثاً متساوياً سواء كان المفقود حياً أو ميتاً فنعطيه نصيبه كاملاً، وهذا القول كما قلت: هو المعتمد في هذه المسألة، وهناك قولان ضعيفان في هذه المسألة:

    القول الأول: أننا نعتبر المفقود في حكم الميت، فنورثه ومن معه على أنه ميت، هذا وجه في مذهب الشافعي ، والمذهب بخلافه.

    والقول الثاني: وجه في مذهب الشافعية والحنابلة أيضاً: نجعل المفقود حياً فقط دون أن ننظر إلى الاعتبار الثاني منه ألا وهو الموت. وجهان كما قلت ضعيفان مرجوحان، المعتمد أننا نعامل الورثة بالأضر مع المفقود على تقدير حياته وموته، انظر مثالاً لذلك.

    لو مات ميت وترك طفلاً مفقوداً وأباً وأماً أخاً شقيقاً وزوجته، على تقدير حياة المفقود هذا الأب له السدس فقط، والأم السدس فقط، والأخ الشقيق محجوب، والزوجة الثمن، المسألة من أربع وعشرين، سدسها أربعة، ثمنها ثلاثة، بقي معنا اثنا عشر.

    الخلاصة:

    فعلى تقدير حياة الابن المفقود المسألة من أربعةٍ وعشرين لكل واحد من الأبوين السدس والأخ الشقيق محجوب وللزوجة الثمن، والباقي للابن.

    وعلى تقدير موت الابن المفقود فالمسألة إحدى الغراوين أصلها من أربعة للزوجة واحد، وللأب اثنان، وللأم ثلث الباقي واحد.

    وبين أصل المسألتين تداخل فنكتفي بالأكبر أربعة وعشرين، ثم نتبع الخطوات المألوفة، فالأخ محجوب لا يرث في الحالتين، ومن يرث في الحالتين متفاضلاً نعطيه الأضر ومن يرث في الحالتين متساوياً نعطيه نصيبه كاملاً، فنعطي كلاً من الأبوين أربعة أربعة، ونعطي الزوجة ثلاثة، ونوقف الباقي ثلاثة عشر للمفقود.

    1.   

    المال الموروث في مدة الانتظار إذا لم يأت خبر

    المبحث الخامس: إن مضت مدة الانتظار ولم يتبين لنا عن المفقود خبر من الأخبار، المبحث الذي قبل هذا قلنا: نورثه، فهذا المال الذي أخذه ممن مات في مدة انتظاره ما حكمه؟ هل نعطيه لورثة المفقود أو نعيده لورثة مورثيه؟ ثم ماله ماذا سنفعل فيه إن مضت مدة الانتظار ولم يتبين لنا عن المفقود خبر من الأخبار؟

    أولاً: بالنسبة لمال المفقود يقسم بين ورثته حين الحكم عليه بموته، فلا يرث منه إلا الأحياء من ورثته عند موته باتفاق أئمتنا، وقد حكى الاتفاق والإجماع على هذا عدد من العلماء منهم الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السابع صفحة ثمان ومائتين، هذا المفقود الذي فقد وانتهت المدة التي قدرت له، ومات كثير من قراباته في هذه المدة وما ورثنا أحداً منهم؛ لأن مال المفقود محفوظ على أنه حي، طيب. عندما حكمنا بموته في ذاك الوقت نقسم تركته هل نورث أحداً ممن يرثه وقد مات قبله؟ الجواب: لا؛ لأن هؤلاء الورثة الذين ماتوا قبل الحكم على المفقود بالموت لا يرثون ممن مات بعدهم، فإن قيل: قد يكون المفقود مات قبلهم، قد يمكن، نقول: الأصل حياة المفقود، ويشترط لإرث الوارث من مورثه تحقق حياة الوارث عند موت المورث، ونحن ما عندنا يقين، فتحقق ورثة الأحياء ثابتة، وتحقق ورثة من ماتوا قبل الحكم على المفقود بالموت مشكوك فيه، هل هم ماتوا قبله أو هو مات قبلهم؟ مشكوك فيه، ولا إرث مع الشك، فتقسم تركة المفقود على ورثته الأحياء فقط، فلو قدرنا أن إنساناً فقد وله أربعة أولاد مات اثنان من أولاده في مدة فقده ثم لما انتهت المدة حكمنا على المفقود بالموت، نوزع ماله على ولديه فقط، ومن مات من أولاده قبل الحكم عليه بموته ولو بشهر واحد لا يرث؛ لأننا عندما حكمنا على المفقود بالموت فكأنه مات حقيقة ودفناه على مرأى من الناس، فموت الورثة قبله يحرمهم من إرثهم من هذا المفقود الذي هو مورثهم هذا بالاتفاق ولا خلاف فيه؛ لأنه لا إرث مع الشك.

    1.   

    الموقوف للمفقود بعد المدة وعدم التبين

    الحالة الثانية: ما وقف للمفقود من إرث له من مورثيه الذين ماتوا قبل الحكم على المفقود بالموت، هل نجعل هذا المال مالاً للمفقود يرثه ورثة المفقود أو نعيده لورثة مورثيه دون أن يرث المفقود منهم شيئاً؟

    هذه المسألة للمذاهب الأربعة فيها قولان:

    القول الأول عليه الجمهور أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحد القولين للحنابلة، اختاره الإمام ابن قدامة ورجحه في المغني، وجمهور الحنابلة على خلافه، انظروا المغني الجزء السابع صفحة ثمان ومائتين: أن المفقود لا يرث شيئاً من مورثيه إذا انتهت مدة الانتظار ولم يتبين لنا أنه حي، فماذا نفعل؟ نعيد هذا المال الموقوف لمستحقيه، كما لو كان المفقود غير موجود هذا إذا لم يأتنا خبر، فإن جاءنا خبر أنه ميت قبل موت مورثيه فنعيده إليهم بالإجماع، وإن جاءنا خبر أنه كان حياً عند موت مورثيه فنقسمه على ورثة المفقود بالإجماع، هذا محل اتفاق لأنه جاءنا يقين، محل نبحث فيما إذا انتهت المدة ولم يتبين لنا حياته أو موته فهل نجعل هذا المال كماله الأصلي ويرثه ورثة المفقود أو نعيده إلى ورثة مورثيه الذين ورثوا معه؟ نعيده عند الجمهور أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحد القولين للحنابلة رجحه الإمام ابن قدامة في المغني واختاره.

    والقول الثاني انفرد به الحنابلة في قولهم الثاني الذي أخذ به جمهور الحنابلة: أن ما وقف للمفقود يكون له كماله الأصلي وعليه فيوزع على ورثة المفقود.

    وحجة القول الثاني: الأصل حياة المفقود، ولا يحكم بموته إلا بعد مضي المدة المضروبة لانتظاره، وإذا كان حياً فما أخذه مما وقفناه لا يستحقه، ثم عندما نحكم بموته لا يرث أحداً من الناس بعده، وعليه ذلك المال الذي وقف له يوزع على ورثته.

    وحجة القول الأول: ليس عندنا يقين وعلم وبينة بحياة المفقود، فيحتمل أن يكون ميتاً، وعليه يُشك في سبب استحقاق المفقود للإرث، ولا توريث مع الشك، عندنا الآن المفقود يشك في حياته، وعندنا ورثة معه حياتهم يقينية قطعية، فكيف نورث هذا المشكوك فيه ونلغي بعد ذلك أولئك؟

    فإذاً: عند الجمهور يعاد المال لورثة مورثيه كما لو كان المفقود ميتاً فلا يرث شيئاً والعلم عند الله جل وعلا.

    المبحث الثالث: كيفية توريث المفقود وتوريث من يرث معه من مورثيه؟

    أولاً الخطوة الأولى: نجعل المسألتين نقدر المفقود في المسألة الأولى حياً ثم نقسم المال، ونقدر المفقود في المسألة الثانية ميتاً ثم نقسم المال. هذه الخطوة الأولى، مسألة حياة ومسألة موت ثم نوزع هذا المال عليه وعلى من يرث معه.

    ثانياً الخطوة الثانية: ننظر بين المسألتين بالنسب الأربع، فحاصل النظر هو جامعة المفقود.

    ثالثاً: نقسم حاصل النظر على مسألتي المفقود على تقدير حياته وموته، فالخارج هو جزء سهم كل مسألة.

    الخطوة الرابعة: نضرب نصيب كل وارث في المسألتين فيما فوقه، أي: فيما فوق مسألتها في جزء سهمها، فمن كان لا يرث شيئاً في إحدى المسألتين لا نعطيه شيئاً، ومن كان يرث فيهما متفاضلاً نعطيه الأقل، ومن كان يرث فيهما متساوياً عندما ضربنا نصيبه في هذه المسألة نعطيه النصيب الكامل.

    الخلاصة:

    أخت لأب وأم وزوجة وابن أخ شقيق وبنت مفقودة، فابن الأخ الشقيق لا يرث على كلا الاحتمالين، وعلى تقدير حياة البنت فالمسألة من أربعة وعشرين للزوجة الثمن، وللأم السدس، وللبنت النصف، والأخت لأب عصبة مع الغير.

    وعلى تقدير موت البنت المفقودة فالمسألة من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر، فليس للبنت شيء، وللزوجة الربع، وللأم الثلث، وللأخت لأب السدس.

    وحاصل النظر بين المسألتين ثلاثمائة واثنا عشر، تقسم على المسألة الأولى فيكون جزء السهم ثلاثة عشر، وعلى الثانية فيكون جزء السهم أربعة وعشرين، فنضرب ما بيد كل وارث في جزء سهم مسألته، فمن كان يرث من المسألتين فنعطيه الأضر إن كان يرث منهما متفاضلاً، فترث الزوجة هنا تسعة وثلاثين من أصل ثلاثمائة واثني عشر، وترث اثنين وخمسين، وترث الأخت لأب خمسة وستين، والباقي مائة وستة وخمسون يكون موقوفاً.

    1.   

    الصلح على الموقوف الذي لا يستحقه المفقود

    المبحث السابع وهو آخر مباحث المفقود: الموقوف أو بعضه بسبب المفقود، ولا يعلم مستحقه من الورثة فلهم الصلح عليه، وقفنا شيئاً بسبب المفقود ولا يستحقه المفقود، إما أنه لا يستحق كل الموقوف أو لا يستحق بعضه، إذا كان لا يستحقه كله ووقف بسببه، فللورثة الصلح عليه؛ لأنه لا يعلم لمن سيعود، وإذا كان يستحق بعض ما وقف له، والباقي لا يستحقه، فلهم المصالحة على ذلك الذي لا يستحقه المفقود، مثال على هذه الحالة ومثال على تلك الحالة.

    مثال على ما لا يستحق المفقود شيئاً من الموقوف، لو ماتت عن زوج وأخت شقيقة وأخت لأب وأخ لأب مفقود، فالمفقود هنا لا حظ له في هذه المسألة على الحالتين، وسيوقف شيء لغيره لا له، على تقدير حياته، الزوج له النصف لعدم الفرع الوارث، والأخت الشقيقة لها النصف، وهؤلاء عصبة، ما استفادوا من التعصيب شيئاً، وعلى تقدير موته، الزوج له النصف، والأخت الشقيقة لها النصف، والأخت لأب لها السدس تكملة للثلثين وهذا ميت، المسألة من ستة ثلاثة وثلاثة وواحد، فعالت إلى سبعة، وبين السبعة والاثنين تباين فالجامعة من أربعة عشر، فالأخ لأب المفقود لا يرث شيئاً؛ لأنه إن قدر حياً فسيعصب أخته، وقد استغرقت الفروض التركة، وإن كان ميتاً فلا إرث له، ونعطي كلاً من الزوج والأخت الشقيقة الأضر وهو ستة لكل واحدٍ منهما، ولا ترث الأخت لأب شيئاً؛ لأنها لا ترث في حالة الحياة فتعامل بالأضر، ويبقى معنا اثنان يوقفان، لا يستحق المفقود منهما شيئاً لما مر.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741656185

    عدد مرات الحفظ

    684637314