إسلام ويب

واعبد ربك حتى يأتيك اليقينللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استهلَّ الشيخ حديثه بأهمية التذكير، والجلوس إلى العلماء، وثنَّى بالكلام عن حاجة العباد إلى ربهم، وجعل كلامه اللاحق على ثلاثة محاور:

    العبودية - الربوبية - الموت.

    فالعبودية وصف تشريف جعله الله لرسوله في أشرف المواضع التي ذكره بها في كتابه.

    والربوبية من مبادئ العقيدة التي لا غنى لأحد عنها.

    والموت حقيقة قاسية مرة، لكن يجب ترويض النفس على التفكر فيها والتذكير بها.

    1.   

    التذكير والتواصي بين المسلمين

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعـد:

    أيها الإخوة الكرام: أيها الأحبة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    بادئ ذي بدء أشكر الله عز وجل على ما منَّ به عليَّ وعليكم من هذا اللقاء الطيب المبارك الذي نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحقق النفع منه إنه جواد كريم، فلا يخفى عليكم أيها الإخوة الأحبة! أهمية أمثال هذه اللقاءات؛ لأنها منطلقة من قول الحق تبارك وتعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] وقوله سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] وقوله تبارك وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    فالتعاون والتواصي بالحق والصبر عليه سمات عظيمة من أهم سمات أهل الإيمان، ينبغي على جميع المسلمين العناية بها، وما هذه المحاضرات القيمة التي يقوم عليها وبها طلاب العلم والعلماء والمشايخ إلا من باب التعاون على البر والتقوى، بل هي في الحقيقة من أهم الجوانب التي يطلق عليها هذا التعاون، فالتعاون ليس إسداء أمر مادي فقط، وإنما نصح إخوانك ونصح نفسك أولاً، وإرشادهم وتذكيرهم بالواجب عليهم، وهذه الجلسات الإيمانية التي هي تذكير للغافل، وتنبيه للعالم والجاهل علهم يحاسبون أنفسهم، ويراجعون ربهم، ويوثقون الصلة به سبحانه.

    أثني بالشكر للإخوة الأحبة في الخطوط السعودية، لا سيما المسئولون عنها نسأل الله تعالى لهم كل توفيق، ونسأله تعالى أن يعينهم على ما حُمِّلوا، ونسأله جل وعلا أن يجعلهم خير من يقوموا على هذا الثغر المهم الذي له أبعاده وآثاره وأهميته لهذه البلاد وخارج هذه البلاد؛ لأنه في الحقيقة ثغر مهم ينبغي أن يمثل واجهةً إسلاميةً جيدةً تنم عن تمسك أهل هذه البلاد بعقيدتهم، واعتزازهم بدينهم، فنسأل الله تعالى أن يجعل من هؤلاء المسئولين خير من يمثل هذه المسئولية العظيمة، وإنهم لفاعلون إن شاء الله، وأخص بالشكر في الخطوط السعودية إخوتنا الفضلاء في لجنة التوعية الإسلامية، نسأل الله تعالى أن يثيبهم على جهودهم، وأن يجزيهم على جهودهم، وأن يجزيهم خيراً على ما قدموا.

    والحق أني لا أكتمكم أني تأثرت بالغ التأثر بالحفاوة والإكرام والتقدير الذي لمسته منهم في خطواتي إلى هذا المكان، فقد لمست فيهم من يمثل الإسلام حقيقة نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحداً، استقامة في السلوك، وحسن أخلاقٍ في المعاشرة، وليس هذا بغريب على أبناء التوحيد، وعلى أهل العقيدة، وعلى أهل المعادن الأصيلة كرماً ورجولةً وقوة معدن، فنسأل الله تعالى أن يثيبهم على هذه المحاضرات، وهذه الندوات التي يحرصون عليها، وهي في الحقيقة أهلٌ لأن يحرص عليها.

    واسمحوا لي أن أقول لكم: إن الواجب على إخوتنا في التوعية الإسلامية أكبر مما يقومون به، وإن كانوا ولله الحمد والمنة يقومون بجهود موفقة في هذا، لكن المسئولية عظيمة، والواجب كبير؛ لأننا بحاجة إلى الخطوط المعنوية التي تصلنا بعقيدتنا، تصلنا بمثلنا وقيمنا، تربطنا دائماً بمبادئنا الإسلامية القويمة، وأي انحراف عن هذا الخط العظيم، فإنه في الحقيقة مدعاة إلى التعثر في الخُطا، ومدعاة إلى أن يحصل لمن وقع في الانحراف ما لا تحمد عقباه.

    فهذه المحاضرات والندوات هي في الحقيقة طبٌ يعالج كل مظهر من مظاهر المخالفات لدين الله، كما أنها غذاءٌ يشحن الإنسان بما يحتاجه في دينه ودنياه وأخراه، ونحن نعلم في زحمة الحياة المادية حاجتنا إلى مثل هذه المحاضرات، وإلى هذه الندوات التي فيها قال الله وقال رسوله، وتبين للناس ما يجب عليهم، وترشدهم إلى ما قصروا فيه، فالكمال لله وحده، والخطأ من طبع البشر، فجزى الله إخوتنا في التوعية الإسلامية خيراً، وإلى الأمام سيروا في الإكثار من هذه المحاضرات، وإنني بالأصالة عن نفسي والنيابة عن زملائي وإخواني ومشايخنا سواء في مكة ، أو في غيرها من أرجاء هذه البلاد المباركة نشجعكم ونعينكم، ونجعل من استجابتنا التي هي في الحقيقة واجبٌ علينا، وليست تفضلاً منا، بل هي واجب؛ لأن الواجب علينا في البلاغ والدعوة والبيان والإرشاد عظيم جداً، وأنا أقول: إننا بحول الله وقوته، وبعونه وتوفيقه يجب علينا ألا نألو جهداً في تشجيعكم ودعمكم كل ذلك في محيط ما تمليه علينا شريعتنا الغراء، وما يوجهه لنا ولاة أمرنا وفقهم الله إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين.

    الذكرى في ظلال القرآن

    أيها الإخوة الأحبة: الحديث في ظلال القرآن له مذاقٌ خاصٌ، وله طعمٌ معين، لأننا يجب علينا أن نكون أهلاً للقرآن، فأهل القرآن الذين يقرءونه ويتدبرونه، ويخشعون في تلاوته، ويعملون بما فيه ويؤمنون بمحكمه ويعملون به، ويؤمنون بمتشابهه، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه؛ هؤلاء هم أهل الإيمان في الحقيقة، فالأمة الإسلامية قد منَّ الله عليها بهذا القرآن الكريم الذي أنزله الله عز وجل هدايةً لها في جميع شئونها وأمورها إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] فالقرآن الكريم كتاب هداية، في أمور العقائد، وفي أمور العبادات، وفي أمور المعاملات، وفي أمور الأخلاق والسلوك، وفي كل أمور الدين والدنيا والآخرة؛ الكتاب الكريم هداية لنا، ولا مصدر للهداية إلا عن طريق هذا القرآن، وهذه حقيقة ينبغي أن نعيها جيداً، وينبغي أن نعتز بها، وينبغي أن نرفعها لا سيما في هذه الآونة التي أخفقت فيها جميع الشعارات، وأصبحت لا تمثل الهداية، ولا تمثل السعادة لمعتنقيها، بل لا يمثل السعادة على الحقيقة والهداية لخيري الدنيا والآخرة إلا هذا الكتاب الكريم الذي نزل من عند رب العالمين الذي هو أعلم بمصالح الناس، وأعلم بما يصلح لهم في أمور المعاش والمعاد قال سبحانه وتعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] فالله عز وجل خلق خلقه، واعتنى بهم جل وعلا، خلقهم في أحسن تقويم، وكرمهم أحسن تكريم قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70] ويقول سبحانه وتعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] ويقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8] ويقول جل وعلا: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:13].

    فكل ما في الخليقة، وكل ما في الكون في الأرض، والبحر، والجو، والسماء؛ مسخر لخدمة بني آدم، فالله عز وجل خلقنا ورزقنا، وأنعم علينا بالنعم ما ظهر منها وما بطن، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، كل ذلك منَّةٌ علينا، وكل ذلك نعمةٌ من الله جل وعلا علينا، فالواجب على العباد أن يشكروا الله، من الذي خلقنا ورزقنا وكلأنا ورعانا وحفظنا بالليل والنهار؟ قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] من الذي فعل ذلك إلا الله عز وجل؟! من الذي أنعم على العباد بنعم الإيمان والأمن والاطمئنان؟! وغيرهم يخافون، وغيرهم يصابون بالاضطراب، وغيرهم يصابون بالفيضانات والأعاصير والكوارث والحوادث، من الذي حفظهم إلا الله؟!

    فوا عجباً كيف يعصى الإله      أم كيف يجحده الجاحدُ

    ولله في كل تحريكـةٍ     وتسكينةٍ أبداً شاهدُ

    وفي كل شيءٍ له أيةٌ      تدل على أنه واحدُ

    سبحان الله ما أكرمه وأعظمه! ما أحلمه وألطفه! سبحانه ما عبدناه حق عبادته، ينعم علينا؛ فلا نشكر نعم الله عز وجل على الحقيقة، ونخطئ ونذنب؛ فيسترنا ويغفر لنا ذنوبنا قال سبحانه وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    فالحاصل أن حاجة العباد إلى الله، وضرورة التجائهم إلى الله أعظم من ضرورتهم للطعام والشراب والكساء والهواء والدواء، لأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، من الذي ينفع إذا حصل الضر، وحصلت الكروب والكوارث والحوادث؟! لا يستطيع الناس أن يدفعوا عنك ضرراً، أو يجلبوا لك نفعاً، وإنما يملك ذلك الله وحده جل وعلا. وأما غيره فيقول تعالى فيهم: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] ويقول تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6]

    لقد ضل أقوامٌ ألحدوا، وضل أقوامٌ أشركوا، وضل أقوامٌ كفروا، وضل أقوامٌ انحرفوا عن دين الله عز وجل، لقد ذاقوا وتجرعوا تعاسة الدنيا قبل عذاب الآخرة عافانا الله وإياكم.

    فيا أيها الإخوة الكرام! إن الحديث في ظلال القرآن حديث له أهمية، ينبغي على أمة الإسلام أن ترتبط بكتاب الله عز وجل دائماً وأبداً قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    ثلاث قضايا اشتملت عليها الآية

    ونحن في هذه الجلسة المباركة نتأمل في آية من آيات كتاب الله، وقد أحسن الإخوة الكرام حين اختاروا هذا العنوان الطيب المبارك، واختاروا الحديث ليكون منبثقاً من عبق كتاب الله، ومن نمير كتاب الله عز وجل، نرتوي من نميره، ونُشفى من عللنا وأدوائنا وأمراضنا وقسوة قلوبنا من كتاب ربنا تبارك وتعالى، ولا غرو فقد قال الله عز وجل: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ [فصلت:44] وقال جل جلاله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57-58] والله إن هذا اللقاء الطيب المبارك -الذي نسأل الله أن يكتبه في موازين الجميع- لهو خيرٌ من الدنيا وما عليها؛ لأن صلة الإنسان بالله وارتباطه بالله، وجلوسه في مجلس تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، ويذكر الله الحاضرين في الملأ الأعلى فيمن عنده، لهو خيرٌ من الدنيا وما فيها، فنسأل الله الإخلاص في الحضور، وفي الاستماع، والانتفاع إنه جوادٌ كريم.

    يقول الله عز وجل في الآية الأخيرة من سورة الحجر: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] هذه آية عظيمة من كتاب الله عز وجل، لها دلالاتها العظيمة، ولها أهميتها الكبيرة، لأنها تشتمل في نظري وتدور على ثلاث قضايا رئيسية:

    القضية الأولى: قضية العبودية.

    القضية الثانية: قضية الوحدانية والربوبية.

    القضية الثالثة: القضية المصيرية التي كلنا قادمون عليها ألا وهي الموت.

    فهذه الثلاث القضايا الجوهرية يدور عليها رحى هذه الحياة، وتدور عليها متطلبات الناس في هذه الحياة، وما ينبغي عليهم في هذه الدنيا، العبادة: ( وَاعْبُدْ ) ، الربوبية: ( رَبَّكَ ) الغاية التي تنتهي من أجلها وأساسها هذه الرسالة، وهي تحقيق العبودية لله، وهي قضية الموت ( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ).

    1.   

    قضية العبودية

    العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، أي: مذللٌ قد وطأته الأقدام.

    والعبادة في الاصطلاح- كما نعلم جميعاً-: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وقد عرف ذلك التعريف جمعٌ من أهل العلم منهم شيخ الإسلام/ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمة الله عليه في كتاب جيد نفيس أنصح بقراءته اسمه" العبودية " بين فيه رحمه الله ما يجب على العباد تجاه خالقهم، لأن الله سبحانه وتعالى-كما نعلم- خلقنا في هذه الحياة لا ليستكثر بنا من قلة، ولا ليستقوي بنا من ضعف، ولا ليتعزز بنا من ذلة، حاشاه سبحانه فهو الغني عن خلقه يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7].

    فالعبادة أمرٌ أوجبه الله عز وجل، بل هي الغاية من خلقنا، لم نخلق لنأكل، ولم نخلق لنتمتع في هذه الحياة، لم نخلق لنشرب، ولنركب، ولنتمتع بالشهوات، كما يفهم الشهوانيون الماديون، وإنما خلقنا لأمر عظيم، خلقنا لرسالة سامية لواجب كبير ألا وهو تحقيق العبادة لله، ففي هذه الآية أمر من الله عز وجل لرسوله وحبيبه محمد بن عبد الله بالعبادة وَاعْبُدْ رَبَّكَ [الحجر:99] وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته؛ لأن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته ما لم يرد دليل على تخصيصه عليه الصلاة والسلام كما هو مقررٌ عند الأصوليين.

    مكانة العبادة

    العبادة أمر واجب، ليست أمراً اختياراً، وليست أمراً يعاد فيه إلى رغبة الإنسان، بل على الإنسان أن يقوم بتحقيق العبادة لله وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، هذه الغاية التي خلقنا من أجلها يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] من هو؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ [البقرة:21-22] هذا هو الله! فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] يخلقكم ويرزقكم ويسخر لكم هذه النعم، فتحادونه، وتعبدون معه غيره! فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

    فواجب العباد أن يقوموا بالعبودية لله سبحانه وتعالى، والعبودية -أيها الإخوة الكرام- وسام عزِّ، وتاج شرف، هي في الحقيقة أغلى والله من كل متاع هذه الحياة، ولهذا لما كانت أشرف وسام، كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو أشرف الخلق ينادى بأشرف نداء وهو نداء العبودية لله قال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19] وقال سبحانه وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1] نعم هذا هو الوسام العظيم الذي ينبغي أن نتشرف بحمله في عبوديتنا لله عز وجل، وفي ذلك العز لنا والسعادة، والخيرية لنا في الدنيا والآخرة، ولهذا الذين يدَّعون أنهم يرفعون شرف النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته بالتشييد وغيره هم في الحقيقة أخطئوا ما هو أهم من هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم ناداه ربه بأشرف نداء وهو نداء العبودية لله.

    ومما زادني شرفاً وتيهاً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي      وأن صيرت أحمد لي نبيا

    العبادة حياة للأرواح

    العبادة نعمةٌ لا يحس بها إلا من حرمها، اسألوا الماديين، واسألوا الذين ذاقوا من متع هذه الحياة وشهواتها ما ذاقوا، ركبوا ما ركبوا، ولبسوا ما لبسوا، وتمتعوا بكل أمور هذه الحياة؛ ولكن كما قال الله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] ثم ماذا؟ إن لم يتربع الإيمان في سويداء قلوب الناس، وإن لم يشرفوا بالإيمان والعبودية لله الواحد الأحد، وإن لم يصلوا له عز وجل، ويتصلوا به في كل يوم وليلة خمس مرات، فإن ذلك معناه قضاء على الحياة الحقيقية، قضاء على الحياة التي لا تكون إلا بحياة الروح، وحياة الفكر حياة الإيمان، وحياة العقيدة.

    من هم الناس بدون الإيمان؟!

    ومن هم الناس بدون العقيدة؟!

    ومن هم الناس بدون العبادة لله عز وجل؟!

    وحوش في غابة، أو بهائم في زريبة، بينما إذا كانوا مؤمنين موحدين حقاً يتحلون بحلية الإيمان، يلتزمون تعاليم الإسلام، يطبقون في أنفسهم أعظم نظام عرفته البشرية، ولن تعرف أحسن منه إلى قيام الساعة، ولهذا ينبغي أن نعلم أن المخدوعين المنهزمين الذين ابتلوا بعقدة التأثر بأعداء الإسلام، ويطالبون أمة الإسلام بالتخلي عن هذا الدين، إنما هم أعداءٌ لنا في عقيدتنا، وأعداءٌ لنا في ديننا، وأنهم في الحقيقة يريدون تعاستنا، وأنهم حسدونا على ما نحن فيه من إيمان، وعلى ما نحن فيه من إسلام، فلن يكون عزٌ لهذه الأمة، ولا نصرٌ، ولا توفيقٌ، ولا سعادةٌ، ولا هدايةٌ في أمور الدين والدنيا إلا بتحقيق الإسلام، وهذه حقيقة مثبتةٌ في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وليس في قلوبنا مثقال ذرة من الشك في هذا، بل كلنا يقين، وكلنا اعتقاد إلا أننا نخشى أن يتأثر بعض أبناء المسلمين بهذه الدعاوى الجوفاء التي يطلقها إما بأقلامٍ، أو بأصوات بين الفينة والأخرى أناسٌ حاقدون على الإسلام، وإن تسموا باسم الإسلام، وأناسٌ منبهرون بأعداء الإسلام، وأناسٌ أُشربت قلوبهم والعياذ بالله بالعاجلة، وآثروها على الآجلة.

    ثبتنا الله وإياكم على طاعته، وهداهم إلى الحق، فإن نعمة الهداية لهذا الدين لا يحس بها إلا من حرمها الذين ينادون اليوم بالرجوع إلى الإسلام، والذين جربوا كل شرٍ وفتنةٍ ورذيلةٍ، ذاقوا من متع هذه الحياة ما ذاقوا، وانغمسوا في الشهوات ما انغمسوا، ثم ماذا؟ يحسون بفراغ! يحسون بنقص! ما حصل الاكتئاب والقلق والاضطراب والتوتر وكثر الأطباء النفسيون إلا لما ضعف الإيمان في النفوس، ولما ضعفت العبادة وتحقيقها في نفوس أهل الإسلام وفي نفوس الناس جميعاً.

    ولهذا المجتمعات الإسلامية التي طبقت الإسلام هي من أقل الناس أمراضاً وأوبئةً، ومن أقلها جرائم، ومن أسعدها حياةً، ونحن ولله الحمد والمنة في هذه البلاد من باب التحدث بنعم الله ننعم بهذه النعمة، ونحس طعم الإيمان في الحقيقة، ونحس الحياة السعيدة التي هي حياة الكتاب والسنة، ولكننا مع كل ذلك على خطر، أعداءٌ حاقدون، وأمورٌ يريد أعداء الإسلام تحقيقها حسداً من عند أنفسهم، ولكن أملنا في الله عز وجل، ثم في يقظة أبنائنا وإخواننا أبناء العقيدة الذين تربوا عليها لا يمكن أن يتنازلوا عنها يوماً ما؛ لأنهم جربوها، وأصبحوا ولله الحمد والمنة دعاةً لله، وأصبحت وبفضل الله ترى في كل مكان، وفي كل ثغر من الثغور، وفي كل بقعة من البقاع من يصدع بهذه العقيدة، ومن يدعو بهذه الدعوة، ومن يتمثل هذا الإسلام تمثلاً حقيقياً، وهذا من بشائر دين الله، ومن بشائر نصرة دين الله.

    وهنا أطمئن الجميع أن الذين يأسون على مستقبل المسلمين، وعلى أوضاع المسلمين، ويطلقون الآهات تلو الآهات على ما وصل إليه واقع الأمة المتردي عليهم ألا ييأسوا من روح الله، وعليهم أن يبشروا ويتفاءلوا، فالله عز وجل ناصرٌ دينه، والناظر في تاريخ المسلمين، وفي تاريخ الأمم يجد أن الأمم مهما بعدت عن دين الله عز وجل، فإن الله بلطفه وكرمه ومنته يخرج منها طائفة في كل مكان تصدع بهذا الدين، وتقوم به، وتمتثل أمره حتى في البلاد التي تقول: لا إله، أصبحت اليوم تسمع لا إله إلا الله، وينطلق الأذان مدوياً عبر مآذنها، لما سقطت جميع الشعارات التي أثبتت إفلاسها، ولم تقدم السعادة للبشرية، ولم تحقق الحياة الإنسانية كما يقولون، فالحياة الإنسانية الكريمة حياة الطهر والعفاف والمبادئ والقيم والأخلاق لا تتحقق إلا في ظل الإسلام، أما إذا قصد بالحياة الإنسانية حياة العهر والخنا والرذيلة، فهذه في الحقيقة حياة بهيمية أكرمنا الإسلام أن نقع في حضيضها وفي مستنقعاتها.

    عدم اقتصار العبادة على الشعارات أو الشعائر

    أيها الإخوة: عبادتنا لله عز وجل وسام شرف نحمله في أعناقنا وفي صدورنا ينبغي ألا نفرط فيه، ولا يفوتني أن أنبه أن العبادة التي يأمرنا الله عز وجل بها في هذه الآية وفي غيرها من آيات كتاب الله العزيز ليست مقصورة على الشعارات أو الشعائر، إنها ليست مقصورة على الشعائر التعبدية التي جاء بها الإسلام، وإن كانت في الحقيقة هي جزٌ كبيرٌ في العبادة، ولكن ليست هي العبادة، وإنما هي جزءٌ منها، ولهذا عرف أهل الإسلام العبادة بأنها: اسمٌ جامعٌ -معناها: واسع- لكل ما يحبه الله ويرضاه من قول أو فعل فإنه داخلٌ ضمن هذه العبادة سواء كان ظاهراً من الأعمال التي يراها الناس وتفعل، أو من الأمور الباطنة الأمور القلبية التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا.

    وبهذه المناسبة أنبه الإخوة العاملين في كل مجال من مجالات الحياة الذين يعملون الأعمال المادية، الذين يعملون في هذا الثغر مثلاً في الخطوط السعودية، أو غيرها من الأعمال في قيامهم بخدمة إخوانهم المسافرين، في قيامهم بأعمالهم هذه إعفافاً لأنفسهم، وبحثاً عن لقمة العيش، وسداداً لأسرهم ومن يعولون أنهم في عبادة إذا أخلصوا النية لله، المزارع في عبادة لله عز وجل إذا غرس وبذر وحصد إخلاصاً لله عز وجل وتقويةً على العبادة، وإقامةً لجسده، وسداً لحاجة أسرته وحاجته {إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس } فالإنسان في عبادة في أي عمل عمله، الموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، وكل إنسان في عمله متى ما أخلص النية لله -وهذا شرط مهم- واحتسب الأجر عند الله، وأخذ من هذه الوظيفة عوناً له على عبادة الله، وسداداً له وقياماً له بحاجاته وحاجات أسرته، فإنه في عبادةٍ يؤجر عليها، لم أقل هذا أنا، وإنما قاله المعصوم عليه الصلاة والسلام حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا وسيدنا بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، يقول: {وفي بضع أحدكم صدقة } حتى معاشرة الرجل لأهله وزوجته يؤجر، وهي صدقة يتصدق بها على نفسه، وعلى زوجه، الصحابة رضي الله عنهم عجبوا من هذا، فقالوا: {يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! } هذه الشهوة والغريزة التي ركبت في الإنسان لا غنى له من إخراجها في طريق الحلال، أو في طريق الحرام والعياذ بالله ولكن طريق الحرام مغلق، فتصرف في طريق الحلال لا غنى له عن ذلك يؤجر على ذلك قال: {أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر }.

    فهذه العبادة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقامت بها أمته من بعده، ويجب على الأمة الإسلامية أن تقوم بها خير قيام في كل أمورها في أمور الأعمال، وفي أمورها الوظيفية، وفي أمورها الأسرية، وفي أمور البيت والأسرة، وفي غير ذلك من الأعمال التي يقوم بها كل إنسان عليه أن يعلم أنه في عبادة إذا أحسن النية وأخلصها لله جل وعلا، كذلك الأقوال التي يكون فيها دلالة على الخير، أو فيها كلام مباح، أو فيها سؤال عن الحال، أو فيها انشغال عن المحرمات كل ذلك يؤجر عليه الإنسان، لكن لا يفوتنا أن نستصحب إخلاص النية والاحتساب للأجر من الله جل وعلا، هذه هي القضية الأولى التي شملتها هذه الآية، وهي قضية العبادة.

    تحقيق العبودية معيار للعزة

    العبادة أيها الإخوة الكرام! معناها -كما سمعنا وكما علمنا- واسع وجامع، يدخل فيها كل قول، وكل عمل، وكل فعل، وكل خلق، وكل سلوك، وكل أمر يعمله الإنسان، أو يقوله، أو يتلفظ به، أو يقوم به ابتغاء وجه الله فيما يحبه الله ويرضاه، وهذا أمر مهم من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والكلام في هذا في الحقيقة يطول، ويستحق محاضرة كاملة، لكني أنبه على أهمية هذا الأمر، وأنبه أيضاً على أن شرف الإنسان ومكانته إنما هو في الحقيقة بقيامه بعبادة الله، بقيامه بطاعة الله جل وعلا في كل أمر شرعه الله سبحانه وتعالى، فليست الكرامة، وليست العزة، وليست السعادة هي في أمور هذه الحياة، المناصب تزول، المراكب، المشتهيات، المطعومات، المشروبات، كلها عرضٌ زائلٌ، فلا يبقى إلا القيام بالعبادة لله جل وعلا، القيام بالأعمال الصالحة، فالله عز وجل هو الذي خلقك، ربط جل وعلا بين الخلق والأمر كما قال سبحانه وتعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] فينبغي على العبد أن يقوم بعبادة الله عز وجل، فالذي خلقك ورزقك وأنعم عليك بهذه النعم هو الذي أمرك بما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، عليك أن تقوم بتحقيق هذه الأوامر، وما تحقيق هذه الأوامر إلا لسعادتك، ولصلاحك، ولسعادتك في الدنيا وفي الآخرة.

    العبادة والعقيدة

    أهم العبادات التي يقوم العبد بها في جانب العقائد: جانب الوحدانية لله، جانب الألوهية لله عز وجل، تأليه الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن كل أمر يجب أن يكون لله، العبادة لله، الذبح لله، الخوف من الله، النذر لله، التوكل على الله، والاستعانة والاستغاثة والرجاء والخوف كله بالله ومن الله جل وعلا، هكذا يجب أن يقوم العباد، فالمحقق للعبادة لا يخاف إلا الله؛ لأنه يعلم أن أجله وأن رزقه مقسوم، والله عز وجل هو الذي كتبه، وهو الذي يملك له الحياة، وهو الذي يملك له الموت، فلا يستطيع أحد في هذه الدنيا كائناً من كان أن يقدم من أجلك دقيقة، أو يؤخر دقيقة، أو يعطيك رزقاً منعك الله إياه، أو يجلب لك رزقاً منعك الله إياه، أو يحرم رزقك الذي أعطاك الله إياه وساقه إليك.

    فهذه العقيدة ينبغي أن تصطبغ في حياتنا، وفي أمورنا العامة، وفي أمورنا العملية، فليست العقيدة قضايا نظرية فقط، وإنما هي في الحقيقة ينبغي أن تتفاعل وأن تتحول إلى سلوك في حياة الناس، وهذا أمر مهم ينبغي ألا نغيب عنه أبداً، وألا يغيب عن أمورنا.

    فليس من العبادة، وليس من العقيدة أيضاً أنك تجعل للعبادة موسماً، أو وقتاً، أو مكاناً، ثم بعد ذلك تترك العبادة، فكما يقول بعض الناس، أو يتصور أن العبادة في المساجد، وأن العبادة في رمضان، أو أن العبادة في أشهر الحج، أو في موسم الحج، أو ما إلى ذلك من المناسبات الشرعية كما يقولون، هذا في الحقيقة قصور، وهذا في الحقيقة من الغزو الذي بلينا به، والذي حصل عند كثير من أبناء المسلمين لما عطلوا فهمهم لشعائر دينهم كما ينبغي، ولهذا في الطائرة مثلاً، في البر، أو العمل، أو الوظيفة لا تطالبنا بعبادة، لا تطالبنا بحلال وحرام كما يقول بعض الناس، سبحان الله! أدين الله في أماكن، ثم نعصي الله عز وجل في كثير من الأماكن، سبحان الله! هذا قصور في الفهم في أمور الدين، فأمور ديننا ينبغي أن تكون في كل أمورنا والإسلام نظام شامل لم يترك مجالاً من مجالات الحياة إلا كفله ونظمه وأصلحه ووضعه قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] ولهذا ينبغي أن نصطبغ بصبغة الإسلام، وصبغة العبودية لله أينما كنا {اتق الله حيثما كنت } في البر، في البحر، في الجو، في الوظيفة، في العمل، في البيت، في السوق، في الأسرة، في أمور الأموال، في أمور المعاملات، في البيع والشراء، في الأخلاق، في السلوك، في التعامل ينبغي أن نفهم الإسلام على أنه دين شامل، وعلى أن العبودية أمر واجب في كل مجال من المجالات التي جاء بها ديننا الإسلامي الحنيف.

    أيها الإخوة الكرام! هذا هو الجانب الأول، وتلك هي القضية الأولى التي هي قضية العبودية لله جل وعلا.

    1.   

    قضية الوحدانية

    قضية الربوبية وَاعْبُدْ رَبَّكَ [الحجر:99] هذا فيه تجريد العبادة لله عز وجل، العبادة ذلك الشرف العظيم الذي أمرنا به، والذي خلقنا الله عز وجل لتحقيقه ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل الخالق الرازق، المنعم المتفضل، المحيي المميت الذي بيده أزمة الأمور كلها، مالك النفع والضر سبحانه وتعالى، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، هو الله عز وجل الذي ينبغي أن يعبد، هو سبحانه وتعالى الذي ينبغي أن يوحد قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ [الحجر:99] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1] فالعبادة محض حق الله سبحانه وتعالى، فالربوبية مجالها عظيم، وهي إفراد الله عز وجل بأفعاله هو بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر، فلا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، وينبني على ذلك قضية الألوهية التي هي قضية أنه مادام أيقنا واعتقدنا وآمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الرازق، فيجب علينا أن نوحده، ويجب علينا أن نعبده حق عبادته، ينبغي علينا أن نفوض الأمور كلها إليه.

    ولهذا لا يجوز للناس أن يلتفتوا إلى غير الله، لا ملجأ من الله إلا إليه، المخلوق الضعيف مشغولٌ بنفسه، عاجزٌ عن إدراك مصالحه حتى يحقق مصالح غيره، ينبغي أن نلتجئ إلى من بيده قلوب الناس جميعاً فلا نلتجئ ولا نستعين بمخلوق ضعيف مثلنا، بل نلتجئ إلى الله الخالق الرازق القادر جل وعلا، والإنس والجن يعجزون، الإنس والجن لا يستطيعون دفع ضرر، أو جلب نفع، ولا يملك ذلك إلا الله جل وعلا وحده، فينبغي أن تكون عقيدتنا وإيماننا مبدؤنا وثقتنا بالله عز وجل فوق كل شيء، وهذا في الحقيقة هو ما يميز أهل الإسلام، لما جعلت الجاهليات المعاصرة والحديثة من الإنسان، إما حيواناً ناطقاً، أو حيواناً صامتاً كما في النظرية الداروينية الجاهلية الإلحادية، ولما وضعت الأديان المحرفة من الإنسان مكبلاً بالخطيئة الموروثة التي فعلها آدم لما كان سبباً في هبوطه من الجنة إلى الأرض، وكان الإنسان عندهم مكبلاً بالأحزان والأوهام والخيالات والضلالات، أعز الله الإنسان وشرفه، وأعلمه قدره ومكانته، ورزقه من الطيبات، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً.

    إذاً: فالله عز وجل الذي خلقنا ورزقنا فلماذا نلتجئ إلى جمادات، أو إلى بشر ضعاف لا يستطيعون جلب نفع، أو دفع ضر، من الذي يملك الخير للناس ودفع الشر عنهم إلا الله، لما أصيبت الأمة بالحوادث والكوارث، لم يكن مخلصاً منها إلا الله عز وجل وحده قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17] وقال سبحانه وتعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ [يونس:107] فالوحدانية لله والربوبية لله، فينبغي أن تكون هاتان القضيتان من القضايا المهمة في حياة المسلمين، وينبغي ألا تشغله قضايا المال، وقضايا الأعمال، وقضايا الوظيفة عن تحقيق هذا الأمر، فإيقاننا واعتقادنا ويقيننا بالله عز وجل وإيماننا به يبعث فينا الضمير الذي يراقبه جل وعلا في كل لحظة، ولهذا أمر الإخلاص لله، وأمر أداء الأمانة، والقيام بالمسئوليات على الوجه الشرعي كما يريد الله، وكما أمر الله عز وجل هذه قضية لا يقوم بها إلا من حققوا الإيمان، ولهذا لو علمت الجاهليات وعلمت النظم الأرضية اليوم ما يفعل الإسلام في تحقيق الرقابة الذاتية، وفي تكوين الشعور والإيمان الذي يجعله يراقب الله عز وجل، ويبعثه على مراقبة الله عز وجل، ويعتقد أن الله سيحاسبه، لو علمت ذلك، لربت شعوبها على الإيمان، فإذا أوجدنا الجيل المؤمن والفرد المؤمن، كسبنا القيام بأعمالنا على الوجه الصحيح؛ لأننا نطمئن أن صاحب الإيمان سيراقب الله.

    وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ     والنفس داعيةٌ إلى الطغيان

    فاستح من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل     خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

    ولا تحسبن الله يغفل ساعةً     ولا أن ما تخفي عليه يغيب

    أفيظن أصحاب المعاصي، وأصحاب الانحرافات، والذين يخلون بما حرم الله عز وجل من سماع محرم، ومن نظر محرم، ومن قراءة محرمة، ومن ممارسة محرمة في أفعال وأقوال أبعدت القلوب عن خالقها وبارئها ورازقها، أفيظنون أن الله لا يراهم، ولا يطلع عليهم، ولا يراقبهم؟! قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    ينبغي أن نُكَون هذا الشعور في نفوسنا، وأن نعلم أن رقابة الله عز وجل ينبغي أن تكون شعاراً لنا وديدناً لنا في كل عمل نقوم به، وفي كل لفظ نتلفظه، لو وجد الجيل المراقب لله، لما وجدت من يعصي الله، لما وجدت من يخل بالعمل، لما وجدت من يقع في الظلم والغش والتزوير والتدليس، لما رأيت من يواقع معصية، لما رأيت امرأة تخالف شرع الله وتقع فيما حرم الله عز وجل، لما رأيت رجلاً يقع في أي أمر حرمه الله عليه.

    1.   

    الموت ونهاية العبادة

    أمر الرقابة، وأمر العبادة، وأمر الوحدانية لله ينبغي علينا جميعاً أن نحققه، ولكن هل نحققه في يوم، أو في شهر، أو في لحظات معينة، أو في مواسم نأتي بها من عند أنفسنا؟ ما هي الغاية؟

    لقد أفصحت عنها الآية الكريمة: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] وهذا يبين أن عبادة الإنسان لله، وقيامه بالواجب عليه ليس محدوداً بحد، ولا مغيئاً بغاية، لا يحول عن العبادة، ولا الطاعة، ولا القيام بأمر الله عز وجل إلا الموت، إلا مغادرة هذه الحياة، والموت تلك الحقيقة المرة القاسية التي هي في الحقيقة ثقيلة على نفوس الناس، ولا يريدها الناس بفطرهم، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [العنكبوت:57] حقيقة كتبها الله على الناس جميعاً، يموت الأغنياء، ويموت الفقراء، ويموت الأقوياء، ويموت الضعفاء، يموت الملوك وغير الملوك، يموت المسئول وغير المسئول، يموت الكبير والصغير والذكر والأنثى، إذاً هذه نهاية كل الناس داخلها.

    الموت كأس وكل الناس شاربه     والقبر بابٌ وكل الناس داخله

    معنى اليقين في الآية

    السؤال الذي نسأله: ثم ماذا بعد ذلك؟

    أيقنا أن هذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عنا وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] واليقين كما فسره أهل العلم وأهل التفسير: الموت، كما فسر ذلك فيما نقل البخاري عدد من الصحابة رضي الله عنهم وعدد من التابعين كـقتادة والحسن وعكرمة ومجاهد وسالم وغيرهم أن اليقين هو الموت، وقد دل على ذلك في كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل عن أهل النار عافانا الله وإياكم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:42-46] هذه حال أهل النار والعياذ بالله لا يصلون، لا يؤدون الزكاة، يقعون فيما حرم الله عز وجل، يكذبون بيوم الدين، لا يبالون بالبعث والنشور، لا يستعدون للقاء الله، ألهتهم هذه الحياة بمغرياتها ومادياتها وشهواتها.

    فينبغي علينا أيها الإخوة! أن ننتبه لهذه الأمور، قال الله تعالى: حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:47] فاليقين هنا الموت كما في آية الحجر التي معنا.

    وقد جاءت السنة أيضاً في بيان أن اليقين الموت، عندما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عثمان بن مظعون وقد مات، قال: {أما هو فقد أتاه اليقين، ولكني أرجو الله له الخير } فنبه على أن اليقين هنا هو الموت، وهنا لطيفة: أن اليقين هنا هو الموت خلافاً لما عليه بعض أهل الإلحاد الذين يقولون: إن اليقين هو المعرفة، يقولون: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ما هو اليقين عندكم؟ قالوا: المعرفة، تتدرج في سلم المعرفة حتى تعرف الله -كما يقولون- وحتى تصل إلى درجة تسقط عنك فيها التكاليف، وحتى تصل إلى درجة والعياذ بالله يكون العبد فيها معبوداً والمعبود عابداً والعياذ بالله كما قالوا:

    العبد ربٌ والرب عبدٌ     يا ليت شعري من المكلف

    إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ     أو قلت ربٌ أنى يكلف

    حمقٌ وجهلٌ وسفسطةٌ وفلسفة خلاف دين الله عز وجل، وما على ذلك من غلاة المتصوفة الذين يرون أن اليقين هنا هو المعرفة، أو أن الإنسان يعبد الله يصلي حتى يصل إلى درجة معينة، ثم تسقط عنه التكاليف، فهذه الآية ردٌ عليهم، وهذه الآيات والأحاديث تدل على أن عبادة الإنسان وطاعته تجب عليه ما دام عقله معه، وما دام يعيش على هذه البسيطة يجب عليه أن يقوم بعبادة الله، وليس معنى ذلك -كما قلت يا إخوان- أن ندخل المسجد فلا نخرج منه، أو أن نمسك المصاحف فلا نتركها، لا. بل نفهم العبادة، ونفهم الدين على أنه مجالٌ واسعٌ في كل مجال من المجالات حتى الأعمال الوظيفية يخلص فيها العبد النية لله عز وجل، فتندرج ضمن العبادات، وهذا أمرٌ ينبغي أن نتنبه له.

    الموت والاتعاظ به

    الموت تلك الحقيقة التي نغفل عنها لما كبلنا بالماديات والأعمال والشهوات والوظائف والمناصب والكراسي، فأصبح بعض الناس يغفل، أما يفكر أين أبوه؟ أين أجداده؟ أين الناس الذين قبله؟

    أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ     وأين منهم أكاليلٌ وتيجان

    وأين ما شاده شداد في إرم     وأين ما ساسه في الفرس ساسان

    أتى على الكل أمرٌ لا مرد لـه     حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

    فإذاً علينا أن نستعد لهذه القضية ولهذه الحقيقة التي نحن قادمون عليها، ولكن ماذا بعد الموت أيها الإخوة؟

    الموت باب وكل الناس داخله     فليت شعري بعد الموت ما الدار؟!

    الدار دار نعيمٍ إن عملت بما      يرضي الإله وإن خالفت فالنار

    فلو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت غاية كل حي

    ولكنا إذا متنا بعثنـا      ونسأل بعده عن كل شيء

    {لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه } هذه أسئلةٌ ينبغي أن نعد لها جواباً، وينبغي علينا أيها الإخوة ألا نطيل الأمل [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ]] هذه الدنيا إن أسعدتنا قليلاً بهذه الشهوات فإنها لن تدوم، هذه الشهوات لن تدوم، هذه الماديات لن تدوم، إما تنتقل عنا، أو ننتقل عنها، فينبغي علينا أن نعتبر، وأن نعد العدة لما بعد هذه الحقيقة التي سنقدم عليها، وأن يكون عند الإنسان إحساسٌ بها، وقد غفلنا عنها، والله لما أهملنا الصلوات الخمس مع الجماعة، ولما أذن المؤذن ونحن سادرون وغافلون ومنهمكون في دنيانا، غفلنا عنها لما ضيعنا أبناءنا وأسرنا، كثير من أبناء المسلمين وقعوا فيما حرم الله، بدل أن يعرفوا طريق المساجد عرفوا طريق قرناء السوء، المسكرات، المخدرات، المشكلات، المصائب التي جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم فساداً عريضاً.

    الاستعداد للموت

    يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من قصرنا في معاملاتنا، أكلنا الربا، وتساهلنا في الرشوة، ووقع بعضنا في الخيانة، يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من بخلت بزكاة مالك، ويا من ضيعت عمرك ووقتك عبر محرم من المحرمات أغنيات ماجنة، أو منظر محرم، أو فيلم يذكي فيك الغريزة، ويبعدك عن ربك، ألم تعلم أن أوقاتك محسوبة عليك، وأن ساعاتك مدونة عليك، وأن الله سائلك عن كل دقيقة؟ الوقت يمر، الوقت يمضي، فعليك أن تتزود من محطة من المحطات التي ينبغي أن تتزود فيها من الأعمال الصالحة، لا يمر علينا العمر هكذا، لا تمر علينا هذه الأعمار نمسي ونصبح ونحن في عجلة من الزمن لا ندري إلى أين نحن صائرون، ألا نعتبر بما يقع من الحوادث والكوارث عند الناس، نسمع هكذا أن فلاناً مات، وأن فلاناً انتقل من هذه الحياة، ألا نصور أنفسنا مكانهم؟! ثم نعلم أننا محشورون، وقائمون أمام الله عز وجل في موقف عظيم، وقبله موصدون وموضوعون في حفرة ضيقة لا أنيس فيها إلا العمل الصالح، هل سأل الإنسان نفسه هذه الأسئلة؟ فإن ذلك يدفعه إلى العمل الصالح أن يقول خيراً، أن يحب الخير للناس، أن يطهر قلبه من الأحقاد والضغائن والحسد والغيبة والنميمة، أن تتقي المرأة ربها، فتلتزم بحجابها وعفافها وحيائها وحشمتها، وبعدها عن الاختلاط بالرجال وإبداء الزينة أمامهم، كل هذه أمورٌ ينبغي أن نستعد بها وفيها أمام ربنا جل وعلا.

    هذه القضايا الثلاث أيها الإخوة الكرام: قضية العبادة ، وقضية الوحدانية والربوبية، وقضية الموت والنهاية، كل تلك قضايا تضمنتها هذه الآية العظيمة، وهي آية كريمة ينبغي أن نقف عندها طويلاً، وأن نعرض أنفسنا وأعمالنا وأقوالنا عليها، وأن ننظر في أنفسنا، وأن نحاسبها: هل نحن حققنا هذه الأمور أم نحن قصرنا فيها؟

    وحري بالعبد وعلى من علم عظمة الله، وعلم قدرة الله، وعلم واجبه تجاه ربه جل وعلا، وشكر نعمة الله عليه الذي خلقه ورزقه وحباه وكلأه وهيأ له النعم؛ أن يقوم في هذه الأيام بعبادة الله، فإن العمر قصير، آجالٌ محدودة، وأنفاس معدودة، أجل مقسوم، ووقت محسوم، ثم بعد ذلك سؤالٌ وحشرٌ ونشرٌ وجنةٌ أو نارٌ، عذاب ٌلا نعيم بعده، أو نعيمٌ لا عذاب بعده.

    نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن حقق هذه الأمور كلها بمنِّه وكرمه، كما نسأله تعالى بأسمائه الحسنى أن يرزقنا حسن عبادته، وأن يرزقنا القيام بها على الوجه المطلوب، كما نسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتوب علينا إنه جوادٌ كريم، كما نسأله تعالى أن يوفقنا للاستعداد للقائه، وأن يحسن خاتمتنا وعاقبتنا، وأن يصلح فساد قلوبنا وأعمالنا إنه جوادٌ كريم، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم دائماً وأبداً على طريق الخير والحق والإرشاد والتذكير، والتعاون على البر والتقوى، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم في دار كرامته كما جمعنا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك.

    شكر الله لكم حضوركم وإنصاتكم، وبارك الله فيكم، وشكر الله لإخواننا المسئولين في الخطوط السعودية الذين أتاحوا لي هذا اللقاء الطيب المبارك، والذين ترك بعضهم أعماله، وأتى وشرفنا في هذا اللقاء الأخوي، شكر الله للجميع، وجعل ذلك في موازين الأعمال، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    .

    السبيل إلى مجاهدة النفس

    السؤال: ما هو السبيل إلى مجاهدة النفس، وإخلاص النية في جميع الأقوال والأفعال؟ وجزاكم الله خير الجزاء على إجابة هذا السؤال؟

    الجواب: أحمد الله تعالى، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    لا شك أن هذه الطرق الثلاث، أو هذه القضايا الثلاث الرئيسية التي ذكرناها ضمن الحديث تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج إلى عمل؛ لأن هناك أعداء يريدون إشغالنا عما خلقنا له.

    إبليس والدنيا ونفسي والهوى     كيف الخلاص وكلهم أعدائي

    فشياطين الإنس والجن مع النفس الأمارة بالسوء والهوى كل هؤلاء حريصون على إضلالنا وإبعادنا، وأن نكون معهم في نار جهنم والعياذ بالله! كما حرص الشيطان الرجيم -أعاذنا الله منه- على إغواء بني آدم، وأنه سيأتيهم من أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم إلى آخر ما ذكر الله عز وجل عنه، فينبغي على العبد أن يجاهد نفسه، وطرق مجاهدة النفس تأتي ضمن عدة أمور:

    الأمر الأول: الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل، فهو سبحانه الذي يعين، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء: { اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك } ويقول: {يا معاذ ! إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك }.

    إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    الأمر الثاني: أن يأخذ الإنسان بطرق مكافحة الشيطان، أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم دائماً وأبداً، ويسأل الله دائماً أن يعيذه من شرور نفسه وسيئات عمله، وأن يدله على الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه، ثم عليه أن يأخذ بعوامل الثبات، يقبل على كتاب الله عز وجل، يقوي الإيمان في قلبه عن طريق تقوية الإيمان المعروفة: قراءة القرآن، الأذكار الشرعية، صلاة الفرائض وصلاة النوافل، والصدقات، والتطوع، والواجبات، وأيضاً من ذلك أن يشتغل الإنسان بالطاعات، ويبتعد عن المعاصي، فإن المعاصي تقرب الإنسان مما يبعده عن الله عز وجل، وتأخذ به رويداً رويداً حتى تقذف به بعيداً عن جادة الصواب والعياذ بالله، ولهذا يجب على المسلم ألا يستقل صغيرة، لا يقول أنا لم أصلِّ السنن، وهذه سنن ويتساهل فيها، عليه أن يأخذ نفسه بالجد، ولا يضع لنفسه ثغرة من الثغرات، فإن الشيطان حريص أن يتسلل منها إلى قلبه، وإلى دينه وإيمانه.

    الأمر الثالث: عليه أن يلتمس الجلساء الصالحين، وهذه قضية مهمة.

    إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم     ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه      فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي

    إذا مشى الإنسان مع الذين يصلون ويذكرون الله ويطيعون الله؛ صار منهم، وإذا مشى مع الذين يلعبون ويلهثون ويلغون ويرابون ويسكرون ويعبثون في هذه الدنيا؛ أصبح منهم، فالتمس لك قريناً صالحاً، والتمس لك خلاً صادقاً وفياً، فإن هذا مما يعينك على مجاهدة نفسك، لازم العلماء، استفد منهم عبر مجالستهم، أو مجالسة أصواتهم والاستفادة منهم عبر محاضراتهم وندواتهم.

    الكتاب الإسلامي، الشريط الإسلامي، الالتزام بالرفقة الصالحة، كل ذلك.. ومما يعين على مجاهدة النفس، البعد عن المعاصي، لا نستمرئ المعاصي، إذا كثر إمساسنا للمعاصي، قل إحساسنا لها، ولهذا تجد بعض الناس الذين واقعوا كثيراً من المعاصي يعدونها سهلة، وإن كان ثبت {أن الإنسان المنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال له هكذا فطار، والمؤمن يرى ذنوبه كأنه جبل يريد أن يقع عليه }.

    إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57] إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:60-61] هذه بعض الوصايا التي تعين الإنسان على أن يسلك مجاهدة النفس، وطريق الثبات، وعليه أن يسأل الله دائماً وأبداً الثبات على الحق، فمن نحن عند أفضل الخلق على الإطلاق الذي قام الليل حتى تفطرت قدماه؟ وكان يقول: {يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك } يقوم الليل حتى تتفطر قدماه! فقلوبنا نحن قاسية الآن، وعلينا أن نسأل الله الثبات، ثم علينا أيها الإخوة أن نتذكر الموت، نزور المقابر، نتذكر الآخرة، نأخذ برصيد، لا تشغلنا هذه الحياة بزخارفها وشهواتها، كل ذلك بإذن الله عونٌ على مجاهدة الإنسان نفسه، وسيره على الطريق المستقيم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل ذلك؟

    واجب رجل الخطوط الجوية تجاه دينه

    السؤال: ما هو واجب رجل الخطوط السعودية تجاه دينه لكونه أول واجهة لهذا البلد الإسلامي الذي حباه الله تعالى بنعمة الإسلام؟

    الجواب: الحقيقة هذا سؤال غاية في الأهمية، وليته كان عنوان المحاضرة، لكن أشير إشارة بشيء على ما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

    أولاً: المسلم أياً كان موقعه مطالبٌ بالالتزام بهذا الدين، والقيام بما أوجب الله عليه، وأن يكون متحلياً بما فرض الله عليه، متخلياً عمَّا حرم الله عليه، فكيف بالرجل الذي يقوم بعمل من أهم الأعمال، ومن أكثرها ملامسةً للجمهور، وهي في الحقيقة الواجهة -كما تفضل الأخ- التي يواجهها أي قادم لهذه البلاد، بل هي حلقة الوصل في الحقيقة بين المسافرين وبين محطات سفرهم.

    عليه أولاً: أن يستشعر أنه عضوٌ في مجتمعٍ شرفه الله بالإسلام، نحن في هذه البلاد شرفها الله وحرسها، وأدام عليها نعمة العقيدة والإيمان، ونعمة تحكيم شريعة الإسلام، ووفق ولاة أمرها إلى ما فيه الخير للمسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وجزاهم خيراً على ما قدموا ويقدمون من خدمات جُلَّى للمسلمين، أقول نحن في هذه البلاد لسنا كغيرنا، ومن الخطأ أن نكون كغيرنا، نحن في هذه البلاد دستورنا كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، منهجنا منهج الإسلام، يجب علينا أن نتمسك به، وأن نلتزم به، وأن يُرى الإسلام متمثلاً في كل مجال من المجالات، وفي كل مكان من الأمكنة في هذه البلاد المباركة، وهذا ولله الحمد والمنة موجود في جملته، ولكن الكمال لله وحده، والقصور من طبع البشر، يحصل فينا قصور وأخطاء، ولكن علينا أن نحاسب أنفسنا، وأن نصلح من أخطائنا، وألا نستمر فيما عرفنا أنه خطأ محض، والحمد لله فإن الله عز وجل قد شرفنا بهذا الدين، وأكرمنا أيضاً بنعمة العقل والتمييز والإدراك والتفريق بين الحق والباطل.

    أقول: إن عضو الخطوط السعودية أول ما ينبغي أن يحمله: إيمانه وعقيدته والتزامه بالإسلام الذي يجعله لا يمارس عملاً يخالف هذا الدين، لا يقع في أمر يخالفه ويحرمه الإسلام، هذا جانب مهم عليه أن يتمثل هذا الدين وهذه العقيدة في كل مكان.

    الأمر الثاني: عليه أن يلتزم بالإسلام ظاهراً وباطناً، ثم عليه أن يعتز بذلك لا ينظر لنفسه على أنه دون غيره، وأن المكانة واللياقة والمكان العظيم والتقدم إنما هو في غير ما تقوم به، الذي أعلمه أن الخطوط السعودية ولله الحمد والمنة تكاد تكون من أفضل الخطوط في العالم من حيث الإمكانات المادية، بل ومن حيث الالتزام أيضاً، وهي أسلم ولله الحمد والمنة من غيرها، أو من كثير من الخطوط فيما يعرض فيها، لكن مع ذلك كلنا يدرك أن ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وأن ما يحصل من أمور تخالف الإسلام وتخالف الشريعة، وهي ولله الحمد والمنة معدودة بالأصابع وقليلة ينبغي علينا ألا نيأس في حلها، ونحمد الله أن ولاة أمرنا يفتحون صدورهم، ويحبون كل ما فيه إبداء النصح لهم، وإبداء النصح فيما فيه الخير لهذه البلاد أمام الشعوب الإسلامية؛ لأن الشعوب الإسلامية حينما تأتي إلى هذه البلاد كأنها تريد أن ترى جيل الصحابة، وجيل العهد النبوي الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نكون عند حسن الظن، أنا ألخص الأمر في أمور حتى لا يضيع الوقت.

    أولاً: يعلم أنه عضو مسلم تسلح بالعقيدة.

    ثانياً: عليه أن يلتزم بالإسلام ظاهراً وباطناً.

    ثالثاً: عليه أن يمثل واجهة لهذا الدين، الذي يحضر إلى هذه البلاد يرى في رجل الخطوط السعودية المسلمة الالتزام بالإسلام حقيقة، فلا يخالف شيئاً من الإسلام، لا يكذب في حديثه، لا يخلف في موعده، لا يقع فيما يخالف السلوك الإسلامي الحسن، ينبغي علينا أن نتخلق مع القادمين والمسافرين والمغادرين، لا سيما الذين يأتون من الحجاج والمعتمرين أن نتمثل أمامهم بأحسن صورة بالأخلاق الطيبة، بالتعامل الحسن، والتفاني في خدمتهم، واحتساب هذا عند الله عز وجل، فهذا أمر يؤجر عليه الإنسان، أيضاً جانب الخلق جانب مهم، أيضاً معالجة بعض الظواهر التي نراها، وهي في الحقيقة معروفة، ينبغي علينا أن نلتزم بكل ما يمليه علينا ديننا وكفى.

    هذا هو المطالب به رجل الخطوط السعودية من حيث كونه يحمل الإيمان في جنبيه، ويحمل العقيدة بين جوانحه وتعاليم الإسلام في سلوكه وأخلاقه وأعماله الظاهرة والباطنة، لكن السؤال الذي نطرحه: هل طُبِّقَ هذا؟ وهل قمنا بهذا أم لا؟

    هذا سؤال يطرحه كل فرد من أفراد مؤسسة الخطوط العربية السعودية على نفسه، والحقيقة لا نعدكم شيئاً آخر، وإنما نحن منكم وفيكم، وأنتم منا وفينا، وكلنا أسرة واحدة، والإنسان يكمل نقص أخيه، الخطأ ولا شك موجود والتقصير حاصل، لكن علينا من الآن أن نسعى بجد واجتهاد، وأن نفتح مجالات الإصلاح قدر المستطاع، والحمد لله سرنا ما لقينا من إخواننا في التوعية، وأيضاً بلغنا الكثير من المبادرات الطيبة التي قام بها المسئولون في الخطوط السعودية، والمسئولون في هذه البلاد وفقهم الله قاموا بخطوات جبارة، فقد سمعنا أموراً سرتنا كثيراً فيما يتعلق بصون حرمات المسلمين وسلامة أعراضهم من أمور قد يراد بها غير ذلك، ولكن ولله الحمد والمنة وقفوا؛ لأن هذه أمور تخالف عقيدتنا، وتخالف شريعتنا، وتخالف إسلامنا، ولا شيء إلا وفي الإسلام له حل، وفي تعاليم الإسلام له علاج، لكن علينا بالصدق مع الله عز وجل، والمبادرة والعزم، وإنكم لفاعلون إن شاء الله، لكن الذي أوصي به الإخوة الأفاضل الملتزمين الطيبين أن يسعوا في حل ذلك بالطرق السليمة، وأن يدعُوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يغمروا الناس بحسن أخلاقهم وحسن تعاملهم وتفانيهم في العمل ليكونوا قدوة عملية ليستطيعوا من خلالها الوصول إلى تحقيق المجالات التي ينبغي أن تصلح، وهي ولله الحمد والمنة في طريقها إلى الإصلاح، وولاة الأمر كما نحسبهم كذلك، ولا نزكيهم على الله لا يألون جهداً في تحقيق كل ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، والحمد لله.

    استخدام الممتلكات العامة في الأغراض الشخصية

    السؤال يقول: فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن السديس المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ذكرتم في المحاضرة القيمة أن الشخص في عمله يعتبر في عبادة، فما حكم استخدام الهاتف لأغراض شخصية؟ وكذلك الأمر بالنسبة لأدوات المكتب ومحتوياته؟

    الجواب: لا شك أن مراقبة الله عز وجل يجب أن تكون في كل مجال، وفي كل أمر، وفي كل نهي، وفي كل فعل، وفي كل ترك، وفي كل مكان من الأماكن ينبغي أن يتقي اللهَ العبدُ، وأن يقوم بواجبه، وأن يعلم أن الله مطلعٌ عليه، ومن أهم ما يميز الموظف المسلم أمانته ونزاهته وخوفه من الله، وقيامه بعمله على الوجه المطلوب، وعدم استغلال عمله لأغراضه الشخصية، ولهذا فالذي أراه أنه لا يجوز للفرد العامل في مؤسسة، أو دائرة حكومية، أو غير ذلك أن يستغل ذلك في أموره الشخصية، بل عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يعلم أن الله سائله عن كل ذلك لا السيارات، ولا الهواتف، وغير ذلك من الإمكانات، اللهم إلا إذا كان في حدود عمله، أتصل بالهاتف في حدود عملي، أذهب في السيارة التي أعطيتها في حدود عملي، وما يسمح لي مجالي، وما يراه ولاة الأمر عني، فهذا أرجو ألا حرج فيه إن شاء الله، أما استغلال أموال المسلمين في أمورنا الشخصية، فلا ينبغي، ولا يليق، وينبغي أن يعلم أن الله عز وجل سائله عن ذلك، وعليه أن يتحلى بالأمانة والنزاهة والإخلاص أولاً لله عز وجل، ثم القيام بما أسند إليه من أعمال -أسندها إليه ولاة الأمر- لأنه عند حسن الظن، أما إذا كان خائناً، وإذا كان يستغل الأمور لصالحه وأموره الشخصية، فهذا في الحقيقة قصر في شيء من الأمانة، ووقع في شيء من الخيانة، اللهم إلا ما يمليه عليه عمله، والله أعلم.

    حكم الوقوف لبعض الأشخاص

    السؤال: ما حكم الرجل الذي يحب أن يقف الناس له وهو جالس على مكتبه؟

    الجواب: على كل حال نحن قدمنا في أن الإنسان ضعيف، الإنسان خلقه الله عز وجل، وكلنا يعرف أساس خلقه قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5-7] لماذا التكبر؟ ولماذا الغطرسة؟ ولماذا الغرور؟ ولماذا النظر إلى الناس، والتعامل معهم معاملة الخيلاء، والبطر، وحب الذات والنفس؟ كل ذلك في الحقيقة ضعف إيمان، وفي الحقيقة أيضاَ يدل على أن الإنسان لم يتفكر في خلقه، رأى بعض السلف رجلاً متكبراً، فقال: أنت من أنت؟ أنت أصلك نطفةٌ قذرة، وآخرك جيفةٌ مذرة، وبين جنبيك تحمل العذرة، فلماذا التكبر؟ وقد ورد: {من أحب أن يتمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار } الحاصل أن على العبد أن يتسم بالتواضع لله عز وجل، ويعلم أنه إن لم يسخر عمله ومنصبه ومكانته وكرسيه لخدمة الناس ونفعهم والتواضع لهم، وسماع أقوال الناس، وكون بابه مفتوحاً لجميع الناس، فإن معنى ذلك أنه وقع في أمر يبعده عنهم ويبغضه لهم، والمتكبر بعيد من الله، بعيد من الناس ويمقته الناس على عمله؛ لأنه في الحقيقة تعدى قدره، لماذا يشمخ الإنسان بنفسه؟ ولماذا يتطاول على الناس؟ من هو؟ هو والناس سواء، الناس سواسية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    أقول إن هذا الأمر لا ينبغي، ولا يليق، بل إن على الإنسان أن يتسم بالتواضع، ولكن لا ينظر الإنسان الفقير إلى هؤلاء، لا تنظرون إلى من هو فوقكم، وإنما انظروا إلى من هو دونكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم، إذا رأيت أن هذا متكبر، فانظر إلى آلاف الناس الفقراء والمساكين والمتواضعين، وهذا إنما في الحقيقة يجني على نفسه، وكفى بالكبر مرضاً وداءً وإثماً أنه كان سبباً في إنزال إبليس وإبلاسه وإبعاده من رحمة الله عز وجل؛ لأنه تكبر على الله وأبى عن السجود لآدم عليه السلام.

    حكم الوساطة

    السؤال: ما حكم ما يحدث في الدوائر الحكومية من الوساطة للتوظيف أو العلاوات أو غيرها ؟

    الجواب: على كل حال دائماً الصراحة محببة للنفوس تدل في الحقيقة على أن هناك من يتمحض النصح بين جوانبه، وحاجتنا إلى العنصر الصريح أكثر من حاجتنا إلى المجامل؛ لأن المجامل أحياناً يضرنا على حساب مصلحة الجميع، فيظهر لك الشيء على أنه حسن، وهو غير حسن، ويبدي لك الحسن سيئاً، بينما العنصر الصريح والحمد لله اكتشفت مواهب من طرح هذه الأسئلة شكر الله لهم وجزاهم الله خيراً، وهذا دليل على الإيمان في نفوسهم، وتقدير أيضاً للمسئول، فهذا لا ينافي أننا مع إبداء النصح أننا لا نحب المسئول، أو لا نطيعه ولا نمتثل أمره فيما يتمشى مع الشرع.

    أقول: إن الواسطة، ليست أمراً خاصاً في دائرة، أو مؤسسة، أو مكان، هذا أمر يعم الناس جميعاً، الحقيقة فيه تفصيل فيما يعرف بالشفاعة وهي شرعية، قال الله عز وجل: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:85] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء } فإذا كان الإنسان مظلوماً، ويشفع له ليرد ويبعد عنه الظلم، أو كان حقه التقديم فيؤخر، إلى آخره، أو منع من حقه، فلا مانع من الشفاعة له، أو كان هناك فرص متاحة، ويريد أن يشفع له في هذا، فهذا لا بأس به.

    أما الواسطة التي فيها ظلم للناس، وفيها رفع للناس على حساب آخرين، وفيها إعطاءٌ للناس على حسب مراتبهم وأماكنهم، وإهانة ودوس على حق الضعيف المحتاج، فهذا أمر لا يجوز، فإذا كانت لا تحق باطلاً، ولا تبطل حقاً، فأرجو أن الأمر فيه سعة إن شاء الله.

    لعل فيما حصل إن شاء الله كفاية وبركة، ولا نحب أيضاً أن نطيل عليكم، ولا نحب أيضاً أن نتخطى الجدول المرسوم، فقد اطلعت على جزأين في الجدول الذي أعده الإخوة لنا، إنما إن شاء الله هذا لقاء تعقبه لقاءات إن شاء الله مني، أو من غيري من الإخوة.

    نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، ويرزقنا وإياكم العمل الصالح والعلم النافع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.