إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [316]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    نعمة التوبة بالخروج من طرق أهل البدع والضلال

    السؤال: دخلت في عدة طرق من الطرق المتعددة وخرجت منها، فهل ما ضاع من عمري في هذه الفترة والسيئات التي وقعت فيها محسوبة علي، أم تنفى عني بتوبتي؟ وهل كل ما حصل علي من الدخول في هذه الطرق الباطلة قبل هذا كان مكتوباً علي من الأزل وكان الله عالماً بهذا؟

    الجواب: قبل الإجابة على هذا السؤال: أحب أن أهنئ الأخ الذي منَّ الله عليه بالاستقامة ولزوم الصراط المستقيم، بعد أن كان منحرفاً في متاهات البدع والضلال، فإن هذا من نعم الله بل هو أكبر نعمة ينعم الله بها على العبد، أن يتوب الله عليه فيتوب إلى ربه ويقلع عن غيه إلى رشده، يقول الله عز وجل ممتنًا على المؤمنين بمثل ذلك: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، ويقول تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164]، ويقول جل وعلا: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، فالهداية للإيمان من أكبر النعم، بل هي أكبر نعمة أنعم الله بها على العبد، فأسأل الله أن يثبتني وإخواني المسلمين على دينه المستقيم إنه جواد كريم.

    أما بالنسبة للجواب على سؤاله فإني أقول له: إذا تاب الإنسان من أي ذنبٍ كان، فإن الله يتوب عليه ويمحو عنه سيئاته، لأن الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، قال الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، وقال تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:39] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70].

    والنصوص في هذا كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كلها تدل على أن الله إذا من على العبد بالتوبة النصوح، فإن الله يتوب عليه ويبدل سيئاته حسنات، إذا تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، فكل ما جرى عليك من اعتناق الطرق والمذاهب الهدامة والزيغ والضلال، فإنه يمحى برجوعك إلى الحق.

    وأما الفقرة الثانية في السؤال: وهي أن هذا الذي عمله هل كان مكتوباً عليه في الأزل وبعلمٍ من الله عز وجل؟ فنقول: نعم، هو مكتوب عليه في الأزل، مكتوب عليه العمل السيئ السابق، ومكتوب له التوبة الأخيرة التي من الله بها عليه، وكل ذلك بعلمٍ من الله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] ، ويقول جل ذكره: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    فعلم الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، وهذا أمر متفق عليه بين علماء المسلمين والحمد لله، وهو أحد مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، فإن للإيمان بالقضاء والقدر مراتب أربع:

    الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، بمعنى: أن تؤمن بأن الله تعالى عالم بكل شيء جملةً وتفصيلاً ما كان وما لم يكن.

    والمرتبة الثانية: أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] و( لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ).

    أما المرتبة الثالثة: فهي الإيمان بعموم مشيئة الله، أي: أن تؤمن بأن كل ما في الكون فهو واقع بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شيء، لا من فعله ولا من فعل عباده، والنصوص في هذا كثيرة، ومنها قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] ، فبين الله عز وجل أن اقتتال هؤلاء المختلفين كان بمشيئته، وقال سبحانه وتعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29].

    وأجمع المسلمون على هذه الكلمة العظيمة: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما في الكون شيء يحدث عدماً أو وجوداً إلا وهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

    أما المرتبة الرابعة: فهي الإيمان بعموم خلق الله، أي: أن تؤمن بأن كل ما في الكون فهو مخلوق لله عز وجل، لا في أعيانه ولا في أوصافه، كما قال الله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] ، وقال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62] ، حتى العبد مخلوق لله تعالى بعينه وشخصه وبأوصافه وقواه الظاهرة والباطنة، وبما ينشأ عن تلك القوى، فأفعال العبد مثلاً مخلوقة لله، باعتبار أن هذه الأفعال ناشئة عن قدرة في العبد وإرادة، والقدرة والإرادة من صفات العبد، والعبد مخلوق لله، فأوصافه كذلك مخلوقة له - أي: لله - فكما أن الأوصاف الخلقية الظاهرة مخلوقة لله، فكذلك الأوصاف الخلقية والفكرية الباطنة مخلوقة لله كذلك.

    وهذه المراتب الأربع يؤمن بها أهل السنة والجماعة جميعها، فعلينا أن نؤمن بها ونصدق، لكن مع ذلك نعلم علم اليقين أن للإنسان إرادة وقدرة، فهو يريد الشيء فعلاً وتركاً، أي: يريد أن يفعل فيفعل إذا كان له قدرة، ويريد أن يترك فيترك، ولكن خالق القدرة وخالق الإرادة هو الله عز وجل، فهو ينسب - أي: فعل العبد - إلى الله تعالى خلقاً وإرادة، وإلى العبد فعلاً وكسباً، مع أنه داخل تحت إرادة العبد وقدرته، فلولا أن الله تعالى أقدر العبد على الفعل ما فعل لعجزه عنه، ولولا أن الله خلق فيه الإرادة ما فعل لعدم وجود الإرادة.

    مداخلة: هل الكفار أيضاً مكتوب لهم من الأزل أنهم كفار، ولماذا يعذبون في المكتوب قديماً إذا كان كل شيء يجري على ما سبق في الأزل؟

    الشيخ: نعم، الكفار كذلك مكتوب عملهم في الأزل، ويكتب كذلك عمل الإنسان عند تكوينه في بطن أمه، كما دل على ذلك الحديث الصحيح.. حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد ) ، فأعمال الكفار مكتوبة عند الله عز وجل معلومة عنده، والشقي شقي عند الله عز وجل في الأزل، والسعيد سعيد عند الله في الأزل.

    ولكن قد يقول قائل كما أورد هذا السائل: كيف يعذبون وقد كتب الله عليهم ذلك في الأزل؟

    فنقول: إنهم يعذبون لأنه قد قامت عليهم الحجة وبين لهم الطريق، فأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبين الهدى من الضلال، ورغبوا في سلوك طريق الهدى، وحذروا من سلوك طريق الضلال، ولهم عقول ولهم إرادات ولهم اختيارات، ولهذا نجد هؤلاء الكفار وغيرهم أيضاً يسعون إلى مصالح الدنيا بإرادة واختيار، ولا تجد أحدًا منهم يسعى إلى شيءٍ يضره في دنياه، ويقول: إن هذا مكتوب علي أبداً، كل يسعى إلى ما فيه المنفعة، فكان عليهم أن يسعوا أيضاً إلى ما فيه المنفعة في أمور دينهم، كما يسعون إلى ما فيه المنفعة في أمور دنياهم ولا فرق بينهما، بل إن بيان الخير والشر في أمور الدين في الكتب المنزلة على الرسل عليهم الصلاة والسلام أكثر وأعظم من بيان الأمور الضارة في أمور الدنيا، فكان عليهم أن يسلكوا الطرق التي فيها نجاتهم والتي فيها سعادتهم، دون أن يسلكوا الطرق التي فيها هلاكهم وشقاؤهم.

    ثم نقول: هذا الكافر حين أقدم على الكفر لا يشعر أن أحداً أكرهه، بل هو يشعر أنه فعل ذلك بإرادته واختياره، فهل كان حين إقدامه على هذا الكفر.. هل كان عالماً بما كتب الله له؟

    الجواب: لا، لأننا نحن لا نعلم بأن الشيء قد كتب إلا بعد أن يقع، أما قبل أن يقع فإننا لا نعلم ماذا كتب لأنه من علم الغيب، فنقول لهذا الكافر: لماذا لم تقدر أن الله سبحانه وتعالى كتب لك السعادة وتؤمن؟

    فأنت الآن قبل أن تقع في الكفر أمامك شيئان: هداية وضلال، فلماذا لا تسلك طريق الهداية مقدراً أن الله تعالى كتبه لك.. لماذا تسلك طريق الضلال ثم بعد أن تسلكه تحتج بأن الله تعالى كتبه، لأننا نقول لك قبل أن تدخل في هذا الطريق: هل عندك علم أنه مكتوب عليك؟ سيقول: لا، ولا يمكن أن يقول: نعم، فإذا قال: لا، قلنا: إذًا لماذا لم تسلك طريق الهداية وتقدر أن الله تعالى كتب لك ذلك؟ ولهذا يقول الله عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، ويقول عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

    ولما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بأنه ما من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار: ( قالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب، قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ، ثم قرأ قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

    فهذا جوابنا على هذا السؤال الذي أورده هذا السائل، وما أكثر ما يحتج به من أهل الضلال وهو عجب منهم، لأنهم لا يحتجون بمثل هذه الحجة على مسائل الدنيا أبداً، بل تجدهم يسلكون في مسائل الدنيا ما هو أنفع لهم، ولا يمكن لأحد أن يقال له: هذا الطريق الذي أمامك طريق وعر صعب فيه لصوص وفيه سباع، وهذا الطريق الثاني طريق سهل ميسر آمن، لا يمكن لأحدٍ أن يسلك الطريق الأول ويدع الطريق الثاني، مع أن هذا نظير الطريقين: طريق النار وطريق الجنة، فالرسل بينت طريق الجنة وقالت: هو هذا، وبينت طريق النار وقالت: هو هذا، وحذرت من الثاني ورغبت في الأول، ومع ذلك فإن هؤلاء العصاة يحتجون بقضاء الله وقدره على معاصيهم وهم لا يعلمونه.

    1.   

    تقدير الله للعبد الزواج بفلانة دون غيرها من النساء

    السؤال: هل هذا مكتوب أيضاً أن فلاناً يتزوج فلانة مثلاً لا غيرها، ويحصل له ذلك حتماً، أم أن هناك يدخل اختيار الإنسان للمرأة التي تعجبه ويدع الأخرى، فمثلاً يقول: أجبرني والدي على الزواج من بنت عمي دون اختياري، ولكن بعد المعاشرة وجدتها من خيرة النساء التي تطلب من المرأة، وغيرت الكراهية حباً جماً، والآن أنا نادم كلما أتذكر كراهيتي لها سابقاً، هل الله سبحانه وتعالى كتب علي أنني أتزوج بها وتحصل هذه الكراهية ثم أحبها؟

    الجواب: إن كل ما وقع في الكون فهو مكتوب كما أسلفنا في أول الكلام، وتغير الأمر أو تغير الحال من شيء إلى شيء هو أيضاً مكتوب، وكون الإنسان يتزوج فلانة دون فلانة هو أيضاً مكتوب، ونحن نرى أن بعض الناس يعزم العزم الأكيد على أن يفعل هذا الفعل، ثم بعد ذلك ينثني عزمه من ذات نفسه، أو ينثني عزمه بمشورة أحدٍ من الناس، أو يكون على عزمه ولكن يحال بينه وبينه بموانع ليست تحت إرادته، فمثل هذا يكون هذا الشيء الذي كان عازماً عليه لم يقدر له فلا يحصل له، وأحياناً يعزم الإنسان على ترك شيءٍ ما، ثم لا يدري إلا وقد انصبت إرادته إلى فعله وتيسر إليه الوصول إليه، إما من ذات نفسه، وإما بمشورة أحدٍ من الناس، وإما برؤية أمورٍ تدعوه إلى أن يحصل على هذا الشيء وهذا كثير واضح.

    حتى إن الإنسان أحياناً يخرج من بيته قاصداً شخصًا معينًا ليزوره، وفي أثناء الطريق يذكر شيئاً آخر أهم منه، ثم ينصرف عن القصد الأول إلى القصد الثاني، أو في أثناء الطريق ينفك أو يفتر عزمه عن الذهاب إلى هذا الرجل ويرجع بدون أي سبب، كل هذا يدل على أن الأمور مكتوبة عند الله عز وجل، ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ يعني: بأي شيءٍ عرفت الله عز وجل.. بأي أثرٍ تستدل به على الله؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، يعني: أن الإنسان قد يعزم العزيمة الأكيدة ثم لا يدري إلا وقد انتقض عزمه بدون أي سبب، أو يذهب همه واهتمامه بالشيء ثم لا يدري إلا وقد صرف عن هذا الشيء.

    والمهم أنه يجب أن تعلم أن كل ما وقع فإنه مكتوب عند الله على الصفة التي وقع عليها، لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص، قال الله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:8] كل شيء عند الله تعالى بمقدار، حتى زخات المطر مكتوبة عند الله تعالى ومقدرة، وما من شيء إلا وهو واقع على حسب تقدير الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    واجب المسلم تجاه الوسواس الذي يعتريه

    السؤال: أحياناً يوسوس لي الشيطان من خلق هذا، إلى أن يقول لي: من خلق الله سبحانه وتعالى، وأفزع كثيراً وأحزن وأترك هذا الموضوع، أفيدوني على ما أصرف به هذا الوسواس، وهل يؤثر علي في حياتي؟

    الجواب: هذا الوسواس لا يؤثر عليك، وقد أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يأتي للإنسان، فيقول: من خلق كذا.. من خلق كذا، إلى أن يقول: من خلق الله؟ وأعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدواء الناجع، وهو أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وننتهي عن هذا، فإذا طرأ عليك هذا الشيء وخطر ببالك، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانته عنه وأعرض إعراضاً كلياً، وسيزول بإذن الله.

    1.   

    حكم من لا يستطيع الإحرام بسبب إعاقته

    السؤال: رجل يرغب في أداء العمرة، ولكن لا يستطيع لبس الإحرام لأنه معاق ومشلول، هل أستطيع العمرة بثيابي وهل علي كفارة؟

    الجواب: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلبس ثياب الإحرام، فإنه يلبس ما يقدر عليه من اللباس الآخر، وعليه عند أهل العلم إما أن يذبح شاة يفرقها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، هكذا قال أهل العلم قياساً على ما جاء في حلق شعر الرأس، حيث قال الله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196] .

    1.   

    قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية

    السؤال: هل المأموم يقرأ الفاتحة أم ينصت ويسمع القرآن، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا كبر الإمام فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا ) ، أخرجه مسلم ، وعلى هذا يحمل حديث: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) ، أي: أن قراءة الإمام له قراءة في الصلاة الجهرية؟

    الجواب: هذه المسألة وهي قراءة المأموم خلف الإمام مختلف فيها عند أهل العلم، والراجح عندي فيها ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله وجماعة: أن قراءة الفاتحة لا بد منها على كل مأموم في الصلاة السرية والجهرية، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج.. فهي خداج.. فهي خداج ) ، أي: فاسدة، وهذان نصان عامان لم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم منهما شيئاً، إلا أن أصحاب السنن أخرجوا من حديث عبادة بن الصامت : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما انصرف قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن يقرأ بها ).

    وهذا يدل على أن قراءة الفاتحة واجبة حتى في الصلاة الجهرية، وهو القول الراجح عندي، فأما قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] فهو عام، ومن المعلوم أن العام قد يخصص، فتكون الآية هنا مخصصةً بحديث عبادة بن الصامت الذي أشرنا إليه آنفاً، ولا تسقط قراءة الفاتحة عن المأموم إلا إذا لم يدركها حال قيام الإمام، وهو المسبوق إذا جاء والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائماً، ثم يركع بتكبيرةٍ ثانية للركوع، وإن لم يكبر فلا حرج عليه، وفي هذه الحال تسقط عنه الفاتحة، ودليل ذلك حديث أبي بكرة رضي الله عنه حين جاء والنبي عليه الصلاة والسلام راكع، فأسرع ثم ركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام وسأل: ( من فعل ذلك؟ قال أبو بكرة : أنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد ) ، أي: لا ترجع إلى مثل هذا العمل.

    ومراده صلى الله عليه وسلم ألا يرجع إلى الإسراع والركوع قبل أن يصل إلى الصف، لا أن لا يرجع إلى الركوع مع الإمام إذا أدركه راكعاً، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) ، فإن قوله: (فما أدركتم فصلوا) يعم مثل هذه الصورة، أي: يعم ما إذا جاء والإمام راكع فإنه يركع، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكرة أن يقضي تلك الركعة التي أدرك فيها الركوع، وهو دليل على أن الفاتحة في مثل هذه الحال تسقط عن المأموم وهو الحق.

    وعلى هذا فنقول: إن قراءة الفاتحة واجبة على كل مصلٍ إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، وفي الصلاة الجهرية والسرية، إلا إذا أدرك الإمام راكعاً أو أدركه قائماً لكن لم يتم الفاتحة حتى ركع الإمام، وخاف أن يفوته الركوع، ففي هذه الحال تسقط عنه.