إسلام ويب

الزكاة ومكانتهاللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الله الزكاة لحكم عظيمة، وأسرار كثيرة، ومصالح جمة، تعود على الفرد والمجتمع، وحذر من تركها والتهاون في إخراجها، فشدد في ذلك تحذيراً وإنذاراً، وإبداءً وإعذاراً، بأسلوب ترتعد منه الفرائص، وتهتز له القلوب، وتذوب من هوله الأفئدة.

    وقد جعل الشارع الحكيم للزكاة مصارف معلومة، فلا تجزئ الزكاة إلا إذا صرفت فيها.

    1.   

    أهمية الزكاة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض الزكاة على عباده تزكية للنفوس، وتطهيراً للقلوب، وتنميةً للأموال، وسداً لعوز المحتاجين، وتحقيقاً لروح المودة والإخاء، والرأفة والرحمة والصفاء، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، ومجتباه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله جل وعلا، واعملوا أن دينكم الإسلامي الذي منَّ الله به عليكم ورضيه لكم، وأكرمكم بالانتساب إليه، قد بني على أسس متماسكة، وقواعد مترابطة، إذا اختل منها شيءٌ تصدع ما سواه.

    روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ).

    وإن من بين هذه الأركان العظيمة، ركناً عظيماً تساهل الناس فيه، وعمت الغفلة عنه؛ لضعف الإيمان في النفوس، وإيثار العاجلة بزينتها وأموالها ومتاعها؛ على الآجلة الباقية، ألا وهو الزكاة.

    فالزكاة يا إخوة الإسلام! ثالث أركان هذا الدين العظيم، من جحد وجوبها كفر، ومن منع أداءها قُوتل، قال الله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله )

    وقد ذكر الله في كتابه الزكاة مقرونةٌ بالصلاة تعظيماً لشأنها، وتنويهاً بذكرها، وترغيباً في أدائها، وترهيباً من تركها والتساهل فيها.

    قال الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]

    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ]]

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [[ثلاث آيات مقرونةٍ بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، وذكر منها قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] وقال: فمن صلى ولم يزكِ لم يقبل منه ]].

    1.   

    الحكمة من مشروعية الزكاة

    أمة الإسلام: لقد شرعت الزكاة لحكم عظيمة، وأسرارٍ كثيرة، ومصالح جمة، تعود على الأفراد والمجتمعات بالخير العظيم، يقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

    فالزكاة تطهر النفس من درن الشح والبخل، وتزكيها بالجود والسخاء والكرم، وهي السبيل لحصول النماء والزيادة، والبركة والفلاح والطهارة، والخلف والمثوبة، وحفظ المال، ودفع الشرور والآفات عنه بإذن الله، وفيها تثبيت للمحبة والمودة، والتكافل والإخاء بين الأغنياء والفقراء، ويشعر الفقير في المجتمع المسلم أنه أمام تعاونٍ لا تطاحن، وأمام إيثارٍ لا أثرة، وأمام مساواة وعطفٍ وإخاء، لا طبقية وعنفٍ وجفاء، وأمام مشاعر رقيقة، وقلوبٍ رحيمة أبية، لا مخالب قوية، وأنيابٍ عتية.

    والزكاة ليست فريضةٍ تؤخذ من الجيوب فحسب، بل هي غرسٌ لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعاون والألفة؛ ليسمو المجتمع إلى مستوى أفضل، ومقصدٍ أنبل، وهكذا أظهرت هذه الفريضة محاسن هذا الدين، وعنايته بشئون أبنائه، وتفوقه على النظم المخالفة له من شيوعية ورأسمالية وغيرها، التي يزعم أهلها زوراً وبهتاناً أنهم كفلوا الحقوق، وأشاعوا العدل والإنفاق بين الشعوب، وهل يسمى ظلم الناس عدلاً! وبخسهم وإلغاء ملكيتهم حقوقاً! وإشاعة الطبقية بينهم إنصافاً! وهل يطلق على ابتزاز ثروات الشعوب كفالة للحقوق! وقد أدى ذلك إلى شيوع الظلم والخوف، وانعدام الأمن، وانتشار السرقة والاختلاس والسطو، وتفاقم الجرائم، وارتكاب الفقير شتى الحيل للحصول على لقمة العيش؛ لما يقاسيه من آلام الفقر والمسكنة.

    1.   

    التحذير من التهاون في إخراج الزكاة

    إخوة العقيدة: لقد جاء الوعيد الشديد، والترهيب المرعب في حق تارك الزكاة، وفي حق من قصر فيها، وتساهل في أدائها، تحذيراً وإنذاراً، وإبداءً وإعذاراً، بأسلوبٍ ترتعد منه الفرائص، وتهتز له القلوب، وتذوب من هوله الأفئدة، بأسلوبٍ لو خوطبت به الجبال الصم؛ لخشعت وتصدعت.

    يقول عز وجل فيه: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7] ويقول جل في علاه: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35] ويقول سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: (من آتاه الله مالاً فلم يؤدِ زكاته، مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك أنا كنزك ) أخرجه البخاري .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحبٍ ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيصلى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، وما من صاحب إبل ولا بقرٍ ولا غنم، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاعٍ قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة ) متفق عليه.

    فليسمع هذا الوعيد أرباب الآلاف والملايين، وأصحاب العقارات والتجارات، وأصحاب المزارع والمواشي، ليتصوروا هذا الموقف الرهيب بين يدي الله جل جلاله، فإنها والله لا يحمى عليها في نارٍ كنار الدنيا مع شدتها وحرها، إنما يحمى عليها في نار جهنم التي يعجز عن وصفها التصوير، ولا يقدر على ذكر أهوالها التعبير، وإذا ألقي فيها الجسد لا يقضى على طرف منه فقط، وإنما يكوى بها الجسم كله، من كل ناحية، من الأمام والخلف والجنب، في الجباه والجنوب والظهور، كلما بردت أعيدت، وليت هذا العذاب في يومٍ أو شهرٍ أو سنة! لكنه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، فقولوا لي بالله عليكم: من ذا الذي يطيق ذلك الهول العظيم؟! إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] فاتقوا الله يا إخوة الإسلام! وأدوا زكاة أموالكم، طيبةٍ بها نفوسكم، فقد أعطاكم الله الكثير، وأغدق عليكم المال الوفير، وطلب منكم أقل القليل، ولو أن أثرياء المسلمين اليوم قاموا بهذه الفريضة حق القيام، وصرفوا الزكاة في مصارفها الشرعية، لم تجد على الأرض من يتسول لفاقة، ومن يلح في مسألة لحاجة، ولاختفت مظاهر الإجرام والسطو والاختلاس والسرقة، ولكن نسأل الله أن يفتح على قلوب المسلمين، ويجعلهم إخوة متعاونين متكافلين، يرحم كبيرهم صغيرهم، ويعطي غنيهم فقيرهم، ليكونوا صفاً واحداً ويداً واحدة في عمارة أرض الله، ورعاية حقوق عباد الله، وما ذلك على الله بعزيز.

    أقول قولي هذا. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    مصارف الزكاة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، وأدوا ما أوجب الله عليكم من الزكاة، أدوها خالصةً لوجه الله طيبةً بها نفوسكم، واغتنموها قبل أن تغرموها، واحذروا الرياء والسمعة، والمن والأذى عند إخراجها لأصحابها، فالزكاة حق الله، لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو أن يدفع عنها ضرراً، ولا أن يقضي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمة، وليتق الله المعطي والآخذ، فلا يجوز لمن ليس من أهلها أن يأخذ منها شيئاً، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب، واعلموا أن الزكاة لا تنفع ولا تبرأ بها الذمة إلا إذا صرفت في أحد المصارف الثمانية، التي حددها الله بقوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60].

    وليس المقام مقام بسط وتوضيحٍ لأحكام الزكاة، فهي مدونة في نظامها، ومن استطاع الرجوع إليها لينهل من نعيمها فليفعل، ومن لم يستطع، فقد قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7].

    وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى، من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة المسلمين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أدم عليهم التوفيق والنعمة، وأصلح لهم السريرة والبطانة، يا أرحم الراحمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2742160235

    عدد مرات الحفظ

    684658620