إسلام ويب

العولمة الزائفةللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين عالمي يدعو إلى وحدة العالم تحت سقف من العدل والرحمة والسلام، ولا يمكن لأي نظام آخر أن يكفل ذلك إلا الإسلام.

    ودعاة العولمة يجعلون الإسلام عدواً لدوداً، وهذا دليل على عدم استيعابهم للآخر، أي: أنهم غير مؤهلين لحمل أية مبادئ فاضلة.

    والإسلام الذي كفل ذلك كله، لا يقبل أن يشاركه فيه نظام بشري منحط.

    وهنا بيان لكل ذلك ولواجب المسلمين تجاه ما يسمى بالعولمة، مع بعض النصائح للعاملين في الحقل الإسلامي.

    1.   

    العولمة .. الخطر القادم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال، ونعوذ بك من حال أهل الضلال.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، كريم السجايا وشريف الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآل، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصيته سبحانه وتعالى للأوائل والأواخر، وبها تسمو الضمائر، وترق المشاعر، وتقبل الشعائر، وهي الزاد الحقيقي في هذه الدنيا وغياهب المقابر، وبها النجاة يوم تبلى السرائر.

    أيها المسلمون! حينما تخيم على الأمة الليالي الحوالك؛ فإنها بحاجةٍ إلى من يضيء لها المسالك، وعندما تتقاذف سفينة المجتمع أمواجٌ من التيارات وطوفان من التحديات، تمس الحاجة إلى ربابين مهرة، ورجال مصلحين بررة، يقودون دفتها إلى بر الأمان، وشاطئ السلام.

    إخوة الإسلام: الصراع بين قوى الخير والشر سنة جارية، وشرعة ماضية، تؤكدها شواهد التاريخ وشهادات الواقع، غير أن النهاية الحتمية تأكيداً لوعد الله الذي لا يتخلف، وسنته التي لا تتغير ولا تتبدل هي إحقاق الحق وإبطال الباطل ولو كره المجرمون فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [الرعد:17]، ومن فضل الله ولطفه ورحمته بعباده أن يهيئ لهذه الأمة في كل زمان ومكان من يضيء لها معالم الدروب، ومن يقارع بإذن الله عواتي الخطوب، ويقاوم شدة الأمواج العاتية، ويصارع قوة التيارات الغاشمة، ومن يجدد لهذه الأمة أمر دينها وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    معاشر المسلمين! إنه لم تكد القرون المفضلة تنقضي، والعصور الزاهية لهذه الأمة تنتهي حتى بدأت الأمة في الانحدار، وأخذ تطبيق الإسلام بالانحسار، فكثرت الانحرافات، وتمكنت الفرقة والخلافات، بدلت قوة الأمة ضعفاً ووهناً، وعزتها ذلةً واستخذاءً، وأغار أعداء الأمة على كثير من بلادها، فنهبوا خيراتها، وعبثوا بمقدراتها، واستغلوا ثرواتها، وتداعوا عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، تتابعت الحملات الصليبية، والهجمات التترية، وتهاوت الحضارة الإسلامية في الأندلس بعدما نعمت بها ثمانية قرون، واقتسم الأعداء تركة الرجل المريض، وعبثوا بمقدسات الأمة، وسقطت دويلات المسلمين في أيدي العابثين المستعمرين.

    وبدأت حملات التغريب، وسياسات تجفيف المنابع الخيرية في الأمة، ومسخت الهوية الإسلامية في كثير من بلاد المسلمين، وعلت الشعارات القومية، والنعرات الطائفية، تلتها الحدود الجغرافية، والتقسيمات الإقليمية، وخطب كثير من المنتسبين إلى الإسلام ود أعدائهم، وحورب الإسلام بمصطلحات غربية أشهرها في هذه الآونة ما يعرف بمصطلح العولمة الذي يعد باختصارٍ غابةً مظلمةً تملؤها وحوش كاسرة.

    إنه يرمي إلى تحويل العالم إلى قرية واحدة، لكنه يثير اليوم زوابع منتنة، وينفث سموماً قاتلة من الممارسات والفواجع المدمرة، ويفضي إلى هيمنة غربية على الأمة الإسلامية، ومن البديهي أن الأمة المسيطرة تسعى لفرض معتقداتها وثقافاتها ومصالحها على الأمم المستجدية.

    المسلمون هم أهل العالمية الحقة

    إن العولمة لا تعني انتقال معلومات مجردة، وتقنيات ميسرة فحسب، وإنما تريد أن تبذر بذوراً من حنظل لتجني الأمة ثماراً من علقم تتجرع مرارتها شجىً في الحلوق طويلاً، وإن تعجبوا يا رعاكم الله! فعجبٌ كيل أرباب العولمة بمكيالين حينما تبدو سياساتهم أكثر انغلاقاً وعنصريةً، ورفضاً للعالمية الصحيحة حينما تمس أنماط معيشتهم، وإلا فالمسلمون هم أهل العالمية الحقة التي تملأ الأرض رحمةً وعدلاً وسلاماً وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ثم من حق المسلمين أن يتساءلوا: لماذا يتخذ دعاة العولمة الإسلام عدواً لدوداً، ويحاولون تشويه صورته، وطمس حقائقه ظلماً وعلواً، وجر بلاده إلى أنواعٍ من العولمة المفضوحة؟ لعل من أشدها أثراً، وأكبرها خطراً، وأعظمها ضرراً تلك العولمة الثقافية والإعلامية، التي تبث الحرب ضد عقيدة المسلمين وقيمهم وفكرهم النير، وتروج لثقافات مسمومة تنذر طلائعها بمزيد من الشقاء للبشرية، فهل يا ترى يتنبه المسلمون لما يراد بهم ويخطط لهم؟!

    موقفنا تجاه العولمة

    إن هذه المصطلحات تحدٍ كبير يحتاج إلى الغيورين في الأمة لرصدها والتصدي لها من وجهة شرعية، كما أنها قضية تحتاج إلى النظر فيها بدقة وتفهم لإمكان الاستفادة من إيجابياتها التي لا تتعارض مع مصالح أمتنا الإسلامية وثوابتها العقدية والشرعية، وتبقى الحقيقة المُسَلّمَةُ في منطلق هذه الصيحات والمصطلحات، وهي المشعل الوضاء في نهاية نفق الحياة المليء بالكيد والمؤامرات، فلن تهزم هذه المصطلحات بإذن الله عقيدة الإيمان المتغلغلة في نفوس المسلمين بحمد الله، وإنه لا يمكن للمسلين أن يواجهوا هذه التحديات إلا بتوحيد الجهود وتنسيق المواقف في منظومة متآلفة متألقة في عالم يموج بالتحولات وتعصف بعوامل استقراره المتغيرات.

    ألا فليعلم سماسرة العولمة في عالمنا الإسلامي أن أمتنا الإسلامية بتاريخها وأصالتها لن تفرط في شيء من ثوابتها، ولن تتنازل عن شيء من خصائصها مهما عملوا على خلخلة البنى التحتية الثقافية والأخلاقية في كثير من المجتمعات، فلن نعمل مستوردين لأنماط العادات والموضات والتقليعات في بعدٍ عن قيمنا ومبادئنا، لقد خيل لبعض المنهزمين أمام حضارة الغرب ممن استعبد الغزو الفكري قلوبهم أن السبب فيما أصاب أمتنا من ضعف وتأخر كان نتيجةً حتميةً لتمسكهم بدينهم.

    الله المستعان عباد الله! كيف انخدعت فئام من الأمة؟!

    وكيف انحدرت إلى هذا المستوى من الواقع المرير؟!

    احتلت فلسطين الصامدة المجاهدة، واستبيحت مقدساتها المسلمة، وعبث يهود بأرضنا المباركة، ونحيت شريعة الله في كثير من البلاد، بل أقيمت المتاريس ضدها في أجيال انتزعت هويتهم، وتربوا على فكر أعدائهم، وصممت جملةٌ من مناهج التعليم ووسائل الإعلام في كثير من بلاد المسلمين، فأخرجت أجيالاً نافرةً من دينها منسلخةً عن قيمها، فخرجت تنعق بدعوات الغربية، وتعتنق أفكار الجاهلية، وترى في الدين تأخراً ورجعيةً، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ألم يئن الأوان يا أمة الإسلام! أن تعي الأمة رسالتها؟ وأن تتعرف على الخلل الكبير في حضارة أعدائها؟

    يا أهل الإسلام! يا من أعزكم الله بهذا الدين! وشرفكم بحمل أمانته يوم أن عجزت السماوات والأرض والجبال، إن عليكم مسئوليةً كبيرةً تجاه دين الله تعلماً وتعليماً وإصلاحاً ودعوةً، فالدين قادمٌ بحمد الله، لا بد أن تستيقن الأمة بمراتب اليقين كلها أنه لا مخلص لعالم اليوم من أزماته الخانقة، وأوضاعه المتردية إلا الإسلام على عقيدة التوحيد الصافية، والمتابعة الصحيحة للمنهج السليم كتاباً وسنةً في فهم سلف الأمة.

    وإن الناظر الغيور، ليأسى أشد الأسى من تضييع الأمة لكثير من الفرص في الدعوة إلى دين الله، واستثمار وسائل العصر الحديثة كالفضائية من القنوات، والعالمية من الشبكات ووسائل المعلومات، فأين من يحمل هموم العمل للإسلام؟ هاهو العالم يفتح صدره للإسلام، فأين العاملون المخلصون بمنهج قويم وأسلوب سليم؟

    كفى حزناً للدين أن حماته     إذا خذلوه قلنا كيف ينصر؟!

    بشائر المستقبل الإسلامي

    أمة الإسلام! إن من البشائر أن الحضارة المعاصرة تعلن إفلاسها، وتلفظ أنفاسها، وذلك لأنها فرطت في أعظم مقومات البقاء، أهدرت القيم الإنسانية، وجعلت من الإنسان آلة موارة، ورحىً دوارة، خاليةً من معاني الروح ومعاني القيم.

    إنه لا عز لهذه الأمة، ولا حضارة إلا بالإسلام، هزمت معسكرات الوثنية، ودكت معاقل الجاهلية، وحطم القياصرة، وكسر الأكاسرة، وهزم التتار والصليبيون برفع شعار " الله أكبر" وانتصر المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده بإعلاء راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصبحت الأمة قوية مرهوبة بجانب الإسلام ليس إلا، وستنصر هذه الأمة المعاصرة بالإسلام بإذن الله، لأنه دين الفطرة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، ومع ذلك كله لا بد أن يقدم المسلمون لدينهم، ويصلحوا أنفسهم، ويعالجوا عيوبهم من الداخل، ويسدوا كل ثغرة يريدون أن ينفذ العدو منها، وأن يتحدوا على المصدرين العظيمين، وينبذوا كل الاتجاهات والمذاهب، وجميع الأحزاب والمشارب التي تخالف تعاليمه، وأن يؤصلوا في أنفسهم وأجيالهم العلم الشرعي النافع، والتربية الإسلامية.

    إخوة العقيدة! إن المسلم يتفاءل كثيراً بأن المستقبل لدين الله كما قال سبحانه وتعالى: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وكما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وبشر: {ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار }، وتلك ليست أحلاماً وأوهاماً، وإنما هي وعود حق، وأخبار صدق، غير أن الواجب على الأمة الإسلامية أن يكون لها مزيد اهتمام، وبذل جهود أكبر في خدمة الدعوة الإسلامية.

    إننا لنتوجه إلى قادة المسلمين بتذكيرهم بالواجب الأكبر في إعزاز دين الله، وتحكيم شريعة الله، ونصرة أولياء الله، وعلى المسلمين جميعاً أن يبذلوا لدينهم؛ لأن الناس متعطشون لغذاء الروح بعد أن ملوا التفنن بالماديات لا سيما في عالم الغرب، وإن على العلماء والدعاة إلى الله وأهل الخير والإصلاح من أهل الكفاءة العلمية والآداب المرعية أن يسهموا في زيارات الدعوة والتوجيه لما لها من الأثر البالغ تصحيحاً في المناهج، وتقوية للأواصر، وتشجيعاً للمسلمين في كل مكان، وتحسيساً لهم بمكانتهم، ودور بلاد الإسلام التي يشعرون أنها تهتم بهم وترعى شئونهم وتشاطرهم آلامهم وآمالهم.

    وبالتالي سد الباب أمام كل من يريد الاصطياد في الماء العكر من أصحاب الاتجاهات المنحرفة والمسالك المشبوهة، كما أن الدعوة متجددة وبإلحاح شديد في عصرنا الحاضر بالعمل على إيجاد قنوات إعلامية إسلامية تبث الدعوة إلى الله، ومحاسن الدين القويم بلغات شتى؛ لأن الإعلام اليوم في العالم كله يلعب دوراً كبيراً في التأثير على جميع الفئات مما يتطلب من المعنيين بشئون المسلمين لا سيما أهل الثراء واليسار ورجال الأعمال من أهل الاقتدار أن يسهموا بسد هذه الثغرة أداءً للواجب عليهم تجاه دينهم، وأمتنا بحمد الله أمةٌ معطاء ثريةٌ بطاقاتها، زاخرةٌ بكفاءاتها وقدراتها في شتى التخصصات ممن هم مؤهلون للعمل إقراراً للعيون، وتسليةً للمحزون بقنواتٍ إعلاميةٍ إسلاميةٍ تواكب تطورات العصر، وتحمل رسالة الإسلام الحق.

    بعد أن عملت القنوات الفضائية المسفة أبشع أعمالها بوأد الفضيلة، ورفع راية الرذيلة غثاءً وهراءً، عفناً وانحلالاً، مما تبكي له الفضيلة، وتئن من لأوائه الأخلاق والقيم، ومما يزيد القلب أسىً وحرقةً أنها قد تعود في معظمها إلى ملاك من بني جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا، فأين حمية القوم الدينية، وشهامتهم العربية، وغيرتهم الإسلامية؟ نعوذ بالله من الردى بعد الهدى.

    وللحوادث سلوان يهوِّنها     وما لما حلَّ بالإسلام سلوان

    ألا نفوسٌ أبِيَّاتٌ لها هممٌ     أما على الخير أنصارٌ وأعوان

    لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ     إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    سدد الله خُطا العاملين لنصرة دينهم، وبارك في جهود الغيورين على أمتهم وبلادهم، وجعل الأعمال خالصةً لوجهه الكريم، إنه خير مسئولٍ وأكرم مأمول.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، فيا لفوز التائبين! ويا لبشرى المستغفرين!

    1.   

    دعوة للعاملين للإسلام

    الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ومنَّ علينا بلباس الإيمان خير لباس، أحمده تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة سيد الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الفضل والإنعام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بدر التمام ومسك الختام، وخير من عمل بالدين وقام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعةٍ ضلالة.

    أيها الأحبة في الله! إن دين الإسلام الذي هدانا الله إليه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هو المنة الكبرى، والنعمة العظمى التي نسأل الله أن يوزعنا شكرها قولاً وعملاً، باطناً وظاهراً، هو دين الخير والعدل والسلام والرحمة والمحبة والوئام، والبشرية اليوم تتطلع إلى أن تتفيأ ظلال هذا الدين القويم، مما يتطلب الجد في مجال العمل للإسلام، والنهوض بمستوى الدعوة الإسلامية، وتنسيق الجهود بين العاملين، ونبذ الفرقة والخلاف التي لا يستفيد منها إلا العدو المتربص، وإن هناك فرصاً عظيمةً يأسف كل غيور على أوضاع أمته أن يفرط المسلمون في استغلالها، فالأرض خصبة، والفرص مواتية، وإن القضية ترجع إلى حاجة الأمة اليوم إلى العمل بخطط سليمة، ومنهجية مدروسة قويمة تخرج دعاة على مستوى العصر الذي يعيشونه لنثبت للعالم صدق توجهاتنا، وسلامة مقاصدنا، وسمو أهدافنا بعد أن شوه الإسلام من أطراف علمانية منحرفة في ثقافتها وأخلاقها، وأخرى جاهلة مغالية لا تؤمن إلا بسفك الدماء وتناثر الأشلاء، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143]، وإن من التحدث بنعم الله ذلك الجهد الذي ينبغي أن يذكر، فيشكر، وعند النصفة لا يغفل، ولا ينكر التي يبذلها جنودٌ مجهولون من أهل الخير والدعوة والإصلاح ممن آثروا ما عند الله، ولا ينسى الدور الفاعل الذي ينبغي أن يروى فلا يطوى، ويظهر فلا يغمر، ويبان فلا يطمر لبلاد الحرمين الشريفين -حرسها الله- في المجالات الخيرية، والإغاثية، والصروح العلمية، والدعوية، والحضارية، والمناشط الإسلامية في كثير من بلاد العالم، ولا غرو، فهذا من صميم ثوابتها، وأهم أهدافها ومنطلقاتها، جعل الله عملها خالصاً لوجهه الكريم، وضاعف مثوبتها، وزادها من الخير والتوفيق بمنه وكرمه، والحق أنه لا يدرك مكانتها وفضلها ومميزاتها وخصائصها إلا من اغترب عنها.

    لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها     حتى يعود إليها الطرف مشتاقا

    ألا واعلموا رحمكم الله أن من أفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم كثرة صلاتكم وسلامكم على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم أيد للحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم أصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربى والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.