إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ سلمان العودة
  3. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع - باب الغصب

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع - باب الغصبللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أجمع العلماء على أن الغصب حرام، وهو أخذ مال الغير بغير حق بعدوان وقهر، واتفقوا على أنه يجب على الغاصب رد المغصوب وضمانه، وغير ذلك من المسائل في هذا الباب.

    1.   

    تعريف الغصب

    اليوم عندنا في الفقه باب الغصب، وإن شاء الله أيضاً نأتي على هذا الباب بشيء من الاختصار.

    وأما ما يتعلق بتعريف الغصب فمعروف، ويختلف الفقهاء في تعريفه.

    والخلاصة: أن الغصب هو أخذ مال الغير قهراً بغير حق. وبعض المالكية يقولون: على غير سبيل الحرابة. والحرابة هي عملية قطع الطريق مثلاً. فهذا هو الغصب، ويطلق على غصب الأموال والأشياء.

    وهل يعتبر غصب الأراضي والعقار غصباً، أم أن الغصب خاص بالأشياء التي تنقل؟

    جمهور العلماء يرون أن كل عدوان على مال الغير فهو غصب، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم.

    أما الأحناف فيرون أن ما يتعلق بالأرض والعقار لا يسمى غصباً، وهذا لا يعني أنه عندهم سائغ، لكنه يدخل عندهم في أبواب أخرى من الظلم والعدوان وغيرها.

    على كل حال! الذي نختاره أن الغصب هو: أخذ مال الغير، سواءً كان هذا المال منقولاً، أو كان ثابتاً، مثل العقار والمزارع وسواها.

    معنى (الاغتصاب)

    وأصبح الاغتصاب اليوم يطلق على معنىً خاص، ما هو؟

    يطلق على الاعتداء الجنسي على امرأة بغير رضاها، وفي الشرع كله محرم، الزنا سواءً كان برضا أو بغير رضا فهذا مما أجمع الأئمة والمسلمون على تحريمه، ونص عليه القرآن الكريم، كما في قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]؛ ولذلك من استحله علّم، فإن أصر كفر، والعقوبة المترتبة ليست تخضع للرضا أو عدم الرضا، ففي بعض القوانين -حتى في بعض قوانين الدول العربية- إذا كان الزنا بالتراضي فإنهم لا يعتبرونه جرماً، بينما في الإسلام يعد الزنا جريمة بذاته بغض النظر عن وجود التراضي أو عدم وجوده، ولكن أصبح يطلق الاغتصاب على العدوان الجنسي على امرأة أجنبيه أو حتى غير أجنبيه بغير رضاها، حتى إنه قد يطلقوه في بلاد الغرب على اغتصاب الزوجة، وعندهم هذا القانون يمنعه أحياناً، يعني إذا كان بغير تراض بين الطرفين.

    1.   

    أدلة منع الغصب

    على كل حال! الغصب ممنوع بالكتاب والسنة والإجماع، أما في القرآن الكريم فنصوص كثيرة، مثل قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    وكما في قوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188] في نصوص كثيرة جداً.

    وأما السنة فأيضاً أحاديث، منها ما في الصحيحين عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أخذ أو ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين )، وهذا دليل على أن الغصب يكون في الأرض وغيرها، فتوعد النبي صلى الله عليه وسلم من اغتصب شبر أرض أنه يطوقه يوم القيامة. يعني: يكلف يوم القيامة أن يحمل هذا الذي غصبه على ظهره من سبع أرضين، وهذه عقوبة شديدة ووعيد أكيد على لصوص الأرض ولصوص العقار الذين يأخذونها وينهبونها بغير حق، وقد تكون الأرض مملوكة لأصحابها بملك شرعي وبصكوك شرعية أو بشهادات ثابتة أو بنقل متواتر، فهذا دليل على تحريم الغصب من السنة.

    وأما الإجماع فقد نقل الأئمة والعلماء كـابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وغيرهم إجماع العلماء على تحريم الغصب، وهذا من الإجماع الذي لا إشكال فيه، ولا خلاف عليه؛ لأنه ما أحد من علماء المسلمين يجيز أخذ مال الغير بغير حق أو الاغتصاب بتعريفه الشرعي، إلا في حالات خاصة مثل كون الإنسان جائعاً احتاج إلى أن يأكل، فيأخذ ما يأكل من الآخرين، وهذا موضوع غير الموضوع الذي نتحدث عنه، فنحن نتحدث عن الغصب الذي هو أخذ مال الغير قهراً بغير حق.

    هذا ما يتعلق بحكم الغصب، وفيه تفاصيل كثيرة نأتي عليها بإيجاز.

    1.   

    أحكام الغصب

    أولاً: رد المغصوب إلى صاحبه

    المصنف رحمه الله بعدما ذكر تعريف الغصب وهو: [ استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق ]، ذكر بعض الأحكام فقال: [ من غصب شيئاً فعليه رده ]. وهذا أيضاً مما اتفق الفقهاء عليه: أن على الإنسان أن يرد ما أخذه إلى صاحبه، وقد جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) وإن كان في الحديث نظر، فإنه من رواية الحسن عن سمرة وفيه ضعف، لكن معناه صحيح متفق عليه في هذا السياق، فمن غصب شيئاً فعليه أن يرد هذا الشيء.

    ثانياً: رد المغصوب إلى صاحبه وأجرة مثله أو أرش نقصه

    قال: [ وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده ].

    يعني: لا يكفي أن ترد الشيء المغصوب، بل ترد أجرة المثل إن كان له مثل طيلة مقامه في يدك.

    فلو أن إنساناً سرق سيارة من شخص لمدة شهر كامل، ثم بدا له أو تاب إلى الله سبحانه وتعالى، هنا نوجب عليه أمرين:

    الأمر الأول: أن يرد السيارة إلى صاحبها.

    الأمر الثاني: لابد أن يدفع له أجرة المثل، فإذا كانت السيارة مثلاً (شبح أو لكزز) أو من السيارات الفخمة، وتبين أن أجرتها اليومية ألف ريال، أنا الأسبوع الماضي أردت أن أستأجر سيارة وسألته عن واحدة قال: هذه بألف ريال، قلت له: أعطني السيارة هذه الثانية التي بخمسين، فإذا كانت مثلاً يومياً بألف ريال وهو سرقها لمدة شهر فيلزمه أن يرد ثلاثين ألف ريال.

    ثالثاً: تغريم الغاصب أرش النقص في المغصوب

    قال: [ وإن نقص فعليه أرش نقصه ].

    يعني: السيارة هذه ليس فقط أجرتها، بل تبين أن الإطار الاحتياطي قد انفجر، فهنا نقول: يلزمه أيضاً أرش النقص، سواءً كان من ملحقات هذا الشيء أو كان من ذاته.

    رابعاً: أرش جناية المغصوب والجناية عليه على الغاصب

    [ وإن جنى المغصوب فأرش جنايته عليه ].

    هذا يصور فيما لو غصب عبداً رقيقاً، وفي خلال فترة وجود العبد الرقيق عند الغاصب قام بجناية معينة، أي جناية كانت، في قتل، في إتلاف، في طرف، في جرح، نقول: أرش الجناية هنا على الغاصب، [ سواءً جنى على سيده أو على أجنبي.

    وإن جنى عليه أجنبي ] يعني: العكس، لو أن أجنبياً جنى على العبد المغصوب أو المسروق، قال: [ فلسيده تضمين من شاء منهما ]، أي: بإمكانه أن يضمن الجاني وبإمكانه أن يضمن الغاصب، أما الجاني فلأنه هو الذي عمل الجناية ووجب الضمان في ذمته، وأما الغاصب فلأنه باغتصابه لهذه العين ووقوعها تحت يده والحيلولة بين صاحبها وبين التصرف فيها أصبح مسئولاً عنها، فبإمكان السيد أن يُضمِّن الجاني، وبإمكانه أن يضمن الغاصب.

    خامساً: ما زاد في المغصوب عند الغاصب فلصاحبه

    قال: [وإن زاد المغصوب رده بزيادته].

    يعني: لو أنه غصب بعيراً وخلال الستة الأشهر ما شاء الله غذاه ونماه فكبر وسمن، أو دربه على السباق، اليوم الإبل أيضاً أصبح سباقها بجوائز كبيرة في السعودية ودول الخليج، وأمس رآني أحد الشباب يقول: دخلت في مسابقة من هذه المسابقات في الخليج، وفاز وحصل على سيارة فخمة ما شاء الله، واشترى البعير بمائة ألف وباعه بمليون، فلو فرض أنه دربه وعلمه وصار .. هنا نقول: إذا رد المغصوب رده بزيادته، وزيادته من حق المالك الأصلي له، وليس للغاصب أن يطالب بها، سواءً كانت هذه الزيادة متصلة أو كانت منفصلة.

    ما هو الفرق بين الزيادة المتصلة والزيادة المنفصلة؟

    المتصلة مثلما ذكرنا، كون البعير سمن، أو مثلما لو أخذ عبداً رقيقاً فتعلم الكتابة وتعلم الخط وتعلم ألوان الفنون، وأشياء من هذا النوع فهذه زيادة متصلة، ولا يقول: أنا والله أدخلته دورات ودربته وعلمته.

    أما المنفصلة فمثل شاة ولدت أو ما أشبه ذلك، أو شجر وأثمر، فهذه هي الزيادة المنفصلة.

    سادساً: رد الزيادة وضمان الغاصب للنقص في المغصوب

    قال: [ وإن زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه ].

    هنا كأن في تكرار في بعض النسخ، فهذا محتمل أن يكون تكرار، ومحتمل بعدما تأملت النص أن يكون لا تكرار في الكلام، وأن يكون المعنى أنه: (إن زاد ونقص)، يعني لا تكون (أو)، إن زاد ونقص رده بزيادته وضمن نقصه، وذلك لأنه أحياناً ربما زاد المغصوب من وجه ونقص من وجه آخر. يعني: قد يكون سمن، وهذه زيادة متصلة كما قلنا، أو قد تكون زيادة منفصلة بأن تكون الشاة ولدت، ولكنه نقص من وجه آخر أنه مرض وهزل، فهنا نقول: الزيادة لصاحب الأصل، والنقص يلزم الغاصب أن يعوضه عنه.

    [ سواءً زاد بفعله أو بغير فعله ].

    يعني: زاد بفعله مثلما قلنا: أدخله دورات أو دربه أو عوده على أشياء معينة أو أطعمه، فهذه زيادة بفعله، أي بفعل الغاصب، [ أو بغير فعله ] يعني: أن يكون من عند الله سبحانه وتعالى، مثل أن يكون زاد ثمنه، السيارة التي سرقها زاد ثمنها، كانت بمائة ألف وأصبحت بمائتي ألف، فهذه زيادة من الله عز وجل.

    قال: [ فلو نجر الخشبة باباً -حولها إلى باب- أو عمل الحديد إبراً].

    يعني: أي صنعة معينة حولها من مادة خام إلى أن تكون مادة مستعملة، وهذا يرفع السعر، فهنا نقول: [ ردهما بزيادتهما، وضمن نقصهما إن نقصا ]، فيرد بالزيادة ولكن لو نقصت بعدما قام بنشر الخشب وصنعه باباً أصبحت قيمته أقل، وقد يكون بعض الناس لا يفهم فيتصرف في الأشياء بغير مصلحتها، وعلى ما يقول العوام: (اللي ما يعرف الصقر يشويه)، فهنا لو أنها نقصت بعمله وصناعته فإن عليه النقص.

    [ ولو غصب قطناً فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو ثوباً فقصره ].

    قلنا: معنى القصر هنا هو الكي والضبط.

    [ أو فصله وخاطه ] يعني: ثوب غير مخيط ففصله وخاطه.

    [ أو حباً ] غصب حباً [ فصار زرعاً ]، يعني وضعه بذرة في الأرض وصار زرعاً.

    [ أو نوىً فصار شجراً ] يعني: مثل نوى التمر -العبس- زرعه فصار نخلاً أو شجراً، أو سرق بيضاً وغصب بيضاً فصار البيض فراخاً في وقت الغصب [فكذلك ] يعني: يردها إلى صاحبها.

    وإذا كانت زادت قيمته أو كانت مساوية يفترض أن يقبلها؛ لأن هذا من العدل، خصوصاً ما دام هذا الرجل قد يكون رد إليه حقه.

    سابعاً: ما زاد في المغصوب حال غصبه ثم ذهبت الزيادة منه قبل رده وقيمة الزيادة

    قال: [ وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة ] هذا مثال أو حكاية غريبة [رده وقيمة الزيادة] يعني: لو أنه غصب عبداً وخلال فترة الغصب هذه زاد العبد، بأن تعلم حرفة معينة، ثم بعد شهر نسي هذه الحرفة، ثم بعد شهرين رده إلى صاحبه الأصلي، يقول هنا: عليه أن يرده إلى صاحبه الأصلي ويرد معه قيمة أو ما يقابل الحرفة التي تعلمها ثم نسيها، وهذا ينظر فيه؛ لأنه من كلام الناس وليس من كلام الله، فينظر فيما ذكره المصنف رحمه الله وهو محل اختلاف عند الفقهاء والعلماء، فقد يكون العدل في هذه الحالة إذا لم يكن للغاصب أثر في النسيان فإنه لا يطالب به؛ لأنها زيادة أو نقص بغير إرادته ولم تنقص قيمة العبد.

    ثامناً: المغصوب إذا تلف أو تعذر رده فعلى الغاصب رد مثله

    قال: [ وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً ].

    وهذه مما ذكر ابن عبد البر الاتفاق عليها، يعني: إذا كان المغصوب مكيلاً، كأن غصب حنطة أو شعيراً أو طعاماً أو براً أو أرزاً ونحوها قال: (فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً)، طبعاً هذا إذا تلف، أما لو كان موجوداً عنده فنقول: يلزمه رده.

    لو قال: والله! تلف، وما عاد موجوداً. نقول: يلزمه القيمة أو المثل؟ هنا قال المؤلف: [ فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً.

    وقيمته إن لم يكن كذلك ].

    مثلما لو كان حديداً أو زيتاً أو ما أشبه ذلك فعليه قيمته. يعني كم قيمة هذا المغصوب لما غصبه؟ قالوا: كانت قيمته ثلاثمائة ريال، فيلزم بدفع قيمته.

    فلو زادت قيمته، فمثلاً لما غصبه كانت قيمته ثلاثمائة ريال، لكن الآن يساوي خمسمائة؟ يلزمه أن يدفع الخمسمائة؛ لأن هذا مقتضى العدل، فهو يقول: إنه يطلب ما يساوي قيمته الآن.

    قال: [ ثم إن قدر على رده رده وأخذ القيمة ].

    يعني: لو أعطاه القيمة ثم استطاع بعد فترة أن يرده فرده على مالكه الأصلي، فله أن يرده ويأخذ القيمة.

    تاسعاً: حكم خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه

    قال: [ وإن خلط المغصوب بما لا يتميز به من جنسه فعليه مثله ].

    مثلما لو سرق زيتاً أو غصب زيتاً وصبه مع زيت آخر، فهل يمكن تمييز زيت من زيت؟ لا، وأحياناً لا يتميز، هذا طبعاً يستحيل أن يتميز، هنا قال: [ عليه مثله ].

    وأحياناً يكون تمييزه صعباً، مثلما لو خلط طعاماً بأطعمة متقاربة، ولا يمكن تمييزها إلا بفرز كل حبة منها على حدة، هذا مستحيل؟ ليس مستحيلاً، لكنه عسر وفيه مشقة شديدة.

    عاشراً: حكم الأرض المغصوبة وقد غرست بنخل أو شجر أو غيره

    قال: [ وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء، وإن غصب أرضاً فغرسها أخذ بقلع غرسه ].

    غصب أرضاً ووضع فيها زرعاً ونخلاً وشجراً وزيتوناً هنا نقول: يلزم بأن يقلع الغرس الذي غرسه وأن يرد الأرض إلى مالكها، وعليه أرش النقص والأجرة. أي: لو تبين أن الأرض نقصت بهذا الغرس فيقدر أهل الاختصاص كم نقصت ثم يدفعه والأجرة خلال فترة الزرع، يعني: لو أنه أجر هذه الأرض لأحد يزرعها مدة الشهرين الماضيين كم كانت قيمة الأجرة، فعليه إذاً أربعة أشياء:

    الأول: أن يقلع الغرس.

    الثاني: أن يرد الأرض لصاحبها.

    الثالث: عليه أرش النقص إذا أصاب الأرض نقص بسبب هذا الزرع.

    الرابع: عليه أجرة الزرع.

    وهنا قد يقال: إنه إذا غرس أرضاً فإن قلع الغرس هنا قد يكون فيه نوع من الفساد والضرر، فيمكن أن يقال -وهذا قول لكثير من أهل العلم وهو رواية المذهب- أنه يمكن أن يأخذ صاحب الأرض الغرس ويكمله، ويقيم بقيمته، وتتم المحاصة والمقاسمة بينهم، ويمكن أن يستمر الغاصب في الزرع وسقيه ومتابعته ويعطي صاحب الأرض أجرة منذ بدأ الغرس إلى نهايته، فهذا خير من أن يقلع الغرس، وهذا قد يضر بالغاصب ولا ينفع المغصوب.

    الحادي عشر: حكم زرع الغاصب وإدراك المالك له قبل حصاده

    قال: [ وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها ].

    يعني: رد الأرض إلى صاحبها ورد أجرتها.

    [ وإن أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خير بين ذلك -يعني ما سبق- وبين أخذ الزرع بقيمته ].

    أن يأخذ الزرع بقيمته.

    الثاني عشر: حكم الجارية المغصوبة وما زاد أو نقص أو وُلد منها

    قال: [ وإن غصب جارية فوطئها وأولدها ].

    يعني: ولدت منه، وهذا الكلام يقال أيام ما كان الناس عندهم العبيد والأرقاء، فهنا يلزم الغاصب الحد؛ لأنه زان، فهذه الجارية ليست زوجة له ولا ملك يمين، فهو زان، [ فيلزمه الحد ] المعروف: الرجم إن كان محصناً، والجلد إن كان غير محصن.

    [ وردها ] هذا يلزمه أيضاً أن يردها إلى صاحبها [ ورد ولدها ] لأنه ولد لهذه الجارية، فهو رقيق في ملك سيده مالك الجارية ذاتها [ ومهر مثلها ] عليه مهر المثل يقدر بقيمته [ وأرش نقصها ].

    يعني: لو قيل: إنها نقصت بسبب استعماله لها خلال هذا الشهر عن قيمتها بمبلغ معين يلزمه ردها وأجرة مثلها، انظر ما هي الأشياء التي ترتبت عليه الآن إذا غصب جارية وزنى بها؟

    هنا يلزمه الحد، لأنه زان، ويلزمه الرد، فيرد المال لصاحبه، ويلزمه رد الولد، ويلزمه مهر المثل، ويلزمه أرش النقص، والمقصود بأرش النقص هو الفرق، يعني: فرق النقص بين يوم أخذها وبين قيمتها الآن، هذا يسمى الأرش، ويلزمه أجرة مثلها؛ لأنها بقيت عندك شهراً، وهي في العادة بالشهر تؤجر بخمسمائة ريال، فيلزمك أن تدفع المهر؛ لأنه زنى بها، ويلزمه الأجرة لأنه استخدمها، يعني: طلب خدمتها.

    الثالث عشر: حكم الأمة المباعة عن غصب وما تولد منها

    قال: [ وإن باعها فوطئها المشتري ].

    هذه مشكلة جديدة، لو أن الغاصب ذهب بها إلى سوق النخاسين، وهذا تاريخ مضى، لكن هكذا الفقهاء كتبوا هذه الكتب في أوقاتهم، وكان هذا هو الواقع الموجود، فنحن نشرح عباراتهم، فهو يقول: [ إن باعها فوطئها المشتري ] والمشتري لا يعلم أنها مغصوبة أو مسروقة.

    قال: [ فعليه مهرها ] أي: على الغاصب، فعليه مهر هذه الجارية [ وعليه قيمة ولدها إن أولدها ] يعني: لو أن المشتري المغرور الذي لم يدر أنها مسروقة جامعها فحملت منه وجاءت بولد، فهل نقول: إن هذا الولد رقيق يرجع لملك السيد تبعاً لأمه؟ لا. لأن الرجل وطئها على أنها أم ولد وأن ولده حر فيظل الولد حراً، ولكن نقول للغاصب: عليك أن تعوضه قيمة الولد.

    ما هي قيمة الولد؟

    تشتري له ولد مثله ذكراً أو أنثى.

    من أين يشتري؟

    يقول: ما في رقيق، الآن انتهت الدنيا، نقول له: ما دام لا يوجد رقيق فمعناه أن القصة كلها ما حصلت إنما هي افتراضية.

    [ وقيمة ولدها إن أولدها وأجرة مثلها، ويرجع بذلك كله على الغاصب ].

    يعني: المشتري يلزمه أن يرد وأن يدفع المهر وقيمة الولد وأجرة المثل، ويرجع بذلك كله على من غصبها.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.