إسلام ويب

مفاهيم صحيحة للإجازةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ناقش الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض المفاهيم التي تتعلق بواقع الناس في الإجازة الصيفية، وقد بين الآثار السلبية لغياب الضوابط الشرعية لاستغلال الإجازة.

    1.   

    الإجازة الصيفية ومهمة المسلم في الحياة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم على كل نفس بما كسبت، والرقيب على كل جارحة بما اجترحت، والمتفضل على عباده بنعمٍ توالت وكثرت، سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا الأرض تحركت أو سكنت، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الذي تمت ببعثته النبوة وختمت، وسطعت به أنوار الشريعة وكملت، وعلت به راية الملة وارتفعت، وحيرت معجزاته العقول وبهرت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين زكت نفوسهم وطهرت، وعلت هممهم في نصرة الدين وانتهضت، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تلاحمت الغيوم وانسكبت، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فاتقوا الله -عباد الله- فما للنفوس لا تتزود من التقوى وهي مسافرة؟!

    وما للهمم عن ركب المتقين فاترة؟!

    وما للألسن عن شكر نعم الله قاصرة؟!

    وما للعيون إلى زهرة الدنيا الفانية ناظرة، وعن طريق الهداية الواضحة حائرة؟!

    ألا فاتقوا الله ربكم، وعظموا نواهيه وأوامره، وتدبروا آياته؛ فكم فيها من موعظة وعبرة زاجرة!

    أيها المسلمون: متى ما استمسكت الأمة بعقيدتها وثوابتها؛ صلحت أحوالها، واستتبت أوضاعها، وتلاشت عن مجتمعاتها الظواهر المخالفة لدينها.

    ومتى فرطت في إسلامها، وأرخت الزمام لأبنائها يخبطون خبط عشواء في دخيل الأفكار، وهزيل المناهج، ومستورد الثقافات، وانفتاح على العالم دون ضوابط شرعية وآدابٍ مرعية؛ تفشت بينها الظواهر المخالفة لشريعتها، مما يترك آثاراً سلبية على أفرادها ومجتمعاتها, ويحتاج إلى التصدي والعلاج من قبل الغيورين عليها، والمهتمين بشئونها وأوضاعها.

    معاشر المسلمين: ظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، وقضية تربوية مهمة وخطيرة؛ هي برسم الخطط والمناهج وإعداد الدراسات والبرامج لتأصيلها والعناية بها حفية وجديرة، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حينما تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافحة على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيراً من الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات.

    يوافق ذلك فرغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل، وحيث قد أعد كثير من الناس برامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثير منهم قد حزم حقائب السفر أو سافر فعلاً.

    يترجم ذلك الكم الهائل المتهافت على مكاتب الحجوزات والمطارات للسفر عبر الأجواء والمحيطات، في مراكب تمخر عباب الجو والبحر والفيافي لشتى القارات، وقد أعد هؤلاء وأولئك أمتعة الترحال إلى هنالك وهناك.

    لذا أستلطفكم -يا راعاكم الله- لنضع هذا القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع إلماحة يسيرة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية، لهذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه المحاور الموجزة المهمة.

    ثبات المسلم على مبادئه

    المحور الأول: مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ فهي سر وجوده، ووسام عزه، وتاج شرفه، وإكسير سعادته، تلكم هي عبوديته لربه عز وجل وتسخيره، كلما أفاء الله عليه بالقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    وإن أمارة المسلم الحق: بقاؤه ثابتاً على مبادئه وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، فخوراً بمبادئه وثوابته، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    فحيثما ما كان وحل، وأينما وجد وارتحل، فإنه يضع العبودية لله شعاره، وطاعته لربه دثاره، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه، الإيجابي في انتمائه.

    ومن أسوأ ما أصيبت به الأمة في أعقاب الزمن: انتشار الانتماء السلبي وغلبة الفكر الهامشي الذي طغى على كثير من جوانب الحياة؛ مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجاً في تكوين شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعية ممقوتة، وانسياق محموم، ولهث مذموم، خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، حتى ضاعت عندهم الهوية الدينية، وفقدت معالم الشخصية الإسلامية.

    مما يتطلب إذكاء روح العزة الإيمانية في نفوس أبناء الأمة المحمدية: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].

    1.   

    الوقت هو الحياة

    المحور الثاني يا إخوة الإيمان: الوقت: فهو مادة الحياة، والزمن: فهو وعاء العمر، فالواجب استثماره في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه؛ فإن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر عليه الصلاة والسلام، خرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة رضي الله عنه.

    يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: السَّنَةُ شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها.

    ألا فليعلم ذلك من أهدروا أوقاتهم، وبددوا أعمارهم في غير مرضاة مولاهم.

    1.   

    الفراغ سلاح ذو حدين

    المحور الثالث: الفراغ: فهو نعمة من نعم الله، يجب شغله بكل وسيلة شرعية؛ وذلك بالقيام بالعبادة بمفهومها الواسع، أو على أقل تقدير بالأمور المباحة شرعاً دون ما هو محرم، ففيما أحل الله غنية عما حرم.

    وقد أرشد المولى جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].

    وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) خرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها- وفراغك قبل شغلك ) خرجه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

    وكم كان الفراغ سبباً في الانحراف بكل ضروبه، والفساد بشتى صوره، عند عدم استثماره فهو منّة ونعماء، لكن إذا استغل في معصية الله فهو نقمة وبلاء.

    1.   

    الترويح المباح

    المحور الرابع يا إخوة العقيدة: الترفيه البريء والترويح المباح: لا غضاضة على الإنسان فيه؛ بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، كما في حديث حنظلة : (ولكن ساعةً وساعة ).

    يجب أن يكون لك ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعاً، فالإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً.

    أما أن يستغل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل والمبادئ فلا. وكلا!!

    وإن رغمت أنوف من أناس     فقل يا رب لا ترغم سواها

    1.   

    مع السفر والمسافرين

    المحور الخامس: مع السفر والمسافرين: فالسفر في هذا الدين لا بأس فيه؛ بل قد يكون مطلوباً لمقاصد شرعية، يقول الثعالبي رحمه الله: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه إلى شكر نعمه.

    تلك الطبيعة قف بنا يا ساري     حتى أريك بديع صنع الباري

    فالأرض حولك والسماء اهتزتا     لروائع الآيات والآثار

    وقد قيل:

    لا يصلح النفوس إذا كانت مدبرة     إلا التنقل من حال إلى حال

    فالماء الدائم يأسن، والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لمل الناس منها.

    والأسد لولا فراق الغاب ما افترست      والسهم لولا فراق القوس لم يصب

    من أحكام السفر

    السفر في الإسلام له حدود مرعية، وضوابط شرعية، منها: أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة، وبؤر مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمة ضرورة مع القدرة على إظهار شعائر الإٍِسلام، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية، أخرج الترمذي وأبو داود بسند صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أنا بريء من رجل يبيت بين ظهراني المشركين } وقد استثنى أهل العلم من ذلك الداعية إلى الله، والمضطر لعلاجٍ أو نحوه.

    1.   

    السياحة وآثارها

    المحور السادس يا رعاكم الله: مع السياحة: وما أدراكم ما السياحة؟!

    لفظة براقة، وعبارة أخاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقاً ومغرباً؛ جهاداً في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم وحسن تعاملهم.

    السياحة المباحة والسياحة المحرمة

    نعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي النبيل، إننا جميعاً مع السياحة بمفهومها النقي النظيف، المنضبط بالضوابط الشرعية، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كثراً، عبوا من ثقافة الغير حتى ثملوا، وزعموا -وبئسما زعموا- أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيام سوداء، وليال حمراء، ومجانبة للفضائل ونبذ للحياء، وإعلان بالفضائح ومجاهرة بالقبائح.

    إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة، وإفرازاتها المنتنة، لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة، والمجتمعات المحافظة.

    نعم لسياحة التأثير لا التأثر، والاعتزاز لا الاهتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفلات، كيف وقد ثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أن أعداء الإسلام يستهدفون أفواجاً من السياح المسلمين للوقيعة بهم، فيبهرونهم عن طريق الغزو الفكري والأخلاقي ببلادهم، ويستغلون كثيراً من السائحين اقتصادياً وأخلاقياً، ويجرونهم رويداً رويداً إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور، والتبرج والاختلاط والسفور.

    بل قد يرجع بعضهم متنكراً لدينه ومجتمعه وبلاده وأمته، أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الهزبر والإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟!

    إننا نناشد المسافرين والسائحين أن يتقوا الله في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم، ونقول لهم: قبل أن ترفعوا أقدامكم: فكروا أين تضعوها؟

    فمن مشى غرة في موضع زلقاً

    نعم. سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا حجر عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم، داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثاً عن دين يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.

    فكونوا أيها المسافرون سفراء لدينكم وبلادكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، كونوا دعاة لدينكم بأفعالكم وسلوككم، لا تبخلوا على أنفسكم باصطحاب رسائل تعريفية بالإسلام ومحاسنه وتعاليمه السمحة، فو الله: {لَأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم }.

    سمعة المسلمين مرهونة بأخلاق سائحيهم

    حذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات وصرعى ملذات!

    بل أفهموه بسلوككم أنكم حملة رسالة، وأرباب أعلى هدف وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة وشريعة خالدة ودين يرعى العقيدة والمبادئ والقيم، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.

    أمة الإسلام: ومما ينبغي التحذير منه براءةً للذمة، ونصحاً للأمة، ما تعمد إليه بعض الشركات والمؤسسات السياحية من الدعوة إلى السفر إلى بلاد موبوءة، وإظهارها بدعايات مزركشة، وإعلانات مزخرفة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب.

    إنها تمثل قنابلَ موقوتةً، وألغاماً مخبوءة، لنسخ المبادئ ودوس القيم والأخلاق والفضائل.

    ألا وإن من التحدث بنعم الله وشكر آلائه سبحانه ما حبا الله بلادنا المسلمة المباركة -حرسها الله- من مقومات شرعية وتأريخية وحضارية، تجعلها مؤهلة لتكون بلد السياحة النظيفة النقية، فهي -بإذن الله- قادرة على إعطاء مفهوم صحيح، ووجه مشرق للسياحة التي خيل لبعض المفتونين المنهزمين أنها صناعة الفجور والإباحية والانحلال.

    أوليس الله قد منّ على بلادنا بالحرمين الشريفين مهوى أفئدة المسلمين ومحط أنظارهم؟!

    أوليست بلادنا تنعم بحمد الله بالأجواء المتنوعة التي تشكل منظومة متألقة، ومجموعة متكاملة، يقل نظيرها في العالم؟!

    فمن البقاع المقدسة إلى الشواطئ الجميلة، والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الحضارة المادية وإفرازاتها، إلى الجبال الشم الشاهقة ذات المنظر الجميل، والهواء العليل، والأودية الخلابة، والسهول الجذابة، والجداول المنسابة، مروراً بالمصائف الجميلة، والصحاري البديعة، والقمم الرفيعة، والوهاد الواسعة، والبطاح الشاسعة ذات الرمال الذهبية العجيبة.

    وأهم من هذه المقومات المادية والحسية: المقومات المعنوية والمميزات الشرعية والخصائص الإسلامية والحضارية، والآداب العربية الأصيلة التي تحكي عبق التأريخ والحضارة المعطرة بالإيمان، الندية بالمروءة والإحسان.

    فهل بعد ذلك يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير بتأثيرات عقدية وثقافية، وانحرافات أخلاقية وسلوكية، ومخاطر أمنية وأمراض صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي العقول والحجى؟!

    وبذلك يتحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والنقاء، والفضيلة والخير والحياء، التمتع بأجواء سياحية مباحة، ويسد الطريق أمام الأبواق الناعقة والأقلام الحاقدة، التي تسعى لجر هذه البلاد المباركة وأهلها إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش أصالتها وثوابتها، فماذا يريد هؤلاء؟!

    وماذا يقصد أولئك؟!

    فلنشكر الله على نعمه وآلائه، ولنحافظ عليها بطاعته واتباع أوامره، حفظ الله لهذه البلاد عقيدتها وقيادتها، وأمنها وإيمانها من كيد الكائدين، وسائر بلاد المسلمين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

    1.   

    الشباب والإجازة بين السلب والإيجاب

    الحمد لله؛ أعاد وأبدى، وأنعم وأسدى، أحمده تعالى وأشكره على آلائه التي لا نحصي لها عداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكرمْ به رسولاً وعبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين أكسبهم شرفاً ومجداً، والتابعين ومن تبعهم بأمثل طريقة وأقوم سبيل وأهدى.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الإخوة الأحبة في الله! المحور السابع مع الشباب من الأبناء والبنات.

    أهدي الشباب تحية الإكبار     هم كنزنا الغالي وسر فخاري

    هل كان أصحاب النبي محمد     إلا شباباً شامخ الأفكار

    الشباب عماد الأمة، وقلوبها النابضة، وشرايينها المتدفقة، وعقولها المتلألئة، هم جيل اليوم، ورجال المستقبل، وبناة الحضارة، وصناع الأمجاد، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فلا بد من تربيتهم تربية صحيحة شاملة، وشغل أوقاتهم بطريقة متوازنة، فهذه الأشهر التي يمرون بها في فراغ من المشاغل الدراسية النظامية لا بد أن يستثمرها أولياء أمورهم في برامج حافلة، تكسبهم المهارات، وتنمي فيهم القدرات، تقوي إيمانهم، وتثقل فكرهم، وتثري ثقافاتهم.

    فأين الآباء والمربون عن إعداد البرامج الشرعية المباحة؟! وهي كثيرة بحمد الله، كحفظ كتاب الله عز وجل واستظهار شيء من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعلم العلم النافع، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام قديماً وحديثاً، والاطلاع على السير والتأريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة، وفي محافظة على دينهم وأخلاقهم، وصلة لأقاربهم وأرحامهم؛ حتى لا يقعوا فريسة في دهاليز الإنترنت، وشبكات المعلومات، وضحايا في سراديب القنوات والفضائيات، وأرصفة البطالة واللهو والمغريات.

    1.   

    الزواج ومنكرات الأفراح

    ومما يسر المسلم أن تشغل الإجازة بالزواجات للشباب والفتيات، وتلك قضية مهمة، لكننا نوصي المسلمين بالتزام منهج الإسلام في ذلك، وعدم الخروج على تعاليمه بالإسراف والبذخ والمغالاة والسهر، والتكاليف الباهظة، والحذر من منكرات الأفراح التي يفعلها بعض ضعيفي الديانة هداهم الله!

    ومن المحاور المهمة في هذه القضية: أن يعلم العبد أنه يُراقَبُ من قِبَلِ رَبِّه ومولاه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، إن الله كان عليكم رقيباً.

    ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!

    1.   

    الشعور بآلام المسلمين

    أمة الإسلام: وأهم هذه المحاور: أن المسلم المرتبط بإسلامه وإيمانه يكون شعوره مع شعور إخوانه المسلمين، يتذكر أحوالهم ومآسيهم؛ لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد، فهل من الإحساس بشعورهم إهمال قضاياهم؟!

    أين الأحاسيس المرهفة، والمشاعر الفياضة؟!

    أين الذين يفكرون بأحوال إخوانهم في العقيدة، ويهتمون بمقدسات الأمة وما يمر به المسجد الأقصى المبارك، وما تضج به فلسطين المسلمة؛ حيث شلالات الدم المتدفقة هذه الأيام؟!

    وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية واليهودية الدولية بخافٍ على ذوي النخوة والمروءة.

    وقل مثل ذلك في الشيشان الصامدة، وكشمير المجاهدة، في الوقت الذي يفكر فيه كثيرون بالتمتع بإجازاتهم في منتجعات ليست للكرام ولا كرامة، فالله المستعان!

    فاتقوا الله عباد الله! وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].

    ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى طراً، وأفضل الخليقة شرفاً وطهراً، صلاةً تكون لكم يوم القيامة ذخراً، فقد أمركم بذلك ربكم تبارك وتعالى في تنزيل يتلى ويقرا، فقال تعالى قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وادحر الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه.

    اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان ، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام!

    اللهم عليك باليهود المعتدين، وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم اهتك أستارهم، وافضح أخبارهم، وأبن عوارهم، يا ذا الجلال والإكرام!

    اللهم إنا نسألك عيش السعداء, ونزل الشهداء، والنصر على الأعداء، يا سميع الدعاء!

    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.