إسلام ويب

محاضرة في منىللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن شعيرة الحج هي تلكم العبادة العظيمة التي أشاد الإسلام بفضلها، وضمن الله عز وجل الجنة لمن قام بها على وجهها الشرعي.

    إن هذه العبادة تمثل جوانب شتى في حياة المسلم، منها تذكر المسلم بالغاية التي خلق لها، ومنها ينطلق إلى تصحيح العقيدة وإفراد الخالق بالعبودية. والدعوة إلى الوحدة والتحام الصف.

    ويجب استغلال مثل هذه المواسم في المسارعة إلى الخيرات ومحاسبة النفس وتغيير وإصلاح الأوضاع.

    1.   

    فضل الحج ومنزلته في الدين

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله، وصفوته من رسله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، ممن دعا بدعوته واستقام على سنته إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأعتذر للتأخير الذي حصل، والحمد لله أنه لم يكن طويلاً، ولعل هذا التأخير يكون باعثاً على الشوق للسماع والعناية به، أضف إلى ذلك الأجر والثواب الذي يعده الله جل وعلا لمن حضر مثل هذه المجالس مخلصاً للنية، ورابط وتعب حرصاً على سماع الذكر، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم منهم.

    أيها الإخوة في الله: يطيب لي في هذا اللقاء الطيب المبارك أن أتوجه إلى الله جل وعلا بالشكر والثناء؛ أن منَّ علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك، الذي يجمع بين شوق المكان في مهبط الوحي ومنبع الرسالة، هذا البلد الأمين الذي شرفه الله عز وجل وعظمه وأعلى ذكره، وفضله على بقاع العالمين.

    ثم في هذا الزمان المبارك الذي نعيشه هذه الأيام وهو موسم الحج إلى بيت الله الحرام، تلكم العبادة العظيمة التي ضمن الله عز وجل الجنة لمن أداها على وجهها الشرعي، دليل ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) وفيهما عنه رضي الله عنه: (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ).

    إننا في هذا اليوم المبارك في أول أيام التشريق، وفي ليلة الثاني من أيام التشريق، هذه الأيام المباركة التي يعم فيها الخير، ويقبل الناس فيها من الحجاج وغيرهم على عبادة ربهم، ويقطعون أيامهم ولياليهم بذكره جل وعلا، كما قال الله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ).

    فنلتقي في هذه الليلة بعد أن منّ الله على الجميع بأداء هذه العبادة العظيمة وبعد أن وقف الحجاج بـعرفة ، ذلكم الموقف العظيم الذي يباهي الله عز وجل به ملائكته ويقول: (انظروا إلى عبادي.. أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم ).

    وما من يوم يعتق الله عبيداً من النار أكثر من يوم عرفة ، وما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه من يوم عرفة إلا ما خزي يوم بدر ، فبعد وقوف المسلمين هذا الموقف العظيم، يلتجئون فيه إلى الله جل وعلا، ويفوضون أمورهم إليه وحده جل وعلا، ويطّرحون بين يديه رغبة فيما عنده وخوفاً من عذابه.

    إن هذا اليوم كفيل أن يعتني به المسلمون ولا سيما من الحجاج، فيقفون في هذا اليوم مخبتين لربهم جل وعلا، خاضعين أذلاء منكسرين بين يديه، فبعد وقوفنا هذا الموقف العظيم الذي أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ألا يحرمنا فضله وجوده وكرمه ومغفرته في ذلك اليوم، وأن يجعل الجميع من عتقائه من النار وما ذلك على الله بعزيز.

    ثم في هذا اليوم الذي بعد يوم عرفة الذي هو يوم النحر، يوم الحج الأكبر، الذي يقبل فيه الحجاج لقضاء بقية مناسكهم محلين هذا البقعة -أعني: منى - برمي جمرة العقبة، متقربين إلى الله جل وعلا بذبح هديهم وذبح ضحاياهم وما إلى ذلك من العبادات القولية والفعلية.

    إن لقاءنا في هذه الأيام المباركة له مذاق خاص، وطعم خاص، إن مما ينبغي علينا ونحن هنا أن نستشعر عظمة هذه الأيام ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى، وأسأل الله سبحانه بعد أن منّ علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك في هذه الأيام المباركة، وفي هذه المواسم الفاضلة أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يكون الحاضرون في هذا المكان وفي هذا الموسم معاهدين الله جل وعلا أن يبدءوا صفحة جديدة من حياتهم، وأن يتوبوا إلى ربهم جل وعلا، وأن يقلعوا عن الذنوب والمعاصي، وأن يستقيموا على شرع الله سبحانه، ويعقدوا العزم والتصميم على ألا يعودوا لمعصية الله مطلقاً.

    ثم أشكر الإخوة الكرام في هذه المؤسسة العريقة "الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الذين قاموا بهذا الواجب وفقهم الله للقيام بمضاعفة الجهد؛ لأن هذا عمل من أهم الأعمال التي يقوم عليها عماد الدين، ويقوى بها عموده، ويدحض الباطل وأهله، فشكر الله سعيهم وحرصهم على إتاحة هذا اللقاء بهذه النخبة الطيبة وهذا العدد المميز الذي لم أكن -يعلم الله- أتوقعه.

    وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني عند حسن الظن لإبداء بعض الخواطر التي تجول في النفس؛ رغبة في إصلاح الحال، والتنبيه على ما ينفع الحاضرين، وما ينفع أمتهم، رغبة في أن نبدأ صفحة جديدة بعد موسم هذا الحج المبارك.

    1.   

    واجب الحجاج بعد حجهم

    الذي يظهر لي أن موضوع الإخوة الذي رغبوا في الحديث عنه هو ما يناسب الحال، وهو أننا نعيش في هذه الأيام قرب إنهاء موسم الحج؛ فيحتاج الحجاج وغيرهم أن يذكّروا بالواجب عليهم بعد حجهم، وهل ينتهي الواجب عليهم بعد أداء هذه الشعائر أم أن رسالة الإسلام باقية ما بقوا على قيد الحياة؟

    لا ريب أن حمل رسالة الإسلام والعمل به وبأركانه وواجباته، وحمل رسالة الدعوة ومعارف هذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل والعمل الصالح مطلقاً لا ريب أنه يصاحب المسلم في حياته كلها، والإنسان لا يعمل أعمالاً ولا يقول أقوالاً إلا وقد نظر الإشارة الشرعية لأقواله وأفعاله، وتأمل النصوص والأوامر التي إن استقام عليها فتكون استقامته استقامة صحيحة، قائماً بما جاء به كتاب الله ومتبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن من يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى ويتأمل النصوص والأوامر الإلهية التي وردت فيه، يجد أنها تذكر المسلم بالحكمة النبيلة والغاية السامية التي أوجد من أجلها في هذه الحياة، ليعلم معناها ويعمل بمقتضاها، ألا وهي عبادة الله جل وعلا، يقول سبحان: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ويقول جل وعلا: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] وقال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً [المؤمنون:115] كل هذه النصوص -وغيرها كثير وكثير- تشد المسلم بالغاية، وتربطه بالمنهج الذي خلق في هذه الحياة من أجله، ذلكم المنهج الذي ينبغي ألا يغيب عن المسلم طرفة عين، وأن يختلط في جسمه وروحه، ويسري فيها سريان الدم في جسمه.

    فإذا كان الدم إذا انتهى انتهى الإنسان، وإذا كان القلب وهو الشريان المتدفق إذا وقف نبضه وقف الإنسان عن هذه الحياة ومات، فكذلكم الأعمال الصالحة فإنها بمثابة المحرك للمسلم في هذه الحياة، والمسلم عليه أن يستشعر عبادة الله وطاعته والعمل الصالح مدة حياته، يقول سبحانه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ويقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    فهذه النصوص تدل المسلم وترشده على أن مقامه في هذه الحياة كلها ينبغي أن يكون بطاعة الله، بما يقرب إلى الله من العمل الصالح الذي توفر فيه إخلاص العمل لله، الصواب على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أن يفهم المسلمون أن الإقبال على الله، وعبادة الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه والعمل بشرعه أن ذلك كله محصور بسويعات قليلة وأيام معينة؛ فذلك من سوء فهمنا لشعائر ديننا، ومن سوء فهم المسلمين الذين يفعلون هذه الأفعال لمقتضى نصوص الشرع المطهر.

    وهذا -والعياذ بالله- من إغواء عدو الله الشيطان لكثير من المسلمين؛ فصدهم عن دينهم، ولقد عمل وسعى جهده -أعاذنا الله من حبائله وتلبيساته- أن يضل الناس كلهم عن المنهج الذي خلقوا للسير عليه، وعن السنة التي ألزم العباد بالسير على ضوئها دون زيادة ولا نقصان، فكثير من الناس ممن وقعوا في حبائل الشيطان أبعدوا عن هذا الدين، وصدوا عنه صدوداً كبيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودليل ذلك أن فئاماً من البشر ومجموعات كثيرة ممن ينتسبون إلى الإسلام جهلوا حقيقة الإسلام، وأصبحوا يعملون أعمالاً تناقض الإسلام، بل تهدم الإسلام عياذاً بالله.

    1.   

    الحج دعوة إلى تصحيح العقيدة

    ومن يتأمل حال كثير من المسلمين من الحجاج وغيرهم، يجد أن كثيرين منهم يحتاجون إلى إعادة بناء للأصل الذي بني عليه هذا الدين، وهو العقيدة الصحيحة التي تستقى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤخذ مما عمله سلف هذه الأمة وساروا عليه في القرون الثلاثة المفضلة.

    فما يفعله كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام من مناقضة هذا الأصل، والوقوع فيما يخالفه جملة وتفصيلاً، من التوجه إلى غير الله جل وعلا، وسؤال غير الله سبحانه ما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعانة بغير الله سبحانه، وطلب المدد وقضاء الحوائج وتفريج الكروب من الأموات والأحياء، أو من الملائكة والأنبياء، وهذا موجود في بقاع كثيرة من البقاع التي تنتسب إلى الإسلام وتظهره وتتسمى به.

    إن أولئك مدعوون أن يجدّدوا هذا الأصل، وأن يسيروا على طريق صحيح في هذا المجال؛ لأنه القاعدة التي تبنى عليها عبادات الإسلام، وتبنى عليها جميع الأمور، فإذا صلحت صلح سائر الأعمال، وإذا فسد فسدت سائر الأعمال فقد قال الله سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وقال سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    فالحج يا إخوة الإسلام! دعوة إلى تصحيح العقيدة، ودعوة إلى أن يلتزم المسلم عقيدة الإسلام، ومن يتأمل آيات الحج في كتاب الله وشعائر الحج، والعبادات التي يعملها المسلم في حج بيت الله الحرام، يجد أنها كلها تقرر هذا القاعدة قال الله: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج:26].

    ومن يتأمل الآيات -كلها في كتاب الله- التي تتحدث عن هذه الفريضة العظيمة يجد أنها تحوم حول تقرير هذه القاعدة حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [الحج:31] فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34].

    وما إلى ذلك من النصوص التي تربط المسلم بوحدانيته لله، وأنه لم يقرر الحج أصلاً ولم يفرض في شريعة الإسلام إلا ليتوجه المسلمون إلى ربهم وحده، لا يتعلقون بغيره، ولا يلتجئون إلى سواه، يعلنونها صريحة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. كل ذلك يقرر نفي الشريك عن الله وتصحيح العقيدة التي أمر الناس أن يتنبهوا لها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله ) فهل استشعر المسلمون وهم يؤدون هذه المناسك من طواف، وسعي، وذبح، ورمي، وما إلى ذلك من الأمور؟ هل استشعروا أن كلها تحوم حول تحقيق العقيدة وحول صحة العقيدة، وربط المسلم بالله الواحد القهار لا شريك له جل وعلا؟

    دعوة إلى التسلح بالعقيدة

    فهذا الأمر -أيها الإخوة في الله- أمر ينبغي أن ينتبه له حجاج بيت الله، وأن يعملوا بداية من موسم الحج إذا كان فيهم قصور من هذه الناحية، سواء من ناحية العلم والرغبة والعمق في القراءة في كتب أهل العقيدة الموثوقين، والقراءة على أهل العلم الموثوقين المعروفين بصحة العقيدة، فيجب على المسلمين ويجب على شباب الإسلام أن يكونوا متسلحين بالعقيدة، وهذا الدعوة ليست دعوة نظرية وإنما هي دعوة عملية، ينبغي أن يقبل المسلمون -ولا سيما علماؤهم وشبابهم- إلى الاستقاء من نمير هذه العقيدة الصافية، وأن يقرءوا فيها كثيراً، وأن يقرءوا على أهلها ليقارعوا مناوئيها ومخالفيها؛ لأننا في عصر تكالب فيه أعداء هذه العقيدة التي سار عليها سلف هذه الأمة، تكالبوا للنيل منها والقضاء عليها، ورموها بسهامهم من هنا وهناك، مشككين المسلمين -ولا سيما الناشئة- بصلاحيتها مدخلين شيئاً من الشبهات وشيئاً من الوساوس في صفوف المسلمين وبلاد المسلمين التي التزمت هذا النهج.

    فيجب على المسلمين -ولا سيما خاصتهم- أن يتقوا الله سبحانه وأن يدرءوا عن هذه العقيدة أعداءها، وأن يصدوا عنها من يريد النيل منها، وهذا يقتضي أن يقبل شباب المسلمين على النهل من هذه العقيدة والقراءة في كتب العقيدة، ودعوة الناس إلى العقيدة، وبناء مناهجهم في الدعوة إلى الله، وفي العلم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتكون مبنية على دعوة الناس لتحقيق هذه القضية التي دعا إليها رسل الله، وكانت الأصل الذي بنيت عليها دعوات الرسل والمصلحين في قديم الزمان وحديثه.

    وأي منهج وأي طريق على غير هذا الطريق؛ فإنه طريق مخالف لمنهج رسل الله الذي دعا إليه جميع رسل الله قال الله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    صفحة جديدة لتصحيح العقيدة

    كما يتأكد في حق المسلمين الذين نشئوا على أمور تخالف العقيدة؛ أن يفتحوا صفحة جديدة من موسم الحج -الذي هو دعوة لتصحيح العقيدة- ويبدءوا صفحة جديدة في حياتهم، فيعلقوا جميع أمورهم بالله، فلا يجوز في شريعة الإسلام أن يتجه المسلم إلى غير الله جل وعلا، في طلب حاجة أو في قضاء مهمة أو في تفريج كربة وما إلى ذلك من الأمور، فالسؤال لله، والدعاء لله وحده، والآمال والآلام ينبغي أن يتوجه بها إلى الله جل وعلا الذي يكشف الضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه جل وعلا.

    فمن الخطأ العظيم ومن المحادة لله ورسوله أن يشرك بالله غيره، وأن يدخل مع الله سبحانه تعالى شريك، ولله عز وجل المثل الأعلى الذي لا يشركه فيه أحد جل وعلا وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

    وهذه أيها الإخوة الكرام: القاعدة التي ينبغي أن نعيها وأن نعيشها بعد موسم الحج وفي موسم الحج وأثنائه، وقبل موسم الحج، أعني أنها ينبغي أن ترتبط بحياة المسلم من حياته إلى وفاته، إذ ليس في دين الإسلام مناسبات لله ومناسبات لغير الله، وأوقات يتوجه بها إلى الله وأوقات أخر يتوجه بها إلى غير الله كما يفعله كثير من جهلة المسلمين.

    فدين الإسلام -يا إخوة الإسلام- مبني على تحقيق العبادة لله وحده، العبادة التي تعايش المسلم وتخالط روحه وقلبه وحياته كلها إلى أن يتوفاه الله قال الله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    دعوة إلى الأعمال الصالحة

    والعقيدة هي أساس الأعمال التي بني هذا الحديث على إقرارها والتأكيد عليها بعد موسم الحج، وأن موسم الحج يجب أن يكون انطلاقة للبدء والالتزام بالأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها، ومن يتأمل نصوص كتاب الله يجد أنها أمرت المسلمين بالعمل الصالح ولم تحدد له زمناً، ولم توقت له وقتاً، ولم تطلب له أجلاً وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فقد أقسم الله سبحانه على أن جميع بني الإنسان في خسارة، إلا المؤمنين الذين التزموا الإيمان والعمل الصالح، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وليس في زمن محدد، بل العبرة بعموم الأوامر التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء الأمر صراحة بالعمل الصالح يقول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    1.   

    قضايا تنم عن سوء الفهم للدين

    وهناك قضية خطيرة تنم عن سوء فهم المسلمين لدينهم، ولا يمكن أن يقف المسلمون سداً منيعاً أمام أعدائهم وينصروا دين الله سبحانه وتعالى وهم يتجهون إلى الله في أيام ويقبلون على معصيته في بقية العام، فإن هذه رزية وبلية بلي به المسلمون نتيجة الجهل بدين الله، ونتيجة ضعف البصيرة في دينه.

    يجب على المسلمين أن يأخذوا من هذه المواسم انطلاقة للأعمال الصالحة، وأن يجعلوها تغيراً في حياتهم كلها، وفرصة للتوبة إلى الله، والإقلاع عن الذنوب، والتوبة الصادقة منها، والعزم على عدم العودة إليها مرة أخرى.

    ومن دنس عقيدته أو تساهل فيها أو كان مفرطاً في الولاء لها والدفاع عنها؛ فعليه أن يبدأ توبة جديدة؛ ليكون جندياً للدفاع عن هذه العقيدة التي تواجه حرباً لا هوادة فيها من أعداء المسلمين وإن تسموا باسم الإسلام.

    كذلك يجب على من قصر في لون من ألوان العبادات لا سيما الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو غير ذلك من الأمور أن يتق الله فيبدأ بالتوبة الصادقة إلى الله جل وعلا؛ لأن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، أما الرجوع إلى المعاصي بعد الحسنات فإنها أمارة على رد العمل عياذاً بالله.

    يقول بعض السلف: إن الله لم يجعل لعمل المسلم أجلاً سوى الموت، وتلا قوله سبحانه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    وشتان وهيهات أن يقدم المسلمون الذين أساءوا فهم دينهم وأقبلوا على ربهم في موسم، وهجروا بيوت الله ونسوا الله سبحانه، ونسوا شرعه، ونسوا دينه في بقية حياتهم، هيهات أن يقدموا لأمتهم نصراً، وهيهات أن يقدموا لأمتهم خيراً لا سيما في هذا الزمن الذي تكالب فيه أعداء هذه الأمة على اختلاف مقاصدهم، وشعاراتهم للنيل منها، وإبعادها عن دينها، وبث المنكر والفساد في ربوعها، وبين شبابها ومجتمعاتها؛ ليقضوا على البقية الباقية من إيمان هذه الأمة.

    إنه لا يمكن أن يقدم المسلمون خيراً لأمتهم إلا إذا ساروا على ما سار عليه سلفهم، وقد كان سلفهم يعبدون الله سبحانه وتعالى حتى لو قيل لأحدهم: إن الساعة تقوم غداً لم يستطع أن يزيد على العمل الذي يعمله شيئاً؛ لأنه عمل كثيراً ولم يبق إلا مغفرة الله ورحمته.

    فما بال المسلمين اليوم على بعدهم عن الله سبحانه، وعلى ما في مجتمعاتهم وما في حياتهم من بعد عن الله، ما بالهم يطلبون النصر من الله جل وعلا وقد فرطوا بأسباب النصر، وأكبر من ذلك الإيمان بالله؟ ولن يعود النصر ولن تصلح حال المسلمين ويستفيدوا من مواسم الحج ومواسم الخير والفضيلة؛ إلا إذا بالإيمان الذي حرك الرعيل الأول من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين كانوا رهباناً بالليل قياماً، وعبادةً، وتهجداً، وطاعة، وقراءة للقرآن، وكانوا أسوداً في النهار في الوغى يقاتلون لإعلاء كلمة الله، فهل المسلمون اليوم يعملون هذه الأعمال أو عشر معشار هذه الأعمال؟!

    1.   

    الجد في تحقيق نهضة الأمة

    إن الواقع -أيها المسلمون- يقتضي أن يجدّ الجميع لنهضة هذه الأمة وإيقاظها من رقدتها، وإبعادها عن جمرتها، والسير قُدماً في تحقيق العمل للإسلام، وليحمل كل منا رسالة الإسلام على قدر استطاعته، وليجعل من هذه المواسم فرصة للانطلاقة في حياته.

    إن هذه المواسم مواسم للتزود من الأعمال الصالحة، وليست مواسماً للعمل المجرد ثم الرجوع إلى المعاصي، وإن من يعزم على الرجوع إلى المعاصي بعد الحج؛ فتلك أمارة على رد عمله عياذاً بالله؛ لأن من علامة قبول الحسنة أن يستمر المسلم على عمل الحسنات والبعد عن السيئات، فكما أن الحسنات تذهب السيئات فكذلك السيئات تقضي على الحسنات.

    استغلال الفرص للمسارعة في الخيرات

    يجب علينا أن نأخذ من موسمنا الذي كاد أن يتقوض قيامه وأن تنصرم أيامه، أن نأخذ منه حافزاً وفرصة للتزود في هذه الحياة للعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليكن فرصة لمحاسبة النفس وأطرها على شريعة الله، وليحاسب كلٌ منا نفسه حساباً دقيقاً قبل أن توزن أعمالها، فلا ينفعها والله حينئذ إلا رجحان الأعمال الصالحة.

    إننا قادمون على مواقف عظيمة -أيها الإخوان- قادمون على الله سبحانه وتعالى في يوم عصيب لا يخفى على الجميع هوله، ولا تخفى على الجميع مواقفه العظيمة التي لا يتحملها الإنسان، وإن هذا الموسم ليجسد صورة لذلك اليوم العظيم باجتماع الناس في مكان واحد وانشغال كل واحد منهم بنفسه، والزحام الهائل، إننا قادمون على أيام عظيمة، ومواقف رهيبة لا تنفعنا فيها والله إلا الأعمال الصالحة قال الله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف:8-9] فليتق الله كل واحد منا، وليستشعر هذا اليوم الذي أمامه، والذي لا ينفعه فيه إلا عمله الصالح قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37]

    يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] لا ينفعكم في هذه المواقف إلا العمل الصالح، ولا ينجوا إلا من أخذ كتابه بيمينه، وملأ صحيفته بالأعمال الصالحة، ولن يكون كذلك إلا إذا عمّر حياته كلها بالعمل الصالح، واستمر على العمل الصالح طيلة حياته، ولم يفعل ما يفعله الجهلة الذي لا يقبلون على الله إلا في أوقات قليلة، فيدبرون عنه في مواسم وأعوام طويلة، إن هذا من الجرأة على حدود الله، ومن المحادة لله. ومن الاستهزاء بشريعة الله أن يعمل المسلم أوقاتاً بالطاعات ثم يرجع إلى المعاصي.

    التوبة ومحاسبة النفس

    إن المسلم الذي يريد أن يقبل حجه، وأن يكون حجه مغفوراً هو المسلم الذي يحاسب نفسه ويتقي الله عز وجل، فما كان من عمل صالح فليستمر وما كان من سوء وتقصير فليتب إلى الله، وليفتح صفحة جديدة في حياته، كل منّا مقصّر، وكل منّا خطّاء، وكل منا يواقع ألواناً من الذنوب، والبشر هذا طبعهم، وتلك سجيتهم، ولكن على المسلم ألا يبتعد عن الله، وألا ينسى الله جل في علاه، وأن يأخذ من هذه المواسم مرحلة ومحطة للتزود بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله، وليجدّ في حسن الختام في ختام ذلك الموسم؛ فإن الأعمال بالخواتيم.

    وإنني لأطالب كل حاجّ -وأخص كل من يسمع هذا الكلمة، وحضر هذا المجلس- أطالبه بأن يتقي الله سبحانه وتعالى، وألا يخرج من هذا المكان إلا وقد عاهد ربه وأخذ على نفسه العهد أن يكون تائباً إلى الله، جاعلاً من هذا الموسم فرصة للعمل الصالح والانطلاقة إلى الله والعمل للآخرة.

    وإنني لأناشد كل مقصر وأولهم المتحدث أن يقبل على الله سبحانه وتعالى، وأن يتوب إلى ربه وأن يفتح صفحة جديدة بعد أن تخفف من أحماله، وبعد أن تخفف من بعض ذنوبه، فيا لها من فضائل! ويا لها من مواسم! هذه المواسم التي تتنـزل فيها الرحمات، وتغفر فيها الزلات، ويباهي الله ملائكته، بحجاجه وعباده، ويقول: انظروا إلى عبادي ويشهدهم أنه قد غفر لهم، وأنه أعتقهم من النار بمنه وكرمه.

    إنه لمن المخادعة للنفس، ومن المخجل بعد هذا الخير العميم وهذا الفوز العظيم أن نحاجّ الله وأن نقبل على سالف حياتنا البعيدة عن الله، وأن نستمر في معصية الله، وأن تستمر الأمة في أوضاعها المتردية وفي أحوالها المزرية.

    إن على الأمة إذا أرادت الخير لنفسها، والحل لمشكلاتها أن تجعل من هذه المواطن فرصة للرجوع إلى الله وتحكيم شريعة الله، والبعد عن غير الله سبحانه، والإقبال على الله جل وعلا، والاعتصام بحبل الله وحده.

    واجب الشباب نحو دينهم

    وإن على شباب المسلمين أن يعلموا أن رسالتهم عظيمة، ومسئوليتهم جسيمة، وأن أحوال الأمة الإسلامية لن تحل بعد توفيق الله عز وجل ومنه وكرمه إلا بأكتافهم وسواعدهم، فليتقوا الله فيها، وليتعلموا أحكام دينهم، وليبنوا حياتهم على صحة العقيدة وقوة الإيمان، وليجعلوا من شباب الصحابة الذين حركهم الإيمان وسيرهم التقى، وحثهم على العمل الصالح في حياتهم كلها، أن يجعلوهم خير قدوة، وأسوة فيسيروا على خطاهم، وأن يبتعدوا عن كل ما حرم الله، ويزنوا خطاهم بميزان الكتاب والسنة فما وافقها أخذوه وما خالف شيئاً من ذلك تركوه وابتعدوا عنه.

    مسئولية كل مسلم

    إن مسئولية النهوض بالأمة من كبوتها، وإيقاضها من غفلتها، مسئولية كل من قال ربي الله وحمل رسالة الإسلام، وإن المسئولية تتضاعف وتتجاسم على حسب قوة الإنسان وعمله، وعلى حسب مكانته ومنصبه وجاهه، فأروا الله من أنفسكم خيراً، وأروا دينكم دفاعاً، وأروه التزاماً بمنهجه، وخذوا من هذه المواسم فرصة للانطلاقة والتوبة، واختموا أعمالكم بالاستغفار والتوبة، يقول سبحانه: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200] وقال سبحانه: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة:198] إلى قوله سبحانه ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199] فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200] الآية.

    فهي فرصة أن نتوب إلى الله في هذه السويعات القليلة، وأن نأخذها عهداً على أنفسنا، وتوبة إلى ربنا، إن كنا صادقين في معاهدتنا، فوالله لا خير في كثرة الكلام، ولا خير في المحاضرات والندوات إن لم تكن حافزاً على العمل، وإن لم تكن منطلقاً للتمكين، والدعوة إلى الله جل وعلا، واتباع ذلك بالعمل.

    أما الكلام فقد عرفه الجميع، وقد قامت الحجة فيجب علينا أن نعمل، وإلى متى يظل المسلمون على أحوالهم؟ وإلى متى ينسحب الغيورون؟ وإلى متى يحوقل المحوقلون؟ إننا مع ذلك بحاجة إلى الانتفاضة والعمل، بحاجة إلى تقوى الله جل وعلا والصدق مع الله سبحانه، والإخلاص لدينه وشرعه، فوالله إن هذه لرسالة عظيمة يجب على كل مسلم أن يعمل بها.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، وعملنا صالحاً مقبولاً، وأن يجعل الجميع من التائبين الهداة المهتدين المقبلين على ربهم طيلة حياتهم، الذين كتب الله لهم الخير، وكتب لهم الهداية، وكتب لهم بمنه وكرمه رحمته وجنته وما ذلك عليه جل وعلا بعزيز.

    ونسأله تعالى أن يجعل السامعين جميعاً من المنتفعين، وأن يجعلنا من العاملين بما نسمع، وأن يجعل كلامنا حجة لنا لا علينا، وأن يجعل للأمة الإسلامية من هذه المواسم المباركة انطلاقة وتوبة إلى الله ورجوعاً إليه جل في علاه.

    ونسأله تعالى أن يختم للجميع بخاتمة القبول والمغفرة والرحمة، وأن يجعلنا جميعاً ممن تقبل حجهم، وممن رجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، وممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: {من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه }.

    وأن يهيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، وأن يصلح قادتها ويوفقهم للبطانة الصالحة، ويوفقهم للحكم بشريعته والسير على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يوفق العلماء لبيان الحق والدعوة إليه، وأن يوفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر -وكلنا يجب أن نكون كذلك- لمضاعفة الجهد وحث الخطى وتقديم الخير لهذه الأمة، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم لبس الساعة للرجل

    السؤال: ما رأي فضيلتكم بلبس الساعة للرجل في يده، وهل فيها شيء من النهي؟

    الجواب: الأصل أن يسير المسلم في حياته على ضوء الدليل، ما كان من الأمور الواجبة أو من الأمور المستحبة التي جاءت النصوص بإقرارها أو الأمر بها فإنه يلتزم ذلك، وإذا كانت هناك نصوص واضحة في النهي عن المحرمات أو المكروهات أو ما إلى ذلك فإنه يجتهد في تركها، ولا أعلم دليلاً يمنع من لبس الساعة في اليد للرجل، فالأمر في هذه الأمور وأمثالها كالساعة أو النظارة أو نحوها الأمر فيه سعة، ولا ينبغي أن تكون مجالاً للإنكار من بعض الناس، ومن حرم فعليه الدليل.

    وإذا كان الإنسان يتورع عن بعض الأمور المباحة فلا ينبغي له أن يلزم الناس بذلك، فالأمر في هذه الأمور واسع ولا حرج فيه إن شاء الله تعالى، كما لاتؤثر الساعة على الإحرام كما يتصور بعض الناس.

    السؤال: هل في لبس الساعة شيء من الأشياء التالية: التشبه بالنساء، التشبه بالإفرنج، التشبه بأهل النار لأن الحديد حلية أهل النار، هل يجوز لبسها أم لا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أما التشبه بالنساء فالساعة ليست من خصائص النساء حتى نقول إن فيها تشبهاً، إلا إذا قصد اللابس تخير الساعات ذات العرف العام عند الناس أنها تلبسها النساء ويبالغ في جمالها ورونقها فهذا شيء آخر، كل بقصد نيته، أما مجرد لبسها لغرض معرفة الوقت فهذا لا حرج فيه إن شاء الله، ولا ينبغي المغالاة وأن تكون فرصة للتزين، والإنسان ليس هذا قصده، ولكن الأولى أن تكون دليلاً للإنسان يعرف بها وقت الصلاة وما إلى ذلك.

    وليس فيها تشبه بالأعداء أيضاً، وليس فيها تشبه بأهل النار، ولا أعرف أن في هذا حديثاً صحيحاً.

    وعلى كل حال فالإنسان عليه أن يعمل الأمور قدر استطاعته، وأن يسير فيها النصوص، أما الأمور المباحة والطيبات فالعمل بها لا حرج فيه إن شاء الله، وأما من أراد أن يتورع فباب التورع مفتوح، ولا ينكر أحد على أحد في هذا المجال والله أعلم.

    حكم الصلاة خلف أصحاب الطرق

    السؤال: هل يجوز الصلاة خلف أصحاب الطرق الذين يأمرون الناس بزيارة القبور؟

    الجواب: هذا السؤال سؤال عام فقول السائل: الذين يأمرون الناس بزيارة القبور، إذا كان قصده الزيارة الشرعية، فهذا لا بأس به، والزيارة الشرعية: أن يزور الرجل المقابر ويسلم على أهلها كما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يزور المسلم المقابر ويدعو لأهلها ويقول: {السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم }. فهذا سنة حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وأخبر أنها تذكر الآخرة.

    أما الزيارات الشركية والبدعية للقبور التي يفعلها بعض الجهلة من الطرقيين وغيرهم، الذين يظنون أن بعض أصحاب القبور يستطيعون أن يشفوا المرضى أو يقضوا الحوائج، ويأمرون الناس بالذهاب إلى المقابر، قبر الولي الفلاني أو السيد الفلاني ويطلبون منهم المدد وما إلى ذلك، فإن هذا شرك ولا تجوز الصلاة خلف من هذا حاله.

    أما إذا كانت مجرد معصية لا تصل إلى حد الشرك فالأمر فيه سعة، وينبغي للمسلم أن يسعى للفضل؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، فيبحث عمن يرتضي دينه واستقامته والتزامه وعقيدته، ويصلي خلفه، وأصحاب الطرق الغلاة لا تجوز الصلاة خلفهم؛ لأن عندهم كثير من الشركيات، ويظنون بالأولياء ويعتقدون بهم، والطرق الصوفية كثيرة، منها: الطريقة التيجانية ، والشاذلية ، والقادرية ، وما إلى ذلك من طرق الصوفية وفي الغالب أنها طرق بدعية شركية، ينشئون الناس على أن للولي تأثيراً في الكون، وأنه ينفع أو يضر، ويغلون في محبتهم -والعياذ بالله- وقد يصرفون لهم شيئاً من أنواع العبادة، فمن كانت هذه حاله فلا تجوز الصلاة خلفه، والله أعلم.