إسلام ويب

أخطاء شائعة في الصلاةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الصلاة التي تحكم الصلات بين المخلوق وخالقه، وتحقق الأثر البالغ في نفس المصلي؛ فتنهاه عن المنكر وتأمره بالمعروف وتعينه على أمور دينه ودنياه هي الصلاة الشرعية المقامة على ضوء معالم الكتاب العزيز والسنة النبوية، وذلك باستكمال آدابها ومستحباتها، وشروطها وأركانها.

    والصلاة الشرعية تمثل دواءً ناجعاً للمشكلات النفسية، والتوترات العصبية، والقلق والاكتئاب.

    1.   

    الصلاة علاج روحي ناجع

    الحمد لله، جعل الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات وغرة الطاعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أفضل البرية وسيد البشر، القائل فيما صح عنه من الخبر: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة ).

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المُسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    أيها الإخوة في الله: أقول بعد الوصية بتقوى الله: إن الإنسان في خضم مشاغل الحياة المادية، وما تورثه في النفس البشرية؛ من مشكلات نفسية، وتوترات عصبية، يحتاج حاجة ملحةً إلى ما ينفس عن مشاعره، ويفرج من لأْوَائِهِ ومصائبه، ويبعث في نفسه الطمأنينة القلبية، والراحة النفسية، بعيداً عن العُقد والقلق والاكتئاب، وهيهات أن يجد الإنسان ذلك إلا في ظل دين الإسلام، وعباداته العظيمة، التي تمثل دواءً روحياً ناجعاً، لا نظير له في الأدوية المادية!!

    ألا وإن أعظم العبادات أثراً في ذلك: الصلاة بنوعيها: فرائض ونوافل، يقول الله سبحانه: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45].

    ويقول جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال رضي الله عنه: (أقم الصلاة، أرحنا بها ).. (وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ) رواه: الإمام أحمد ، وأبو داوُد عن حذيفة رضي الله عنه .

    وما ذلك -يا عباد الله- إلا لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولأن للقيام بين يدي الله عزَّ وجلَّ في الصلاة أثراً عظيماً في إصلاح النفس الإنسانية، بل وكافة المجتمعات البشرية.

    ولكن -يا عباد الله- ما هي الصلاة التي تُحكم الصلات بين المخلوق وخالقه؟ ما هي الصلاة التي تحقق الأثر البالغ في نفس المصلي، فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على أمور دينه ودنياه، عملاً بالواجبات والمباحات, وبُعداً عن المحرمات والمكروهات؟

    أهي الصلاة جسداً بلا روح؟

    وقالَباً بدون قلب؟

    وحركاتٍ بدون خشوع؟

    وعادة لا عبادة؟

    وصورة لا حقيقة؟

    وألفاظاً ومبانٍ، لا مقاصد ومعانٍ؟

    لا. وكلا؛ ولكنها الصلاة الشرعية النبوية، المُقامة على ضوء معالم القرآن العزيز، ومنهاج السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

    إن الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تمثل المعراج الروحي للمؤمن، حيث تعرج به روحه كلما قام لله مصلياً؛ في فريضة أو نافلة، منتقلة من عالم المادة إلى عالم السمو والطهر والصفاء والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحبور.

    إخوة الإسلام: لا يخفى على كل مسلم بحمد الله مكانة الصلاة في دين الله، ومنـزلتها في شرع الله، فهي عمود الإسلام, والفاصل بين الكفر والإيمان، ومنـزلتها في الإسلام بمنـزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، لا دين لمن لا صلاة له والعياذ بالله ، ونصوص الشرع في ذلك متظافرة بحمد الله .

    وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة، فإن الذي يحز في النفس ، ويؤلم القلب، أنه لا يزال في عداد المنتسبين إلى الإسلام من لا يرفع رأساً بها، فما بال أقوام يعيشون بين ظهراني المسلمين، قد خف ميزان الصلاة عندهم، وطاش معيارها، بل لربما تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فهل ينتهي أولئك قبل أن يحل بهم سخط الله، وتعاجلهم المنية، وهم على هذه الحال السيئة؟!

    أيها الإخوة المصلون: لتهنكم الصلاة! ويا بشرى لكم بما شرح الله صدوركم لهذه الفريضة العظيمة! وهنيئاً لكم ثواب الله وفضله العاجل والآجل، لقيامكم بهذا الواجب الشرعي العظيم!

    1.   

    إرشاد إلى مسائل مهمة في الصلاة

    يا أيها المصلون: لتعلموا أن للصلاة المقبولة شروطاً وأركاناً، وواجبات وآداباً، لا بد من الوفاء بها، كما أن هناك مسائل مهمة، وأخطاء شائعة في هذا الفريضة؛ يحتاج المصلون إلى أن يعوها ليطبقوها.

    وقد ورد في المسند : (إن أشد الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته ) وذلك بعدم تمام ركوعها وسجودها وخشوعها.

    كما ورد: (إن المصلي لينصرف من صلاته، وما كُتب له إلا ربعها، أو خمسها، حتى بلغ عشرها ).

    وهذا يدعو المسلم المصلي إلى أن ينتبه لشأن صلاته، حتى لا يخسر الثواب ويبوء بالعقاب.

    وهذه مسائل مهمة موجزة يحسن التنبيه عليها في هذا الموضوع:

    الأمر الأول: الطهارة باطناً وظاهراً، فالطهارة شرط مهم للصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بها، فواجب المصلي أن يتعاهد أمر طهارته ووضوئه، فلا يتساهل في ذلك، ولا يزيد إلى حد الوسوسة.

    ومما يؤسف له في ذلك أن بعض العامة لا يُعنى بالوضوء والطهارة، بل إن بعضهم ليتيمم مع قرب الماء، أو إمكان الوصول إليه، وهذا تفريط ظاهر.

    الأمر الثاني: استقبال القبلة: وهو كذلك شرط مهم من شروط الصلاة، ومن كان في الحرم لزمه أن يتوجه إلى عين الكعبة، وبعض المصلين -هداهم الله- يجهل ذلك أو يتساهل فيه.

    الأمر الثالث: ستر العورة: وهو كذلك من الشروط المهمة، وما يفعله بعض المصلين من التقصير في هذا الأمر بلبس الثياب الشفافة، أو السراويل القصيرة التي يُرى من خلالها لون البشرة وتُميز صفتها أمر ينبغي التنبه له.

    والمرأة في الصلاة عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها، إلا أن يكون عندها رجال من غير محارمها، أو تكون في المسجد الذي هو مظنة رؤية الرجال لها، فيجب عليها -والحالة هذه- أن تستر وجهها، وتأتي متبذلة محتشمة، غير متبرجة ولا متطيبة؛ لترجع مأجورة غير مأزورة.

    الأمر الرابع: العناية بتسوية الصفوف: فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسوي الصفوف بنفسه، كما ورد التشديد على من لمن يهتم بذلك، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (عباد الله! لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بين قلوبكم ) وهذه مسئوليةٌ ينبغي أن يتعاون عليها الإمام والمأموم، بالحث والتواصي؛ ولكن يُحذر الإيذاء، ويدفع العنت، وهذا من فقه المصلي وحكمته.

    الأمر الخامس: لب الصلاة وروحها، ألا هو الخشوع فيها، يقول سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُـمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِـعُونَ [المؤمنون:1-2].

    فأين الخشوع عند أولئك المتكاسلين عنها، المستسهلين لها، الذين يتضايقون ويتبرمون ويودون الراحة منها؟!

    وأين الخشوع عند أولئك المتشاغلين فيها؟ صلاتهم عبث وحركة، التفات وتمايُل، نقرٌ وعجلة، قلوبهم في كل وادٍ تهيم، وعقولهم في كل مكان تسرح، فصلاة كهذه خداج لا تمام.

    فواجب المصلي أن يلازم الخشوع وحضور القلب، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على ذلك، ويحذر الصوارف عنه.

    والطمأنينة -أيها المصلون- ركن عظيم من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، وقد ابتلي كثير من الناس لضعف الإيمان، وقلة الفقه، وتمكن الدنيا في النفوس بالتساهل فيها والعياذ بالله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته؛ لسرعته وعدم طمأنينته: (ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ ) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

    الأمر السادس الذي ينبغي التنبه إليه: وجوب متابعة الإمام، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعل الإمام ليؤتم به ) فلا يجوز التقدم عليه ومسابقته، بل إن ذلك قد يكون سبباً في رد الصلاة وبطلانها، وقد ورد الوعيد الشديد على مَن هذه حاله.

    يقول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة المتفق عليه: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار ).

    وقال الإمام أحمد رحمه الله : ليس لمن سبق الإمام صلاة. وأمرٌ هذه خطورتُه، وتلك عقوبته، ينبغي للمصلي أن يتنبه إليه جيداً، ولا يستهويه الشيطان -أعاذنا الله منه- الذي يريد أن يفسد على المصلين صلاتهم.

    وحال كثير من المأمومين في هذا الأمر يؤلم ويؤسف، فالله المستعان!

    فلنتق الله -يا عباد الله- في أمورنا عامة، وفي صلاتنا خاصة؛ فإن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ولنفكر في حالنا ماذا جنينا من جراء التهاون بشعائر الإسلام كله، ولا سيما الصلاة؟!

    إن أمةً لا يقف أفرادها بين يدي الله في الصلاة؛ لطلب الفضل والخير منه؛ لجديرة ألا تقف ثابتة في مواقف الخير والوحدة والنصر والقوة؛ لأن هذه كلها من عند الله وحده.

    فإذا أصلحنا ما بيننا وبين الله، أصلح الله ما بيننا وبين الناس، وإن مَرَدَّ تَرَدِّي كثير من الأوضاع في شتى البقاع لِتَرَدِّي أبنائها في أودية المخالفات، وعدم القيام بما هو من أوجب الواجبات، ألا وهو الصلاة.

    واللهُ المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويرزقهم الفقه في دينه، والبصيرة فيه، وأن يجعلهم محافظين على شعائر دينهم، معظمين لها، قائمين بعمودها على خير وجه، إنه جواد كريم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    السر في الأمر بإقامة الصلاة

    الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    فاتقوا الله -عباد الله- واحرصوا على إقامة صلاتكم؛ فإنها نور لكم في الأرض، وذُخر لكم في السماء، وإن المتأمل في آيات التنـزيل ليجد أن الأمر بالصلاة يأتي دائماً بأسلوب الإقامة، وفي ذلك زيادة معانٍ على مجرد الأداء؛ لأن الإقامة تعني الإتمام والعناية.

    وإن مسئولية المصلين لعظيمة بالنسبة لأنفسهم تعاهداً لها، وعناية بها، وبالنسبة لغيرهم من معارف وأقارب، وأبناء وجيران؛ من حيث أمرهم ونصحهم في هذا الموضوع العظيم.

    وعلى أئمة المساجد دور كبير؛ لأنهم يضطلعون بمهمة كبرى، فعليهم أن يقوموا بها عناية بالصلاة، وتفقيهاً بأحكامها وحِكَمِها على حسب قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي ) ولا بد من تحقيق التعاون بين الأئمة والمأمومين، وذلك بقيام كل برسالته؛ لتتحقق النتائج المرجوة بإذن الله.

    بقي ملحظ مهم في هذا الموضوع، وهو أن من المسائل التي فيها سعة، وقد وقع الخلاف فيها بين الأئمة؛ لا سيما في أمور السنن والمستحبات، لا ينبغي أبداً أن تكون محل شقاق ونزاع، وتنافرٍ بين المسلمين، كما لا يليق التشديد والإنكار فيها، ولا ينافي ذلك الحرص على السنة.

    فاتقوا الله -عباد الله- وتفقهوا في أحكام دينكم.

    وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير من قام بالصلاة، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك.

    اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجمع قلوبهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا قوي يا عزيز.

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِـيمُ.

    ربنا اجعلنا مقيمي الصلاة، ومن ذريتنا، إنك أنت السميع العليم.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.