إسلام ويب

فقه العبادات [5]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أركان الإيمان ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ومعنى الإيمان بالله توحيده سبحانه بأنواع التوحيد الثلاثة، ونقر بوجوده سبحانه، قائماً على خلقه.. والإيمان بالملائكة بأن الله خلقهم من نور، وهم على أصناف ودرجات ومراتب

    1.   

    أركان الإيمان

    المقدم: في لقائنا الماضي كان آخر حديثنا عن معنى الإيمان، والحقيقة أننا عرفنا مفهوم الإيمان في اللغة ومفهومه في الشرع، لكن نريد أن نتوسع في المفهوم، وأن نعرف أيضاً أركان الإيمان؟

    الشيخ: كنا تكلمنا عن التعريف الذي أشرنا إليه والتعريف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل، والتعريف الذي أشرنا إليه هو تعريف عام يشمل الدين كله، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، وهو الذي يتكلم عليه العلماء في كتب العقائد.

    أما جاء في حديث جبريل فإنه مفهومٌ خاصٌ للإيمان؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله جبريل عن الإسلام وبينه له، ثم سأله عن الإيمان الذي هو العقيدة الباطنة، والإسلام هو الأعمال الظاهرة، وإلا فلا يشك أحدٌ أن اعتقاد الإنسان بأنه لا إله إلا الله هو من الإيمان، لكنه لما كان قولاً صار من الأعمال الظاهرة التي هي الصلاة والزكاة والصوم والحج، والأركان التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام ستة كما هي معلومة، قال عليه الصلاة والسلام في جوابه لجبريل: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) ، ونتكلم على هذه الأركان الستة لأهميتها.

    الإيمان بالله

    أما الإيمان بالله فإنه يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، أما الإيمان بوجوده: فهو الإقرار التام بأن الله سبحانه وتعالى موجود، ولم يتفوه أحد بإنكار وجود الله عز وجل إلا على سبيل المكابرة، وإلا فإن كل عاقل لا يمكنه أن يدعي بأن هذا الكون خلق أو جاء صدفة، أو جاء من غير موجد؛ لأن هذا ممتنع باتفاق العقلاء.

    فوجود الله عز وجل دلت عليه جميع الأدلة العقلية والفطرية والحسية والشرعية، هذه الأشياء الأربعة كلها دلت على وجود الله عز وجل، أما الدليل العقلي فإننا نشاهد هذا الكون في وجوده وفيما يحدث فيه من أمورٍ لا يمكن أن يقدر عليها أحدٌ من المخلوقين، وجود هذا الكون من السموات والأرض وما فيهما من النجوم والجبال والأنهار والأشجار والناطق والبهيم وغير ذلك من أين حصل هذا الوجود؟ هل حصل هذا صدفة أو حصل بغير موجد أو أن هذا الوجود أوجد نفسه؟ هذه ثلاثة احتمالات لا يقبل العقل شيئاً رابعاً، وكلها باطلة إلا الاحتمال الرابع الذي هو الحق.

    فأما كونها وجدت صدفة فهذا أمرٌ ينكره العقل وينكره الواقع؛ لأن مثل هذه المخلوقات العظيمة لا يمكنك أن توجدها هكذا صدفة، كل أثرٍ لا بد له من مؤثر، وكون هذه المخلوقات العظيمة في هذا النظام البديع المتناسق الذي لا يتعارض ولا يتصادم لا يمكن أن يكون صدفة؛ لأن الغالب كما وقع صدفة أن تكون تغيراته غير منتظمة؛ لأنه كله صدفة.

    وأما كون هذا الوجود أوجد نفسه فظاهر الاستحالة أيضاً؛ لأن هذا الوجود قبل أن يوجد ليس بشيء بل هو عدم، والعدم لا يمكن أن يوجد معدوماً.

    وأما كونه وجد من غير موجد فهو بمعنى قوله: إنه وجد صدفة، وهذا كما سبق مستحيل.

    بقي أن نقول: إنه وجد بموجد وهو الله عز وجل، كما قال الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36].

    إذاً: فهذا الكون دل عقلاً على وجود الله عز وجل.

    وأما دلالة الفطرة على وجود الله فأظهر من أن تحتاج إلى دليل؛ لأن الإنسان بفطرته يؤمن بربه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولهذا لو وقع على أي إنسانٍ في الدنيا شيءٌ بغتة، وهذا الشيء مهلكٌ له لكان يقول بلسانه من غير أن يشعر: يا ألله أو يا رب أو ما أشبه ذلك، مما يدل على أن الغريزة الفطرية جبلت على الإيمان بوجود الله عز وجل.

    وأما دلالة الحس على وجود الله فما أكثر ما نسمع من إجابة الله تعالى للدعاء، ومن إجابة الدعاء للإنسان نفسه، كم من إنسانٍ دعا الله وقال: يا رب، فرأى الإجابة نصب عينه، ففي القرآن أمثلةٌ كثيرة من هذا، مثل قوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء:83-84]، وفي السنة أمثلةٌ كثيرةٌ أيضاً، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (دخل رجلٌ يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، وكانت السماء صحواً ليس فيها شيءٌ من السحاب، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، حتى دخل رجلٌ من الجمعة الثانية، فقال: يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال، فادع الله يمسكه عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وجعل يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، ويشير بيده فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت بإذن الله، فخرج الناس يمشون في الشمس).

    وكم من دعاء دعا به الإنسان ربه فوجد الإجابة، وهذا دليلٌ حسيٌ على وجود الله عز وجل.

    أما الدليل الشرعي فأكثر من أن يحصر، كل القرآن وكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الحكمية والخبرية فإنه دالٌ على وجود الله عز وجل، كما قال الله تعالى في القرآن العظيم: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] ، هذا أحد ما يتضمنه الإيمان بالله، وهو الإيمان بوجوده.

    أما الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فقد سبق القول المفصل فيها حين تكلمنا على أنواع التوحيد الثلاثة، نعم.

    المقدم: لكن الآن نجد مثلاً الدهريين وهم كثر الآن وعقلاء لأنهم يفكرون وينصتون، لكنهم مجمعون على عدم وجود الله عز وجل، كيف نرد على مثل هذه الفئة؟

    الشيخ: أولاً: أنا أعلق على قولك: إنهم عقلاء، فإن أردت بالعقل عقل الإدراك فنعم هم عقلاء يدركون ويفهمون، وإن أردت بذلك عقل الرشد فليسوا بعقلاء؛ ولهذا وصف الله الكفار بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]، لكنهم عقلاء عقل إدراك تقوم به الحجة عليهم، وهم إذا قالوا ذلك فإنما يقولون هذا مكابرة في الواقع، وإلا فهم يعلمون أن الباب المنصوب لا يمكن أن يصنع نفسه، ولا يمكن أن ينصب نفسه، يعرفون أن هذا الباب لا بد له من نجار أو حداد أقامه ولا بد له من بناء ركبه، بل يعلمون أن الطعام الذي يأكلونه والماء الذي يشربونه لا بد له من مسخر، ولا بد له من زارع، وهم يعلمون أيضاً أنه ليس بإمكان أي أحدٍ من الناس أن يكون هذا الزرع ينبت هذا الحب حتى زرعاً له ساق وثمر هم يعلمون ذلك، ويعلمون أن هذا ليس مما يقدر عليه البشر، ولكنهم يكابرون، والمكابر لا فائدة من محاجته، ولا يمكن أن يقبل أبداً مهما كان، لو تقول له: هذه الشمس وهي أمامه ما صدق، فمثل هؤلاء تكون المجادلة معهم مضيعة وقت، وكما قال بعض أهل العلم: تكون دعوتهم بالمجالدة لا بالمجادلة.

    الإيمان بالملائكة

    المقدم: إذاً بقي معنا أن نتحدث عن بقية أركان الإيمان؟

    الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وملائكته)، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور وجعلهم طوع أمره، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وهم على أصنافٍ متعددة في أعمالهم ووظائفهم ومراتبهم:

    فجبريل عليه الصلاة والسلام موكلٌ بالوحي، ينزل بوحي الله تعالى على رسل الله، كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102]، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين، رآه مرةً على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق.

    وميكائيل أحد الملائكة العظام وقد وكله الله عز وجل بالقطر والنبات، والقطر: المطر، والنبات: نبات الأرض من المطر.

    وإسرافيل من الملائكة العظام، وقد وكله الله عز وجل بالنفخ في الصور، وهو أيضاً أحد حملة العرش العظيم.

    وهؤلاء الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم في استفتاح صلاة الليل، يقول صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم)، وذكر هؤلاء الثلاثة؛ لأن كل واحدٍ منهم موكل بما يتضمن الحياة، والبعث من النوم يعتبر حياةً، فهؤلاء الثلاثة هم أفضل الملائكة فيما نعلم.

    ومنهم ملك الموت الموكل بقبض أرواح الأحياء، ومنهم ملكان موكلان بالإنسان يحفظان أعماله عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17]، ومنهم ملائكة موكلون لتتبع حلق الذكر، ومن أراد المزيد من ذلك فليراجع ما كتبه أهل العلم في هذا.

    المقدم: نعم، شكراً لكم وأثابكم الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964600

    عدد مرات الحفظ

    720711571