إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع - باب إحياء الموات

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب البيوع - باب إحياء المواتللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إحياء الموات مصطلح شرعي يقصد به استيلاء الإنسان على أرض ليست مملوكة وإحياؤها ببناء أو ماء أو زرع أو غيره، وهذا المعنى ثابت في السنة النبوية، وله أحكام ذكرها الفقهاء في كتبهم، ومن ذلك: طرق إحياء الموات، وحكم اشتراط إذن الإمام في ذلك، وذكروا المواضع التي يجوز إحياؤها والمواضع التي لا يجوز إحياؤها.

    1.   

    مفهوم إحياء الموات

    ننتقل إلى الفقه وباب إحياء الموات.

    أولاً: فيما يتعلق بإحياء الموات عندنا التعريف: فالإحياء معروف، وهو في الأصل ضد الإماتة، وهو من الحياة ضد الموت، أما الموات فهو بوزن سحاب، والمقصود به هو الشيء الميت.

    وكلمة (إحياء الموات) ككلمة مركبة المقصود بها: استيلاء الإنسان على أرض ليست مملوكة، وإحياؤها ببناء أو ماء أو زرع.. أو غيره.

    1.   

    أدلة مشروعية إحياء الموات

    وهذا المعنى ثابت بالسنة النبوية، وهو مذهب جماهير أهل العلم كما ذكره ابن قدامة وغيره، فقد جاء في السنة أحاديث كثيرة جداً تدل على جواز إحياء الأرض الموات، سواء كانت أرضاً زراعية كما يعبرون عنها اليوم أو غير ذلك.

    ومن هذا: ما ورد عن سعيد بن زيد رضي الله عنه عند الترمذي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له )، والترمذي قال: حديث حسن. وهو كما قال، ورواه أبو داود أيضاً، وأعله بعضهم بأن حديث سعيد بن زيد مرسل، ولكن له شواهد كثيرة جداً.

    منها أيضاً: حديث عائشة رضي الله عنها عند الترمذي بمعنى حديث سعيد : ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، وذكره أبو داود، وصححه ابن حبان، وأشار إليه البخاري في ترجمة باب.

    وهكذا أيضاً حديث جابر عند مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق )، وقال مالك رحمه الله في الموطأ : والعمل عليه عندنا. يعني: عند أهل المدينة أنهم يأخذون بإحياء الموات.

    بل جاء في البخاري في كتاب المزارعة: أنه عقد باباً لإحياء الأرض الميتة أو لإحياء الموات، وقال: إن عمر قد قضى به. ثم أشار البخاري رحمه الله -كما سبق- إلى حديث عائشة، ثم روى بإسناده حديثاً عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها )، وهذا الحديث وإن لم يكن بلفظ إحياء الموات وإنما أشار إلى إعمار الأرض الذي ليست لأحد إلا أن معنى الحديث واحد والله أعلم، فإن قوله: ( من أعمر أرضاً ليست لأحد ) يعني: أحياها، سواءً عمرها بالبناء أو أحياها بالسقي أو بالزراعة.. أو بغير ذلك مما تعارف الناس عليه.

    1.   

    طرق إحياء الموات

    وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة: وهي بماذا يكون إحياء الأرض؟ بأي شيء يكون الإحياء؟

    والراجح عند جمهور الفقهاء: أن إحياء الأرض يكون بكل ما تعارف عليه الناس، فيكون لفظ الإحياء وهو لفظ شرعي مثله في ذلك مثل لفظ القبض -كما سبق أن ذكرنا- ومثل لفظ الحرز وغيره من الألفاظ التي جاءت في الشرع ولم يرد لها تحديد، فنقول: إنه يرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس، ومثل ذلك أيضاً موضوع السفر كما سوف يأتي الكلام عنه.

    هناك أمور كثيرة جداً قد صنف فيها الإمام ابن تيمية رحمه الله رسالة خاصة في الألفاظ الشرعية.

    إذاً النقطة الرابعة: هي بماذا يكون الإحياء؟

    وقلنا: إن الإحياء من الألفاظ الشرعية مثله في ذلك مثل القبض ومثل الحرز ومثل السفر.. وغيره من الألفاظ التي لم يرد فيها تحديد الشرع، فالقول المختار أنه يرجع في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس، فكل ما عده الناس إحياءً اعتبر إحياء، وهذا قول جمهور وأكثر الفقهاء.

    1.   

    حكم اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات

    المسألة الخامسة: هل يشترط إذن الإمام في الإحياء أو لا يشترط؟

    وهذه أيضاً اختلف فيها الفقهاء على ثلاثة أقوال تقريباً:

    فالجمهور لا يشترطون إذن الإمام، ويرون أنه ما دام ورد الشرع بالإذن في الإحياء كما في الأحاديث السابقة؛ حديث عائشة وسعيد بن زيد وجابر وقضى به عمر رضي الله عنه في خلافته، وذهب إليه جمهور فقهاء الأمصار، ففي مثل هذه الحالة لا يشترط إذن الإمام، بل كل من أحيا أرضاً ميتة فهي له، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن تكون هذه الأرض عامة لمصالح الناس: كالمعادن، والمرافق العامة، والمنتزهات، والحدائق، والمسايل.. وغيرها مما تتعلق به مصالح المسلمين، فهذا هو قول الجمهور، وحجتهم واضحة كما ذكرنا.

    القول الثاني للحنفية أنهم قالوا: لابد من إذن الإمام، وهم لهم في ذلك نص حديث، يعني أنه ( لابد من طيب نفس الإمام ) والحديث ليس له إسناد ولا يعتد به، وليس معروفاً في مصنفات السنة، وإنما قد يؤيد أو يتأيد كلامهم بالنظر الفقهي وليس بالنص، فإنهم يرون أن في ذلك حفظاً لمصالح الناس؛ لأنه لو أن كل أحد عدا على أرض مثلاً فأحياها أو حوَّطها لربما ترتب على ذلك كثير من المنازعة والخلاف بين الناس والمشاحة في بعض الأحوال.

    القول الثالث وهو القول الوسط للمالكية رحمهم الله، وهو القول المشهور عند مالك، أنهم يفرقون بين الأرض القريبة والبعيدة، فيرون أنه في الأرض القريبة لابد من إذن الإمام، بينما لا يشترطون ذلك في البعيدة؛ لأنه في القريبة من أجل مدافعة المشاحة والتنازع بينما البعيدة لا مشاحة فيها.

    وحينما يقول المالكية أو الحنفية إذن الإمام من يقصدون بالإمام؟

    يقصدون السلطة المخولة أو المخصصة، قد تكون هذه السلطة هي البلدية مثلاً، قد تكون هي جهة معينة مسئولة عن الأراضي والعقار ونحوها، فليس المقصود بالضرورة إذن الإمام الشخصي كما قد يتبادر من هذا اللفظ.

    الراجح في مسألة إذن الإمام بإحياء الموات

    يبقى موضوع حسم هذا الخلاف في مسألة إذن الإمام، والحقيقة أنا من الناحية الفقهية أميل إلى القول الأول أنه لا يشترط في ذلك إذن الإمام، وأن الأصل السماح للناس بشرط: أن تكون القضية لها جهة تنظمها؛ لئلا تتحول إلى مشاحة أو فوضى أو خلاف بينهم من أجل هذه الأرض أو تلك. هذا من جهة.

    من جهة أخرى: نحن نعرف أنه اليوم في معظم، بل في كل البلاد هناك أنظمة لا تسمح بالإحياء، حتى عندنا مثلاً هنا لا يسمحون بالإحياء إلا إذا ثبت أنه قد تم قبل عام -أظن- (1385هـ)، فإذا أثبت الإنسان أنه أحيا الأرض قبل هذا التاريخ أجازوه ومنحوه صكاً، وهذا اضطر كثيراً من الناس إلى الكذب والتزوير وشهادة الزور، بحيث يدعي أنه قد أحيا هذه الأرض عام (85هـ) أو (84 هـ)، ويأتي بشهود زور عند القاضي لتأكيد هذا الأمر.

    والحقيقة مثل هذه الأشياء دعوني أكون صريحاً معكم أن كثيراً ما يسألني الناس عنها وأنا محرج، وحتى اليوم والأمس وأنا أبحث هذه المسألة: هل من مخرج؟ فوجدت أن أفضل مخرج للمتفقه هو التوقف؛ لأنك ترى في واقع الحياة إشكالات كبيرة جداً، يعني: قد يكون هذا الإنسان الذي زوَّر أو أحيا الأرض أو دبر أمره بشكل أو بآخر قد يكون محتاجاً لأرض لضرورة لابد له منها ليسكنها أو ليسكنها أولاده، وأنت تعلم أنه ربما هذا الإنسان لم يستطع الحصول عليها نظراً لقلة علاقته وضعف مكانته وضعف صلته، بينما لو كان هذا الإنسان مثلاً له علاقات.. له معارف.. له صلات، أو كما يقال: يصل إلى بعض الأطراف وبعض الجهات، لربما استطاع أن يأخذ ليس إقطاعاً أو أرضاً في مكان ناء، وإنما استطاع أن يحصل على أرض واسعة جداً في مكان راق في قلب البلد، فيعني: إن أردت أن تفتح للناس المجال وتقول: كل أحد من حقه أن يكذب وأن يلفق المواثيق وأن يزور فهذه مصيبة حقيقة؛ لأنه تربى الناس على اللامبالاة، وإن أردت أن تغلق الباب أيضاً في وجه هؤلاء الضعفاء والفقراء والمحتاجين وأنت تعلم أنه مفتوح على مصارعه في وجه غيرهم وجدت أنت في هذا أيضاً نوعاً من الإجحاف.

    ففي مثل هذه الحالة يسوغ ويحسن أن يتوقف الإنسان ويترك كل امرئ منهم وما يؤدي إليه نظره واجتهاده وذمته وضميره.

    سبب اختلاف العلماء في إذن الإمام

    أما يعني سبب اختلاف العلماء في إذن الإمام فهو أولاً: للاختلاف في النصوص السابقة، فالجمهور يرون أن نصوص الأحاديث نصوص شرعية عامة للأمة كلها، والآخرون ربما يرون أن هذا كان أمراً سلطانياً للناس في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو في عهد الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الحاجة كانت ماسة لإحياء الأرض وتملكها وإيجاد نوع من الحركة الزراعية والصناعية وتنشيط المجتمع المسلم، وليست أمراً عاماً للأمة كلها، فهذا ربما نوع من التأويل.

    1.   

    ما لا يجوز إحياؤه من الأرض

    النقطة السادسة تقريباً: ما لا يجوز إحياؤه من الأرض، وهذا ربما أشرنا إليه عرضاً:

    الأرض المملوكة

    فأولاً مما لا يجوز إحياؤه: الأرض المملوكة.

    وهذا عند جميع الفقهاء، فإن الأرض المملوكة لا يجوز لأحد أن يتسلط أو يعتدي عليها، حتى لو خربت أو توارثها ملاك بعد ملاك فلا يحق لأحد أن يعتدي عليها.

    مصالح الناس العامة

    أيضاً مما لا يجوز إحياؤه: ما كان يتعلق بمصالح الناس العامة كما أشرنا.

    مثلاً: المساجد، مصليات الأعياد، المرافق العامة التي يستفيد الناس منها، الطرقات والشوارع، المنتزهات العامة، كل هذه الأشياء لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها.

    وقد جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين فيما أعلم، حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع )، وهذا الحديث يحتمل أن يكون تحديداً للطريق، والأرجح عندي والله أعلم أن هذا ليس أمراً عاماً أنه أمر مصلحي وقتي، يعني: الطريق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعة بناء المدينة وسكناها وبيوتها يكون سبعة أذرع، لكن إذا كنا الآن في مدينة مخططة تخطيطاً حديثاً وفيها طرقات سريعة ومسارات متعددة والناس اتفقوا على أن يكون الطريق ليس سبعة أذرع، وإنما يكون أحياناً عشرين أو ثلاثين أو ستين مثلاً أو أكثر من ذلك، فنقول في مثل هذه الحالة: يجب الالتزام بالأمر العام؛ لأنه من معاني مراعاة العرف الدارج عند الناس، وهذا ليس أمراً تعبدياً، وإنما هو أمر مصلحي دنيوي، فيراعى فيه مثل هذا المعنى.

    حريم البئر أو الملك

    كما أنه مما يتعلق بهذه النقطة في مسألة ما لا يجوز إحياؤه نقطة ثانية، وهو ما يسميه الفقهاء حريم البئر أو حريم الملك، وسوف يذكرها المصنف إن شاء الله، ويقصدون عادة بالحريم هو الشيء المحيط بالبئر، يعني: حرم الشيء هو ما يحيط به، كما يقال: حرم الجامعة أو ما أشبه ذلك.

    فيقول الفقهاء: إذا حفر الإنسان بئراً في مكان، فكم المسافة التي يملكها بموجب حفر هذا البئر؟ وهذا الذي يسمونه حريماً.

    فيقولون: إذا كانت هذه البئر بئراً قديمة ويسمونها (البئر العادية) إما نسبة إلى عاد، ليس يعني المقصود قبيلة عاد بالذات وإنما تعني الشيء القديم، مثل: عندنا الآن إذا الناس أرادوا أن يقولوا: هذا شيخ قديم يقولوا: هذا من عمر نوح، لا يقصدون بالذات نوح وإنما يقصدون أنه شيء قديم، فهكذا هم يقولون: البئر العادية، ويقصدون أنها من عهد عاد، وليس بالضرورة من عهد عاد؛ لكن المعنى أنها قديمة واندرست ثم جددت.

    و ابن تيمية رحمه الله يرى أن كلمة عادية، يعني: أنها أعيدت، يعني: إذا حفرت ثم أعيدت مرة أخرى.

    المهم أن البئر إذا كانت قديمة فالغالب أنها تكون عميقة؛ ولذلك الفقهاء يطيلون حريمها ويجعلونه خمسين ذراعاً من كل جهة، بينما إذا كانت البئر بديئة أو مبتدأة جديدة فإنهم يعطونها نصف هذا الحريم، وهو خمس وعشرون ذراعاً، هذا عند الحنابلة، وطبعاً غيرهم يختلف في ذلك. وهذا يسمونه حريم البئر، يعني: أن له حقاً بمثل هذا المقدار.

    1.   

    من يجوز له إحياء الموات

    النقطة السابعة هي مسألة: من له الإحياء؟ من الذي يجوز له أن يحيي؟

    الأئمة الثلاثة يرون أن الإحياء للمسلم ولغير المسلم، كما نص عليه الإمام أحمد والحنابلة، وخالف في ذلك الشافعية فإنهم لا يرون للذمي جواز الإحياء خلافاً للجمهور.

    والجمهور يحتجون بالحديث السابق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحيا أرضاً ) فإنهم يقولون: إن (من) هنا يصدق على المسلم وغيره، والمقصود بغير المسلم الذمي.

    الحربي هل يجوز أن يحيي في أرض الإسلام؟

    يقيناً لا يجوز، وإنما المقصود بذلك المسلم والذمي أنه يجوز له الإحياء، وهو قول الجمهور كما ذكرنا والدليل يدل عليه.

    1.   

    أنواع الإقطاع

    النقطة الثامنة: قضية أنواع الإقطاع، والفقهاء من الحنابلة وغيرهم يقسمون الإقطاع إلى ثلاثة أقسام:

    إقطاع إرفاق

    القسم الأول: يسمونه إقطاع إرفاق، يعني سبق أن ذكرنا عقود الإرفاق، وأن المقصود بها ما كان المقصود به الرفق بالناس، أو مراعاة الرفق بهم ومصالحهم.

    مثال إقطاع الإرفاق: أنتم إذا خرجتم الآن عند باب المسجد تجدون أحياناً بسطات وسيارات تبيع، أحياناً يبيعون فواكه أو يبيعون ملابس أو يبيعون مساويك، هذا نموذج، فحين تنظم الأمانة أو البلدية أو الجهة المسئولة هذه المواقع وتعطي كل واحد مكاناً معيناً أو مبسطاً معيناً هل يملكونه؟ لا يملكونه، وإنما يستفيد منه فقط، يرتفق به وينتفع به، فيكون أحق به من غيره، ولا يحل لأحد أن يأتي مكانه حتى لو حصل منه تأخر أو شيء فهو أحق بهذا المكان، فيسمى إقطاع إرفاق.

    ومثل ذلك أو يلحق به أيضاً: إقطاع أماكن الحلق والدروس والمساجد، مثلاً: إذا كان الواحد في مسجد معين وأخذ هذا المكان الذي نجلس فيه الآن من أجل الحلقة ومن أجل الدرس وتعورف عليه، فإنه لا يحل لآخر أن يأتي في الوقت ذاته ويستولي مثلاً على هذا المكان من غير ترتيب ولا تنسيق؛ لأن الأول أحق به، وبعضهم يذكرون في هذا حديث: ( من سبق إلى مباح فهو أحق به )، أو (منى مناخ من سبق )، وهذه أشياء لا تصح بمفردها؛ لكن تعززها وتشهد لها القواعد الشرعية والأصول العامة، هذا النوع الأول ونسميه إقطاع إرفاق؛ لأنه ليس ملكية أو إحياء.

    إقطاع استحقاق

    الثاني: إقطاع استحقاق، يعني: أرقى من مجرد الإرفاق أن يكون أحق بهذا الشيء دون أن يملكه، مثلما لو وضع الإنسان يده على شيء ليس لأحد وربما تصرف فيه، يعني: إنسان مثلاً جاء إلى صحراء وأخذ هذا المكان ووضع فيه -مثلما نقول- عقماً من التراب، أو حوطه ببعض الحجارة القليلة، فقد يقال: إن الأصل أن هذا يسمى إقطاعاً، وأنه أحق به من غيره لكن لا يملكه، أي: له أن يستخدمه ويستفيد منه، ويملكه لو أحياه، مثلاً حفر في فيه بئراً، أجرى فيه ماءً، غرس فيه غرساً، بنى عليه جداراً.

    وإذا كانت الملكية هنا أو الإحياء من أجل السكن فمتى يملكه؟ إذا بنى فيه جدراناً ووضع السقوف والأبواب هنا يكون قد ملكه، فيكون الملك كما قلنا والإحياء لكل شيء بحسبه، وربما هذا الاستحقاق الذي لم يملكه الإنسان وإنما فقط استحقه؛ لأنه وضع عليه مثلاً حجارة أو حوطه بحجارة ونحو ذلك، ربما يعطى فيه مهلة سنوات، وقد ورد أن عمر رضي الله عنه كان يمهلهم فيه ثلاث سنوات، فإن أحياه وإلا لم يكن له فيه شيء، وقد يرثه ورثته من بعده ويكون لهم فيه من الاستحقاق مثل ما له.

    إقطاع تمليك

    القسم الثالث: هو إقطاع تمليك، يعني: من الممكن أن يقطع الإنسان أرضاً يتملَّكها، وهنا نراعي أن الإقطاع غير الإحياء، يعني: يمكن للجهة المختصة -سواءً كانت البلدية أو الأمانة أو أي جهة أخرى تعرف بالعدالة والنزاهة ومراعاة مصالح المواطنين- أنها تعطي مثلاً كل شاب قطعة أرض أو حتى شقة أحياناً في بعض البلاد التي يكون فيها ضيق؛ تكون هذه القطعة من الأرض له أو تكون هذه الشقة له، وقد يكون هناك نوع من استرداد جزء من قيمتها في بعض الحالات، أو قد تكون منحة من الدولة كما إذا كانت الدولة غنية ومصادرها موسرة.

    1.   

    شرح ألفاظ باب إحياء الموات من عمدة الفقه

    يقول المصنف رحمه الله: [ باب إحياء الموات وهي الأرض الداثرة ].

    بالثاء يعني ليست بالهمزة الدائرة.

    والداثرة: من دثر الشيء أو اندثر، إذا تقادم وخرب.

    [ التي لا يعرف لها مالك ].

    يعني: ليس لها مالك معين، لا فرد ولا قبيلة ولا جماعة.

    [ فمن أحياها ملكها ].

    كما ذكرنا أن الإحياء يكون بحسب العرف: إما بسقيها الماء أو جر الماء إليها أو بغرس الأشجار والنخيل أو بالبناء؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له )، وهذا الحديث ذكرناه قبل قليل، وأنه من حديث سعيد بن زيد وجابر وعائشة وعمر .. وغيرهم.

    قال: [ وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها ].

    يعني: سواء كان زرعاً أو سكناً أو غير ذلك.

    [ كالتحويط عليها ].

    يعني: بناء الحائط، بناء الجدار، وهل يقوم مقام بناء الحائط وضع الشبك عليها؟

    نعم. إذا وضع عليها شبكاً وهي أرض زراعية، فهذا يقوم من حيث العرف مقام البناء ويقوم مقام الجدار.

    [ وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع ].

    يعني: أن يسوقه من نهر أو من بئر.

    [ وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها ].

    يعني: تنظيف الأرض وإزالة ما بها مثلاً من أحجار وأشجار، وكذلك حرث الأرض وتهيئتها وتمهيدها للزرع.

    قال: [ وإن حفر فيها بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه ].

    يعني: ملك حريم هذه البئر.

    قال: [ وهي خمسون ذراعاً من كل جانب إن كانت عادية ].

    إن كانت البئر عادية فإنه يملك خمسين ذراعاً.

    [ وحريم البئر البديل ].

    يعني: غير العادي، وهو المبتدأ الجديد.

    [ هي خمسة وعشرون ذراعاً ].

    وهذا الذي ذهب إليه المصنف من تحديد حريم البئر العادية بخمسين، والبديئة بخمس وعشرين هو المشهور، وقد جاء فيه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث سعيد بن المسيب، وهو وإن كان مرسلاً جيداً كما قال بعضهم إلا أن الأقرب أنه موقوف من كلام سعيد بن المسيب وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو من قول سعيد وهو أثر معتبر به، ويمكن أن يقال أيضاً: إن هذا ليس نهائياً، وإنما يمكن أن يقال: إن حريم البئر من المسائل التي يقع فيها الاجتهاد وتخضع للتنظيم، فإذا رأت الجهة المختصة المسئولة تنظيم ذلك بأقل من هذا أو أكثر منه بحسب مصالح الناس العامة فإن ذلك جائز.

    1.   

    ضبط وتنظيم الإقطاعات وإحياء الموات والمحافظة عليها

    ويجدر أن أختم موضوع إحياء الموات، وقد ذكرناه وذكرنا ما يتعلق بالإقطاع، سواء كان إقطاع تمليك أو إقطاع استحقاق أو إقطاع ارتفاق، فأقول: أنه من خلال قراءة كلام الفقهاء المتقدمين من الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم قد يُلاحظ أن الفقهاء كانوا يتوسعون في مثل هذه المسائل، ويعطون الإمام أو نائبه حقاً مطلقاً في قضية المنح والإقطاعات والإحياء وغيرها، دون أن يكون هناك نوع من الجهة الرقابية.

    بينما في العصر الحاضر نجد أن في دول العالم كلها، وبالذات دول العالم الغربي، لما كان عندهم من الضبط في أمورهم الدنيوية والإتقان لمصالحهم المادية، أنه أصبح عندهم دقة في ضبط هذه الأشياء وتنظيمها، بحيث لا يتعدى أحد حدوده وصلاحياته، وقد أصبحنا نقرأ ونسمع ونشاهد أن الواحد منهم لا يستطيع أن يمنح؛ لأن الفقهاء لما تكلموا في مسألة -كما ذكرنا قبل قليل- الإقطاع، ذكروا إقطاع غير الأرض، يعني: أنه قد يقطعه مالاً فيعطيه دون أن يكون هناك أي ضبط، وفي نظري أن هذا جنى على الأمة الإسلامية وجعل التاريخ الإسلامي والواقع الإسلامي أيضاً مليئاً بكثير من الفوضى في قضية المحافظة على المال العام وضبطه وصرفه إلى المصالح، تراه يتعلق بالعلاقات أحياناً أو مجاملات، أو ربما مصالح ليست مصالح شرعية أو عامة وإنما هي مصالح خاصة، بينما تجد أن في الأمم الأخرى من التنظيم والدقة لهذه الأمور أنك قد تجد أن رئيس الدولة نفسه يحاسب، نجد هذا حصل في فرنسا مثلاً: محاسبة رئيس الدولة على شقة سكن فيها ربما لفترة ويقال: إنه لم يدفع أجورها، فيعتبرون هذا نوعاً من استغلال سلطته والعدوان على المال العام، أو تجد هذا أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية أو في دول أوروبا أو غيرها.

    فأقول: إن الكلام الذي نجده في كتب بعض الفقهاء من التوسع في مثل هذه الأمور وكأنهم يفوضون الأمر إلى الموقف الشخصي أو الاجتهاد الشخصي أن هذا خطأ يجب ألا يقع اليوم في المسلمين، وأن يكون هناك نوع من الضبط في المحافظة أولاً على ما يتعلق بالإقطاعات وإحياء الموات كما ذكرنا، فيكون فيها عدد.. خصوصاً ونحن نعرف أن المسلمين هم أكثر الشعوب تكاثراً وتناسلاً، وبناءً عليه فإن الأجيال القادمة تحتاج إلى أماكن وإلى سكن وإلى تهيئة المجالات المناسبة لهم، وأيضاً هذه الكثرة السكانية تحتاج إلى ما يواجهها ويكافئها من الاستحقاقات المادية والمصالح والمرتبات وغيرها.

    إضافة إلى أنه أصبحت هذه الأمور اليوم تخضع لأنظمة العالم كله، فالمسلمون أولى وأحق بأن تضبط هذه الأمور، وأن لا تخضع للاجتهاد الشخصي، حتى لو كان الإنسان مجتهداً، يعني: عندما يكون الأمر متروكاً لي دون أن يكون هناك أي جهة رقابية فإني قد أعطي أناساً وأنا أعتقد أن المصلحة في إعطائهم ويخالفني غيري في تقدير هذه المصلحة، فأنا أعتقد أن مثل هذه البحوث -بحوث إحياء الموات وبحوث الإقطاع- يجب أن تكون منضبطة، وأن تخضع لنظم علمية وإدارية ومالية دقيقة، هذا في بلاد المسلمين وغيرهم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إحياء أرض سبق إحياؤها واندثرت

    السؤال: يقول: إذا كنت أعلم أنه سبق لهذه الأرض إحياء ولكن اندثر وأحييتها ثانية.

    الجواب: هذا فيه اختلاف، يعني: إذا كان الإنسان لا يعرف لهذه الأرض مالكاً لم يعد لها مالك، والأقرب أنه لا بأس بإحيائه إذا كانت متروكة ولا يد لأحد عليها، وهذا اندثر من قرون طويلة، وإن كان بعضهم يقيد أنه لابد أن تكون بالأرض غير مملوكة في العصر الإسلامي.

    حكم إحضار شهود على امتلاك أرض

    السؤال: حضرت مسألة في مجلس جماعة لهم وهي أرض لهم (100%) لكن لم يجدوا شهوداً فأتوا بشهود.

    الجواب: هذا الذي قلناه أنه.. يعني آثرنا التوقف فيه وترك الأمر لاجتهادهم هم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    حكم إقطاع غير الموات

    السؤال: وهل يمكن إقطاع غير الموات؟

    الجواب: لا يمكن، يعني: الأرض المملوكة للناس لا يمكن أن يستقطعها أحد أو يقطعها لأحد؛ ولذلك جاء في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وليس لعرق ظالم حق )، فإن العدوان على أراضي الناس وعلى ممتلكاتهم وعلى مزارعهم التي قد يكون فيها حياة وقد تكون لها سنين طويلة وهي مُتملَّكة ولكن ليس عنده فيها صكوك؛ يكون في هذا نوع من الظلم له.