إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (987)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الحث على تيسير المهور وعدم المغالاة فيها

    المقدم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب).

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ: عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: نعود مع مطلع هذه الحلقة إلى رسالة المستمع: عبد الله حامد عبود، الأخ عبد الله عرضنا بعض أسئلته في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة له سؤال طويل جداً عن غلاء المهور، وهل يعتبر المهر الغالي بمثابة بيع البنت -كما يقول-؟ ويرجو التوجيه، جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالشرع المطهر لم يحدد في المهر شيئاً معلوماً؛ بل أطلق للناس ما يتفقون عليه من المهور قليلة أو كثيرة؛ لكن الشارع رغب في التقليل والتيسير، ترغيباً في النكاح وعفة الرجال والنساء، ومن ذلك قوله عليه السلام: (خير الصداق أيسره)، وكان زوج بناته على خمسمائة، وتزوج على خمسمائة ويروى أنه زوج بناته على أربعمائة.

    فالمقصود: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحث على تخفيف المهور وتيسيرها، ولم يغال فيها لا مع أزواجه ولا مع بناته عليه الصلاة والسلام، فالمشروع للمؤمن أن يخفف وألا يتكلف في ذلك، ولكن الأوقات تختلف في الغلاء والرخص وتيسر الحاجات وعدم تيسرها، فيشرع لأهل الزواج أن يتفقوا على شيء مناسب ليس فيه إجحاف بالزوج ولا مضرة على الزوج، ولا تعطيل للنساء والشباب، وكلما كان ذلك أيسر وأقل كان أفضل، حتى يتيسر للجميع حصول النكاح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فالمؤمن يحرص على أن يقدم بنته وأخته وموليته بكل وسيلة شرعية حتى لا تتعطل وحتى لا تتعرض للأخطار، والرجل كذلك يحرص على أن يتزوج، ويحرص أبوه وأخوه وأقاربه على تزويجه والتعاون معه في ذلك؛ حتى لا يتعرض لأخطار العزوبة، ولاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن، وكثر فيه المتبرجات من النساء، وضعف فيه الوازع الديني.

    فينبغي للجميع الرجال والنساء الحرص على أسباب الزواج، وعلى تسهيله؛ لا من جهة المهر ولا من جهة الوليمة، كل ذلك يستحب فيه التخفيف والتيسير تسهيلاً في تزويج البنين والبنات، وحرصاً على عفة الجميع، كما أوصى الله بذلك وشرع، حيث قال سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، والنبي عليه السلام قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).

    فوصيتي للجميع البدار بتزويج الشباب والشابات، والحرص على التيسير والتخفيف؛ لا من جهة المهر ولا من جهة الوليمة، كما أني أوصي أقارب الرجل أن يساعدوه إذا دعت الحاجة إلى مساعدته، وأولياء المرأة أن ينصحوها ويوجهوها إلى الرضا بما يسر الله من المهر، وألا تمتنع من الزواج من أجل المغالاة في المهور، وكل من الجميع في حاجة إلى النصيحة، كل من الرجال والنساء في حاجة إلى النصيحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    كما أني أنصح أمهات البنات ألا يتكلفن في ذلك، وهكذا خالاتهن، وهكذا أخواتهن الكبيرات، ينبغي أن يساعدن في التخفيف والتيسير، وهكذا أبو الرجل وأجداده وإخوته وأعمامه، أوصيهم جميعاً بالمساعدة، والتعاون مع الزوج في تسهيل نكاحه بالمال وغيره؛ عملاً بقول الله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، والشباب اليوم والفتيات اليوم في أشد الحاجة إلى الزواج والمبادرة إليه، وهو لا يمنع الاستمرار في الدراسة لا من الرجل ولا من المرأة، يتزوج وإن كان يدرس، وهي كذلك، ولا ينبغي أن يحتج بالدراسة لا الرجل ولا البنت، ينبغي البدار بالزواج وإن استمر كل منهما في الدراسة، وإن تراضيا على تعطيل الدراسة فلا بأس بعد ذلك؛ لحاجة البيت ونحو ذلك.

    المقصود: أن هذا لا ينبغي أن يكون عذر، الدراسة لا ينبغي أن تكون عذراً لتأخير النكاح، ولا الوظيفة كذلك، وظيفة المرأة كونها مدرسة أو موظفة في عمل آخر ينبغي ألا تتأخر عن الزواج، وأن تتقي الله في ذلك وأن تبادر، وأن تجتهد في حفظ نفسها من أسباب الشر، وحفظ سمعتها، وهكذا الشباب يحرص غاية الحرص على حفظ سمعته وإحصان فرجه وغض بصره، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    كيفية بر الوالدين

    السؤال: يسأل أخونا ويقول:

    كيفية بر الوالدين إذا كانا في غنى عني، وقربي منهم قد يحدث بعض المشكلات؟

    الجواب: برهما هو أن تعمل ما يسرهما وما ينفعهما ولو بغير المال، إذا كانا غنيين عنك فاعمل ما يسرهما من الكلام الطيب، والزيارة المناسبة، والسؤال عن حالهما، وقضاء حاجتهما إذا رغبا إليك في شيء من ذلك، والبعد عن كل ما يسيء إليهما مما لا يلزمك شرعاً، فالمقصود أنك تجتهد في إرضائهما، والإحسان إليهما، والتقرب إليهما بالكلام الطيب والفعل الطيب الذي لا يخالف شرع الله؛ لأن شرع الله مقدم على الجميع، وإنما الطاعة في المعروف.

    فكل عمل وقول يرضيهما ويسبب رضاهما عنك وحسن صلتك بهما فهو مطلوب ما لم يكن ممنوعاً شرعاً، والله أوجب برهما والإحسان إليهما في آيات كثيرات، فينبغي للولد أن يحرص على برهما والإحسان إليهما، وخفض الجناح لهما بكل ما يستطيع، مع مراعاة الحدود الشرعية التي أوجب الله على عباده، فإن الوالد والأمير والسلطان والزوج والزوجة كلهم يجب أن تكون طاعتهم محدودة بشرع الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الطاعة في المعروف)، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

    فليس للولد أن يطيع أبويه في المعصية؛ كشرب الخمر، أو التدخين، أو قطيعة أقاربه، أو ترك الصلاة في الجماعة، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة، وليس للزوجة أن تطيع زوجها في المعصية وليس للزوج أن يطيع زوجته في المعصية، وليس للرعية أن يطيعوا السلطان في المعاصي، ولا يطيعوا الأمير في المعاصي، (إنما الطاعة في المعروف)، هذا هو الواجب على جميع المسلمين؛ أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يبتعدوا عما حرم الله، وإذا أمر بالمعصية فلا يجوز له أن يجيب إلى ذلك، لكن يعتذر إلى أبيه وإلى أمه في ذلك بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، وإلى أميره وإلى ملكه إذا أمر بشيء مما يخالف الشرع يعتذر بالأعذار الشرعية والأسلوب الحسن، والكلام الطيب الذي يحصل به المقصود من ترك المعصية، ويحصل به المقصود من عدم النفرة والاختلاف بين الولد ووالده، وبين الرعية وسلطانها وأميرها.

    1.   

    حكم كشف المرأة وجهها ومصافحتها للرجال الأجانب

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع: نعمان عبد الله ناجي، من اليمن ومقيم في الرياض، أخونا يسأل ويقول:

    يوجد عندنا عادة قديمة، وهي: أن المرأة لا تغطي وجهها أمام الرجال الأجانب، هل لها ذلك؟ وهل لها أن تصافح الرجال الأجانب؟ ومن هم الذين يجوز لها أن تصافحهم؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: هذه العادة عادة سيئة لا ينبغي البقاء عليها، فالمرأة ليس لها أن تكشف للأجنبي؛ كأخي زوجها، وزوج أختها، أو زوج عمتها أو نحو ذلك، وليس لها أن تكشف لجيرانها من الأجانب ولا غيرهم من الناس، وليس لها أن تصافح الرجل الأجنبي كزوج أختها، أو زوج عمتها، أو زوج أختها، أو أخي زوجها أو ما أشبه ذلك، الواجب عليها أن تتحرز من هذه الأمور، وأن تكون بعيدة عن أسباب الفتنة، تكون محتشمة متحجبة، تسلم السلام الطيب، ترد السلام، تكلم من شاءت لكن بالحشمة والحجاب وعدم السفور وعدم المصافحة، عملاً بقول الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53]، فالحجاب أطهر لقلوب الجميع وأبعد عن الفتنة.

    ولما أرادت امرأة أن تصافح النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا أصافح النساء)، وهو عليه الصلاة والسلام أتقى الناس لله، ومع هذا ابتعد عن هذا الشيء ولم يرضه عليه الصلاة والسلام، وقالت عائشة رضي الله عنها: (والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام).

    وهكذا الخلوة بالرجل الأجنبي كونها تجلس مع زوج أختها خالية به، أو أخي زوجها أو عمه خالية، لا، هذا لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما)، وهكذا لا تسافر إلا مع محرم، لا تسافر وحدها.

    والخلاصة: أنه يجب عليها البعد عن أسباب الفتنة، وذلك بالحجاب وعدم الخلوة بالأجنبي، وعدم السفر من غير محرم، وعدم مصافحة الرجال، ولها أن تصافح محارمها؛ كأخيها وأبيها وابنها وعمها وخالها وأبي زوجها وجد زوجها وأبناء زوجها وأزواج بناتها، لا بأس بهؤلاء، هؤلاء محارم، فلها أن تصافح محارمها من القرابة أو من الرضاع أو من المصاهرة، وليس لها أن تصافح الأجنبيين مطلقاً؛ سواء كان أقارب أو كانوا جيراناً أو غير ذلك مثلما تقدم، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم الوضوء بعد الغسل

    السؤال: إذا اغتسل الإنسان هل يلزمه الوضوء لأداء الصلاة أم الاغتسال كاف؟

    الجواب: السنة إذا كان عليه جنابة أو كانت حائضاً تغتسل من حيضها أو نفاسها الوضوء أولاً، يبدأ الوضوء يستنجي الإنسان، ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم يغتسل، ويكتفي بذلك عن وضوء بعد ذلك، فإن اغتسل بنية الأمرين: نية الطهارتين الكبرى والصغرى؛ دخلت الصغرى في الكبرى، أما أن يغتسل بنية الجنابة فإنه يتوضأ بعد ذلك الوضوء الشرعي، كذلك إذا اغتسلت بنية الحيض أو النفاس فإنها تتوضأ بعد ذلك الوضوء الشرعي للصلاة أو مس المصحف أو نحو ذلك.

    والأفضل -كما تقدم- أن يبدأ بالوضوء الشرعي، يستنجي من الجنابة والحيض، يستنجي الرجل وتستنجي المرأة من الحيض والنفاس ثم توضأ الوضوء الشرعي بأن تمضمض، وتستنشق، وتغسل وجهها وذراعيها، وتمسح على رأسها وتغسل رجليها، وهكذا الرجل في الجنابة، ثم يكون الغسل بعد ذلك، كما كان النبي يفعل صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، اللهم صل عليه وسلم.

    1.   

    حكم من حلف على ألا يعود إلى معصية ثم عاد إليها

    السؤال: رسالة مطولة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات، تقول: المرسلة (ل. ج. ن)، من الطائف.

    أختنا رسالتها طويلة جداً، ملخص ما في هذه الرسالة: أنها عملت عملاً معيناً أغضب والدها، ثم استحلفها بالله ألا تعود إلى ذلك العمل، لكنها عادت رغم أنها حلفت، وبدأت تسأل وتقول:

    هل علي ذنب أو إثم كبير في حنثي لهذا القسم؟ وهل يعتبر ما أقسمت عليه معصية لا يجوز أن أحنث بها؟ هل اليمين على المصحف غير اليمين بغير المصحف حيث أنني أقسمت على المصحف؟ وهل يقبل الله الدعاء الذي دعيته على نفسي؟ وهل الكفارة التي خرجتها على عشرة مساكين كافية، أم ماذا أفعل؟ وجهوني جزاكم الله خيراً، وأنا واثق من أن سماحة الشيخ قد اكتشف موضوع الرسالة.

    الجواب: هذا يختلف؛ لأن الذي منعها منه أبوها يختلف، فإذا كان والدك منعك من أمر لا يجوز فالواجب عليك طاعة الله ورسوله، مع طاعة والدك في ذلك، فقد أحسن إليك في ذلك، إذا كان منعك من الزنا، من شرب المسكر، من الخلوة بالأجنبي، من المكالمة بالهاتف التي يسمونها المغازلة مع الأجناب، منعك من شيء يضرك وحلفك على ذلك، فالواجب عليك السمع والطاعة؛ لأن هذا أمر بمعروف، وقد نصحك وأحسن إليك، أو أمرك ببر والدتك، حلفك أن تبري بالوالدة أو الجدة أو أخواتك وتحسني إلى أخواتك ولا تؤذي أخواتك أو نحو ذلك، فهذا نصح من والدك يشكر عليه، فإذا استحلفك فقد أحسن في ذلك للتأكيد عليك، فالواجب عليك طاعته في هذه الأمور الشرعية، وليس لك نقض اليمين، سواء كانت اليمين على مصحف أو من دون المصحف، فاليمين واحدة بالمصحف أو من دون المصحف.

    وإذا كنت نقضت اليمين فعليك الكفارة التي أخرجت تجزي كفارة اليمين، ولكنها لا تعفيك من المعصية إن كانت المسألة فيها معصية؛ بل عليك التوبة من المعصية، إذا كان منعك من معصية ثم فعلت المعصية فعليك التوبة من ذلك ولو أن أباك لم يمنعك، طاعة الله مقدمة، فعليك أن تمتنعي من المعصية.. من الزنا، وشرب الخمر.. من مغازلة الرجال.. من الخلوة بالرجل الأجنبي.. من التبرج في الأسواق.. من أشياء تماثل هذا مما حرم الله، والواجب على والدك وعلى إخوتك أن ينصحوك وأن يمنعوك مما حرم الله، وإذا حلفوك على ذلك فلا بأس من باب التأكيد، والواجب على المؤمنة أن تسمع وتطيع لربها وإن لم يحلفها أبوها وإن لم يأمرها أبوها، يكون عندها وازع من دينها، تعرف أنها مسئولة بين يدي الله، كما قال سبحانه: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    فالواجب على المرأة وعلى الرجل طاعة الله ورسوله، والحذر مما حرم الله ورسوله، ولو أذن والدك في فعل المحرم أو أخوك أو زوجك لا، فكيف إذا كان والدك يعينك على طاعة الله، وهكذا أخوك وهكذا زوجك! فالواجب السمع والطاعة لله أولاً ولرسوله، ثم لمن أرشدك من أب أو أخ.. أو غير ذلك، حتى ولو لم يحلفك، إذا حلفك صار الأمر أشد، ولا تنفع الكفارة في هذا مع المعصية، الكفارة لابد منها لكن المعصية شرها عظيم وخطرها عظيم، وعليك التوبة إلى الله من ذلك والحذر وعدم العود إلى معاصي الله، وإن لم يحلفك أبوك يجب الانتهاء من المعصية ولو قال أبوك: افعليها، لا تطيعي حتى لو قال: افعليها لا تطيعيه، فكيف إذا منعك منها وأحسن؟! وبهذا تعلمين أن المقام فيه تفصيل.

    أما إذا كان والدك منعك من شيء يجب عليك فلا سمع له ولا طاعة في هذا، فإذا كان قال لك: لا تصلي، وحلفك أنك ما تصلين ما له طاعة، صلي ولا تلتفتي إلى قوله، وعليك كفارة يمين عن اليمين، كفري كفارة يمين والحمد لله، وبيني له أن هذا خطأ وأنه لا يجوز لك طاعته، لكن بالأسلوب الحسن والكلام الطيب.

    أو قال لك مثلاً: لا تبري أمك، أمك فيها ما فيها لا تبريها، لا تحسني إليها، لا تطيعينه في عقوق أمك؛ لأنه طلقها أو لأنه غضبان عليها لا تطيعينه في.. لا تطيعي أباك في عقوق أمك، لكن خاطبيه بالتي هي أحسن والتمسي رضاهما جميعاً بالأسلوب الحسن، وهكذا لو أمرك بأن تفعلي منكراً آخر؛ بأن تكشفي لجيرانك أو تكشفي لبني عمه أو لضيوفه لا تطيعيه في هذا، ليس له طاعة في هذا، عليك أن تحتشمي وأن تحتجبي، وأن تخاطبيه بالتي أحسن وتقولي: يا والدي! هذا لا يجوز، والله أوجب علي طاعته وطاعة رسوله، ولك حق علي لكن طاعة الله مقدمة على الجميع، بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، نسأل الله للجميع الهداية.

    1.   

    حكم المحادثة بين الخطيبين قبل الزواج

    السؤال: كما يستقبل هذا البرنامج عدد من رسائل المستمعين تتضمن هذه الرسائل بعض الأسئلة المماثلة لأسئلة صاحبة هذه الرسالة، فالمخطوبات مثلاً شيخ عبد العزيز! هل لها أن تتصل بخطيبها قبل أن يكون هناك عقد وما أشبهه؟

    الجواب: لا بأس أن تتصل بخطيبها اتصالاً ليس فيه محذور؛ بأن تكلمه تسأله عن حاله وعن وظيفته وعن عمله وعن طريقته هل يصلي أو ما يصلي، لا بأس أن تسأل عن شيء يهمها في الزواج، ولا بأس أن يسألها هو أيضاً يتصل بها لكن من دون خلوة، من طريق الهاتف، أو من طريق أنه يتصل وهو عند أبيها وأمها، يجلس معهم يخاطبونه ويخاطبهم، ويسألهم ويسألونه لا بأس، أما طريقة فيها خيانة فيها اجتماع على ما حرم الله هذا لا يجوز، وهكذا كونه يكلمها وتكلمه في شيء يجر إلى الفساد أو المواعيد الضارة والخلوة الضارة هذا لا يجوز، أما الكلام الطيب والأسلوب الحسن الذي يتعلق بالزواج من دون خلوة ولا كلام سيئ؛ هذا لا بأس به.

    1.   

    حكم اتصال المرأة برجل لتستفتي في أمر دينها

    السؤال: إذا اتصلت المرأة لتستفتي في أمر دينها أو تسأل أحد المختصين في أمر من الأمور، توجيهكم في هذا؟

    الجواب: لا حرج في ذلك، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستفتيه النساء ويفتيهن، ويكلمهن ويكلمنه عليه الصلاة والسلام، وهكذا الصحابة كان يستفتيهم النساء، وكان الصحابة يكلمون النساء ويردون على سؤالات النساء ويسلمون عليهن، لا بأس بذلك، لكن مع الحشمة والحجاب، والبعد عن الخلوة المحرمة، وأما كونها تسأل وكونها تجاب كونها تسلم ويسلم عليها لا بأس بهذا، كونها تجلس مع أهل بيتها فيهم أخو الزوج فيهم عمه، لا بأس بهذا مع الحشمة والاحتجاب ونحو ذلك.

    1.   

    حكم العمل في شركة تبيع لحم

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من جزيرة قبرص، باعثها مستمع هو: (ح. م. ع)، أخونا يقول:

    إنني في جزيرة قبرص أعمل في شركة للحوم الخنازير، فهل عملي هذا حرام، علماً بأنني لم أجد غيره عملاً، ولظروفي المادية قبلت به، ولماذا حرم الله لحم الخنزير؟

    الجواب: أولاً: لا يجوز لك أن تتعاون مع أحد فيما حرم الله، مثل بيع الخنزير أو توزيع لحوم الخنازير على الناس من النصارى أو غيرهم؛ لأن هذا الخنزير محرم بإجماع المسلمين وبنص القرآن الكريم ونص السنة، والله يقول سبحانه: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، وكون النصارى يستبيحون ذلك لا يحل لك وأنت مسلم أن تعينهم على ما حرم الله، وعليك أن تلتمس عملاً آخر، والله سبحانه لم يضيق الرزق، ولكن العباد قد يتساهلون ولا يصبرون، وهو القائل سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وهو القائل سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وهو القائل سبحانه: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت:17].

    فالواجب عليك يا أخي! أن تتقي الله، وأن تحذر ما حرم الله، وأبشر بالخير الكثير والعاقبة الحميدة إذا صدقت الله وأخلصت النية له وتركت ما حرم الله عليك فأبشر، سوف يؤتيك الله من فضله، ويسهل لك عملاً طيباً مباحاً بسبب تقواك له، وتركك ما يغضبه، تقرباً إليه وطاعة له والتماساً لمرضاته، وحذراً من غضبه وعقابه، وعليك أن تؤمن أن ربك صادق، وهو أصدق القائلين، القائل سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وهو القائل سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فإذا كنت تتيقن أن هذا كلام الله وتصدق أن هذا كلام الله فأبشر بالخير، وهكذا الآيات الأخرى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، والله يقول: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرى)، فأوصيك بتقوى الله، والحرص على طلب الحلال، والحذر من بيع الحرام، واكتساب الحرام لا مع النصارى ولا مع غيرهم من الناس، يسر الله أمرك، وقضى حاجتك، ومنحك العلم النافع والعمل الصالح، وهدانا جميعاً صراطه المستقيم.

    1.   

    الحكمة من تحريم الخمر

    السؤال: لماذا حرم لحم الخنزير شيخ عبد العزيز؟

    الجواب: حرمه الله لحكمة بالغة، هو أعلم سبحانه وتعالى، يقول عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]، ويقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11]، فلولا ما فيه من المضرة لما حرمه، وقد ذكر الناس أشياء في علة تحريمه ليس لنا حاجة في ذلك، يكفينا أن الله حرم ذلك، ولا شك أن فيه مضار وشرور وإن تساهل فيها النصارى أو عالجوها بأشياء، لا ينبغي لعاقل أن يتساهل فيما حرم الله وإن خفيت عليه الحكمة، نحن مؤمنون موقنون أن ربنا حكيم عليم، وأنه سبحانه لم يحرم شيئاً عبثاً أبداً ولم يأمر بشيء عبثاً أبداً، بل كل ما أمر به فهو على محض الحكمة، وكل ما نهى عنه فهو على محض الحكمة، وإن جهلنا الأسرار والحكم فنحن مطمئنون أن ربنا حكيم عليم في كل ما يشرعه لعباده وفي كل ما يقدره ويقضيه، وفي كل ما يحرمه ويأمر به سبحانه وتعالى.

    فعليك أن تلتزم بشرع الله وإن لم تعرف الحكمة والسر فيما تأتي وفيما تذر مما أمر الله به ورسوله، والله المستعان.

    المقدم: الله المستعان، جزاكم الله خير الجزاء.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد شكر الله سبحانه وتعالى على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير حال.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.