إسلام ويب

المفهوم الشامل للعبادةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبادة هي غاية خلق الإنسان والجان، والهدف الأسمى على وجه البسيطة.

    ولتقويم الفكر وتصحيحه، وبيان الموضوع وتوضيحه؛ تأتي هذه الأحاديث العذبة: بياناً لمجال العبادة الواسع وتعريفها بالحد الجامع المانع. مع بيان شروطها وآدابها ومجالاتها.

    بالإضافة إلى الإجابات الزائدة على بعض الأسئلة الواردة، تكميلاً للفائدة، والله ولي التوفيق.

    1.   

    فضل لقاءات الذكر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بطاعته، وألزمنا بعبادته، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي قال الله فيه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    فكان عليه الصلاة والسلام قائماً بعبادة ربه مدة حياته كلها، قام من الليل حتى تفطَّرت قدماه، ودعا إلى الله عزَّ وجلَّ، وجاهد في سبيله، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين ساروا على نهجه، والتزموا سنته، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وإنه لمن فضل الله علينا -في هذه الليلة- أن نجتمع في هذا المكان المبارك، في بيت من بيوت الله عزَّ وجلَّ، التي أَذِنَ الله أن تُرفع، ويُذكر فيها اسمه، نجتمع هذه الليلة لا لشيء؛ إلا للتذاكر والتعاون، والتواصي بالحق والصبر عليه، نجتمع هذه الليلة لنتحدث حول موضوع مهم وخطير، لا ينفك عنه المسلم لحظة واحدة، وهو وإن كان معروفاً عند كثير من الناس، إلا أن تطبيقه لا يقوم به إلا أصحاب الهمم العالية.

    فاجتماع المسلمين في بيوت الله عزَّ وجلَّ لإحيائها، وذكر الله فيها، وتدارس العلم النافع، والتذكير بما يجب علينا؛ من أهم الأمور التي يجب على المسلمين أن يعتنوا بها، وكلما ابتعد المسلمون عن بيوت الله -سبحانه- أو عطلوا رسالتها، أو تساهلوا في القيام بواجبهم تجاهها، كلما أبعدوا النجعة عن صراط الله عزَّ وجلَّ.

    فبيوت الله -سبحانه وتعالى- ينبغي أن تُفتح أبوابها، وتعود رسالتها، ومن رسالتها: إقامة هذه الندوات، والمحاضرات، وهذه الكلمات التي يحضرها من أراد الله به خيراً، يؤثرها على شهوات دنياه، يُؤثر الجلوس في هذه الأماكن الطيبة، على مجالس الدنيا، وإعمارها بالقيل والقال، وإشغالها بما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ.

    وهنيئاً للحاضرين بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل فيما أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: (وما اجتمع قوم في بيتٍ من بُيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فأي بشارة أعظم من هذه!

    إن تحقيق واحدة من هذه الخصال خير من الدنيا وما فيها، أن تتنـزل على الحاضرين الرحمة، وتغشاهم السكينة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله -عزَّ وجلَّ- في الملأ الأعلى خير من الدنيا وما فيها.

    فواجب على المسلمين، وعلى علمائهم، وعامتهم، وشبابهم، ونسائهم، أن يحيوا مثل هذه اللقاءات الطيبة؛ لتصقل قلوبهم بذكر الله عزَّ وجلَّ؛ فإن الدنيا بشهواتها وزخرفها قد رانت على قلوب كثير من الناس، وأغفلتهم عن واجبهم، وأبعدتهم عن رسالتهم، فأصبحوا يعملون لها، ويركضون وراءها، ويجتهدون في البحث والتنقيب عنها بأي طريق، وما مقامهم في هذه الحياة إلا مقام قصير، فيجب عليهم ألا ينسوا رسالتهم التي خلقوا من أجلها، وواجبهم الذي أوجدوا من أجله؛ فإن المسلم -كما تعلمون- إنما خلق لرسالة عظيمة، ولواجب كبير، وللقيام بأمانة عظيمة، ألا وهي موضوع حديثنا الليلة.

    إن موضوعنا الذي نريد الحديث حوله يدور حول موضوع العبادة لله عزَّ وجلَّ.

    عبودية المسلم لربه، ما معناها؟

    وما مفهومها؟

    وما مقتضياتها؟

    وما واجب المسلمين نحوها؟

    وما الآيات والأحاديث التي جاءت بذكرها، والتنويه بشأنها؟

    وما آثار هذه العبادة وآثار القيام بها على الأفراد والمجتمعات؟

    وما الآثار السلبية التي يورثها تساهل المسلمين وتقاعسهم عن القيام بهذه الغاية المهمة؟

    وما الأسباب الوخيمة والآثار العظيمة التي تترتب على انحسار مفهوم العبادة في مجتمعات المسلمين؟

    حول هذه العناصر وغيرها، نريد أن نتحدث هذه الليلة، سائلين الله -عزَّ وجلَّ- أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله تعالى أن يفتح على الجميع مغفرته ورحمته، ونسأله تعالى أن يوفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح، والبصيرة في دينه، إنه جواد كريم.

    1.   

    تعريف العبادة وأنواعها

    العبادة في لغة العرب إذا أُطلقت، إنما تعني: التذلل، يُقال: طريق معبَّد، أي: مذلل قد وطئته الأقدام.

    أما في اصطلاح العلماء: فإن العلماء لهم تعريفات كثيرة، وأقوال متعددة حول تعريف العبادة، لكن أشهرها وأجمعها وأولاها: تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث عرَّفها في كتاب له مستقل حول هذه القضية المهمة.

    تعريف العبادة عند ابن تيمية وابن القيم

    فقال رحمه الله:

    العبادة: اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

    فهذا تعريف عظيم، سنتناول حيثياته، واحدة تلو الأخرى؛ لننظر ماذا قدمنا تجاه هذا الأمر المهم؟ ولنعرض أعمالنا اليومية التي نقوم بها على ضوء هذا التأصيل العظيم.

    ومن تعريفات العلماء -رحمهم الله- لهذه القضية المهمة -ألا وهي قضية العبادة- تعـريف العـلامة ابن القيم رحمه الله، حيث عرفها بأنها: غاية الحب لله عزَّ وجلَّ مع غاية الذل له، التي تحث على العمل لطاعته، والانزجار عن نواهيه.

    يقول في نونيته المشهورة:

    وعبادة الرحمن غاية حبـه      مع ذل عابده هما قطبانِ

    وعليهما فلك العبادة دائـر     ما دار حتى قامت القطبانِ

    ومداره بالأمر أمر رسولـه     لا بالهوى والنفس والشيطانِ

    هذه أبيات عظيمة.. تبين معنى العبادة لله عزَّ وجلَّ.

    العبادة -يا إخوتي في الله- في الإسلام مفهومها واسع، ونطاقها شاسع، فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، ما يحبه الله عزَّ وجلَّ مما جاء به في كتابه، وأتى به رسوله صلى الله عليه وسلم من العقيدة والعبادة والأخلاق والآداب، وغير ذلك من الأمور.

    بعض صور العبادة

    فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، داخل في مفهوم العبادة.

    فالصلاة عبادة بل هي من أعظم العبادات.

    توحيد الله عزَّ وجلَّ، وعدم الإشراك به.

    إيتاء الزكاة.

    صوم رمضان.

    حج بيت الله الحرام.

    بر الوالدين.

    صلة الأرحام.

    الإنفاق على المحتاجين، والمساكين، والفقراء.

    الإنفاق على الأقرباء.

    زيارة المريض.

    القيام بحقوق الأخوة في الله عزَّ وجلَّ.

    الخوف من الله، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرغبة إليه.

    كل ذلك من العبادات العظيمة، وكل هذه وغيرها عبادة من العبادات.

    تقسيم العبادة إلى باطنة وظاهرة

    العبادات كثيرةٌ ومتنوعة، فمنها: ما هو من أعمال القلوب، وهو ما يسمى بالأعمال الباطنة: كالتوكل على الله، ورجاء ما عنده، والخوف منه جلَّ وعلا.. وما إلى ذلك.

    ومنها: ما هي أمور ظاهرة متعلقة بالأبدان: كالصلاة، والحج.. وما إلى ذلك.

    ومنها: ما هو مالي: كالزكاة.

    ومنها: ما هو مالي وبدني: كالحج.

    ونحو ذلك من الأقسام التي لا تكاد تخفى على أي مسلم.

    فتبين من هذا -يا إخوتي في الله- سعة مفهوم العبادة في الإسلام، بل أكثر من ذلك الأعمال العادية تنقلب إلى عبادات عظيمة، إذا تحقق فيها الإخلاص لله عزَّ وجلَّ.

    كيف تصبح الأمور المباحة عبادة

    فالعبادة تشمل أعظم من العبادات والشعائر، بل هي تشمل كل أمر من الأمور إذا أخلصت فيه النية لله عزَّ وجلَّ.

    فأكلك، وطعامك، وشرابك، ونومك، إذا قصدت به التقوي على عبادة الله عزَّ وجلَّ؛ فإنه عبادة من العبادات.

    فالأمور -كما هو مقرر في مقاصد الشريعة وقواعد الاسلام- بمقاصدها، والعادات تتحول إلى عبادات إذا أخلصت فيها النية، بل إن كلام المسلم وعمله وجلوسه مع أهله، ومخاطبته لهم، ومعاشرته إياهم، كل ذلك عبادة من العبادات.

    ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للصحابة رضي الله عنهم: {وفي بضع أحدكم صدقة }.

    وقع ذلك في نفوسهم، وتعجبوا!! {فقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحـدنا شهوته ويكون لـه فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر }.

    فما أعظم نعم الله على عباده!

    هذه الأمور التي لا يستغني عنها مسلم، بل هي أمور جِبِلِّيَّة لا تقوم الحياة إلا بها، يُؤجر بها إذا أخلص نيته لله عزَّ وجلَّ، بل إن سعي المسلم للحصول على الرزق، وإعفاف نفسه، وكفاف أهله، وإغنائهم عن تعرض الناس.. كل ذلك عبادة من العبادات، حتى ما تضعه في فِي امرأتك.

    فسعي المسلم على أبنائه في طلب الرزق.. كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله عزَّ وجلَّ.

    كذلك أعمال المسلمين: من وظائفهم، والقيام بواجباتهم وحقوقهم.. كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله عزَّ وجلَّ.

    فالموظف في وظيفته، والكاتب في مكتبه، والعامل في معمله، والصانع في مصنعه، والتاجر في بيعه وشرائه، كل واحد منهم إذا قصد وابتغى وجه الله -سبحانه وتعالى- وقام بنُصحٍ وأمانةٍ بحق الله عليه، ثم حق ولاة الأمر عليه، ثم حق إخوانه المسلمين عليه؛ فإنه مأجور على ذلك والحمد لله.

    الطالب في مدرسته، الذي يتردد عليها صباحاً كل يوم، إذا ذهب إلى المدرسة ابتغاء ما عند الله سبحانه، والرغبة في طلب العلم والاستفادة، وابتغاء وجه الله -عزَّ وجلَّ- في التحصيل العلمي، فإنه يُؤجر على ذلك.

    كل من يقوم بأي عمل من الأعمال عليه أن يستشعر أن ثواب الله عظيم، وأن عليه ألا يدنس نيته بالأطماع الدنيوية، بل عليه أن يخلص نيته لله عزَّ وجلَّ، ويبتغي ما عند الله -جل وعلا- ويرجو ثواب الله -سبحانه- مع ما يأتي من ثواب الدنيا؛ لكن أجر الدنيا وثوابه تابع لثواب الآخرة، ولا ينبغي أن يكون المقصد دنيوياً فحسب؛ بل يجب علينا أن نُروضِّ أنفسنا على الإخلاص لله سبحانه، وأن نستشعر أن كل أعمالنا التي نقوم بها قد تدخل -جميعاً- في مُسمَّى العبادة، إذا أُخلصت فيها النية لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    واجب المسلمين نحو العبادة

    أيها الإخوة في الله! بعدما عرفنا جميعاً تعريف العبادة، ومفهومها الواسع، وأنها تقتضي أن يقوم المسلمون بهذه الرسالة، وأن يعملوا بطاعة الله عزَّ وجلَّ، ويقوموا بعبادته في حياتهم كلها؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قصر الحكمة من خلقه الجن والإنس للقيام بهذا الواجب العظيم، يقول سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    بيد أن كثيراً من الناس يفهم أننا حينما نقول: إنه يجب على المسلمين أن يقوموا بعبادة الله -سبحانه وتعالى- في أوقاتهم كلها وأيامهم وأعوامهم، بل في حياتهم وأعمارهم، أن يقوموا بهذه العبادة، قد يفهم أننا نقصد أن يدخل المسلمون المساجد فلا يخرجون منها، يفهمون ذلك نتيجةً لجهلهم بمفهوم العبادة في الإسلام، وأن مفهومها أعم من أن تكون في المساجد فقط.

    ليست العباد يا إخوتي في الله! محض شعائر معينة يُؤديها المسلمون في أوقات معينة، فإذا خرجوا من هذه الأماكن، وبارحوا هذه الأوقات نكصوا على أعقابهم، ووقعوا في معصية الله عزَّ وجلَّ، لا. هذا مفهوم خطير، سبَّب انحسار مفهوم العبادة عند كثير من المسلمين هدانا الله وإياهم.

    فالعبادة ليست في المساجد فقط، فأنت في بيتك في عبادة، وعند أهلك في عبادة، وفي مكتبك ووظيفتك وبيعك وشرائك.. في عبادة وفي سوقك، وفي مجالستك الناس.. كل ذلك في عبادة.

    فعليك أن تُخلِص العمل لله عزَّ وجلَّ، وألا تغيب عنك العبادة طرفة عين.

    وحذارِ يا إخوتي في الله! أن نقصر العبادة على أداء الصلوات في المساجد فقط، ثم لا حرج على المسلم أن يعمل في بيته مع أولاده ومع أهله ما يشاء، أن يأكل من الأموال، ويتاجر بما يشاء!! لا. ليس هكذا عمل المسلمين.

    المسلمون في مساجدهم في عبادة من أعظم العبادات، يترددون إليها؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وكذلك خارج المساجد وهم في بيوتهم عليهم أن يقوموا بالتربية، وعليهم أن يقوموا بالتوجيه، ويحموا بيوتهم وأسرهم من الفساد ووسائله، وعليهم أن يربوا أبناءهم، ويرعوا نساءهم وبناتهم عمَّا حرَّم الله عزَّ وجلَّ.

    كذلك في معاملاتهم: في بيعهم وشرائهم، يجب عليهم أن يتحروا الحلال النـزيه الطيب، فإن الله عزَّ وجلَّ طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن اللقمة من الحرام يقذفها الرجل في جوفه، لا تُقبل له صلاة أربعين يوماً؛ فالأمر خطير يا إخوتي في الله!

    فعلينا أن نستشعر أننا في عبادة دائمة، ولسنا في عبادة ما دمنا في بيوت الله، فإذا خرجنا منها تركنا عبادة الله.

    ليست العبادة في المساجد أو في أوقات معينة، بل العبادة مع المسلم في كل أحواله، وفي كل أوقاته وتصرفاته.. في أقواله وأفعاله.. في سلوكه.. في عقيدته.. في تحركاته كلها، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    كذلك ينبغي علينا أن نفهم أنه حينما تطلق العبادة فإنه يدخل فيها جميع الأقوال والأفعال والتصرفات، فلا نريد أن يدخل المسلمون بيوت الله، فيصلون ويقومون ويركعون ويسجدون ويبكون، فإذا خـرجوا من بيـوت الله -سبحانه وتعالى- رجعوا على أعقابهم وإلى أعمالهم، ونسوا الله سبحانه وتعالى.

    فهذا المفهوم الذي نريد أن نعالجه، وننبه على خطورته علينا أن نستشعر أننا مخلوقون لله سبحانه، وأن علينا أن نقوم بعبادته جلَّ وعلا في حياتنا كلها، وأن نستشعر طاعة الله سبحانه، وعبادته ومرضاته في كل فعل وترك.

    فما كان من فعل سليم صحيح مأمور به في الشرع؛ أتينا به وما كان من نهي في الشرع؛ فإننا نبتعد عنه، ونُحذره ونجتنبه.. هكذا يكون المسلمون.

    1.   

    بعض الآيات والأحاديث التي جاءت بذكر العبادة والتنويه بشأنها

    أيها الإخوة في الله! لِعِظَم شأن العبودية، والعبادة لله سبحانه وتعالى زخر كتاب الله سبحانه وتعالى بذكرها والأمر بها، وحث الناس على القيام بها، وبيان آثارها، والتحذير من تركها والتهاون بها، والتحذير مما يناقضها أو ينقصها.

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وهذه آية عظيمة في كتاب الله -سبحانه وتعالى- يجب علينا أن نضعها -دائماً- أمام ونصب أعيننا؛ لأنها تضبط تحركات الإنسان، فإذا تحرك المسلم في أمر لا يُرضي الله سبحانه وتعالى فإنه يُحجم عنه، يتذكر أنه خلق للعبادة، وهذا يتنافى مع العبادة، فمن كان قلبه حياً؛ فإنه يعود إلى الله سبحانه وتعالى، ويتذكر أنه لم يُخلق إلا للقيام بهذه العبادة.

    فلم تُخلق -أخي المسلم- للدنيا وجمع الحطام، ولم تخلق للتكاثر، والسعي في الدنيا، وإغفال الآخرة، لم تخلق لتتمتع بالمراكز والمساكن والمراتب والمناصب والأبناء؟! وإنما خلقت لعبادة الله سبحانه وتعالى، وفرق ما بين المؤمنين والكافرين: أن المؤمنين يتذكرون ما خلقوا لأجله، وأنهم مخلوقون لعبادة الله، أما الكفار فإنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام؛ لكن ما هي النتيجة الوخيمة؟ والعاقبة الخطيرة؟ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] نسأل الله العافية.

    الدنيا وسيلة إلى الآخرة

    فالمسلم يجب أن يتذكر دائماً أنه لم يُخلق إلا لعبادة الله سبحانه وتعالى، ولا يعني هذا أنه لا يعمل في سبيل دنياه.. ما يكسب رزقه، ويحصل معيشته، وينفق على أهله وأبنائه؟! لا. ليس معنى ذلك أن الإنسان يجلس في المسجد فلا يخرج منه، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة؛ وإنما على الإنسان أن يتذكر أنه وإن عمل للدنيا فإنما هي وسيلة إلى الآخرة وليست قصداً بذاتها، وإنما هي وسيلة للآخرة، يعمل بها ليرضي الله سبحانه وتعالى، وليقيم عوجه، وليقيم صلبه في هذه الحياة، ولينفق على نفسه وأهله وعائلته؛ ليقوم بتربيتهم، ويجعلهم مجندين لله -سبحانه وتعالى- يقومون بطاعته وعبادته.

    غفلة الناس عن عبادة الله

    وإنك إذا نظرت إلى كثير من المسلمين في أفعالهم؛ تجد أنهم -والعياذ بالله- كأنهم لم يُخلقوا لعبادة الله، وكأنهم لا يعلمون بل لا يؤمنون، ويتصورون ويُصدقون ويجزمون أن هناك داراً أخرى، وأنهم مُنقلبون إلى الله سبحانه وتعالى، وأنههم سيعودون إليه سبحانه وتعالى.

    الناس في غفلة خطيرة عن الله، وفي غفلة عن عبادة الله سبحانه وتعالى.

    تتعجب كثيراً حينما يبزغ الفجر!! وتطلع الشمس، ويستعد الناس -جميعاً- كبارهم وصغارهم، شبابهم وشيبهم، نساؤهم ورجالهم، كلٌ يذهب مع الصباح الباكر، لماذا؟ إنهم يتحركون في سبيل الدنيا، فأين العمل لله؟!

    مَن مِن هؤلاء أخلص عمله لله عزَّ وجلَّ، وأيقن أنه حينما يخرج لوظيفته، أو لعمله، أو لمدرسته، أو لمتجره، إنما يعمل ابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه يقوم بهذا العمل وسيلة في هذه الدنيا يتبلغ بها، ولا يغفل عن الآخرة، ولا يغفل عمَّا أعد الله للمؤمنين من النعيم، وللمخالفين من الجحيم؟!

    مَن مِن المسلمين يتصور هذه الأمور؟!

    مع الأسف! إنهم ما إن يخرجون إلى أن يرجعوا قرب العصر، وهم في دنيا! من دنيا إلى دنيا، كلامهم في الدنيا، ثم بعد ذلك يرجعون إلى بيوتهم، ويتناولون ما شاء الله لهم، وقد ينام بعضهم عن العبادات العظيمة التي إنما خُلقوا لتحقيقها والقيام بها، ثم بعد ذلك في المساء، كل يجد ويفتح ويبحث، هذا يبحث عن قطعة أرض، وهذا يبحث عن فِيْلاَّ، وهذا يبحث عن سيارة، وهذا يبحث عن مزرعة، وهذا.. وهذا.. أين الذين يبحثون عن الدار الآخرة، ويعملون لها؟

    أنا لا أُحجِّر على أولئك، ولكن يجب علينا أن نعمل لآخرتنا، وأن نقوم بعبادة ربنا، فالمقام قصير، والحياة أنفاس معدودة، وأيام محدودة.

    وكم من الناس نعرفهم من الشباب أو الشيب، جاءتنا أخبار وفاتهم وهم أصحاء في منتهى عافيتهم ونشاطهم؟!

    فمن الخطر أن يُصاب المسلم بهذه النهاية وهو غافل عن عبادة الله سبحانه وتعالى.

    نسمع عَمَّن يخرج في سيارته فلا يعود، ومن يسافر فلا يرجع، بل ومن يموت وهو على فراشه، فماذا قدَّمنا لعبادة الله عزَّ وجلَّ؟!

    أين القلوب من تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى؟!

    ألم يقل الله عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]؟

    ألم يقل سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36]، ويقول سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، ويقول جلَّ شأنه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، ويقول سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:1-2]،ويقول جلَّ وعلا: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، ويقول جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    أليست هذه أوامر؟

    وكثير.. كثير في كتاب الله -عزَّ وجلَّ- الأوامر للقيام بهذه العبادة! فأين قيامنا بعبادة الله سبحانه وتعالى؟!

    هل نحن أفضل من خير البرية، وسيد البشرية، الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، يُصلِّي ويتهجد ويبكي ويقرأ القرآن حتى يخرج الدم من رجليه؛ لكثرة القيام والوقوف والعبادة والصلاة، وهو من هو عليه الصلاة والسلام؟! بأبي هو وأمي، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    تقول له عائشة رضي الله عنها: لم تفعل هذا يا رسول الله! -خطاب إشفاق ورحمة- وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ما هو الجواب العظيم الذي يجب ألا نغفل عنه؟

    يقول: {يا عائشة ! أفلا أكون عبداً شكوراً! }.

    انظروا إلى حقيقة الشكر هنا! وهو القيام بالعبادة، الشكر لله عزَّ وجلَّ إنما هو القيام بعبادته { أفلا أكون عبداً شكوراً } كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه؛ شكراً لله عزَّ وجلَّ.

    فهكذا الشكر الحقيقي! ليس شكراً بالقول واللسان مع الإعراض والنسيان، ومع الوقوع في المعاصي والمخالفات الخطيرة، كما هو حال أحسن الناس حالاً اليوم، من يكررون الشكر والثناء لله سبحانه بألسنتهم؛ لكن جانب العمل تجد الجميع مُقصرين فيه.

    ومن تمام شكر المنعم جلَّ وعلا: أن تقوم بعبادته، وتقوم بطاعته، ولا تغفل عنه طرفة عين.

    1.   

    آثار العبادة على الفرد والمجتمع

    أيها الإخوة في الله! لقد كان سلفنا الصالح -رحمهم الله- يعرفون مفهوم العبادة حقيقة، وخالط معنى العبادة بشاشة قلوبهم، وتربعت في سويدائها، فعرفوا مفهومها في الحقيقة، ولذلك حصلت لهم الآثار العظيمة، وحصل لهم من الخير العظيم في الدنيا، والفتح المبين، والرفعة براية الإسلام، وتحقيق العدل بين الناس -جميعاً- ما هو مُسطَّر في تاريخ المسلمين.

    آثار القيام بالعبادة

    آثار التساهل في العبادة

    إن المتأمل في تاريخ المسلمين -بل المتأمل في واقع العالم الإسلامي اليوم- يجد أن البلاد التي أعرضت عن طاعة الله سبحانه، ووقعت في معصيته، وبارزته، ولم تستحِ من الله سبحانه وتعالى، وأهملت جانب عبادته، انظروا إليها! واسمعوا أخبارها! أما تسمعون الحروب الطاحنة؟!

    أما تسمعون القلاقل والفتن والاضطراب والخوف وعدم الأمن على الأنفس والأموال والأعراض؟! كل ذلك موجود نسمعه؛ لا تسمع إلا حروباً طاحنة، ولا تسمع إلا استيلاءً وقتلاً وتشريداً، ولا تسمع إلا انتقاماً من الله سبحانه وتعالى، إما بالأعاصير المهلكة، أو الفيضانات المدمرة، أو القلاقل والمجاعات، الذين يموتون يومياً من الجوع، والذين يموتون يومياً من الأمراض، لماذا كـل ذلك؟ للتقصير في جنـب الله، والتفريط في حق الله سبحـانه وتعالى، وإلا فـقد قال الله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99].

    فالأمر خطير جد خطير يا عباد الله!

    1.   

    واجبات عبودية المسلم لربه

    يجب على المسلمين أن يحققوا جانب العبودية لله، فإن في ذلك عزهم وسعادتهم، وصلاح أحوالهم، في العاجل والآجل، أما إذا فرطوا في عبادة الله سبحانه، واستمرءوا معصية الله، فإن الله -عزَّ وجلَّ- ليس بينه وبينهم حسب ولا نسب، الله عزَّ وجلَّ بيَّن في كتابه العظيم أن السعادة كلُّ السعادة لمن استقام على شريعة الله، وأن الضلال والشقاء لمن أعرض عن الله سبحانه وتعالى، فقد قال سبحانه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124].

    شروط العبادة

    العبادة -يا إخوتي في الله- لها شروط معروفة، أهمها: الإخلاص لله.

    يجب على من قام بعبادة الله، أن يقصد ما عند الله سبحانه وتعالى قال سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] وقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

    يجب أن تُخلص العبادة لله سبحانه! فلا شركَ يدنسها، ولا وثنيةََ تناقضها، ولا صَـرْفَ للعـمل لغير الله سبحانه وتعالى لأحد كائناً من كان.

    العبادة محض حق الله جل وعلا، يجب على المسلمين أن يُفردوا الله بالعبادة، فلا يعبدوا غير الله، ولا يعبدوا مع الله غيره، قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18].

    يجب أن يُفرد الله بالعبادة، فلا ذبح إلا لله، ولا نذر إلا له، ولا حلف ولا استعانة إلا به، ولا تقرب إلا إليه جل وعلا، أما الذين يُناقضون هذا الأصل ويخالفونه -وما أكثرهم في العالم الإسلامي اليوم- يصرفون أنواع العبادة لغير الله: من القبور والأضرحة والأحجار والأوثان والأشخاص... وما إلى ذلك؛ فكلُّ ذلك مناقضٌ للعبادة، ومناقضٌ للتوحيد الذي خُلِقنا من أجله.

    فالإخلاص لله أمره عظيم، يقول سبحانه وتعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3] وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    فيجب علينا -جميعاً- أن نرعى هذا الأصل، وأن نفرد الله بالعبادة، وأن نحقق العبادة على ما يقتـضيه شرع الله جل وعلا.

    الشرط الثاني: أن يتابع المسلم قدوته ورسوله عليه الصلاة والسلام، فالرسول عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله شرعه، فيجب على العباد أن يأخذوا منه، وأن يتبعوه، وأن يقفوا عند سنته، ويحذروا -كل الحذر- أن يبتعدوا عن سنته أو ينقصوا منها، أو يزيدوا فيها، ففي الحديث الصحيح حديث عائشة المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد }، وفي رواية مسلم : {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد }.

    فيجب عليك -أخي في الله- أن تكون أعمالك وأقوالك وتصرفاتك، متابعاً فيها كتاب الله، مُتبعاً فيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسباب الوخيمة التي تترتب على انحسار مفهوم العبادة

    والعبادة يا إخوتي في الله أقسام -كما تعرفون وتعلمون- أهمها: ما يتعلق بجانب العقيدة.

    ما يناقض التوحيد لله سبحانه وتعالى يجب على المسلمين جميعاً أن يعرفوه ويتعلموه؛ لكي لا ينقضوا توحيدهم، ويخالفوا دينهم، وهم يعلمون أو لا يعلمون.

    فواجب العباد -جميعاً- وواجب طُلَّاب العلم أن يُعنوا بالعقيدة، وأمر توحيد الله سبحانه وتعالى وأن يركزوا عليه، وأن يدعوا الناس إليه؛ لأنه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام.

    فمنهج الأنبياء -جميعاً- إنما يُركز على هذا الأمر، وكل رسول يُبعث إلى قومه، وكل نبي يُرسل في قومٍ إنما يأمرهم أول ما يدعوهم إليه هو القيام بعبادة الله سبحانه وعدم الإشراك به، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وكل رسول يأمر قومه بقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    فأمر التوحيد يجب على المسلمين -جميعاً- في كل بقعة أن يعنوا به، ولا سيما في هذا الزمن، الذي كثرت فيه المناقضات للعقيدة، وكثر فيه المخالفون لعقيدة سلف هذه الأمة، مما يدعو إلى أخذ الحذر والحيطة، والاعتماد بعد الله سبحانه على العلم النافع الذي يبين العقيدة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وعلماء الإسلام قديماً وحديثاً -والحمد لله- قد عُنوا بهذا الأمر، واهتموا به، وركزوا عليه، في تأليفاتهم، ومصنفاتهم، وفي كلماتهم، وفي تعليمهم، وفي خطبهم.. وما إلى ذلك.

    فواجبٌ على العباد -جميعاً- أن يعتنوا بما عُني به كتاب الله، وما جاءت به سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان أول دعوة رسل الله عزَّ وجلَّ من الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والحذر مما يناقضها، أو يخالفها.

    منزلة الصلاة من العبادة

    ثم من أعظم العبادات -بل أعظمها بعد تحقيق العقيدة والشهادتين- هو: هذه الصلاة المفروضة، التي هي الفاصل بين الكفر والإيمان، كما في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: {بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة }.

    وفي حديث بريدة المعروف عند أهل السنن والإمام أحمد وغيرهم: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر }.

    فواجب العباد -جميعاً- أن يُعنوا بهذه الفريضة، وأن يقيموها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن يراعوا فيها خشوعها، وواجباتها، وأركانها، وسننها.. وما إلى ذلك.

    كذلك ينبغي عليهم أن يُعنوا بأمر أبنائهم، وأمر أسرهم بالقيام بها، وتشجيعهم عليها، ومعاقبتهم عليها، على حسب ما يقتضيه المقام، إن ما يجب على المسلمين أن يعتنوا بهذه الفريضة العظيمة، بل في عبادة الله عزَّ وجلَّ كلها.

    كذلك في كل أمر من الأمور ينبغي على المسلمين أن يقوموا بواجب العبودية لله سبحانه وتعالى، وقد عرفتم سعة مفهومها ومعناها، وأنه يدخل فيها كل قول وفعل يحبه الله ويرضاه، ظاهراً كان العمل أو باطناً، وعرفنا -جميعاً- ما كان عليه قدوتنا وإمامنا رسولنا عليه الصلاة والسلام، فقد كان القدوة في القيام بعبادة الله عزَّ وجلَّ، وقد أمره الله عزَّ وجلَّ بالقيام بهذه العبادة، ولم يجعل بينه وبينها أجلاً إلا الموت، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وقال سبحانه: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132].

    فالمسلم في عبادةٍ لله عزَّ وجلَّ في كل عمره، وفي كل أوقاته وأحواله وتصرفاته، وعلى المسلم ألا تعزب عنه عبادةُ الله طرفة عين، أو تغيب عنه ساعة، بل ثانية من ليل أو نهار، وعليه أن يخلص لله عزَّ وجلَّ، حتى في عاداته؛ فإنه يثاب عليها.

    الحذر من الانصراف عن عبادة الله

    وليحذر المسلمون من الانصراف عن عبادة الله عزَّ وجلَّ، أو محبة غير الله سبحانه، أو الانصراف إلى غير الله عزَّ وجلَّ؛ فإن ذلك إذا تحقق فيه الحب، وتحقق فيه العمل له، والسعي في سبيله، ينصرف إليه أنه عُبد من دون الله -والعياذ بالله- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح -في صحيح البخاري وغيره-: {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة والخميلة }.. الحديث.

    وقد نهانا الله عزَّ وجلَّ عن عبادة الشيطان، فإنه يصرف عن طاعة الله سبحانه وتعالى، فقال: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم [يس:60-61].

    فيجب على المسلم أن يقوم بعبادة الله عزَّ وجلَّ، وليحذر صوارف هذه العبادة، من: النفس الأمَّارة بالسوء، أو الشيطان الرجيم -أعاذنا الله منه- وهو يغمز ويهمز ويوقع الإنسان في الوساوس واللبس.

    فيجب على المسلم أن يكون في حذر منه، من همزه، ونفخه، ونفثه، وأن يستعيذ بالله عزَّ وجلَّ دائماً وأبداً من وساوسه؛ فإنه يدخل على الإنسان، بل يجري منه مجرى الدم.. أعاذنا الله وإياكم منه؛ فعلينا أن نحذر مصائده، وأن نحذر حبائله.

    كذلك يجب علينا أن نحذر من هذه الغفلة التي أُصيب بها المسلمون في هذا الزمن، الغفلة عن عبادة الله عزَّ وجلَّ.

    العبادة رسالة يجب على كل مسلم أن يقوم بها ولا يغفل عنها، والناس فيها على حسب مقامهم في هذه الحياة؛ فالعلماء عليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، وطلبة العلم كذلك، وكل من وَلِي مسئولية من أمور المسلمين، فليس مسئوليته كمسئولية غيره، فكلٌّ عليه أن يخدم الإسلام، وأن يقوم بواجبه تجاه الإسلام من عمله الذي يقوم به، وليجعل الدنيا كلها وسيلة إلى الغاية الكبرى، والدار الباقية.

    1.   

    أهمية الانتفاع بالذكرى والعمل بالعلم

    أيها الإخوة في الله! الحديث طويل وطويل، ولكنه -ولله الحمد والمنة- واضح ومفهوم في أذهان كثير من الحاضرين، ولا أدعي في هذا المقام أني أتيت بجديد، وإنما كل كلامي تذكيرٌ لنفسي أولاً، ثم تذكير لكم؛ لأن الله -عزَّ وجلَّ- أمرنا بالتذكير، وبيَّن أن الذين ينتفعون بالذكرى هم المؤمنون، أما غير المؤمنين أو الذين ضعُف إيمانهم، فإنهم -والعياذ بالله- يسمعون ولكن لا يُؤثر ما يسمعونه.

    إنني أيها الإخوة في الله! أدعو إلى العمل بما سمعتم، وأدعو إلى العمل بما تعلمون، فما نعلمه كثير؛ ولكننا نخالف في أعمالنا وتصرفاتنا، وحياتنا اليومية.

    من الذي يقف حائلاً بين المسلم وبين قيامه بعبادة الله؟!

    من الذي يلزمك ألا تحقق العبودية لله، لا سيما في نواحي العقيدة؟!

    من الذي يدعوك إلى التساهل في أداء ما افترض الله عليك؟!

    من الذي يدعوك إلى التساهل في عدم فهم هذه العبودية الصحيحة؟!

    فالمسلمون مُطالَبون أن يعلموا ويعملوا، وكلنا نعلم أن هذه العبادة خُلقنا من أجلها، وكثير من الناس حينما تسأله أو تباحثه في هذا الأمر يجيبك، وقد يستدل لذلك بالآية المشهورة المَتْلُوَّة آنفاً: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] لكن! أين قيام المسلمين بعبادة الله؟! أين قيامهم بطاعة الله عزَّ وجلَّ؟!

    لا ريب أن التقصير في ذلك واضح، ولا يدعي أحدٌ الكمال.

    فيجب علينا -يا إخوتي في الله- أن نقوم بواجب الله علينا، وأن نقوم بواجب ديننا تجاهنا؛ فإن مسئوليتنا تجاه هذا الدين عظيمة وخطيرة، وكل على ثغر من ثغور الإسلام، كلٌّ يعتني بنفسه، يقومها على طاعة الله، يجاهدها بالعلم النافع والعمل الصالح، يُأثِرها على الحق الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يبتعد عن المحرمات في نفسه.. وفي أهله.. وفي بيته وأسرته، يربي أبناءه وأسرته على الإسلام، وعلى حُبِّ الإسلام، وعلى العمل بالإسلام، وعلى فهم الإسلام الصحيح، وعلى الغيرة على الإسلام. كل مسلم عليه واجب في هذا.

    فيجب على المسلمين أن يُقدِّموا لدينهم، لا سيما في الوقت الذي يتكاتف فيه أعداء ديننا على المسلمين، فأنتم تعرفون وتسمعون وتدركون أن المسلمين مستهدفون في عقيدتهم، وفي عباداتهم، وفي أخلاقهم، وفي تمسكهم بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، فهذه العقائد الفاسدة، والمبادئ المنحرفة، والدعوات المضللة، وهذه الاتهامات الموجهة إلى الأمة الإسلامية... إن هذه الأمور كلها تتطلب من المسلمين أن يعوا رسالتهم في الحياة، وأن يعوا واجبهم، وأن يضحوا في سبيل دينهم، ويجتهدوا غاية الاجتهاد بالعلم النافع، والعمل الصالح، وتربية الأُسر والأبناء على الإسلام؛ ليكون الجميع مجندين ومسلحين في خدمة الإسلام.

    هذه أركانٌ من المنكرات والمحرمات ضد ديننا، وضد أخلاقنا، نسمعها كثيراً، ونراها، وتخالطنا في الأسواق والشوارع، والبيوت، فلماذا لا نغار على ديننا؟! ولماذا لا نتحرك في سبيل ديننا؟! ولماذا لا نعمل لآخرتنا؟!

    يجب علينا أن نعمل للآخرة يا إخوتي في الله! فالحياة قصيرة، والأنفاس محدودة، وأنت مسئول يا بن آدم عن عمرك فيما أفنيته! وعن شبابك فيما أبليته! وعن علمك ماذا عملت فيه! وعن مالك من أين اكتسبته، وفيما أنفقته!

    فماذا أعددت لهذه الأسئلة؟!

    إنني ألفتُ النظر إلى محاسبة النفس، أن يحاسب كلُّ منا نفسه؛ فإننا نسمع كثيراً؛ لكننا نعمل قليلاً.

    إلى متى يا إخوتي في الله التسويف؟! وإلى متى التثاقل؟! وإلى متى إلقاء التبعية على الآخرين؟! وإلى متى ...! وإلى متى...! كل مسلم جندي للإسلام عليه أن يعمل له، وأن يقوم بعبادة الله عزَّ وجلَّ.

    لكن الذي يؤسِفُ كلَّ مسلم، ويَقُضُّ مضاجع المسلمين؛ أن يكون أبناء المسلمين لا يعرفون رسالتهم، وأن يكون المسلمون لا يعرفون هدفاً لهم في الحياة، يسيرون كما تسير البهائم، ويعيشون كما تعيش الأنعام، لا يعرفون إلا مأكلهم، ومشربهم، ومنامهم، يلهثون في دنياهم، كلٌ يبحث عن الرفاهية، وتمتع نفسه وأسرته في غفلة عن الله والدار الآخرة.

    المسئولية مسئولية المسلمين جميعاً، وأنا أحدث الحاضرين وأطالب كل مسلم أن يقوم برسالته، الرجال عليهم من الواجب العظيم ما عليهم، والمرأة في بيتها عليها من الواجب العظيم ما لا يخفى، والشباب عليهم من المسئولية والواجب تجاه أمتهم ما لا يخفى عليكم جميعاً، وكذلك العلماء وغيرهم؛ فكل مسلم على ثغر، وكل مسلم يجب عليه أن يُقدِّم لهذا الدين، ولا نترك إسلامنا يُنتهك، وحُرُماتنا تدنس، والمسلمون ساهون غافلون.

    يجب علينا -جميعاً- أن نتحرك في الدعوة إلى الله, والقيام بعبادة الله، والتواصي بالحق والصبر عليه، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقصاء الشر عن أحيائنا، وعن بيوتنا ومجتمعاتنا، ليحصل للأمة الإسلامة الخير الذي وعدها الله به.

    ولا يخفى عليكم واقع أمتكم؛ ولكن الفأل عظيم، والأمل كبير، والصحوة -ولله الحمد والمنة- تعم أقطار الدنيا؛ لكن علينا أن نكون على علم؛ لأن العلم أساس العمل، وأن نكون على بصيرة، وأن نكون على قدر من المعرفة والحكمة وبُعد النظر في كل أمر من أمورنا.

    هذا؛ وأسأل الله عزَّ وجلَّ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من عباده المفلحين، ومن حزبه الناجين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    كما نسأله تعالى أن يُصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنَّ على ولاة الأمر باتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يرزق الجميع الفقه في دينه والبصيرة فيه، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يصلح مجتمعات المسلمين، ويقيها من كل شر وبلاء وفساد، إنه على كل شيء قدير.

    كما نسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل كلامنا وسماعنا حجة لنا لا علينا، وكلامكم وسماعكم الذي سمعتموه مسئولون عنه؛ فيجب عليكم أن تتذكروه، وأن تعملوا به.

    نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن جمع بين العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    ونسأله تعالى أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته، كما جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    استحضار عظمة الله

    السؤال: فضيلة الشيخ! كيف يستحضر المسلم عظَمة الله في كل أحيانه لكي يراقب الله في السر والعلن؟

    الجواب: سؤال مهم؛ لأنه يتعلق بأمر لو صلح لحصل لهذا السائل ولغيره ما أراد.

    المسلم القوي في إيمانه، القوي في يقينه بربه جلَّ وعلا، الصحيح قلبه، السليم الذي لم يُدنس بظلمات المعاصي والانحرافات، هو القلب الذي يستشعر عظمة الله عزَّ وجلَّ، ويجعل الإنسان في عبادةٍ دائمة، ويقظة تامة، وعدم غفلة عن الله عزَّ وجلَّ والدار الآخرة.

    أما القلوب الغافلة البعيدة عن الله، التي تربعت الدنيا وشهواتها وزخرفها، ودنستها وران عليها الذنوب والمعاصي؛ فإنها مهما ذُكِّرت فإنها لا تستمر على ذلك إلا أن يهدي الله عزَّ وجلَّ قلب صاحبها.

    فعلى كل حال! علينا جميعاً أن نُعنى بصلاح الباطن، وأن نعتني بصلاح القلوب، وأن نبتعد عن أمراض القلوب سواءً الشهوات والشبهات.

    على المسلم أن يكون دائم الصلة بربه جل وعلا، يذكره في كل أحيانه، يتلو كتابه آناء الليل وأطراف النهار، يتذكر الدار الآخرة، يروِّض نفسه على العمل للآخرة وقصر الدنيا وفنائها.

    على أخينا السائل -وعلينا جميعاً- أن نسعى في صلاح قلوبنا، ونسأل الله عزَّ وجلَّ دائماً وأبداً ذلك؛ فمتى صلحت القلوب صلحت سائر الأعمال، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب }.

    فالمسلمون -الآن- يُعانون من هذا المرض، وهو -والله- أشد من أمراض الأبدان، جدير أن يُعنى المسلمون اليوم بأمراض القلوب؛ لأنها هي الأمراض التي تُقْعِدهم عن سبب سعادتهم، ونجاحهم، وفلاحهم، وصحتهم في الدنيا والآخرة.

    القلوب اليوم في غفلة عن الله عزَّ وجلَّ! ما أكثر الانحرافات! وما أكثر المعاصي القولية منها والفعلية التي يعايشها المسلمون، بل لا ينفكون عنها في حياتهم، والله المستعان.

    فعلينا أن نُروض القلوب على طاعة الله سبحانه، وأن نلينها بتلاوة كتابه وكثرة ذكره وشكره، والصلة به جل وعلا؛ فإن من فعل ذلك حري أن يكون على صلة دائمة، وعلى تذكر تام، وعلى قيام حقيقي بالواجب الذي خلقه الله من أجله، ألا وهو جانب العبودية لله سبحانه وتعالى، وأترك لكل واحد أن يختبر قلبه، وأن يزن نفسه بميزان الشرع؛ ليرى مدى صحة قلبه من مرضه.

    بعد سماعكم لهذه الكلمة التي لا أدعي أن فيها جديداً؛ لكنها ذكرى، مَن فتح الله عليه وعرف ما فيها، وعمل بما فيها، وسار في عبادة الله عزَّ وجلَّ، فإن قلبه سليم صحيح؛ فعليه أن يعبد الله عزَّ وجلَّ ويستمر على ذلك، ومَن خرج من هذا المكان كما دخل فيه، فإن عليه أن يُعاود نفسه، وأن يصحح قلبه؛ فإنه مريض.

    علينا -جميعاً يا إخوتي في الله- أن نكثر دائماً من محاسبة أنفسنا، لا تمر بنا ساعة بل يوم، فما بالك بشهر أو سنة أو أعوام متتابعة، والشخص على حاله لم يتغير، بل والأمة على حالها لم تتغير والسبب: أننا استمرأنا ذلك الأمر، وتساهل كل واحد منا في صلاح نفسه، وإلا لو صلحتُ أنا وصلحتَ أنت، وصلح البيت هذا، والبيت ذاك، صلح المجتمع... وهكذا.

    لو وقف المسلمون يداً واحدة في الخير، ويداً واحدة على الشر، لصلحت الأحوال، وهذا -والحمد لله- أمرٌ ينبغي على المسلمين أن يُكثروا من العناية به، والحرص عليه، نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا صلاح القلوب، وصلاح الأعمال، إنه على كل شيء قدير.

    واقرءوا في هذا كتاباً قيماً للإمام ابن القيم رحمه الله، اسمه: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، واقرءوا كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ؛ لتنظروا مدى تقصيركم في صلاح قلوبكم، ومدى استحكام المعاصي وأضرارها على النفوس، وعلى الأفراد، وعلى المجتمعات، واقرءوا في الموضوع الأصلي الذي هو موضوع العبادة، كتاباً قيِّماً جيداً جديراً بالعناية، هو كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد أماط اللثام عن معنى العبودية، وبيَّن مفهومها الواسع, وأكثر من الأمثلة والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل السلف الصالح رحمهم الله تجاهها.

    إن هذه الكتب وأمثالها جديرة بالقراءة والاستفادة والعناية بها، وجديرة أن تكون في بيت كل مسلم ومكتبته، وأن يكون طلاب العلم يقرءونها على أهليهم، وفي بيوتهم، وفي مساجدهم، ويستفيدوا منها؛ فإن فيها خيراً كثيراً.

    نسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يرزقنا جميعاً العلم النافع، والعمل الصالح.

    الإخلاص في الأعمال الدنيوية

    السؤال: فضيلة الشيخ! إذا أراد المسلم أن يفعل أمراً من أمور الدنيا، فكيف يخلص لله في عمله؟ وإذا كان هذا العمل يحصل من ورائه أموال، كالأذان، وحفظ القرآن أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الصحيح، حديث عمر رضي الله عنه، الذي يُعتبر قاعدة من قواعد هذا الدين: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى } فالأعمال العادية التي يعملها المسلم تكون عبادة من العبادات، إذا قرنتها النية الصالحة.

    فالمسلم يستحضر وهو يؤدي العمل الدنيوي، أنه حينما يعمل كل عمل من الأعمال فإنه إنما يعمله ابتغاء ثواب الله عزَّ وجلَّ، هكذا يجب على المسلم أن يَعرف وأن يوقن، كل عمل ينبغي لك أن تنظر مدى موافقته للشرع أو مخالفته، وإذا كان ليس فيه نهي في الشرع ولا أمر، فإن على المسلم أن ينوي فيه النية الصالحة سيؤجر عليه بحمد الله -وقد أسلفتُ لكم الحديث في ذلك- الذي يبين أن عمل المسلم، بل معاشرته لأهله, وهذا عمل مع أنه عمل جِبِلِّي، لا تنفك النفس البشرية عنه، وتحتاج له احتياجها للطعام والشراب ومع ذلك يُؤجر الإنسان عليه، فهذا من فضل الله عزَّ وجلَّ.

    فكل عمل من الأعمال عليك -يا أخي في الله- قبل أن تواقعها وتعايشها وأنت في طريقك إليها، عليك أن تستصحب النية الصادقة، والطوية الحسنة، تذهب لعملك ابتغاء ثواب الله عزَّ وجلَّ، تجعل من عملك وسيلة للخير، وللدعوة إلى الله، ووسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيلة للتذكير والتعاون والتواصي بالحق والصبر، تجعل من عملك الدنيوي عملاً للآخرة، توقن فيه وتؤمن، وتحسن نيتك أنك تريد أن تنفق على أبنائك وعيالك، حتى لا تدعهم عالة يتكففون الناس.. ففي ذلك عبادة من العبادات.

    على المسلم أن يستشعر هذه الأمور: الموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، والأستاذ والطالب في مدرستهما، كل يعمل للإسلام عن طريق هذا الثغر.

    فعند اصطحاب هذه النية يؤجر الإنسان، وبتركها والتساهل فيها يُعرِّض نفسه لخطر، بل يحرمها خيراً كثيراً.

    فالمسألة هذه قد تعود للمسألة الأولى، وهي: أنه إذا صلحت القلوب والنوايا صلحت الأعمال بإذن الله جل وعلا، فالأمور بمقاصدها، كما هو مقرر في قواعد هذه الشريعة الغراء.

    والمسألة بالترويض والتدريب والمتابعة والعناية بكثرة العمل الصالح، وحُسنه، وكيفيته السليمة، وتعويد النفس على الخير، وسيرها في طريقه، فإنها تعتاد -بإذن الله- الخير ولا تنفك عنه، أما إذا اعتادت النفوس الشر، وخالطت القلوب المعاصي؛ فإن الإنسان لا يتأثر ولا يهتم، وتشغله دنياه عن أُخراه.

    جعلنا الله وإياكم من عبادة المفلحين، إنه جواد كريم.

    المعنى الصحيح لقوله تعالى: (( ولا تنس نصيبك من الدنيا ))

    السؤال: فضيلة الشيخ! قلتم: إن أمر العبادة ليس مقصوراً على الصلاة وفي المساجد فقط، بل هو أشمل من ذلك وأعم.

    فالسؤال: ما قولكم لمن إذا قلتُ له: اتقِ الله في نفسك وأهلك، قال لي: يقول الله عزَّ وجلَّ: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] فماذا يقال لأمثال هذا -جزاكم الله خيراً-؟

    الجواب: يجب على المسلم -كما عرفنا آنفاً- أن يفهم سعة العبادة في هذا الدين، وعليه أن يعرف أن ما وقع فيه كثير من الناس -هدانا الله وإياهم- من التقصير في هذا المجال، وجعل العبادة في زوايا أو في أماكن معينة، وفي أوقات محددة، ثم إذا خرجوا منها أو فارقوا هذه الأماكن والأوقات رجعوا إلى معصية الله عزَّ وجلَّ، أو رجعوا إلى الدنيا، هذا أمر خطير، وأعني بقولي: رجعوا إلى الدنيا، أي: انصرفوا إليها بالكلية، ونسوا الله والدار الآخرة.

    أما الاحتجاج بهذه الآية، فإنه احتجاج في غير محله، فهذه الآية تعني أن على المسلم أن يكون دائم العمل للآخرة وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص:77] وألا تشغله الدنيا عن الآخرة، ومع ذلك: فإن عليه أن يقوم بالأمور التي لا يستغني عنها في هذه الحياة، أو التي يحتاجها في هذه الحياة، من تأمين مسكن مناسب له ولأسرته، ومن الكدح، وطلب الرزق، من غير ما تجاوُز، ومن غيرما مشغلة عن الآخرة، وأن يقوم بما لا يستغني عنه المسلم في هذه الحياة، بل إن الإمام التابعي الجليل مجاهد بن جبير ، قد فسر هذه الآية تفسيراً لطـيفاً، يـقول رحمه الله: [[إن قوله تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] ليس معناه العمل للدنيا، وإنما لا تنسَ نصيبك من الدنيا أن تعمل للآخرة في هذه الدنيا ]] فإن النصيب الصحيح والنصيب الحقيقي هو ألا تضيع هذه الدنيا هنا وهناك، بل نصيبك في هذه الحياة هو العمل الصالح الذي ستلقاه غداً.

    وعلى كل حال! فنحن لا نريد من المسلمين أن يدخلوا المساجد ويُغلقوها ولا يعملوا للدنيا! لا. يجب على المسلمين أن يكون عندهم من سعة الأفق ومن المعرفة التامة لمقتضيات هذا الدين ما يجعلهم يبتعدون عن الشطحات التي هي -في الحقيقة- نقص في التفكير.

    ليس معنى الأمر بالعبادة والتأكيد عليها أن المسلم يظل مدى حياته راكعاً ساجداً! لا؛ بل هذه وإن كانت من أعظم العبادات، فإن العبادة أعم من ذلك، فالدنيا كلها ينبغي أن تُعمر بالعبادة، في أعمالك، وفي أقوالك وتصرفاتك، في أموالك، كل ذلك عليك أن ترعى العبودية لله عزَّ وجلَّ، وأن تحذر من البُعد عن الله عزَّ وجلَّ فيها، فليس في هذا الدين: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر)! الأمور كلها لله عزَّ وجـلَّ، حتى أمورك الدنيوية ينبغي أن تقصد بها ما عند الله، وأن تخلص لوجه الله سبحانه وتعالى.

    فالحمد لله، فإن من نعم الله عزَّ وجلَّ، ومن محاسن هذا الدين، أن تكون هذه العبادة بهذا المفهوم، فنوم الإنسان في أول الليل ليقوم آخره؛ ليتهجد ويصلي ما كُتب له، فنومه عبادة من العبادات، وتناوله طعام السحور أو أي طعام؛ ليقيم صلبه، وليؤدي ما أوجب الله عليه، إذا احتسب وأخلص نيته لله، فهو في عبادة، ومعاشرته لأهله قصده إعفاف نفسه، وإحصان فرجه، وغض بصره، وابتغاء الذرية الصالحة يُؤجر على ذلك في كل لحظة من لحظاته.

    يجب ألا تغيب عن الله، يجب ولا تنسى الله جل وعلا، فإن ذلك عواقبه وخيمة.

    فعلى كل حال! لم يُصَب المسلمون اليوم بمثل مصيبة الجهل بالدين، وانحسار مفهوم العبادة الصحيح في مجتمعاتهم، قد تحدث أحداً أو تنكر عليه، أو تنصحه في شأن أهله وأبنائه، فيقول لك مثلاً: إن الدين في المسجد، أو إن الصلاح في القلب، أو ما إلى ذلك من العبارات التي نسمعها من كثير من أبناء المسلمين الذين يُفترض فيهم أن يتصدوا لشُبه الأعداء، لا أن يكونوا هم عالة على هذا الدين؛ لكن -مع الأسف- لما أُهِمل أمر هذا الدين، ونشأ شباب المسلمين على غير العبادة الصحيحة، وتلقفتهم المناهج والوسائل المخالفة لمنهج الإسلام الحق، أصبح أبناؤنا يعيشون حياة أوصافها يعجز اللسان عن ذكرها، فوضع المسلمين ووضع شبابهم وأبنائهم وضع خطير، بل إن كثيراً من الناس من ترك دين الله وراءه ظهرياً، ومن ضرب بدين الله عرض الحائط، ولم يُبالِ بأوامر الله عزَّ وجلَّ، فلا يرعى صلاةً، ولا يؤدي لله حقاً، ولا يقوم بواجب، إنما هو -والعياذ بالله- في غَيٍّ وجهالة ومنكرات وضلالات وانحرافات مخالفة للإسلام.

    أهكذا يعيش أبناء المسلمين الذين يجب أن يكون كل واحد منهم كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيرة على هذا الدين والانتصار له؟!

    ومع ذلك فقد وجد أعداؤنا في المسلمين الأرض الخصبة؛ لنشر أفكارهم وترويجها بين أبناء المسلمين، وفعلاً: تجد كثيراً من أبناء المسلمين ضحايا هذا الغزو العقدي والأخلاقي والفكري، يترجمونه عملياً، بهذه الكلمات أو هذه الأقوال، فلا يعرفون حقوق الله سبحانه، ولا يعرفون حقوق عباده.

    إذاً: المسئولية عليكم جميعاً أيها الإخوة في الله! كلٌ فيما يستطيع، كلٌ عليه أن يتحرك لهذا الدين، وكل في مجاله، أن يقوم بهذه العبادة.

    هذا ميراث النبوة، وهذا عمل رسل الله جميعاً عليهم الصلاة والسلام، فيجب علينا جميعاً أن نعتني بهذا الأمر، وأن نتذكره وألا نغفل عنه طرفة عين.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738465677

    عدد مرات الحفظ

    684539677