إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ سلمان العودة
  3. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - باب زكاة الفطر

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - باب زكاة الفطرللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرعت زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وتربية للإنسان على البذل والعطاء، وهي واجبة على كل مسلم حر قادر، تخرج قبل العيد، وإن أخرجت بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، كما أن الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر قد حددت في الأحاديث، واختلف في إخراجها نقوداً، كما اختلف لمن تصرف، فقيل: للأصناف الثمانية وقيل: إنها خاصة بالفقراء والمساكين، وعلى الإنسان أن يؤديها عن نفسه أولاً ثم عمّن يمونه.

    1.   

    مقدمة الدرس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    اليوم عندنا زكاة الفطر، وأذكر بهذه المناسبة قصةً حصلت وهي تجربة بالأصح: أنهم أخذوا مجموعة من الشباب وقسموهم إلى قسمين: القسم الأول قالوا لهم: إننا سوف نطالبكم بعد ساعات بأن تكتبوا لنا قصة، والقسم الثاني: فاجئوهم مفاجأة ووضعوهم على الكراسي وأعطوهم أوراقاً، وقالوا: اكتبوا لنا قصة، وبالمقارنة وجدوا أن الذين فوجئوا بالخبر كانوا أكثر إبداعاً وجودة وعفوية، من أولئك الذين أخبروا من قبل وبدءوا يفكرون بالموضوع.

    أيضاً أذكر أن أحد الإخوة يقول لي: إنه كان طالباً في الحلقة، وكانوا يحفظون كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب عند أستاذهم، فأحياناً يكون الدرس طويلاً، فيستعد له الطلاب قبل ذلك بوقت، ويحضّرونه ويحفظونه ويراجعونه، فإذا جاء الواحد منهم أتقن قراءة الدرس مع أنه طويل، بينما يكون الدرس أحياناً قليل، عبارة عن آية وحديث ومسائل معدودة، فيستهين الطالب بالدرس، فإذا جاء إلى الشيخ وجد أنه يتلكأ ويخطئ ويتعثر ويقع له ما يقع، وربما حصل شيء من هذا فيما يتعلق بهذه الدرس، فهو درس سهل إن شاء الله وواضح، لكن صادف أن مفاتيح مكتبي ومكتبتي ضاعت مني، وأن الإخوة كلهم كانوا مسافرين أيضاً، فجلست أترقب وقتاً طويلاً حتى أجد من يفتح لي بابي، ولكن مع ذلك الحمد لله إن شاء الله نستطيع أننا نجهز على هذا الباب في وقت محدود بإذن الله تعالى.

    1.   

    أسماء زكاة الفطر

    فيما يتعلق بزكاة الفطر أولاً: لها أسماء، من أسمائها، زكاة الفطر، وصدقة الفطر، المقصود بالفطر: الفطر من رمضان، وهذا من نسبة الشيء إلى سببه، كما يقولون، فإن سبب هذه الزكاة هو الإفطار من رمضان، وتسمى أيضاً: الفطرة، بكسر الفاء أيضاً عند الفقهاء وهذا مشهور وذكره في القاموس، وإن لم يكن له أصل من اللغة، وإنما هو من المولَّد، يعني: من الكلمات المولّدة الجديدة، وهذا الاسم معروف عند العامة عندنا، بل ربما لا يعرف غيره، فهم يسمونها الفطرة، وقد يرققون الراء، فيقولون: الفطرِة.

    وإنما سميت الفطرة لأحد معنيين: إما لأنها تُؤدَى بعد الفطر من رمضان، وإما نسبة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ لأن هذه الزكاة لا تتعلق بالمال وإنما تتعلق بالبدن، ولذلك من أسمائها: زكاة البدن، أو زكاة الرأس، أو زكاة الرقبة، يعني: زكاة الإنسان، وهذا مما يميزها عن الزكاة الأخرى، ولذا مثلاً يقولون في زكاة المال: إنها تخرج في بلد المال، بينما يقولون في زكاة الفطر: إنها تخرج في البلد التي يكون فيها الإنسان، ولو كان ماله في بلد آخر؛ لأنها تتعلق ببدنه لا بماله.

    1.   

    الحكمة من تشريع زكاة الفطر

    النقطة الثانية: الحكمة من مشروعية زكاة الفطر، تتلخص في ثلاث نقاط: ‏

    طهرة للصائم من اللغو والرفث

    الأولى: أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وذلك لأن الصائم لا يخلو أن يقع في صيامه نقص بوجه من الوجوه، ولو أن يلغو في الكلام أو يرفث، أو يقع في غيبة أو فضول كلام أو فضول نظر .. أو غير ذلك من المعاصي التي لا تُفسد الصيام، ولكنها تُنقص أجره وتُضعفه، فكانت هذه الصدقة طهرة للصائم من اللغو والرفث.

    طعمة للمساكين

    الثانية: أنها طعمة للمساكين؛ لأنها تخرج في ليلة العيد ويوم العيد، وهو يوم فرح وسرور واغتباط وتوسع في المأكل والمشرب، ولذلك حرم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صيام يومي العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فالأكل فيها مقصود، وبالذات في عيد الفطر شرع للإنسان أن يأكل تمرات قبل أن يخرج إلى الصلاة.

    فإذاً: المقصود في هذا اليوم أن يكون هناك توسع في المأكل والمشرب والزينة المباحة، وفرح وسرور، ولذلك كان إظهار الفرح والسرور في أيام العيد مقصوداً للشرع، وفي هذا مقام طويل، فكان في إخراج صدقة الفطر في ذلك اليوم إشعاراً للمساكين والفقراء بانتمائهم إلى هذا المجتمع، وإطعاماً لهم، ومشاركة لهم في سرور يوم العيد وفي فرح يوم العيد؛ لئلا يأتي عليهم العيد وهم جياع يشعرون بالانقباض، وربما يشعرون ربما بالحسد لذلك المجتمع الذي يتمتع بالنعيم، ويحرمهم هم من قوتهم أو طعامهم أو ضرورة حياتهم، فكان في ذلك طعمة للمساكين والفقراء.

    ولهذا ذهب من ذهب من الفقهاء كما سوف يأتي إلى أن صدقة الفطر تقصر على الفقراء والمساكين ولا تصرف لغيرهم من الأصناف الثمانية، وهذا اختيار ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله.

    التربية على البذل والعطاء

    الوجه الثالث: أن في صدقة الفطر تعويداً لأفراد المجتمع كلهم على المشاركة، وعلى العطاء، ولذلك كانت الصدقة -كما قلنا- عن البدن أو عن الرقبة أو عن الرأس، الصدقة متعلقة بالإنسان حتى لو كان قليل المال، حتى لو لم يكن غنياً فإنه يتصدق، ولهذا قال الفقهاء كما سوف يأتي: إنه يخرج صدقة الفطر حتى لو لم يكن عنده نصاب المال، وبذلك يتعود الفقير أيضاً أنه يأخذ ويعطي في الوقت نفسه، وهذا فيه معنى شديد الأهمية بالنسبة لبناء المجتمعات، تدريب الإنسان على المشاركة، وهذا يقع في المال، ويقع في الدعوة، ويقع في العلم، ويقع في كل شيء، مثلاً في الحديث: ( بلغوا عني ولو آية )، فتعويد الإنسان على أنه إذا تعلم شيئاً يسيراً يقدمه للآخرين، فهذا فيه تربية له على المشاركة والعطاء.

    كذلك تربية الإنسان على أنه يشارك في قضايا الأمة الكبيرة، يشارك مثلاً بالدعاء، يشارك بالتفكير السليم، يشارك بما يملك حتى لو كان قليلاً، هذا يجعل الأمة تتحرك بمجموعها لا بأفرادها.

    ونشهد هذا المعنى في صدقة الفطر التي يخرجها حتى غير الأغنياء، فإنه من وجد ما يفضل عن قوت يومه وليلته، وقوت من يمونه من الناس، وجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه، يعطيها للفقراء ويخرجها عمن يمونه من ولد أو زوجة أو والد فقير .. أو نحو ذلك.

    إذاً: هنا ثلاث فوائد أو ثلاث حكم من مشروعية صدقة الفطر:

    الأولى: تطهير الصائم من اللغو والرفث.

    الثانية: إطعام المساكين، وتحقيق فرحهم بيوم العيد، وانتمائهم لهذا المجتمع ولهذه الأمة.

    الثالث: تربية الأمة على العطاء والبذل والمشاركة: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    ولهذا جاء في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه: أن ابن عباس قال: ( فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ).

    والحديث وإن كان صححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي وحسنه النووي في المجموع إلا أن غير واحد من أهل العلم أعلوا الحديث وضعفوه، بما في سنده من ضعف واضطراب، ولكن معنى الحديث في الجملة له ما يشهد له.

    1.   

    حكم زكاة الفطر وأدلته

    النقطة الثالثة: حكم صدقة الفطر، والجمهور من أهل العلم على أن صدقة الفطر واجبة، وقد يعبر بعضهم بأنها فرض، والفرق بين الفرض والواجب يسير، هذا التفريق عند الأحناف خاصة، يفرقون بين الفرض والواجب، فيرون أن الفرض هو ما ثبت بدليل قطعي، كالقرآن الكريم أو السنة المتواترة، فهذا يسمونه فرضاً.

    أما ما ثبت بدليل ظني كحديث الآحاد عندهم فإنهم يسمونه: واجباً، يعني: أقل من الفرض عندهم، ولكنه لازم للإنسان، فهذا تفريق اصطلاحي خاص، لكن الأئمة الأربعة تقريباً يرون أن صدقة الفطر واجبة، بما في ذلك أبو حنيفة يراها واجبة وليست فرضاً؛ لأنها لم تثبت في القرآن الكريم، ولكنه يوافق الأئمة الأربعة على وجوبها.

    وكذلك الإمام مالك نص في الموطأ على أنها واجبة.

    والدليل على وجوبها:

    أولاً: القرآن الكريم قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]، جاء عن بعض السلف بل ورد مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح ولكنه موقوف على ابن عمر أنه فسر هذه الآية بزكاة الفطر: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14]: زكاة الفطر، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، يعني: صلاة العيد. وهذا من التفسير بالمثال، يعني: الآية تدل على فلاح من أدى زكاة الفطر وصلى صلاة العيد، لكنها من باب أولى أيضاً تدل على فضيلة من أدى زكاة المال المفروضة، وصلى الصلاة المفروضة أيضاً.

    إذاً: الآية تدل في ضمن ما تدل عليه على وجوب صدقة الفطر، وعلى مشروعية صلاة العيد، وجاء في هذا كما ذكرت حديث ابن عمر .

    الدليل الثاني وهو المعول عليه: ما رواه الشيخان، بل الشيخان وأهل السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان: صاعاً من بر أو شعير، على الذكر والأنثى والعبد والحر من المسلمين )، فحديث ابن عمر رضي الله عنه فيه: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) والفرض صريح في الإيجاب والحتم والإلزام.

    ومثله أيضاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: ( كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو تمر، أو شعير، أو زبيب، أو أقط. فلما جاء معاوية رضي الله عنه من الشام وجاءت هذه السمراء، قال: إني أرى مداً من هذه يعدل مدين، فأخرج الناس نصف صاع من القمح، يقول أبو سعيد : أما أنا فلا أزال أخرجها، كما كنت أخرجها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )، يعني: يخرجها صاعاً كاملاً.

    فالمقصود أنها ثبتت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر : (فرض) وثبتت بفعله وفعل أصحابه رضي الله عنهم، كما في حديث أبي سعيد الخدري، وكلاهما في الصحيحين، وهذا مذهب الأربعة كما ذكرت.

    هناك قول آخر في المسألة وهو منسوب إلى رواية في مذهب الإمام مالك، وابن حزم رحمه الله في المحلى نسبه إلى مالك، وهذا يبدو أنه وهم، لأن مالكاً نص على وجوبها كما في الموطأ، وإنما هو قول عند المالكية، وكأنه قول أشهب وهو من فقهائهم الكبار: أنها سنة مؤكدة، وقد ذكر هذا القول ابن رشد في بداية المجتهد، ونسبه لبعض المتأخرين من أصحاب مالك، ولم يحدد قائله، وهذا أيضاً قول لبعض الظاهرية، وهو مذهب ابن اللبان من الشافعية، وقد قال النووي عن هذا القول: إنه خطأ وشذوذ.

    هؤلاء الذين قالوا بأنها سنة مؤكدة من المالكية والظاهرية والشافعية -وهم قليل كما لاحظتم- استدلوا أو لعل أهم ما استدلوا به: ما رواه أبو داود وما رواه النسائي وأحمد وابن خزيمة وغيرهم، عن قيس بن سعد بن عبادة : ( أنه سئل عن صدقة الفطر؟ فقال: إنها فرضت قبل أن تفرض زكاة المال، فلما فرضت زكاة المال لم نؤمر بها ولم ننه عنها، ونحن نخرجها )، فقالوا: هذا دليل على أن صدقة الفطر كانت واجبة قبل أن تفرض زكاة المال، فلما فرضت الزكاة على المال لم تعد زكاة الفطر واجبة، وإن كان الصحابة رضي الله عنهم يخرجونها، كما قال قيس بن سعد، ولكن على هذا الاستدلال أكثر من إشكال:

    الإشكال الأول: سند الحديث فإن سند الحديث وإن كان صححه غير واحد بالنظر إلى رجاله، خصوصاً من المتأخرين، إلا أن الصواب أن سنده ليس بالقوي، وفي سنده أيضاً اضطراب وعلة أشار إليها النسائي في سننه، وأشار إلى طرف منها الحافظ ابن حجر في مواضع من كتابه العظيم: فتح الباري هذا أولاً.

    ثانياً: أنه على فرض صحة الحديث أو حسنه إلا أنه لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن قيساً رضي الله عنه ذكر أنهم لم يؤمروا ولم ينهوا، ولا يلزم أنه كلما فرض أمر ينسخ ما سواه، ولا يلزم أن يتجدد الأمر أيضاً، بل الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل بقاء الوجوب، ولا يحتاج الأمر إلى حكم أو نص جديد بعد إيجاب صدقة الفطر، فهذا لو صح لكان قصاراه أن قيساً يتردد في القول بوجوبها، أو يرى أنها سنة مؤكدة .. وما أشبه ذلك، ولا يقاوم مثل هذا الحديث الضعيف في سنده، والذي عليه الإشكال في متنه، لا يقاوم النصوص الصحيحة الثابتة في وجوب صدقة الفطر، بل لا يقاوم ما حكاه بعضهم من الإجماع، فقد ذكر ابن المنذر ونقله عنه ابن قدامة وغيره إجماع الفقهاء على وجوب صدقة الفطر، ونص على ذلك أيضاً البيهقي في السنن عند الحديث، فإنه نص على إجماع الفقهاء على وجوب صدقة الفطر، وقال إسحاق بن راهويه : (هو كالإجماع)، ولعل كلام إسحاق أجود وأدق، أنه لا إجماع على الوجوب ولكن كالإجماع، وقد ذكرنا هذا مراراً: أنهم قد يطلقون الإجماع ويقصدون به أنه قول الجمهور أو مذهب الأكثرين، وإلا فالخلاف في مثل هذه المسائل معروف.

    1.   

    شروط وجوب زكاة الفطر

    قال المصنف رحمه الله هاهنا: [ باب زكاة الفطر.

    قال: وهي واجبة على كل مسلم ]، فقوله: (على كل مسلم) يقودنا إلى مسألة أخرى وهي شروط وجوب صدقة الفطر.

    ما هي الشروط التي إذا توفرت في أحد وجبت عليه صدقة الفطر؟

    الإسلام

    الشرط الأول: قال المصنف: [على كل مسلم]، إذاً: الشرط الأول: هو الإسلام، فإن صدقة الفطر لا تجب على الكافر، هذا من حيث الأثر والنظر العقل والنقل.

    أما من حيث العقل فإن صدقة الفطر شرعت طهرة للصائم، والكافر ليس بصائم وليس محلاً للتطهير، فلا معنى لإيجاب الزكاة عليه.

    وكذلك ما ذكرناه من العلل الأخرى في مواساة الفقراء، وفي تربية المجتمع على المشاركة وعلى العطاء، فهذا متحقق بالنسبة للمجتمع المسلم وأفراده، من حيث النظر والعقل.

    أما من حيث الأثر فقد صح في حديث ابن عمر عند البخاري وغيره أنه قال: ( على كل ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين )، فقوله: (من المسلمين) هذا نص على وجوبها على المسلمين، وهو يدل بمفهومه أو مفهوم المخالفة على أنها لا تجب على غير المسلم.

    وهذا هو مذهب الجمهور كما ذكرت، وهناك قول عند الشافعية -وهو الأصح عندهم في رواية- أنه يجب على الرجل الكافر أن يؤدي صدقة الفطر عن أقاربه المسلمين، لاحظ هم لم يوجبوا عليه هو زكاة الفطر، هذا لا قائل به: أن زكاة الفطر تجب على الكافر ما دام كافراً، وإنما قالوا: إنها تجب على الرجل الكافر عن أقاربه المسلمين، مثلاً لو كان الكافر وأبوه مسلم وفقير، فقالوا في الحالة هذه يجب على الابن الكافر أن يخرجها عن أبيه المسلم الفقير، أو العكس لو كان الأب كافراً غنياً والابن فقيراً مسلماً، فقالوا في هذه الحالة: يجب على الأب الكافر الغني أن يخرجها عن الابن الفقير المسلم، وهذا كما ذكرت هو مخالف لقول الجمهور وظاهر النص أيضاً.

    الحرية

    الشرط الثاني فيمن تجب عليه صدقة الفطر: الحرية، وهذا أيضاً عند الأكثرين خلافاً للحنابلة ورواية عند الشافعية .. وغيرهم، فقالوا: لأن العبد لا يملك المال، فمن باب أولى أنه لا يطالب بالصدقة والنفقة، وأنه لا يستطيع أن يُـملِّك غيره شيئاً، إلا أن يعطيه سيده، لكن يقولون بوجوبها على سيده من ماله يخرجها عن العبد، هذا جوابهم عن هذا.

    القدرة

    الشرط الثالث: القدرة، وقد أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله: [ إذا ملك فضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه ]، فلا بد أن يكون قادراً والقدرة تختلف عند الأحناف عنها عند بقية العلماء، فأما الأحناف فيرون القدرة على إخراج صدقة الفطر متعلقة بالنصاب، فيقولون: من ملك نصاباً من المال سواء من العروض، أو من الذهب، أو من الفضة، أو من الماشية، أو من الزروع، من ملك نصاباً من المال أي مالٍ كان، فإنه يجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعمن تلزمه، هذا مذهب الأحناف؛ لأنهم قالوا: إن ملك النصاب هو الدليل على الغنى، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره وسنده صحيح: ( لا صدقة إلا عن ظهر غنى ).

    أما القول الثاني: وهو مذهب الجمهور الشافعية والمالكية والحنابلة فإنهم قالوا: لا يشترط أن يملك نصاباً لكن يكفي أن يكون عنده فضل عن قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلة العيد، فإذا كان عنده زيادة وجب عليه أن يخرج هذه الزيادة، يخرج منها صدقة الفطر.

    وهذا القول هو القول المختار؛ لأن صدقة الفطر كما ذكرنا هي صدقة عن البدن، ليس لها تعلق بالمال، ولا يلزم لها الغنى، بل يكفي فيها القدرة على الإخراج والإنفاق.

    1.   

    مقدار ما يخرج في زكاة الفطر

    قال: [ وقدر الفطرة صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما، أو من التمر أو الزبيب ]، هذا مقدار ما يجب إخراجه من الفطرة، ذكره المصنف بهذه الكلمات، فالواجب صاع عند كافة الفقهاء من هذه الأشياء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وهو منقول عن الصحابة وغيرهم، إلا ما يتعلق بالقمح والزبيب، فقد اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً؛ وذلك لأن القمح والزبيب أرفع وأغلى ثمناً وقيمة -في غالب البلاد وغالب الأوقات- من الشعير ونحوه، ولهذا اختلف الفقهاء فيهما، فذهب معاوية رضي الله عنه إلى أن نصف صاعٍ من القمح يكفي في الفطرة، ويعدل صاعاً من غيرها من بقية الأصناف، وكذلك الزبيب قيمته تزيد غالباً على قيمة القمح، فلذلك أن من باب أولى أن له أن يخرج نصف صاع من الزبيب.

    لكن فيما يتعلق بالزبيب، فإنه قد ورد فيه النص: ( أو صاعاً من زبيب )، ولهذا الأولى أن نخرجه من هذه المسألة ونبقى في موضوع القمح؛ لأنه ليس داخلاً في الأصناف المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنه، وهذا اختيار معاوية كما ذكرنا، فإنه لما جاء من الشام خطب على المنبر، وقال لهم: (أرى مداً من هذه السمراء يعدل مدين)، يعني: قيمتها مضاعفة، ولذلك أخرج نصف صاع، وخالفه أبو سعيد في ذلك، وقال: ( لا أزال أخرجه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجه ).

    لكن أيضاً جاء هذا المعنى نفسه عن عمر رضي الله عنه، كما رواه ابن عمر وهو عند أبي داود وغيره أنه قال: (فلما كان عمر وكثرت الحنطة، جعل عمر رضي الله عنه نصف صاع من الحنطة مكان صاع من تلك الأصناف)، فهذا أيضاً مذهب عمر رضي الله عنه فيما يبدو، وقد نُقل عن جماعة من الصحابة وبأسانيد جيدة، نقل عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، بل نقل عن أبي بكر وإن كان في سند النقل عنه مقال، ونقل عن عائشة وأسماء وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن مسعود وابن عباس .. وجمع من الصحابة، كما نقل أيضاً عن جمع من التابعين كـعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فإنه كتب إلى عامله على الكوفة وأمره، نقول نقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعروة وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .. وغيرهم.

    وهو قول جماعة من الأئمة المتبوعين، هو مذهب أبي حنيفة والأوزاعي والليث وسفيان والثوري، بل قال ابن القيم رحمه الله: إن هذا القول هو اختيار شيخنا. يعني: ابن تيمية، ورجحه ابن القيم أيضاً، وقال -أعني ابن القيم -: إنه نقل عن جماعة من الصحابة، وجاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضاً، ويشد بعضها بعضاً. فهذا هو القول في المسألة.

    قال ابن تيمية رحمه الله: إن هذا القول بأن نصف صاعٍ من القمح يكفي هو قياس قول الإمام أحمد رحمه الله في الكفارات، فإنه يرى أنه يكفي من القمح في الكفارات نصف ما يكفي من غيرها، فـابن تيمية رحمه الله كأنه يخرجه قولاً لمذهب الإمام أحمد .

    إذاً: الخلاصة أنه يخرج صاعاً من هذه الأصناف المذكورة أو نصف صاع من القمح، باعتبار أنه أغلى منها قيمة وأنفع وأحظ للفقراء.

    والصاع يساوي تقريباً بالجرامات ألفين ومائة وستة وسبعين جراماً، بمعنى: يعادل اثنين كيلو ومائة وستة وسبعين جراماً، وإن قلت: مائتي جرام؛ لأن الفارق بسيط حتى يسهل ضبطه وحفظه، فأحياناً الدقة الزائدة قد تحدث نوعاً من الإشكال، فلو قلت: اثنين كيلو ومائتي جرام لكان هذا جيداً؛ لأن التفاوت حاصل، خصوصاً إذا رجعنا إلى مسألة الحفنات المعتدلة كما ذكرنا.

    1.   

    أصناف ما يخرج منه زكاة الفطر

    من ماذا يخرج الإنسان صدقة الفطر؟ ذكر المصنف رحمه الله هذه الأصناف الأربعة التي هي: البر، والشعير، والتمر، والزبيب، وذكر الدقيق والسويق، [ أو دقيقهما، أو سويقهما ]، والمقصود بالدقيق أو السويق: هو ما يطحن أو ما يحمص ثم يطحن، ومعنى يحمص: الحمس، فهذا هو؛ وذلك لأن الدقيق والسويق هو المادة نفسها، لكنه بطريقة أخرى أخرج.

    طيب ما يتعلق بالدقيق والسويق، كيف يخرج؟ يخرج صاعاً من الدقيق والسويق أو ماذا؟

    نعم. يخرج الأصل، يعني: لو أنه وضع صاعاً من البر مثلاً ثم طحنه لكان أقل؛ لأنه مع الطحن يضعف وتذهب الفراغات الموجودة فيه، فقد يكون بالطحن يتحول إلى نصف صاع، فالأقرب هنا أنه يخرج الصاع من الأصل، ولو طحنه ونقص لا يضر النقص، وليس مطلوباً منه أن يخرج صاعاً من الطحين مثلاً أو من السويق، وفي المسألة وجه آخر لكن هذا هو الظاهر؛ لأن العبرة بالأصل وهذا قد يكون فيه إحسان إلى الفقير بتسهيل استعماله لهذا الطعام وهذا الدقيق أو السويق.

    طيب! هذه الأشياء الأربعة التي هي: البر والشعير والتمر والزبيب، هذه الأشياء الأربعة منصوص عليها، فلا شك في إجزائها عند جميع العلماء؛ لأنه نص عليها ابن عمر رضي الله عنه أو على بعضها، ونص عليها أبو سعيد الخدري، وجاءت أيضاً منصوصة في حديث عن ابن عباس رضي الله عنه، فهي لا شك فيها، وجاء فيها أيضاً حديث عند ابن خزيمة وغيره، فهذه الأشياء منصوص عليها، لكن هل هناك غيرها مما يمكن ويجوز إخراجه أم يجب الاقتصار عليها؟

    أما ابن حزم رحمه الله فقد نص في المحلى: على أنه يجب أن تكون صدقة الفطر من هذه الأصناف المنصوصة، وأنه لا يحل لأحد أن يخرج غيرها من الأقوات كائناً ما كانت في غلائها وثمنها وانتشارها .. وما سوى ذلك، وقد بالغ في الانتصار لهذا القول ورد ما خالفه.

    لكن جمهور العلماء بما في ذلك المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، أنه لا يلزم الاقتصار على هذه الأشياء، وها نحن نرى معاوية في محضر من الصحابة، ثم عمر أيضاً كما في الحديث الآخر، أنهم يخرجون القمح، بل ورد في بعض الأحاديث، حديث أبي سعيد : ( أو صاعاً من طعام )، وكلمة (طعام) كلمة عامة قد يكون المقصود بها الطعام الموجود عندهم، وقد يكون المقصود بها الإشارة إلى المعنى الذي يدور حوله الأمر، وهو إخراج طعام مما يقتاته الناس في بلدهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء، أن صدقة الفطر تخرج من غالب قوت البلد.

    ولهذا يقولون مثلاً: الأرز، هل يجوز للإنسان أن يخرج صدقة الفطر من الرز؟ أو ما يسمى اليوم بالبيشاور .. بيشاوري؟ نعم، يجوز إخراجه؛ لأنه مثل المنصوص عليه المنقول عن أبي سعيد وغيره، بل قد تكون في حال الناس في وقت من الأوقات أو في زمن من الأزمان أحب إليهم منه، وإن كان الأول طيباً ومجزئاً بالاتفاق، لكن هذا أيضاً هو طيب ومجزئ، وقد يكون فاضلاً بالنظر إلى حال الناس، وإلى الحكمة من مشروعية صدقة الفطر.

    ولا أنس أن شيخنا رحمة الله تعالى عليه الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، كان يقول بإخراج الرز في صدقة الفطر، ففي ذلك الوقت قامت عليه حملة شديدة، وتكلم فيه أقوام غفر الله لهم، ووقعوا في عرضه، وكتبوا فيه الكتابات، ونظموا فيه القصائد، وبالغوا فيه، لكن الشيخ رحمه الله كان جلداً صبوراً طيب النفس معرضاً، ولهذا لم ينقل عنه إلا كل خير في هذا، مع أنك تتعجب؛ لأن مسالة زكاة الفطر وصدقة الفطر هل هي من مسائل الاعتقاد؟ هل هي من قطعيات الدين وأصوله؟ نصنفها تحت باب الفروع، والإمام ابن تيمية رحمه الله وغير ابن تيمية يقولون: مسائل الفروع أمرها قريب، يعني: الخلاف في مسائل الفروع ليس فيه هدى وضلال، وليس فيه إيمان وكفر، بل ربما نقول: يصعب أن يكون فيه خطأ وصواب وإنما قد يكون فيه راجح ومرجوح، وقد يكون فيه قوي وأقوى.

    وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    فلهؤلاء أدلة ولهؤلاء أدلة، وهؤلاء ينظرون إلى معنى وهؤلاء ينظرون إلى معنى، وهؤلاء قد ينظرون إلى لفظ الحديث، وهؤلاء قد ينظرون إلى المقصد الشرعي، مقاصد الشريعة، فكان الواجب واللازم في مثل هذه المسائل أنه وإن اختلف فيها أهل العلم، وإن كان لكل منهم مأخذ، ولكل منهم قول، ولكل منهم اجتهاد، إلا أنه لا يسوغ ولا يجوز أن تكون سبباً للخلاف، وسبباً للفرقة، وسبباً للتباغض وسبباً لنيل بعضهم من بعض، وسب بعضهم لبعض، ووقوع بعضهم في أعراض بعض، وتنقص بعضهم لبعض، فضلاً عن البغض الذي يحصل، فضلاً عن التحزب الذي يقع، فهؤلاء مع هذا وهؤلاء مع هذا، ويصبح لكلٍ أتباع يؤزونه ويحرضونه، وتتحول هذه المسائل الفرعية اليسيرة إلى قضايا ولاء وبراء وحب وبغض وتحزب، بل قد تتحول أحياناً عند بعض الناس إلى ثوابت وقطعيات لا يقبلون الخلاف فيها.

    متى كانت هذه المسائل السهلة اليسيرة داخلة في هذا؟ ومتى كان لإنسان -أي: إنسان- أنه يدخل ما شاء من الأمور في قضايا الثوابت، أو في باب الثوابت والقطعيات، ويمنع الناس من الخلاف فيها؟

    لكنه الجهل، قاتل الله الجهل ماذا يصنع بأصحابه.

    فالمقصود أن الشيخ رحمه الله كان أوذي، وأوذي جماعة من العلماء، بسبب هذه المسألة، وهي إخراج الأرز في صدقة الفطر.

    1.   

    الخلاف في إخراج القيمة في زكاة الفطر

    أنا سوف أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك الآن، وهذا التمهيد له ما يبرره وهو مسألة إخراج القيمة في صدقة الفطر، لو أن إنساناً أخرج مالاً في صدقة الفطر، فهل يجزئه ذلك أو لا يجزئه؟ هذه المسألة فيها خلاف أيضاً، فالجمهور على أنه لا يجزئه، هذا مذهب الإمام أحمد لما سئل عن إخراج المال؟ قال: أخاف، لكن انظر الورع، قال: (أخاف ألا يجزئه، قالوا له: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله يرى إخراج المال، فقال: اتباع السنة أولى، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان) يشير إلى حديث ابن عمر : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر .. ) . فهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول هذا.

    أيضاً الشافعي ومالك مذهبهما أنه لا يجوز إخراج القيمة، وابن حزم من باب أولى؛ لأنه لا يجيز إخراج غير هذه الأصناف حتى من الطعام، فهو لا يجيز إخراج القيمة، بينما ذهب أبو حنيفة إلى جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر.

    طيب! هل سُبق أبو حنيفة إلى هذا القول؟ نعم، هذا القول ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما أشار إليه الإمام أحمد في النص السابق، فإن ابن أبي شيبة روى عن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ حين كتب إلى واليه في البصرة واسمه عدي، يأمره أن يأخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، من كل إنسان نصف درهم، يعني: عن صدقة الفطر. وهذا لم يكن مجرد رأي لـعمر بن عبد العزيز شخصي، وإنما جعله أمراً عاماً وأمر واليه أن يأخذ من أهل ذلك البلد نصف درهم عن صدقة الفطر.

    وأيضاً جاء هذا عن الحسن البصري رحمه الله فإنه قال: (لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر)، وأبو إسحاق السبيعي قال: (أدركتهم وهم يخرجون الدراهم في صدقة الفطر) فهو ينقل هذا عن التابعين رضي الله عنه وعنهم.

    هذا أيضاً مذهب الثوري وعطاء فإن عطاء كان يعطي في صدقة الفطر الورق، يعني: الفضة، وهؤلاء من سادة التابعين، فلذلك ذهب جماعة من العلماء إلى جواز إخراج صدقة الفطر مالاً.

    وممن قوّى هذا الأمر ونصره من المتأخرين الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله فإنه كتب بحثاً في كتابه، له كتاب اسمه أظن قريباً من العقل والنقل وأيضاً في كتابه الفتاوى الذي طبع بعد وفاته، وهو بحث مطول، ونصر فيه القول بجواز إخراج المال في صدقة الفطر، ومن الأوجه الجيدة التي ذكرها في هذا باختصار، من الأوجه:

    أنه ذكر أن كثيراً من الفقهاء يرون أنه يخرج من قوت البلد غير المنصوص في حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر، فإذا جاز أن يخرج من قوت البلد، معناه: أن هذه الأشياء الواردة في السنة ليست تعبدية، لا يجوز الخروج عنها إلى غيرها، وإنما هي كانت القوت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا تغير القوت جاز أن يخرج من القوت الموجود، كما ذكرنا إخراج الرز مثلاً أو القمح أو غيرهما، من أي قوت ينتشر في بلد من البلدان، فإذا جاز إخراجها من القوت قوت البلد -حتى ولو لم يكن منصوصاً ولا وارداً في السنة- من باب أولى أن تخرج من الدراهم؛ لأنها قد تكون أفضل من القوت بكثير بالنسبة لكثير من الناس، وهذا منهم مصير إلى القيمة وإلى التقييم؛ لأنهم قوموا ما كان قوتاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجوا بدله. هذا وجه.

    الوجه الثاني: وقد ربما أشرت إليه إشارة خفيفة، يقول: إن الأمر في هذه الأشياء ليس تعبدياً محضاً، وإنما هو أمر مصلحي واضح. يعني: أن المقصود من صدقة الفطر منفعة المسلمين، منفعة الآخذ ومنفعة الباذل أيضاً، ولا شك أن منفعة الآخذ أولى، وإخراج القيمة خصوصاً إذا طابت بها نفس المعطي ونفس الآخذ، وأنها أحب إليهما معاً، فلا شك أن هذا يحقق مقصد الشرع في التوسعة على الناس، وفي تطهيرهم، وفي تحقيق مصالحهم، وليس فيه ما يعارض نصاً ظاهراً.

    الوجه الثالث: أن الفقهاء اختلفوا -كما ذكرنا في الأسبوع الماضي- في إخراج زكاة المال من العروض، أو إخراجها من المال، تذكرون هذه المسألة بحثت أو لا؟ وذكرنا فيها كم قول؟ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز إخراج زكاة العروض مثلاً من نفس المال، يخرج مثلاً: قماشاً من القماش، أو رزاً من الرز .. أو غير ذلك، هذا القول الأول.

    وإذا قلنا: يجوز، معناه: أنه مخير بين هذا وهذا. يدخل هذا في القول الأول.

    القول الثاني: أنه يخرجها نقداً ولا بد.

    القول الثالث: أنه يجب عليه إخراجها من المال، يعني: لو أن إنساناً عنده أرز يبيعه، ففي زكاة المال ثلاثة أقوال ذكرناها في الأسبوع الماضي:

    القول الأول: أنه يجب أن يخرج الزكاة من الرز، ( خذ الحب من الحب، وخذ الشاة من الغنم )، حديث معاذ، هذا القول الأول.

    القول الثاني: أنه يجب أن يخرج الزكاة من القيمة، يخرجها مالاً نقداً ورِقاً، أو ورقاً نقدياً مثلاً.

    القول الثالث: أنه مخير بين هذا وذاك، ويكون الأفضل هو الأحظ للفقراء، فإن علم أن الفقير سوف يشتري بهذا المال مثلاً عروضاً، كان الأفضل أن يعطيه عروضاً؛ حتى يوفر عليه القيمة، ويوفر عليه التعب، وإن كان يعلم أنه إن أعطى الفقير عروضاً فإنه سوف يبيعها، وربما يكسرها بنصف الثمن أو ثلثيه، يكون الأولى أن يعطيه مالاً في هذه الحالة.

    وكذلك إذا كان يعلم أن الفقير ربما لا يحسن التصرف يكون فيه سفه أو تكون عنده معصية، وقد يستخدم المال في غير ما أحل الله، فيكون الأفضل أن يعطيه عروضاً حتى يستخدمها في نفسه وأهله.

    ذكرنا الثلاثة الأقوال، وذكرنا ما رجحه ابن تيمية في هذا: وهو أنه إذا كان ثمة حاجة ومصلحة -هذا ما اختاره ابن تيمية - فإنه يجوز إخراج المال عن العروض. والقول الثالث الذي ذكرناه: أنه يجوز مطلقاً إخراج المال وإخراج العروض وأن الأفضل هو الأحظ للفقراء.

    هذا تنظيرهم واستدلالهم يقولون: إذا كان هذا في زكاة المال وهي ركن من أركان الإسلام وفرض بالاتفاق ووجوبها أظهر وأمرها آكد، فأن يكون هذا سائغاً في زكاة الفطر من باب أولى.

    هذه الأوجه تقريباً هي أبرز ما في بحث الشيخ الزرقا رحمه الله، والأمر في المسألة كما ذكرت أنها من مسائل الفروع، من مسائل الخلاف، والاجتهاد فيها سائغ، وإن كان الذين قالوا بوجوب إخراج الطعام ذكروا أو التمسوا بعض الفوائد التي تصلح على الأقل في بعض المجتمعات، قالوا: لأن هذا فيه إحياء للسنة بشراء الطعام وبيعه وكيله .. وما أشبه ذلك، ففيه إحياء للسنة بدلاً من الورق النقدي أو الفلوس التي قد يضعها أو يدسها في يد الفقير دون أن يعلم بذلك أحد، ولا يكون لهذه الصدقة نوع من الظهور والشهرة في المجتمع.

    لكن نقول: إن هناك حالات ينبغي أن تقدر بقدرها، يعني: في بعض البيئات هناك نوع من التلاعب الواضح على سبيل المثال: حول الحرم في مكة نجد وكلنا نلاحظ أنه مثلاً: الذين يبيعون صدقة الفطر، يبيعونها عليك ويأخذون منك المال، أو يأخذونها منك باعتبارهم فقراء ثم يبيعونها على آخر وهكذا، أليس هذا يقع؟ هذا يقع بكثرة، وهذا من حُجج الذين قالوا بوجوب النظر في الموضوع.

    ننتقل إلى بقية المسائل ونجهز عليها إن شاء الله.

    1.   

    وقت إخراج زكاة الفطر

    متى تجب صدقة الفطر؟

    تجب صدقة الفطر بالفطر من رمضان، ولهذا سميت صدقة الفطر أو زكاة الفطر، من باب نسبتها إلى سببها، وقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومالك في رواية عنه: إلى أنها تجب بغروب الشمس من ليلة العيد، بينما ذهب أبو حنيفة إلى أنها تجب بطلوع الفجر من يوم العيد.

    ما هو الفرق بين هذين القولين؟ الفرق يظهر في حالات معينة، يعني: لو فرضنا أن مسلماً مات بعد غروب الشمس ليلة العيد هل تجب عليه صدقة الفطر أو لا تجب؟

    عند الجمهور: تجب؛ لأنه أدرك وقت الوجوب، وعند أبي حنيفة لا تجب؛ لأن وقت الوجوب عنده يبدأ بصلاة الفجر.

    كذلك لو أن طفلاً ولد بعد غروب الشمس، أولاً: الجنين هل تجب عليه؟ تقريباً بالاتفاق أنها لا تجب على الجنين، لكن يستحب إخراجها عنه، خصوصاً إذا كان قد نفخت فيه الروح، وقد جاء هذا عن عثمان رضي الله عنه أنه استحبه أو أمر به، ونقل هذا عن جماعة من الصحابة، لكنها ليست واجبة عليه، لكن لو ولد بعد غروب الشمس من ليلة العيد هل تجب عليه زكاة الفطر؟ لا تجب، لو مات قبل غروب الشمس لا تجب، وكذلك الجنين ـ كما ذكرناـ لو ولد قبل غروب الشمس وجبت عليه هذا لا إشكال فيه.

    هذا الآن وقت الوجوب، إما أن يكون بعد غروب الشمس، أو يكون بعد طلوع الفجر.

    متى تخرج زكاة الفطر؟ يعني: وقت وجوب الإخراج، تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة، كما في حديث ابن عمر، وهو في صحيح البخاري، قال: ( وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ).

    وحديث ابن عباس الآخر أيضاً الذي ذكرناه قال: ( من أداها قبل الصلاة فهي زكاة متقبلة )، ولهذا إخراجها بعد صلاة الفجر قبل خروج الناس إلى الصلاة هو إخراج لها في مكانها الصحيح باتفاقهم، وهو مجزئ.

    وأيضاً يجوز أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين وهذا نص عليه ابن عمر رضي الله عنه في حديثه؛ لأن هذا قريب من العيد، وقد يكون في تحديد الوقت مشقة على الناس، فإخراجها قبل العيد بيوم أو يومين مجزئ، والفقير إذا جاءته في هذا الوقت سيحتفظ بها إلى وقت العيد، أو تكفيه إلى يوم العيد.

    وقال بعضهم: إنه لو أخرجها قبل ذلك بثلاثة أيام إلى نصف شهر، قال بعضهم: إلى بداية الشهر، بل قال أبو حنيفة : إلى سنة أو سنتين، لكن هذا مما ليس عليه دليل، والأقرب أنها صدقة مؤقتة، وأن الأولى ألا تخرج إلا في وقت يستفيد الفقير منها في يوم العيد وليلة العيد وما بعدها، هذا فيما يتعلق بما قبل العيد.

    طيب! ما بعد العيد؟ لو أخرها بعد الصلاة هل يجوز؟

    الحنابلة تجزئ يوم العيد، ولذلك يقولون: يكره إخراجها بعد الصلاة في يوم العيد، وهذا مذهب الجمهور: أنه في يوم العيد يجوز إخراجها ولو بعد الصلاة، ومن الأدلة القوية لهم في هذا قالوا: قول ابن عمر رضي الله عنه (صدقة الفطر يوم العيد)، قالوا: هذا دليل على أن اليوم كله محل للإخراج، فلو أخرجها بعد الصلاة لكان مكروهاً، ولكنه مجزئ، أما من أخرها بعد يوم العيد فهي صدقة من الصدقات كما ذكرنا، وهناك قول: بأنها لا تجزئ أيضاً بعد الصلاة ولا بد أن يخرجها قبل الصلاة، كما ذكرنا.

    1.   

    أصناف من تخرج لهم زكاة الفطر

    لمن تعطى صدقة الفطر؟

    قولان: أشرنا إلى شيء منهما: القول الأول: أنها تخرج للأصناف الثمانية وهذا مذهب الجمهور، تخرج للأصناف الثمانية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... [التوبة:60] .. إلى آخر الآية، بل قال الشافعية: يجب تقسيمها على الأصناف الثمانية كلهم. يعني: يجب توزيعها.

    القول الثاني: وهو للحنابلة أنها خاصة بالفقراء والمساكين وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وهو أولى وأوجه؛ أولاً للنص أنه قال: ( طعمة للفقراء والمساكين )؛ وأيضاً لأنها صدقة على البدن، فليس فيها سُعات، ولا علاقة لها بالغارمين ولا بغير ذلك، مما يدل على أن مصرفها ليس هو مصرف الزكاة المعروفة المفروضة زكاة المال. والأولى أن يقتصر في إخراجها على الفقراء والمساكين.

    1.   

    بيان من تؤدى عنهم زكاة الفطر

    عمن تؤدى؟

    أشرنا كما أشار المصنف إشارة عابرة: أنه يؤديها أولاً عن نفسه ثم عمن يمونه، هذا مذهب الجمهور، فيخرجها عن زوجته مثلاً، عن ولده، عن والده إذا كان فقيراً تلزمه نفقته، عن زوجته، وذهب الحنفية إلى أنه لا يخرجها عن زوجته إذا كانت موسرة مثلاً، بل يجب عليها هي أن تخرجها عن نفسها، وفي المسألة تفصيل، لكن الخلاصة أن مذهب جمهور الفقهاء: أنه يخرجها عن نفسه وعمن يعول وينفق عليه من ولد أو والد.

    يقول المصنف رحمه الله: [ فإن لم يجده أخرج من قوته أي شيء كان صاعاً، ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته ليلة العيد، إذا ملك ما يؤدي عنه ] وذلك لأن الفطرة عندهم تابعة للنفقة.

    قال: [ فإن كانت مؤنته تلزم جماعة كالعبد المشترك ]، يعني: عبد يملكه ثلاثة، [ أو المعسر القريب لجماعة ] كلهم مثل: الأب فقير وعنده مجموعة أولاد كلهم أغنياء مثلاً، [ ففطرته عليهم على حسب مؤنته ]، مثلاً العبد الذي يملكونه أثلاثاً كل واحد منهم يخرج ثلث صاع، وكذلك الأب إذا كان عنده ثلاثة أولاد أغنياء، كل واحد منهم يخرج عن أبيه ثلث صاع.

    قال: [ وإن كان بعضه حراً ففطرته عليه وعلى سيده ]، مثل: العبد المبعض الذي نصفه عبد ونصفه حر، فيخرج سيده نصف صاع عنه، ويخرج هو عن نفسه نصف صاع.

    1.   

    إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد

    قال: [ ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة ]، هذا المستحب، قال: [ ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد ]، وهذا إشارة منه إلى أنه يجوز أن يخرجها إلى نهاية يوم العيد، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، واليوم ينتهي بغروب الشمس، قال: [ ويجوز تقديمها عليه بيوم أو يومين ] لحديث ابن عمر الذي ذكرناه، [ ويجوز أن يعطي واحداً ما يلزم الجماعة، ويعطي الجماعة ما يلزم الواحد ]، يعني: لو أننا عشرة أخرجنا صدقة الفطر مثلاً لرجل واحد، فهذا جائز، وهكذا لو أنني أعطيت الصاع الذي عليَّ مجموعة من الفقراء ووزعته عليهم، فهذا جائز أيضاً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم زكاة الفطر على الخدم والعمال

    السؤال: هل الخادمة أو الشغالة أو السائق يدخل في شرط الحرية؟

    الجواب: لا، الخادمة والسائق والشغالة هؤلاء هم أحرار، هم يخرجون عن أنفسهم، وإنما الكلام في العبد، إنما لو ساعدته وأخرجت عنه كان هذا حسناً، وهو من مكارم الأخلاق عندك.

    الموقف من ضرب أمريكا لأفغانستان

    السؤال: هذا سؤال ليس له علاقة بالموضوع، يقول: لقد كشف الوقت عن زيف عدد من الادعاءات الأمريكية حول مسئولية العرب والمسلمين فيما حصل لهم، ومع هذا يصرون على ضرب أفغانستان، فما الرأي الذي ترونه بعدما ظهر ما ظهر؟

    الجواب: الأمر ربما يكون معقداً، والمشكلة أننا أحياناً قد نسمع أشياء متناقضة، فنحن نتمنى من أعماقنا -ولو كان الأمر يشترى لاشتريناه- ألا يكون للعرب والمسلمين وخصوصاً الدعاة، ألا يكون لهم أي علاقة بالموضوع، هذا ما نتمناه؛ لأننا لاحظنا آثاراً سلبية، وربما أنا مثلاً بحكم اتصال بعض الإخوة بي من الخارج شعرت بالتأثر الكبير، يعني: اتصل بي مثلاً عدد كبير يوم الجمعة، يقولون: لن نستطيع أن نخرج لأداء الصلاة صلينا ظهراً في بيوتنا، اتصل عدد كبير من النساء يقلن: لا نستطيع أن نخرج إطلاقاً حتى لشراء الأغراض، وإذا خرجت الواحدة تضطر إلى أن تكون سافرة؛ حتى لا تلفت النظر إليها، المسلمون في أستراليا في فرنسا جاءتني اتصالات من فرنسا من أستراليا من بريطانيا من ألمانيا من مواقع ربما نوعاً ما بعيدة عن موقع الحدث، دعك عن أمريكا، وقد سمعتم ولا شك قتل عدد من المسلمين.

    مئات الملايين من الناس متوقع أن يكون عندهم نوع من العنصرية، أصلاً العنصرية موجودة في فرنسا وفي ألمانيا ضد مثلاً الأتراك، وضد المهاجرين كما يسمونهم، وفي هولندا وفي أماكن كثيرة جداً، أصلاً كان عندهم نزعات عنصرية ضد الغريب وضد الأجنبي؛ لأنه يزاحمهم، فإذا أضيف إلى ذلك مثل هذه المعاني، يعني: كما يقال: ضغث على إبالة زد على ذلك وجود أحزاب ربما تنمي هذه المشاعر وتقويها.

    الإعلام حاول من البداية أن يربط الحدث بالعرب والمسلمين، وهذا أمر متوقع، ولكن مع الوقت استطاع أن يمسك بعض الخيوط، والأمر لا زال يدور في دائرة التهمة، يعني: لم يتحول الأمر إلى حقيقة، حتى هم لم يصرحوا بأن هذا الأمر حقيقة، لكنها تهمة، هم يحددون المتهمين، لكن يبدو أنه من خلال الخيوط المتوفرة الموجودة، ليس هناك جهة أخرى تتحمل المسئولية في هذا الجانب، إلا أن تكون مسئوليتها مسئولية مساعدة أو مسئولية ثانوية أو مشاركة، مشاركة في التخطيط أو مشاركة في التمويل، أو شيئاً من هذا القبيل.

    واجبنا تجاه قضية أفغانستان

    السؤال: الأخ يقول ماذا علينا؟

    الجواب: حقيقة أقول: علينا أن نكون يقظين، وفي حالة ما إذا أصبح هناك ضرب لـأفغانستان لن تكون هناك حرب برية، كما يتصور البعض على نمط ما وقع من الاتحاد السوفييتي حينما غزا أفغانستان، ولذلك هم يصرحون على أنه إذا وقع هناك حرب أو ضرب، فستكون بطرق غير تقليدية، ولهذا أرى من غير المناسب أبداً أن يفكر أحد من الشباب بأن يذهب إلى أفغانستان .

    قد سألني بعض الإخوة حقيقة أتعجب؛ لأنه لو كان لي من الأمر شيء لطلبت من الإخوة المقيمين في أفغانستان أن يخرجوا ولو بشكل مؤقت؛ لأنهم قد يتعرضون لضربات بأسلحة كيماوية، أو غازات، أو بيولوجية، أو نوع من الأسلحة النووية المنضبة التي وقعت في حرب الخليج، أو شيء من هذا القبيل، فلا معنى للبقاء في مثل هذه الظروف.

    ولن تتحول -والله أعلم- القضية إلى حرب برية طويلة الأمد على غرار ما حصل من غزو السوفيت لـأفغانستان ؛ لأن التجارب القديمة والحديثة، والأسلوب الأمريكي في معالجة مثل هذه المواقف يختلف، ستكون ضربات ربما والله أعلم لفترة معينة، وبطرق خاصة، أما قضية الاستمرار والبقاء الدائم لا أعتقد أن هذا الأمر وارد، ولو فرض أنه حصل ووقع فلكل حادث حديث، يمكن معالجة الأمور في حينها بالطريقة المناسبة، وينظر فيها أهل العلم، لكن التعجل في مثل هذه الأمور ليس مناسباً، والتأني فيها مطلوب.

    وكل ما أوصي به الإخوة هو أن يجتهدوا في الدعاء، أن يحفظ الله المسلمين في كل مكان، في أفغانستان .. وفي غيرها، وأن يحقن دماءهم ويحفظ ذراريهم ونساءهم وصبيانهم وكبارهم ويرحمهم، وأن ندعو بهذا في سجودنا وقيامنا وقعودنا، ونشعر بالخطر الذي يهدد هذا الشعب المسكين الذي عانى ما فيه الكفاية، وما ذاق للراحة طعماً.

    حقيقة مشاهد الصبيان والنساء والعجزة والشيوخ، وهم يجرون أقدامهم بتثاقل خارجين بمئات الآلاف، هجرة بعد هجرة إلى مناطق هي أصلاً متشبعة، وليست قادرة على استقبال المزيد، مشاهد تبعث الشفقة والرحمة والأسى في النفوس، لكن إلى الله المشتكى، حتى مسالة الإغاثة يا ليت أن تكون هناك جهود إغاثية من الجمعيات الخيرية، ومن الإخوة القادرين على مساعدة إخوانهم المسلمين.

    حكم صلاة المسافر العشاء خلف من يصلي المغرب

    السؤال: نحن الآن مسافرون صلينا المغرب مع الجماعة، وإذا هناك جماعة أخرى تقام فصلينا معهم بنية العشاء ركعتين؟

    الجواب: إذا صليت العشاء مع قوم يصلون المغرب، فعليك أن تتم الصلاة رباعية، يعني: تصلي معهم ثلاثاً إذا أدركت الصلاة من أولها ثم تأتي برابعة.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734958887

    عدد مرات الحفظ

    684445207