إسلام ويب

الحج المبرورللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى جعل الحج إلى بيته ركناً من أركان هذا الدين؛ لأنه به يكتمل دين الإسلام الحنيف، على ملة إبراهيم عليه السلام.

    وقد بين الشيخ في هذه المادة وجوب الحج، ومنافعه، وما ينبغي للعبد أن يفعله في الحج اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حج بيت الله استجابة لندائه

    الحمد لله، أحمده تعالى وأشكره، وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض على عباده حج بيته الحرام، فقال سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] وامتن عليهم بالحرم الآمن، الذي خص بالمحامد والفضائل العظيمة، يقول تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة:125]، ويقول عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، ويقول: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وخليله وصفيه أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه على دينه، المتمسكين بسنته، المهتدين بهديه، الداعين بدعوته إلى يوم المعاد، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون... حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، والوقوف عند حدوده، والتزام هديه في كل أخذٍ وطرح، وفي كل قول وفعل.

    عباد الله! لقد منَّ الله على عباده بمواسم الخير، وأوقات الفضل والإحسان، وأزمنة الجود والغفران، ومن هذه الأوقات الفاضلة؛ ما نعيشها في هذه الأيام، من موسم الحج إلى بيت الله الحرام، هذا الموسم العظيم الذي يفيض الله فيه من رحماته على عباده، ومن نفحات بره وجوده وأسراره على خلقه، ويُباهي به الملائكة، ويقول: (انظروا إلى عبادي! أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ومغفرتي ولو كانت ذنوبهم عدد الرمل لغفرتها لهم ).

    أيها الإخوة! في هذه الأيام المباركة يتجه المسلمون إلى بيت الله الحرام؛ لأداء فريضة من فرائض الله، تاركين في سبيل ذلك أوطانهم، وأولادهم، وأموالهم، متجهين إلى مكان واحد، في زمن واحد؛ قاصدين رباً واحداً، وهدفاً واحداً؛ فإذا وصلوا إلى الميقات، خلعوا ثيابهم المألوفة، ولبس كل واحد منهم إزاراً ورداءً شبيهة بأكفان الموتى، وكأنهم مسافرون إلى الآخرة، واقفون في عرصات القيامة لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، والمشرقي والمغربي؛ فالكل جاء يقطع البلاد جواً وبراً وبحراً؛ لحضور هذا التجمع الإسلامي الكبير،ً استجابة لنداء الله -عز وجل- على لسان خليله وشوقاً إلى لقائه وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] ويدخلون في حرم الله مُحرمين خاضعين خاشعين متذللين، قد تركوا ما فاتهم، واتجهوا إلى الله بقلوبهم وأبدانهم، ويترقبون في تلك المشاعر العظيمة من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ، والوقوف بـعرفة ، والمبيت بـمزدلفة ومنى ، ورمي الجمار، وذبح الهدي على اسم الله، والحلق أو التقصير وغيرها من أعمال الحج... إلى أن يُودعوا البيت، كل ذلك بقلوبٍ خاشعة، وأعينٍ دامعة، وألسنةٍ مكبرة مهللة ملبية داعية.

    يالها من مواقف عظيمة! تُسكب فيها العبرات، ويُتاب فيها من السيئات، ويُكثر فيها من الصالحات؛ لتقال العثرات، وتُغفر الخطيئات، وتُستر الزلات بعفو الله ولطفه.

    1.   

    الحج المبرور وشروطه

    .

    الإخلاص وعدم الشرك بالله

    أيها المسلمون.. حجاج بيت الله الحرام! إن أوجب الواجبات عليكم تحقيق التوحيد، وإخلاص العقيدة، وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والخرافات، فإن من يقع في الشرك بالله عز وجل فلا ينفعه عمله ولا يجزئ حجه؛ لأنه ليس على أصلٍ ثابت من العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة .

    ومن الواجبات -أيضاً- إخلاص العمل لله عز وجل، وابتغاء المسلم بحجه وجه الله والدار الآخرة، وليحذر الحاج -كل الحذر- أن يريد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة والمباهاة.

    عباد الله! يقول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه } أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة } متفق عليه.

    {وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور } متفق عليه.

    من هذه النصوص المباركة يتبين أن الحج المقبول عند الله هو الحج المبرور الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية من الرفث والفسوق والجدال بالباطل.

    والرفث يا عباد الله! فُسِّر بالجماع قبل التحلل من الإحرام، ويلحق بذلك كل كلام فاحش.

    أما الفسوق: فهو العصيان؛ ويدخل في ذلك جميع المعاصي من الظلم والسب وإيذاء المسلمين بغير حق، والسخرية والكذب والغيبة والنميمة كما يدخل فيه إيذاء المسلمين والحجاج بالقول أو بالعمل، بالمشاعر والطرقات، وفي الطواف والسعي، وحين رمي الجمار... وفي غير ذلك من الأماكن، كما يدخل فيه مزاحمة المسلمين والتعرض لأذاهم، ويدخل فيه -أيضاً- كل ما يدعو لجلب الفوضى والإخلال بالأمن واستغلال موسم الحج لغير ما شرعه الله وسنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء مناسك الحج

    فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! أدوا مناسك حجكم على ما أمره الله، وعلى ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل: {خذوا عني مناسككم }.

    حافظوا على أوامر الله عز وجل، وأدوا فرائضه، واحذروا معصيته في هذه البقاع المباركة، وتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، وعاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة؛ تكونوا بإذن الله ممن حاز على ثواب الحج المبرور.

    ألا إن مما يحز في نفس كل مسلم، ويحق أن يأسى ويأسف له واقع كثير من حجاج زماننا هذا، فهم تجسموا المشاق، وتحملوا الصعاب، وأتعبوا أبدانهم، وتركوا أوطانهم، وأنفقوا أموالهم... ومع ذلك كله لا يؤدون الحج على الوجه المطلوب، ويقعون في مخالفات كثيرة، ويقعون في الأذى لعباد الله نتيجة الجهل بأحكام هذا الركن العظيم.

    فتفقهوا في دينكم، وتعلَّموا مناسك حجكم، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

    نسأل الله لنا ولحجاج بيت الله الحرام وللمسلمين عامة العلم النافع والعمل الصالح.

    اللهم وفق حجاج بيتك الحرام لأداء المناسك، واكتب لهم القبول والبر والمغفرة يا رب العالمين، اللهم قِهم الأذى والشر يا رب العالمين!

    عباد الله! استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.

    1.   

    نفقة الحج بين الحلال والحرام

    الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعـد:

    أيها المسلمون! اتقوا الله عز وجل واشكروه على سوابغ نعمه، ومنها: ما يسره لكم من الوصول إلى بيته الحرام، والاجتماع أمام هذه الكعبة المشرفة في هذا المكان المبارك الذي يُرجى فيه غفران الذنوب وإجابة الدعاء.

    عباد الله! بادروا بالتوبة إلى الله من جميع الذنوب، وحافظوا على أوامر الله وعلى رأسها الصلاة مع جماعة المسلمين بخشوعها وأداء أركانها وواجباتها وسننها؛ فإن بعض الحجاج هداهم الله يتساهل في ذلك وهذا منكر عظيم.

    كما يجب على الحاج أن يختار النفقة الطيبة لحجه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وفي الحديث: (إذا خرج الرجل بنفقة طيبة فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وحجك مبرور، وإذا حج بالنفقة الخبيثة ينادي: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأجورٌ غير مبرور ) وقال الشاعر:

    إذا حججت بمال أصله سحتُ      فما حججت ولكن حجت العير

    لا يقبل الله إلا كل طيبةٍ      ما كل من حج بيت الله مبرور

    فعلى المسلم الحذر من خبيث النفقة، واختيار الطيب، ونحن في عصر عزت فيه النفقة الطيبة، نتيجة انتشار الأموال المحرمة، وكثرة طرقها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    1.   

    منافع الحج وحكمه

    واعلموا أن من أوجب الواجبات عليكم: إتباع الأعمال الصالحة ببعضها، من ذكر الله، والتلبية، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، والدعاء، ففي الحديث: (إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    فاستفيدوا -رحمكم الله- من منافع الحج العظيمة، ففيه امتثال لأمر الله، وإعلان لتوحيده، وفيه تفكر لأحوال الأنبياء والمرسلين، وأخص منهم إبراهيم الخليل الذي رفع القواعد من البيت وإسماعيل، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم الذي عاش في مكة ، وبلَّغ الدعوة، وأصابه من الأذى ما الله به عليم، فلنا به القدوة الحسنة.

    وينبغي علينا تذكر هذه المواقف العظيمة؛ ففيها من المنافع الدينية والدنيوية والاجتماعية والصحية ما لا يعد ولا يحصى، فالسعيد من وفق لاغتنامها.

    وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

    اللهم وفق المسلمين لما تُحب وترضى، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً يا رب العالمين!

    اللهم وفق الحجاج والمعتمرين وارزقهم القبول والتوفيق والسداد يا رب العالمين!

    اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم وفقه ووفق جميع ولاة أمورنا، اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره، نتيجة ما قدموا ويقدمون لحجاج بيت الله الحرام، من تسهيل ورعاية، اللهم اجعله في موازينهم يا رب العالمين!

    اللهم أصلح علماءنا وشبابنا ونساءنا يا رب العالمين!

    اللهم دمر اليهود وأعوانهم، اللهم عليك بهم جزاءً بما قاموا ويقومون من إحراق المقدسات، وقتل الأبرياء، وتشريد المسلمين، اللهم عليك بجميع أعدائك عاجلاً غير آجل، اللهم أنزل عليهم بأسك يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم اجعلنا ممن وفق للعمل الصالح يا رب العالمين!

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986225044

    عدد مرات الحفظ

    715489083