إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (607)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    من مات ولم يكتب الحقوق التي في ذمته للآخرين

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج (نور على الدرب).

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة المستمعة أم أحمد الحافي من الدمام، أم أحمد عرضنا بعض أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة بقي لها عدد من الأسئلة، فتسأل في سؤالها تقول: رجل استثمر أموال زوجته مع أمواله وهي شبه راضية، وكانت زوجته تطالبه بأن يكتب لها شيئاً في العقار على قدر نقودها؛ لكي تضمن أن نقودها لا تذهب إلى الورثة بعد وفاته، ولكن زوجها كان يقول لها: إن هذه الأموال -يقصد أمواله زايد أموالها- لك ولأبنائك من بعدي، فتوفي قبل أن يكتب لها شيئاً بقدر أموالها، فهل يلحقه شيء في ذلك؟ وماذا على الورثة تجاه هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الواجب على الزوج -إذا كان عنده مال لزوجته- أن يكتب ذلك وأن يوضح ذلك في وثيقة ثابتة حتى تسلم لها بعد موته لو مات، ويجب أن يوضح ذلك في صحته حتى تبرأ ذمته، وإذا مات ولم يبين ذلك وجب على الورثة أن يؤدوا حقها، من رأس التركة كسائر أهل الدين، إذا ثبت ذلك بالبينة، أو سمحوا بذلك لها وأعطوها وصدقوها، إذا كانوا راشدين مكلفين.

    ولا يجوز للزوج ولا غيره -إذا كان في ذمته دين لأحد- أن يسكت، وأن يغفل عن ذلك؛ فتضيع الحقوق، فإن هذا خطر عظيم وظلم عظيم يجب الحذر منه، والواجب على كل إنسان عنده حق للغير سواء كان زوجاً أو غير زوج أو زوجة وغير ذلك، أن يبين، ويكتب الدين في وثيقة شرعية عند المحكمة أو عند كاتب معروف يعتمد قلمه؛ حتى يؤدى الحق إلى صاحبه لو قدر الله الموت قبل التسديد.

    وهذه المرأة يجب على الورثة أن يعطوها حقها، إذا ثبت لديهم ذلك، فإن لم يثبت لديهم؛ فليس عليهم شيء، والله يعوضها عن ذلك، وقد أساء زوجها وتعاطى ما لا يحل له، وهي بالخيار: إن أباحته وسامحته فلها أجرها، وإن لم تسمح؛ أعطيت حقها يوم القيامة، ولا يضيع عليها شيء.

    فأنت -أيها الأخت في الله السائلة- إن سمحت وأبرأت الزوج فجزاك الله خيراً، وإن لم تسمحي ولم يعطوك حقك -يعني الورثة- فالأمر إلى الله، والحساب بينك وبينه عند الله عز وجل، الله المستعان.

    1.   

    حكم المال المستفاد من الربا جهلاً

    السؤال: تسأل أختنا أيضاً وتقول: امرأة كانت تقرض الشخص ألف ريال على أن يردها ألفاً وثلاثمائة، وهي لا تعرف أن هذا ربا، فهل يلحقها شيء في ذلك؟ وماذا يجب عليها؟

    الجواب: هذا لاشك أنه ربا، والذي فعل ذلك قبل أن يعلم لا شيء عليه، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، فبين سبحانه أن من جاءه موعظة من ربه، يعني: عرف الحق ووعظ وذكر؛ فانتهى وتاب إلى الله؛ فلا شيء عليه، وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، هذا يبين لنا أن الواجب على من عرف الربا أن يحذره، وأن يتباعد عنه، وأن يتوب إلى الله من ذلك، وعلى المؤمن أن يسأل ويتفقه في دينه ويتعلم حتى لا يقع فيما حرم الله عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، متفق على صحته، هذا يدلنا على أن الإنسان إذا تفقه في الدين وتبصر وتعلم؛ فهذا من الدلائل على أن الله أراد به خيراً، أما إذا استمر في الجهالة والإعراض؛ فهذا من علامات أن الله أراد به شراً ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).

    فالتعلم من أهم المهمات، والتفقه في الدين، وإذا تصدقت بالزائد احتياطاً؛ لأنك تساهلت في السؤال، وإذا صرفتيه في وجوه الخير فهو أحوط وأحسن، كما قال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    حاجة الأمة إلى من يعلمها شئون دينها

    السؤال: شيخ عبد العزيز ! ما أشد حاجتنا إلى السؤال عن أمور ديننا، ألا ترون أنه يجب أن يكون هناك أشخاص متفرغون، همهم إفتاء الناس فيما يرد إليهم من أسئلة ولو عبر الهاتف.

    الجواب: هذا من أهم المهمات، وهذا البرنامج من هذا القبيل، هذا البرنامج والحمد لله برنامج (نور على الدرب) هو قائم بهذه المهمة، وإذا تيسر من العلماء من يقوم بذلك أيضاً كالعون لهذا البرنامج فهذا خير عظيم.

    والمقصود أن هذا البرنامج بحمد الله فيه خير عظيم، وقد يكون أدى فرض الكفاية، وإذا تيسر من العلماء -في المساجد وفي بيوتهم- من يفتي الناس -إذا كان عنده علم وبصيرة- بما قاله الله ورسوله؛ فهذا خير إلى خير، ومما يخفف على هذا البرنامج أيضاً.

    فالحاصل: أن هذا البرنامج فيه خير عظيم والحمد لله، وقد قام بواجب كبير في إفتاء الناس من الداخل والخارج، وفي حل المشاكل بالأدلة الشرعية؛ فنسأل الله أن يوفق القائمين عليه وأن يعينهم، وأن يمنحهم البصيرة والإخلاص والصدق، وأن يوفق المسلمين جميعاً في كل مكان لما فيه رضاه، ولما فيه صلاحهم ونجاتهم، وأن يوفق علماء المسلمين في كل مكان وفي كل بلد لأداء الواجب، وتوجيه الناس إلى الخير، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم، مع العناية بما قاله الله ورسوله، وأن تكون الفتوى على ضوء كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، لا بالآراء المجردة، والله المستعان.

    المقدم: الله المستعان، جزاكم الله خيراً، إنما لا ترون أن يتفرغ شخص لهذا الموضوع أيضاً شيخ عبد العزيز، دعماً لهذا البرنامج؟

    الشيخ: إذا تيسر من هو أهل لذلك من أهل العلم والبصيرة في بيته أو في أي مكان فجزاه الله خيراً، الناس في حاجة إلى آلاف المفتين والموجهين، وفي حاجة في كل مكان.

    1.   

    ما يجب على من أفطرت بسبب الحمل أو الرضاع

    السؤال: نعود إلى رسالة إحدى الأخوات المستمعات من الإمارات العربية المتحدة تقول: أم مجاهد، أختنا عرضنا بعض أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة لها سؤال استغرق صفحة واحدة فقط، أختنا تقول: حينما كنت حاملاً بمولودي الأول، وذلك قبل تسع سنوات؛ سألت أحد الإخوة ممن يدعو لمنهج السلف عن ماذا أفعل، وقد دخل علينا شهر رمضان، ولا أستطيع الصوم لظروف الحمل؛ فأجابني أنه ليس عليَّ صوم، مستدلاً بالحديث: (وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع الصوم عن الحامل والمرضع)، وأيضاً ليس هنالك جزاء، وأصبحت لا أصوم حينما أكون حاملاً أو مرضعاً، ولمدة أربع سنوات -أي: إلى مولودي الرابع، وبعدها سمعت من أحد الإخوة أن على أمثالي الجزاء فقط، مستدلاً بالأثر أن ابن عباس رأى أم ولد له مرضعاً فقال لها: أنت من الذين يطيقونه، عليك الجزاء وليس عليك القضاء، فأخذت مبلغاً من المال لأطعم به جزاء للأربعة الأشهر التي علي من رمضان، ولكن يا فضيلة الشيخ سمعت في برنامج (نور على الدرب) من أحد العلماء الأفاضل أن على أمثالي القضاء، ولو تأخر القضاء تكون معه كفارة، فماذا أفعل يا فضيلة الشيخ ورمضان على الأبواب لو قدر الله لنا الحياة، ومواعيد وضعي قبله بأيام، وسيكون الشهر الخامس دين علي، وسؤالي: ما صحة ما ذكر الإخوة من الحديث والأثر، ولو أدركني الموت قبل قضاء المائة والخمسين اليوم التي علي، هل أكون آثمة بذلك؟ أرجو الإفادة ليطمئن قلبي جزاكم الله خيراً، ثم إنني وضعت مبلغاً من المال بنية الإطعام وجاءنا أحد الإخوة في الله عابر سبيل نفذ ما عنده من مال فأعطيته له بنية كفارة الفطر، فهل يصح عملي هذا؟ أم أطعم؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الصواب في هذا أن على الحامل والمرضع القضاء، وما يروى عن ابن عباس و ابن عمر أن على الحامل والمرضع الإطعام قول مرجوح، مخالف للأدلة الشرعية، والله يقول سبحانه: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، والحامل والمرضع في حكم المريض، وليستا في حكم الشيخ الكبير العاجز، بل هما في حكم المريض؛ فتقضيان إذا استطاعتا ذلك ولو تأخر القضاء، وإذا تأخر القضاء مع العذر الشرعي؛ فلا إطعام، قضاء فقط، أما إذا تساهلت ولم تقض مع القدرة؛ فعليها مع القضاء الإطعام، إذا جاء رمضان آخر ولم تقض تساهلاً وتكاسلاً؛ فعليها القضاء مع الإطعام، أما إذا كان التأخير من أجل الرضاع أو الحمل لا تكاسلاً؛ فإن عليها القضاء فقط ولا إطعام، وما أنفقت من الإطعام، فهو في سبيل الله، ولك أجره، ويؤدي ما يؤدي إذا كنت تساهلت في القضاء، يؤدي مؤداه، وعليك القضاء، تصومين حسب الطاقة، ولا يلزمك التتابع، تصومين وتفطرين حتى تكملي إن شاء الله، والله في عون العبد، وتسهيله سبحانه وتعالى إذا صدق العبد، وأخلص لله واستعان به جل وعلا، فالله يعينك ويسهل لك القضاء، فأبشري بالخير واستعيني بالله واصدقي، والله جل وعلا هو المعين الموفق سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)

    السؤال: حديث (من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه)، الشيء الذي أعرفه أنه محمول على صوم النذر، ولكن أحد العلماء ذكر في البرنامج أنه صوم رمضان، فهل هذا صحيح؟ أم الصحيح ما أعرفه من طريق أحد الكتب السلفية؟ أفيدوني مأجورين جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الصواب أنه عام وليس خاصاً بالنذر، وقد روي عن بعض الأئمة كـأحمد رحمه الله وجماعة، أنهم قالوا: إنه خاص بالنذر، ولكنه قول مرجوح، ولا دليل عليه.

    والصواب أنه عام؛ لأن الرسول عليه السلام قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله عنها، ولم يقل: صوم النذر، ولا يجوز تخصيص كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاوى والاجتهادات والآراء، حديث النبي عام عليه الصلاة والسلام يعم صوم النذر وصوم رمضان إذا تأخر، إذا ترك صيامه تكاسلاً بعد القدرة، أو صوم الكفارات، من ترك ذلك صام عنه وليه، والولي: هو القريب، أقاربه، وإن صام غيرهم؛ أجزأ ذلك، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال: (يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)، وسألته امرأة عن ذلك قالت: (يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).

    وفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم رمضان أفأصوم عنها؟ قال: صومي عن أمك)، فأوضحت أنه رمضان، فأمرها بالصيام، فالأحاديث الكثيرة دالة على أن القضاء يعم رمضان وغيره، وأنه لا وجه لتخصيص النذر، بل هو قول مرجوح ضعيف، والصواب العموم، هكذا جاءت الأدلة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كان المفطر في رمضان لم يفرط، بأن أفطر من أجل المرض، أو من أجل الرضاع أو الحمل، ثم مات المريض أو ماتت الحامل أو ماتت المرضعة ولم تستطع القضاء فلا شيء على الورثة، لا قضاء ولا إطعاماً للعذر الشرعي وهو المرض ونحوه، أما من شفي من مرضه، وأمكنه الصوم فتساهل؛ هذا يقضى عنه، أو المرضع أو الحامل، استطاعت أن تقضي بعد ذلك ولكن تساهلت؛ فهذا يقضى عنها، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم الذبح عند رؤية قريب ميت في المنام

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من قطر الدوحة، باعثها أخ لنا من هناك يقول: أخوكم علي عامر الشمري ، أخونا يقول في رسالته: بعض الناس عندما يحلم بميت إذا كان ابن عمه أو من قرائبه؛ يذبح ذبيحة، أسأل عن هذا التصرف هل هو صحيح أم لا؟

    الجواب: ليس لهذا أصل، كونه إذا رأى قريباً أو غيره يذبح ذبيحة فهذا لا أصل له، إن رأى ما يسره فليحمد الله، وليدع الله لأخيه المسلم، وإن رأى ما يسوءه فهو من الشيطان، فإذا استيقظ؛ فلينفث عن يساره ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحداً، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يسره فليحمد الله، وليخبر بذلك من يحب، وإذا رأى ما يسوءه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر؛ فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحداً)، هذا هو المشروع، أما كونه يذبح ذبيحة أو يتصدق، هذا لا أصل له.

    1.   

    حكم النياحة على الأموات

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع محمود محمد سلاكة مصري ويعمل في العراق، أخونا له عدد من الأسئلة، في سؤاله الأول يسأل عن حكم الدين في الندابة التي تندب على الميت.

    الجواب: ندب الميت والنياحة عليه أمر محرم ومنكر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية)، متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة)، قال: والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الميت يعذب بما نيح عليه)، وفي الحديث الآخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)، يعني: النياحة على الميت، وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها؛ تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)، خرجه مسلم في صحيحه.

    فالنياحة على الموتى، والندب، وتعداد المحاسن: واظهراه.. وانقطاع ظهراه.. واكاسياه.. واعضداه.. واولداه.. واأبواه، هذا ما يصلح، الواجب الصبر والاحتساب والدعاء للميت والاستغفار له، أما البكاء لا بأس.. دمع العين لا بأس.. حزن القلب لا بأس، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم: (العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وقال عليه الصلاة والسلام يوماً بين أصحابه: (إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه)، اللهم صل عليه وسلم.

    فالواجب على المسلمين الصبر، وعدم الجزع، وعدم تعاطي ما حرم الله، من الندب والنياحة، وشق الثياب ولطم الخدود، والدعاء بدعوى الجاهلية، هذا هو المنكر، والله يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، وفي صحيح مسلم أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، فدل ذلك على أن النياحة من الكبائر؛ فينبغي الحذر منها.

    1.   

    حكم الإكثار من يمين الطلاق

    السؤال: يسأل أخونا عن حكم الدين في الذي يكثر الحلف بالطلاق، وهل يجوز رد الطلاق؟

    الجواب: لا ينبغي للمؤمن أن يكثر من ذلك، بل يكره له ذلك، ينبغي له حفظ لسانه، الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فينبغي للمؤمن أن يتثبت في الأمور، ويحرص على حفظ اللسان عن كل ما لا ينبغي، ومن ذلك الطلاق، فلا ينبغي له أن يطلق إلا عن بصيرة ونظر وعناية، فإذا ظهرت المصلحة والفائدة في الطلاق طلق طلقة واحدة فقط، بلا زيادة؛ لأنه قد يندم، فيراجع زوجته والحمد لله.

    المقصود: أن الإكثار من الحلف بالطلاق خطر، وهو يفضي إلى وقوع الطلاق، فإنه قد يحلف بالطلاق ناوياً وقوع الطلاق فيقع إذا فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، أما إذا كان إنما أراد التهديد والتخويف، كأن يقول: إن كلمت فلاناً؛ فأنت طالق، أو إن ذهبت إلى فلان؛ فأنت طالق من باب التخويف والتحذير، وليس قصده إيقاع الطلاق؛ فهذا عند المحققين من أهل العلم فيه كفارة يمين، ولا يقع به الطلاق.

    هذا هو الصواب الذي اختاره جمع من أهل العلم؛ لأنه لم يرد الطلاق، وإنما أراد التهديد والتخويف والتهديد.

    ولكن بكل حال ينبغي له ترك ذلك، والحذر من اعتياد الطلاق، وأن يكون في لسانه؛ لأنه قد يوقعه بالقصد، ولأن بعض أهل العلم يراه يقع وإن كان قصد التهديد والتأكيد؛ فينبغي الحذر من ذلك، وينبغي تجنب ذلك احتياطاً لدينه واحتياطاً لما يجب عليه من حفظ الفرج، والبعد عن شبهة الحرام.

    وإذا طلق فيطلق عن بصيرة، لا بالغضب والعجلة، بل يتحرى وينظر، فإذا رأى المصلحة في الطلاق؛ لأنها سيئة الأخلاق.. سيئة السيرة.. ضعيفة الدين؛ إذا رأى المصلحة في ذلك طلق طلقة واحدة في طهر لم يجامع فيه أو في حال الحمل، هذا السنة، أن يكون الطلاق في حالين: إحداهما: حال الحمل، والثانية: أن تكون المرأة في طهر لم يجامعها فيه، هذا هو محل الطلاق الشرعي.

    أما الطلاق في الحيض أو في النفاس أو في طهر جامع فيه، فهو طلاق بدعي، مخالف لقوله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر أن طلاقها في العدة أن تكون طاهرة، من دون جماع أو حاملا.

    فينبغي لأهل الإسلام، ينبغي لكل مسلم أن يتحرى هذه الأمور، وأن يحافظ على السنة، وأن يحذر طاعة الشيطان في طلاقه على وجه غير شرعي، وأن يحذر العجلة في إيقاع الطلاق الثلاث.

    بل يجب أن يراعي ما شرع الله، وأن يحذر ما حرم الله، في طلاقه وفي سائر شئونه، المؤمن عبد مأمور، له شريعة إسلامية يجب أن يلتزم بها في كل شيء، وأن يتحرى ما أحل الله له في كل شيء، وأن يحذر ما حرم الله عليه، وليس له التساهل في كل شيء، بل يجب الحذر، وأن تكون أعماله وأقواله مقيدة بالشريعة، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

    1.   

    سجدات التلاوة في القرآن الكريم

    السؤال: يسأل أخونا أيضاً عن عدد السجدات في القرآن الكريم، مع توضيح السجدات الحتمية منها؟

    الجواب: سجدات التلاوة كلها سنة، ما فيها حتمية، كلها سنة ليست واجبة، وهي خمسة عشر سجدة على الصحيح: منها سجدة آخر الأعراف، ومنها سجدة سورة الرعد، ومنها سجدتان في الحج، وسجدة في سورة مريم، وسجدة في بني إسرائيل (سبحان)، وسجدة في الفرقان، وسجدة في (ألم تنزيل) السجدة، وسجدة في سورة ص، وسجدة في آخر النجم، وسجدة في (إذا السماء انشقت)، وسجدة في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1].

    هذه خمسة عشر سجدة، سنة كلها، إذا سجد فهو أفضل وهو السنة، وإن لم يسجد فلا إثم عليه، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم في بعض الأحيان فلم يسجد؛ فدل على أنها لا تجب، قال عمر رضي الله عنه: إن الله لم يوجب السجود إلا أن نشاء، فالمعنى أن من سجد فله أجر ومن لم يسجد فلا حرج عليه.

    1.   

    ما يشرع وما لا يشرع بعد دفن الميت

    السؤال: سؤاله الأخير يقول: هل يجوز أن ينصب للميت بعد دفنه؛ لأن هناك بعض العادات القديمة ينصبون، ويجلسون ثلاثة أيام، والبعض سبعة أيام،

    وعند ذلك يدفع نقود عند العزاء، ويسجلون الأسماء ويحضرون الذبائح، وبعد ذلك يحضر المشايخ والدراويش، ويهللون ويزغردون، ويسمونها بالتهليلة على الميت، ويقولون: إن الذي لا يأكل من العزاء لا يحب المرحوم، ما هو المفروض بعد دفن الجثة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: أما النصب فلم يوضح السائل ما هو النصب؟ والسنة في حق الميت إذا فرغ من دفنه أن يدعى له بالمغفرة والثبات، (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، ولا يجوز البناء على قبره، ولا اتخاذ مسجد على قبره، بل يجب أن يترك هكذا في الصحراء ضاحياً للشمس، ليس عليه بناء، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذهم المساجد على القبور.

    فالواجب أن تبقى القبور هكذا، ليس عليها بناء، ونهى أن تجصص، وأن يقعد عليها، وأن يبنى عليها، وأما العزاء واتخاذ ذبائح من أهل الميت يدعون لها الناس، ويجتمعون عليها ثلاثة أيام أو أكثر فهذه بدعة من أمر الجاهلية لا تجوز.

    أما المستحب فهو أن يبعث لهم طعام، يبعث لأهل الميت طعام من جيرانهم، ومن أقاربهم أيام الموت؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة، فلا بأس بذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لما قتل في دومة في الشام، وجاء نعيه إلى المدينة؛ أمر أهل بيته أن يصنعوا طعاماً لأهل جعفر ، قال: (اصنعوا لهم طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم)، فإذا صنع جيرانهم أو أقاربهم لهم طعاماً وبعثوه إليهم في بيوتهم فهذا مشروع لا بأس به، وإذا دعوا إليه من يأكل معهم من جيرانهم؛ لأنه طعام كثير، ودعوا إليه من يأكله معهم فلا بأس، أما أن يقوم أهل الميت بصناعة الطعام وذبح الذبائح ودعوة الناس، هذا بدعة ومنكر، ومن أمر الجاهلية، وهكذا الزغردة والصياح والكلام الفارغ الذي يفعلونه بمناسبة الميت، لا أصل له، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة، رأى أنه يعد من النياحة عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    فالمشروع لأهل الميت الصبر والاحتساب، وأن يستعملوا ما شرع الله من الصبر والاحتساب، وقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، والسنة لأقاربهم وجيرانهم أن يبعثوا لهم طعاماً وقت المصيبة، اليوم الأول أو الثاني أو الثالث.. ليس له حد، ولا مانع أن يدعو بعض جيرانهم أو أقاربهم؛ ليأكلوا معهم مما بعث إليهم من الطعام، أما أن يصنعوا طعاماً هم ويذبحوا ذبائح، أو يحبسوا أنفسهم في البيت من أجل المصيبة فلا، هذا ليس من أمر الإسلام، بل هو من أمر الجاهلية، فالمصاب له أن يخرج، وله أن يذهب إلى حاجاته وإلى مزرعته وإلى حاجاته الأخرى، وإذا جلس بعض الوقت المعتاد؛ ليسلم عليه من يزوره للعزاء فلا بأس بذلك، وإن سلموا عليه في الطريق أو في المقبرة قبل الدفن أو بعد الدفن، كل ذلك لا بأس به يكفي، في الطريق، في المسجد، في المقبرة، قبل الدفن، بعد الدفن، في بيته؛ كل ذلك واسع، ولا يلزمه أن يبقى في البيت أو يشرع له أن يبقى في البيت يحبس نفسه لأجل ذلك، وفق الله الجميع.

    المقدم: اللهم آمين.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.