إسلام ويب

توحيد العبادةللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكمن أهمية التمسك بالتوحيد بأنواعه الثلاثة في أنه الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وقد تحدث الشيخ عن التوحيد فبين أهميته، ثم عرج على ذكر أنواع التوحيد الثلاثة وتعريفاتها، كما ركز على بيان ذكر التوحيد في القرآن والسنة، ووضح علاقة التوحيد بأركان الإسلام وخاصة الحج، وحذر من عاقبة الخوف الموصلة إلى الشرك بالله مبيناً بعض الصور المخلة بالعقيدة.

    1.   

    أهمية الحديث عن التوحيد

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أشكره ولا أكفره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ورفع أركان الملة، ودل على التوحيد ومعالمه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فبتحية الإسلام أحييكم أيها الإخوة: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    ثم أشكر مكتب الدعوة بشمال الرياض لدعوته وإتاحة الفرصة للقاء بكم في هذا المحل الطاهر المبارك، وهذا البيت من بيوت الله عز وجل، وفي سلسلة الدروس التي عقدوها بمناسبة موسم الحج حيث إن اليوم هو الثامن والعشرون من الشهر الحادي عشر من سنة سبعة عشرة وأربعمائة وألف من هجرة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    والموضوع الذي اختاره الإخوة المنظمون لهذه الدروس هو: (توحيد العبادة وعظم شأنه).

    وأخي فضيلة الشيخ ابن محسن قال عنه: إنه يحسبه مهماً بل إنه أهم المهمات، وكما أشار فضيلته أنه هو الغاية التي خلق الله لها الجن والإنس على حد قوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: ليوحدون، ومن هنا فإن الحديث فيه يجب أن يكون متوافراً وألا يغفل الناس عنه؛ وسوف نرى -إن شاء الله- في ثنايا عناصر هذا الموضوع أن الغفلة عنه ولو للحظاتٍ يسيرة في حساب الزمن؛ فإنها تؤدي مباشرة إلى انحراف الأمة.

    ويكفي إشارة إلى ذلك في أهمية الموضوع أن خليل الله إبراهيم عليه السلام وهو إمام الحنفاء والذي أمر نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم باتباعه: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:123] وهو إمام الموحدين، هو الذي قال فيما أخبر الله عز وجل عنه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36].

    وتأكدوا يا إخواني أن هذا الإضلال -نسأل الله السلامة ونسأله ألا يزيغ قلوبنا- في كل زمان ومكان، والحديث سوف يكون منتظم العناصر، ولعلي أستطيع أن آتي عليها كلها وإن كان بعضها يدل على بعض وبعضها يفيد بعض؛ لأن الحقيقة أن كل حديثٍ عن الدين فهو عن التوحيد إما عن حقيقته أو غايته أو مآله، أو كماله، أو عن ضده، وسوف نرى ذلك جلياً، ولهذا فإن العناصر التي تتضمنها هذه الكلمة هي:

    الأول: تعريف وإثبات.

    والثاني: التوحيد في القرآن والسنة، وحينما نقول السنة سوف نشير إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكيها ومدنيها.

    الثالث: التوحيد وأركان الإسلام.

    الرابع: التوحيد والحج، (بمناسبة الدروس المعقودة).

    الخامس: المتابعة، يعني: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تمثل جانباً كبيراً جداً في تحقيق التوحيد، ونعني به الاتباع الذي هو مضادٌ للابتداع.

    سادساً: الخوف من الشرك.

    سابعاً: صور جديدة من الخلل في العقيدة.

    ثامناً: طريقة تعليم التوحيد.

    1.   

    تعريف التوحيد وإثباته

    التوحيد كما هو -والحمد لله- في مناهجنا جلي وواضح، وهذه البلاد -ولله الحمد- بعلمائها وولاتها تهتم بهذا اهتماماً منقطع النظير، وما ذلك إلا لما أراده الله عز وجل بها من الخير حينما هيأ لها الإمام المجدد شيخ الإسلام وعلم الأعلام الإمام/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ثم عضده الإمام/ محمد بن سعود ، فقامت هذه الدولة على التوحيد مجددة دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ثم تلاميذ أو أئمة هذه الدعوة تلاميذ؛ سواء شيخ الإسلام من نفسه أو من ذريته، أو ممن تتلمذوا عليه، فهؤلاء علمونا التوحيد، وبينوه لنا.

    تعريف التوحيد بأنواعه الثلاثة

    من مسلماتنا -أيها الإخوة- التي نعرفها في هذه البلاد ولا يكاد يعرفها كثيرٌ من أبناء المسلمين انقسام التوحيد إلى أنواعه الثلاثة:

    توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكلها تعود إلى توحيد الألوهية، ولهذا إذا أردنا أن نعرفها جميعاً بتعريفٍ يجمعها كلها بما يشمل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فنقول: هي إفراد الله عز وجل بما يختص به.

    فإذا ما جئنا إلى توحيد الربوبية وهو الذي نعرفه بأنه: توحيد الله بأفعاله؛ من الخلق والرزق والإحياء والممات نقول هو: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير.

    وهذه الصفات الثلاث تجمع جميع خصائص الله عز وجل في أفعاله سبحانه وتعالى، سواء كان إنزال غيث أو كان إحياء، كلها في خلقه وملكه وتدبيره، والتدبير كل تصريف، والملك الهيمنة على هذا الكون سبحانه وتعالى، فهو له وحده، ولهذا قال: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران:26] كلها داخلة في الملك، فإذاً توحيد الربوبية هو: توحيده من حيث إنه إفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير، وإذا ما نسبنا الملك والتدبير والتصرف إلى غيره فهي إضافية، وإلا فإن الله عز وجل نسب لنا ملكاً وذكر أننا نملك وقال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5] فهي إضافية بحدود ما أعطانا الله سبحانه وتعالى، أما الملك الحقيقي والتصرف الحقيقي فهو لله سبحانه وتعالى، ومن هنا لا بد أن نفرد الله عز وجل بما يختص به.

    وتوحيد الألوهية هو: إفراده سبحانه بالعبادة، وفي أصله: هو توحيد الله بأفعال العباد، بمعنى: أفعالنا نحن التي تصدر منا، من دعاء واستغاثة واستعانة وذبحٍ ونذر هي أفعالنا نحن نفردها لله سبحانه وتعالى، ونخصه بها، ولهذا نقول: إن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، ولاحظوا أننا نستصحب كلمة إفراد لأننا نعرف التوحيد.

    وتوحيد الأسماء والصفات هو: إفراده سبحانه وتعالى وتفرده بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: بهذا ندرك معنى التوحيد كله، وهو: إفراد الله بما يختص به، إن كان في أفعاله سبحانه، وإن كان في أفعالنا، وإن كان في أسمائه وصفاته، وإذا أردتم المزيد لتعريف التوحيد؛ لاحظوا تعريف ضده وهو الشرك.

    تعريف الشرك

    الشرك: هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، هذا هو الشرك.

    ولا أحب أن أقف حقيقة عند التعريف؛ فبالشرك يتجلى التوحيد، والشرك مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، لكن نقف عند صفتين تبين كيف يتجلى توحيد العبادة.

    الله عز وجل قال في الكفار: بسم الله الرحمن الرحيم : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] أي: يساوون، يساوونه بماذا؟ معلوم أنهم لم يساووه بالخلق، فلم يعتقدوا أن آلهتهم تخلق وترزق، وإنما يساوونه بأفعالهم، يصرفونها لغير الله عز وجل، وبخاصة المحبة والتعظيم والتذلل والخضوع.

    وكذلك أيضاً في قوله تعالى حينما يتحاج أهل النار في النار ومع معبوداتهم من دون الله: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] فهم ما ساووهم بالخلق ولا بالرزق وإنما ساووهم بالعبادة والمحبة والخضوع.

    وإذا كان الأمر كذلك ولأجل أن نميز حينما قلنا إن الشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله نقول: الإنسان يحب ويخاف، والله وضع فينا غرائز الحب، وغرائز الخوف، فالله قال في حق نبيه وكليمه موسى عليه السلام: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67] وقال في حق إبراهيم وهو صاحب الملة الحنفية وهو القدوة: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70] هذه خيفة فطرية لا تدخل فيما قلنا من أنه من خصائص الله، فالخوف الجبلي والفطري أن تخاف من السبع والأسد، وأحياناً قد تخاف من آخر الليل أو تخاف من البرية تستوحش، هذا خوف جبلي ليس له علاقة بالتوحيد، وأنت لست ملوماً في هذا.

    وكذلك الحب، فالإنسان يحب أهله وأولاده وزوجه، ويحب أباه وأمه، ويحب أمواله كما قال عز وجل في كثيرٍ من المحبوبات: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [التوبة:24] هذا بطبيعة أننا نحبها، فمحبتنا لها محبة فطرية وجبلية، والله وضعها فينا؛ لأجل أن تقوم الحياة حينما خلقنا واستخلفنا في هذه الأرض واستعمرنا فيها وطلب عمارتها، جعل فينا هذه الغرائز حتى نتعلم ونتشبث بقدر من نقوم من المهمة التي استخلفنا الله عز وجل فيها.

    فهذا الحب فطري، كأن يحب الإنسان أهله ...إلخ، لكن حينما يرقى وينازع حق الله عز وجل في الحب، وحق الله في الخوف، وحق الله في الخضوع وحق الله في التذلل والانقياد والرغبة والرهبة، حينئذ تأتي خصائص الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] والآية التي تلوناها قبل قليل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة:23-24].

    إذاً: القضية موازنة، والخوف الفطري والحب الفطري لا إشكال فيه، لكن أن ينازع أو أن يغلب أو أن يطغى على حب الله عز وجل وعلى الخوف منه وعلى تعظيمه وإجلاله سبحانه وتعالى؛ حينئذ يدخل الإنسان في دائرة الخطر، ومن هنا يا إخواني جاء التحذير من الشرك في كثيرٍ من الآيات التي سوف نراها إن شاء الله.

    ولهذا إذا لاحظتم المنحرفين في عقائدهم -وخاصة في بعض المنتسبين للإسلام في كثيرٍ من الأقطار- من خلال تعلقهم بالقبور والأضرحة، ترون أنه حب وخوف وتعلق وتعظيم، وتعليق في نفعٍ وضر وتعلق ولهان، لو كانوا يعلمون حق المعرفة ويعتقدون صحة الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجب إفراده في التعظيم والمحبة والإجلال؛ لما كان ذلك منهم، ومن هنا سوف نرى -إن شاء الله- طريقة تعليم التوحيد.

    إذاً: يا إخواني! هذا هو التوحيد من حيث تعريفه، ومن حيث بيان ضده كذلك الذي هو الشرك؛ لأن بضدها تتبين الأشياء.

    ثم أيضاً من أسماء هذا التوحيد: الفقه الأكبر، ولاشك أن المسلم المطلوب منه أن يتفقه في دينه كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من يرد الله به خيراً يفقه في الدين } فأولى الفقه وأهمه وأعظمه وأكبره فقه التوحيد، بمعنى فقه العقيدة، ولاشك أن الأحكام يجب أن تعرفها؛ لتقيم بها دينك؛ لأنها هي أيضاً من وسائل تحقيق التوحيد ولاشك.

    لكن أهمية الفقه الأكبر كما عرفه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: [[معرفة النفس ما لها وما عليها ]] فأولاها هو فقه العقيدة والتوحيد.

    إثبات التوحيد عن طريق القرآن

    نأتي إلى العنصر الثاني: التوحيد في القرآن والسنة، قبل أن نأتي إلى الكلام عن التوحيد في القرآن والسنة نأتي إلى إثبات التوحيد، وليس هناك طريق لمعرفة التوحيد ولا لتعليمه ولا لإثباته ولا لبيانه للناس حق البيان إلا عن طريق القرآن؛ القرآن كتاب هداية، بيَّن التوحيد بشكل جلي وعجيب وسهل وميسور، ليس على الطريقة التعليمية -مع الأسف- التي انحرف بها كثيرٌ من المتقدمين من باب المنطق وعلم الكلام والعقليات المحضة التي لم تجد شيئاً ولم تفد التوحيد الحقيقي، وإنما إثبات التوحيد بطريق القرآن.

    ولهذا نقول: إن الطريق الفطري لإثبات التوحيد -ونعني به توحيد الألوهية بخاصة- هو: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فأي إنسان تريد أن تبين له التوحيد ائته عن طريق توحيد الربوبية.

    وتوحيد الربوبية تقريباً لا يكاد ينكره أحد، إلا مع الأسف في وقتنا الحاضر وإلا فالأمم كلها تعرف توحيد الربوبية، وتعلم أن الله عز وجل هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والمدبر والمصرف سبحانه وتعالى وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، هذا هو توحيد الربوبية الذي تعرفه كل الأمم ولا يكاد ينكره إلا فئام قليلة من الدهرية أو غيرها، لكن -مع الأسف- مع الماديات المعاصرة صار هناك خلل كبير، وسوف نشير إليه إن شاء الله.

    فالقرآن أثبت توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية؛ لأن طبيعة قلب الإنسان يتعلق بالمصدر الذي خلقه والشيء الذي يعتقد أنه مصدر نفعه وضره، فإذا كان هذا مسلماً في النفوس -لأن القلب بطبيعته يتعلق بهذا- معترفاً بالخلق وبالرزق وبمصدر النفع والضر؛ فهذا هو المدخل الوحيد والقريب والذي لا يقبل الجدل.

    ولهذا حينما تتأمل بعض الآيات مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] أمر بالعبادة والتوحيد، ما هي العلة؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22] وهذا خطاب لشيء مقبول تطيقه النفوس وتؤمن به.

    بل حتى أحياناً قد يكون هناك بعض العقول غير مسلمة وعندها غفلة، وحينما تذكرهم بآيات الكون مباشرة يرجعون، ولهذا الله عز وجل قال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163] وقال بعدها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164] فسبقها بالقضية ثم أتى ببرهانها، ففي الآية الأولى في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] نقول مثلاً: فجعل تفرده بالربوبية حينما قال: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] فجعل تفرده بالربوبية خلقاً للحاضرين والماضين، أنتم ومن قبلكم، وتمهيد الأرض ورفع السماء، وإنزال المطر ليحيي الأرض بعد موتها، ويخرج الرزق لعباده جعل كل ذلك آية على توحيد الإلهية واستحقاقه وحده للعبادة وتفرده بذلك وتنزيهه عن الأنداد والشركاء: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

    هذه طريقة سهلة وواضحة في أن قضية إنكار وجود الله لا تكاد تقبلها الفطر، نعم قد تصيبها غفلة لكن مِن السهولة إثباتها، فما دام أنها مستقرة يترتب عليها توحيد الألوهية، مثلاً في قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس:31-32] آيات كثيرةٍ إلى أن قال: فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35].

    فقررهم سبحانه بما لم يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبذل والإعانة: أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النمل:64] والإرشاد والهداية: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] ولذا يقيم عليهم الحجة في وجوب تقواه: (أفلا تتقون)، دون من سواه، ولا ينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

    وهناك آيات طويلة مثل آية النمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:59-60] تسلسل طويل جداً يمر بكل المعارف البشرية وبكل الأحوال التي تمر على البشرية: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60] يعني: يعدلون به غيره.

    أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:61-62] وهذه قضية كبيرة جداً، وكثيراً ما ينبه إليها القرآن: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَ

    1.   

    التوحيد في القرآن والسنة

    التوحيد في القرآن

    القرآن كله أحاديث عن التوحيد -كما فصل ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله- وبيان حقيقته، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديثٌ عن ضده من الشرك بالله، وبيان حال أهله وسوء منقلبه في الدنيا وعذابهم في الأخرى.

    ولو حاولنا أن نقسم الآيات التي تخاطب الناس في التوحيد، لوجدنا أن الله عز وجل خاطب الكفار وخاطب المؤمنين وخاطب الأنبياء، فهناك شيء عجيب من عناية القرآن بالتوحيد، فكل القرآن العظيم خاطب الكفار بالتوحيد؛ ليعرفوه وليؤمنوا ويعتنوا به، فالله عز وجل يقول للناس: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] ويقول: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50-51] في آيات كثيرة جداً.

    وكل نبي يقول لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى كل نبي يقول: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] والله عز وجل يخبر عن نبيه في آيات إيمانية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] كل الأمم منهم الكفار خوطبوا في التوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به.

    وخوطب به المؤمنون، سواء حينما كانوا في مكة أو كانوا في المدينة ، وبعض العلماء الذين يكتبون في التاريخ يقولون: إن من مظاهر القرآن المكي أنه يتحدث عن العقيدة والتوحيد، والحقيقة أن المكي والمدني كله يتحدث عن التوحيد، فهذا أمر يحتاج إلى نظر، وإن كانت -ولاشك- طريقة المخاطبة اختلفت، لكن الأحكام كلها في أركان الإسلام الكبرى، سوف نرى أنها أيضاً لب التوحيد وهي أحكام.

    فالله عز وجل يخاطب المؤمنين بالتوحيد ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص والخلل فيه، فلهذا قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً [النساء:136] بل عباد الرحمن من صفاتهم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] مع أنهم عباد الرحمن والله أثنى عليهم، وذكر من صفاتهم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68].

    مما يدل على أن القضية كبيرة وليست خاصة بخطاب بالكفار، أن الله عز وجل خاطب بها حتى المسلم، وسوف نرى في فقرة الخوف من الشرك شيء عجيب، فالأمر ليس سهلاً.

    وكما قلنا لكم: اجتهدوا وأنتم تقرءون القرآن، وتأملوا كيف يكاد يكون في كل آية إشارة إلى التوحيد، إما صريحة وإما مرد، وإما غاية، وإما مآل، وإما وسيلة، وإما كمال... إلخ.

    فعباد الرحمن وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] والموعودون بالتمكين في الأرض في قوله عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] فأخف خصائص المؤمنين والمسلمين والمحبوبين إلى الله عز وجل والمقربين منه والموعودين بالتمكين في الأرض أنهم يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، وهذا مما يدل على أنه يجب أن تكون هي قضية القضايا وهي سبيل الشرع.

    والمؤمنات في آية البيعة فيهن ميمونة ، لكن الله خاطب نبيه في مخاطبة المؤمنات: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ [الممتحنة:12] سماهن المؤمنات وهن مؤمنات يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الممتحنة:12] ومعلوم من الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع المؤمنين والمؤمنات، فهن قد جئن مؤمنات يبايعن على ترك الشرك.

    أما الأنبياء والرسل فقد خاطبهم الله أيضاً بالتحذير من الشرك، مع أنه حاشاهم عليهم السلام، مما يدلك على كبر القضية، فالله عز وجل قال لإبراهيم: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج:26] حاشاهم وهو الذي أثنى عليه ربه فقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ [الممتحنة:4] ومع هذا أوحى الله إليه وأكد عليه ألا تشرك: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج:26] ولهذا إبراهيم خشي على ذريته الشرك، كما ورد في أول مفتتح الحديث: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36].

    ولهذا أيضاً فيما حكى الله عنه: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128] وقال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ

    التوحيد في السنة والسيرة

    السنة والسيرة بمعنى واحد في هذا الباب، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بالتوحيد، فأول ما أمر به يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] معنى وربك فكبر: توحيد، وقلنا: إن تقديم المعمول قبل العامل من التخصيص وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:4-5] الرجز الأصنام.

    فإذاً هذا الذي أمر به هو توحيد، ثم أمر بإنذار العشيرة فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:213-214] وحاشاه عليه الصلاة والسلام.

    ثم الأمر بالصدع، لا حظوا أننا نتحدث عن الآيات التي فيها التوحيد، وإلا فهناك أشياء كثيرة في التدرج في التشريع، لكن نتلمس الآيات في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه القرآن له، فهو قد قيل له: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3] وقيل: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] وهو مع الأقربين من عشيرته: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:213-214] ثم أمر بالصدع في القوم كلهم فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] وبعد الهجرة أيضاً لم ينته التوحيد، محمد صلى الله عليه وسلم يقول لصاحبه أبي بكر : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] القضية تثبيت مرتبة المعية، وهي كما تعلمون من توحيد الأسماء والصفات، وهي تعني حقيقتها كما قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية.

    والذي بقي توجيهات ونحن نتدرج في تاريخ السيرة، قال: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] القضية قضية توحيد وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8].

    إلى فتح مكة تجد إعلان التوحيد، ويحطم النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام وهو يتلو: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] إلى أن جاءه الموت عليه الصلاة والسلام وأعلن في القرآن في قوله عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ [النصر:1-3] تنزيه بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ استغفاره بالعبادة إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [لنصر:3].

    والنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت كان يقول: {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } وهذا من آخر ما قال.

    إذاً ليس التوحيد في عهد مكة وليس القرآن المكي فقط هو من يتدث عن التوحيد، بل التوحيد صحب السيرة كلها من وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] إلى {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } وهو في مرض الموت عليه الصلاة والسلام.

    ولهذا نقول: يا إخواني لم تخل فترة من هذه الفترات ألبتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك عليه الصلاة والسلام صغيراً ولا كبيراً وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسألة الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة وأنصاره وأعوانه متظاهرين، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار أمر البيعة على التوحيد يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الممتحنة:12] فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة والقرآن من وراء ذلك كله توحيد، ولو تتبعتم وتلمستم لوجدتم شيئاً عجيباً لا في القرآن ولا في السيرة، ولهذا نقول: ومن أجلها كان التوحيد أولاً ولابد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.

    1.   

    التوحيد وأركان الإسلام

    المعروف أن أركان الإسلام وخاصة الأركان الأربعة الصلاة والزكاة والصوم والحج هي فروع، وهي من أصول الدين، ولا شك أنها من المعلوم بالضرورة أنها أركان وأحكام، والأحكام يعتبرونها من الفروع، لكن الواقع أن تقرير التوحيد من خلالها شيء عجيب.

    الشهادتان

    أول الأركان هي الشهادتان، وهي ظاهرة لأنها نطق وإقرار بما في القلب؛ حينما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فهذا تقرير في عقيدتك في الله وعقيدتك في محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    وبالله عليكم كم مرة تمر على المسلم ذكر الشهادتين والأذان في اليوم والليلة؟ خمس مرات، هل هو المؤذن فقط الذي يردد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله أم نحن؟ نحن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا سمعتم المؤذن أن نقول مثل ما يقول، لماذا؟ هل نقولها عبثاً؟ لا. معناها: فكلما قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله.. أشهد أن محمداً رسول الله.

    التحيات: كم تصلي أنت؟ الصلوات الخمس وفيها التشهدات، كم تصلي في السنة وخاصة إذا أعانك الله وأصبحت من المجتهدين في النوافل كم مرة تقول في التحيات: أشهد أن لا إله إلا الله؟ هذا ليس عبثاً يا إخواني، بل هذا من عقيدة التوحيد.

    الصلاة

    الصلاة بين الأركان خمسة تذكيراً وتطبيقاً وأركاناً وإظهاراً وعملاً، فالشهادتان هي في وحدانية الله، والصلاة مفتتحة بالتكبير، وكم في الصلاة من تذكير بالتوحيد؟

    أولها افتتاح بـ: الله أكبر، وهذه تعني بلا شك أنك إذا اعتقدت في الله الربوبية هو لا بد يقودك إلى توحيد الألوهية، فإذا كنت تعتقد حقيقة أن الله هو أكبر من كل شيء إذاً ستكون موحداً، والخوف والمحبة والتعظيم والتذلل والخضوع هذا هو التوحيد.

    فإذاً: الصلاة مفتتحة بالتكبير المنبئ عن طرح كل من سوى الله عز وجل، ثم شأن استصغار كل من دون الله عز وجل، ناهيك بطبيعة الصلاة من قراءة القرآن في الصلاة، وأركان الصلاة في منازل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] كم من الأذكار تمر عليك في الصلاة وفي التشهدات وفي غيرها، شيء عجيب في الصلاة!

    الزكاة

    الزكاة هي قرينة الصلاة في التعبد لله عز وجل، وفي مراقبة النفس من عبادة الدرهم والدينار، ولهذا قال الله عز وجل: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6] من هم؟ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:7] فهناك ارتباط بين الزكاة وبين التوحيد، فأنت تخرج الزكاة بإخلاص وطيبة بها نفسك تبغي بها ثواب الله عز وجل، ومعتقد أن الملك لله وأن المال لله ومن مال الله الذي آتاك: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] هذه هي الزكاة، ولهذا كانت مطهرة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] تزكية التوحيد منبع العقيدة والتعلق بالله عز وجل والتجرد من الدنيا عبادة الدرهم والدينار.

    الصوم

    { من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ألم نقل: إن توحيد العبادة هو توحيد الله بأفعال العباد، فمتى تكون أفعالي لله، فقول الزور وعمل الزور هذا أنني أخطأت في عملي ولم أجعله لله {فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ولهذا قال الله عز وجل في الأضاحي في الأخير: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    الحج

    الحج من أقوى مظاهر التوحيد، أولها: التلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هؤلاء الذين يتهموننا أحياناً أننا نتهم الناس في عقائدهم، فلماذا الحاج أول ما يأتي بحج أو عمرة يصل الميقات ثم يقول: (لبيك لا شريك لك لبيك؟) وهل يقول هذا عبثاً؟!

    لكن مع الأسف أن كثيراً منهم يقولونها عبثاً بل يقولونها وكأنهم ينشدون أناشيد، تلاحظون في وسائل الإعلام الناس في الحافلات يقولون: لبيك اللهم لبيك، حتى معانيها لا يقفون عندها وقفة حقيقية .. إن الحمد، والنعمة لك والملك .. يقف عند الملك، لأنه يردد شيئاً لا يفقهه.

    وميزة الإسلام أنه بالعمل والحياة وليس طقوساً نرددها أو نواقيس كما هي عند اليهود والنصارى وغيرهم.

    حينما كان النداء للصلاة كان نداءً عظيماً ولم يكن ناقوساً ولم يكن مجرد تنبيه، وإنما شعار توحيد، كذلك الحج افتتاحه: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، وبخاصة هذه القضية التي تبين توحيد العبادة.

    وسبب وقوع الناس في الأضرحة وفي التعلق بالتراب وبالأحجار؛ لأنه فعلاً لا يوجد توحيد، يعني: ندرك نعمة الله عز وجل علينا حقيقة بما نحن فيه من توحيد حينما نرى نزاهة الحرمين الشريفين من مظاهر الشرك، نحن عندما نقول: لبيك لا شريك لك لبيك، في الجاهلية كانوا يقولون: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

    مع الأسف أن طبيعة النفس البشرية أحياناً تميل إلى تقديس الأشياء والمقدسات، ليست لأن الديار المقدسة، فالحرم المكي مقدس وهذه المظاهر مقدسة ومباركة، لكن أين صفاء العقيدة التي بها نعرف معنى التقديس؟

    مع الأسف أن مفهوم التقديس عند كثيرٍ من المسلمين من الذين ما عرفوا صفاء العقيدة يظن أن التقديس يكون بالتمسح وبالتعلق بالحجارة، وباحتضان الأعمدة والأسطوانات والجدران ووضع الخدود على التراب، أو أن ينفضه على الرءوس أو في الجيوب أو في تمائم وحروز، ولهذا نقول: لبيك لا شريك لك، ولهذا قال ربنا: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [قريش:3] ما قال: يعبدوا البيت.. لكن مع الأسف أن الإنسان بسرعة ينحرف.

    ولهذا تلاحظون مظاهر الأخطاء عند المسلمين في هذا الباب كثيرة على جبل عرفات وعلى حجارة عرفات بل حتى على أشجار عرفات يربطون بالخيوط ويعظمون الأشجار والحجارة.

    أما الشعوذة والسحر والكهانة فقد فشت حتى في بلادنا التي نعترف بصفاء عقيدتها؛ لأن طبيعة النفس البشرية ضعيفة، فالخوف من الشرك يجب أن تعمر به القلوب: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36].

    1.   

    التوحيد والحج

    في كل الأزمان والأعصار تخوف من إمام النبوة الأولى إبراهيم عليه السلام، فالحج من أظهر مظاهر التوحيد، وهو من أكثر ما يخاف منه لأنه بالنسبة لـمنى وعرفة والمسجد الحرام ومكة المكرمة وغار حراء وغار ثور كلها مواطن شريفة ومقدسة، ولاشك أنها تبعث في المسلمين ذكريات جميلة، لكن مع الأسف لا تعود الذكرى ولا أي شيء منها وإنما يرون الأطلال، ولا شك أنك ترى الأرض التي نشأ عليها محمد صلى الله عليه وسلم ومشى عليها أبو بكر وعمر وعلي والصحب الكرام ودار الندوة، ولا شك أنها تحكي تاريخ الإسلام لكننا لا نعبدهم من غير الله، ولا نستكين لهم كما هي الانحرافات الموجودة.

    فمظاهر التوحيد في الحج سنقف عندها وقفة إلى حدٍ ما ولهذا نقول في التلبية: (لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

    فأقف عند التلبية وأبسطها قليلاً من حيث إنها تجسد التوحيد كله، فالعلماء قالوا: إن توحيد الألوهية متضمن إثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم إثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في الألوهية إلا وقد وحد في ربوبيته.

    فأنت قل: لبيك اللهم لبيك ولهذا قل: إن الحمد والنعمة هذا التوحيد فيه ربوبيات بالتفصيل كما سنرى، لكن من الناس من يوحد الله في الربوبية لكنه لا يوحده في الألوهية، ولهذا كان من يوحد الله في ربوبيته ولا يوحده في ألوهيته كافراً، إذا كان موحداً في الربوبية فعلينا أن نعلمه توحيد الألوهية، ولهذا صاغ العلماء هذه القاعدة: توحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية.

    فهذا المقصود منه هو: الملك لا شريك لك، إثبات لتوحيد الربوبية، وقوله وحدك لا شريك لك هذا توحيد الألوهية، وفي قوله: إن الحمد والنعمة لك، هذا يدل على توحيد الأسماء والصفات، فالحمد وصف للكمال، والنعمة من صفة الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات، بل إن قولنا الأسماء والصفات حين نوجدها لربنا، فإننا نقول: إثباتاً بلا تكييف، وتنزيهاً بلا تعطيل، فهل هذا في التلبية؟ نقول: نعم. نحن عندما نثبت الأسماء والصفات نثبتها بلا تكييف ولا تمثيل، ونثبت حقيقتها مع اعتقاد أنها ما زالت عليه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، لأنه قال: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وحتى في الأسماء والصفات كلمة التلبية تضمنت مجموعة التوحيد الثلاث: الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.

    1.   

    الخوف من الشرك

    لعلنا أشرنا في إشارات من الخوف من الشرك، ولعلكم أيضاً لمستم الانحرافات في العالم الإسلامي.

    والآيات الكثيرة والجميلة في معناها والواضحة في دلالتها حتى في حق الأنبياء عليهم السلام -وحاشاهم أن يشركوا- مما يدل على أن الأمر مخوف، ولهذا نقول: إن هذه الأدلة المتكاثرة والحجج المتظاهرة والبراهين المتواترة ما كانت إلا لعظم الأمر وخطر شأنه، وشدة الخوف فيه على الناس من الانحراف، والقلوب من الزيغ، ولماذا لا يخاف عليه والشياطين ما فتئت تترقب لبني آدم تجتالهم وتغويهم كما جاء في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ) الحديث رواه مسلم وأحمد .

    ولماذا لا يأتي الخوف من الشرك والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، وعندما سئل عنه قال: الرياء ) وقد علق على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في شرح كتاب التوحيد فقال: فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كمال علمهم وقوة إيمانهم؛ فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان بالمراتب، قال: خصوصاً إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار في الأزمنة المتأخرة لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون -أي: توحيد الربوبية- وما عرفوا معنى الألوهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله عز وجل.

    وكذلك في حديث: (الشرك أصغر من دبيب النمل ) أيضاً قال رحمه الله: إن تخوف الخليلين عليهما السلام لما يريانه من سنن الله في مصير الأمم بعد الأنبياء، وكيف تصبح -إن لم يحفظها ربها- فريسة لشياطين الإنس والجن والدجالين والمضلين من عباد الأوثان والجاهلية في كل زمان ومكان.

    فالخوف من الشرك شديد، وقد ذكرنا لكم صور تعلق الناس بالسحر والكهانة والخوف والشعوذة وفشوها، إنها دليل على خلل في العقيدة، وعلى خلل في توحيد العبادة والألوهية.

    1.   

    صور جديدة من الخلل في العقيدة

    نأتي إلى صور جديدة من الخلل في توحيد العبادة -العقيدة- وهي في هذا العصر المادي، فإن فئات من الذين يزعمون الانتساب إلى الإسلام -وهم محسوبون على المثقفين- ومن لا يرضون بحكم الله يجدون في صدورهم حرج؛ حينما يكون الحديث عن إقامة حدود الله، فترتعد فرائصهم وتشمئز قلوبهم، فيقومون ويقعدون ويلوون ويزبدون ولهم إخوان يمدونهم في الغي، ومع الأسف أنها ظهرت صور من صور الردة، هذه -يا إخواني- لاشك أنها من الأمور التي تخيف، فالإسلام عندهم ظلم المرأة وهضم حقوقها، والحدود عندهم قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الإبداع والفكر، وأحكام الشرع عندهم عودة إلى أصول الظلام، وتعصباً وانغلاقاً، لقد أدخلوها في الإرهاب، حتى المتمسك بالإسلام قالوا: هؤلاء إرهابيون، والله عز وجل يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] صور من صور التوحيد، ولهذا يقول يوسف عليه السلام فيما أخبر الله عز وجل عنه: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:39-40] فالقضية جلية لا تحمل إلا برهان.

    فإذاً الخاتمة التي نختم بها: إن التوحيد صعب على الأذلاء من هؤلاء المعارضين، وهؤلاء الذين يزعمون الثقافة ويزعمون أنهم يريدون الخير لأممهم مع أنهم هم أساس الداء وهم بهم يعظم البلاء، فالتوحيد صعب على الأذلاء، ومن فيهم الخسة والذلة والتبعية، ولهذا يقول: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] التوحيد صعب على من استمرءوا الفساد وولغوا في الأوحال، والله عز وجل يقول: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45].

    إنهم لا يعرفون التوحيد ولا يعرفون صفاء دينهم، مستعبدون في تفكيرهم وكأنهم قالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، بل في كل الأمر، إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها ورؤيتها، وغايتها مشدودة من خارجها من الشرق والغرب في السياسة والاقتصاد والأدب، وقد تجلى ذلك في تجاهله بل في تمرده على تاريخ أمته وأصالتها وتراثها، ونعمة التوحيد أيها الإخوة يخرج بها العبد من ظلمة الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده.

    أسأل الله سبحانه وتعالى ألا يزيغ قلوبنا بعد إذا هدانا، وأن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يرزقنا الاستمساك بتوحيد ربنا، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    مدى صحة عبارة: "أول واجب على المكلف هو النظر في الوجود"

    السؤال: فضيلة الشيخ: نقرأ في بعض الكتب عبارة: (أول واجب على المكلف هو النظر في الوجود) فما صحة هذه العبارة؟

    الجواب: هذا خطأ في طريقة المنهج، وفي تعليم التوحيد، وهي التي سار عليها المتكلمون، فهذه الكلمة ليست صحيحة والواجب على المكلف هو التوحيد وهو أن يعبد الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: يوحدون، وما قال: وما خلقتهم إلا لينظروا أولاً، ولكان النظر مأمور به، لكن ليس كل من نظر بلغ، وليس كل قادر على النظر مطلوب، ولهذا هناك كفار عقلاء وعباقرة ومع هذا الهداية بيد الله سبحانه وتعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272].

    فالمطلوب هو بيان التوحيد، ووالله يا إخواني أنا أقولها بكل صدقٍ وإخلاص: إن شيخ الإسلام/ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مؤلفاته وفي رسائله هذه التي هي صغيرة في مبناها لكنها كبيرة في معناها: الأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع ، وضع رحمه الله مما يدل على فقه عظيم في أمور الناس، فهي سهلة منقولة من الكتاب والسنة تخاطب العامة؛ ولذلك كانوا يحفظونها ويعرفون معناها، فهي طريقة قرآنية سهلة وميسرة، ولا نقول: نحن متعبدون بها، لكن يمكن أن ننسج على منواله ونقدرها ونأخذه بها، وكما قال الشيخ: نطورها، ونبسطها في مناهجنا بحيث يتربى عليها الناشئة والأطفال ويتوسع في ذلك وتوسع في معارفه، فيركز على التوحيد والنحو والعلوم والرياضيات والجغرفيا والتاريخ وفي كل مادة في طريقة سهلة، في النظر في آيات الكون وفي أن يعرفوا طريقة القرآن، فالقضية تحتاج إلى نظر وتحتاج إلى تطوير ومعالجة، فهو رحمه الله وضع شيئاً كي يفهم الناس، ونستطيع أن نوسع هذه الخطى وأن نضع على منهجه.

    علم الكلام

    السؤال: نسمع عن علم الكلام، وما مدى صحة هذه التسمية، وهل تدل على شيء؟

    الجواب: هم يسمون علم العقائد علم الكلام، بل حتى الذين يأخذون به يسمونه الكلام وهم الذين يقولون للعلماء: أنهم يثبتون العقائد بطريق العقل، وبطريق المنطق، والمنطق له قواعد خاصة، وله أيضاً قواعد معينة كبرى وصغرى إلى آخره.. فهم يحاولون أن يثبتوا العقائد وبخاصة ما يسمونها بتسوية الدين كالنبوة ووجود الله عز وجل، ومسألة الصانع، والنبوة والمعجزة والقرآن فكل هذه عن طريق المنطق وعلم الكلام، ولكن لا شك أن هذا كما أشرنا في مفتتح حديثنا العنصر الأول ذكرناه هي طريقة القرآن في إثبات التوحيد وإثبات العقيدة، وهو النور والهداية لكن مع الأسف لا تؤدي الغرض.

    والشيء الثاني: أننا لو سلمنا -إن صح التعبير- به في خاصة الخاصة فلا يفقه العامة منه شيئاً، ولهذا أشير إلى كلمة لواحد منهم من علماء الشافعية، كلام لطيف جداً ذكره ابن حجر الهيتمي صاحب كتاب: الزواجر من علماء الشافعية، وإن كان له كلام منتقد لكن على كل حال له كلام في هذا يؤخذ به، يقول: ينبغي منع من يشهر علم الكلام بين العامة -وأنا أقول بين العامة والخاصة- لقصور أفهامهم ولأنه لا يؤمن عليهم من الزيغ والضلال، ولابد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه إذ هو بين واضح يدركه العقل.

    كلام سليم وصحيح، فعلم الكلام ليس بحجة ولا يستفاد منه شيء إلا في بعض الأشياء فيما يتعلق بالعقل؛ لأن الهداية بيد الله لا تخالف القرآن وفي الأمم في الحاضر والماضي كفار صناديد، وهم مع ذلك كما في الهند يعبدون البقر، علماء في الذرة وعلماء في الكون ومع هذا يعبدون البقر والأصنام والأوثان.

    اليابانيون كلهم بوذيون يعبدون بوذا وبعض الإخوان ذهبوا إلى هناك، فتستغرب على أناس على مستوى من العبقرية العلمية والعلوم المادية ومع هذا يجلس إلى التمثال بوذا .

    تأثير المعاصي في التوحيد

    السؤال: قرأت لـابن القيم رحمه الله قوله: كل معصية قبل أن تنسى شرك، كيف يكون ذلك؟

    الجواب: هذا أشرنا إليه أن المعاصي تؤثر في التوحيد ولاشك؛ لأن المعصية تعني وجود خلل في العقيدة، وإذا استرجعت في ذهنك قوله صلى الله عليه وسلم: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن } فإذاً لو كانت عنده قوة عقيدة في لحظة الإقدام على المعصية، لكانت رجحت أن يقدم، فلما كان هناك شيء من الضعف غلبت المعصية وغلب الهوى وغلبت النفس الأمارة بالسوء وغلب الشيطان.

    حتى إن بعض العلماء يقول -أثناء المعصية-: مشيراً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: { لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن } يعني: ارتفع أثناء الزنا فإذا أقلع عاد، فالمعصية تعني قلة الخوف من الله عز وجل، وقلة الخوف تعني: ضعف العقيدة، ولذلك من أنواع العبادات: الخوف، هذا معنى كلام ابن القيم فيما عزوته إليه والله أعلم.

    علاقة مطالع النجوم بنـزول الأمطار

    السؤال: نلحظ أن بعض الناس يقول: ينزل المطر في مطلع النجم الفلاني، فهل هذه العبارة مستقيمة؟

    الجواب: إذا كان يقصد أنه بسببه هذا لا شك أنه الشرك، كما في حديث زيد بن خالد الجهني عندما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فمن قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب }، فإذا كان يعتقد أن الكوكب هو الذي ينزل الأمطار، وأنه بسبب اختلاف مطالعها والنجم الأخضر والأزرق هذا لا يصح ولا يجوز.

    أما إذا كان يقول: أن الله أوجد هذه الأشياء بالأسباب واعتقد أنها مجرد سبب، فهذا جائز، ولهذا الله عز وجل علمنا سنناً حتى نتقي وحتى نقدم، ولا يوجد أحد يغرس بر إلا في وقته، ولا يغرس بطيخ إلا في وقته، فلا يكاد يغرس في مكان إلا بسبب، فهذا ليس اعتقاداً بالأموال ولا بالفصول وإنما معرفة بالأسباب، بحيث وقت الغرس يكون هو من فصل كذا وكذا، أو حتى يجوز غرس النخل في الوقت الفلاني، البر من كذا وكذا، والبطيخ في الوقت الفلاني، هذا لا شيء فيها؛ لأنها سنن الله عز وجل وضعها ودل الناس عليها، لأن الاستخلاف علمنا وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم.

    خوف السر

    السؤال: هل لكم يا معالي الشيخ أن تحدثونا عن خوف السر؟

    الجواب: هذا يتعلق بقضية الإخلاص والرياء، إذا نظرنا إلى طبيعة شريعتنا ففيها أعمال علنية مشروعة يؤديها المسلم مع إخوانه، ويؤديها علانية، فهذه تؤدى على نحو ما شرع الله صلاة الجماعة، إذاً من يقول: أنا لا أصلي جماعة خوفاً من الرياء! ويقول: أنا لا أحج وأترك الطواف لأنني أخشى الرياء، فلا يفعل بل حتى الصدقة التي يمكن أن تكون حرةً قال: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] إذاً هذه متعلق بالعلن والخوف العلني والحذر.

    خوف السر: هو أن تخشى الله عز وجل وأنت مفرط، وهذا أيضاً دقيق، ولاشك أنها تجعل الإنسان يقوم في جنة الليل يبكي ويبكي، لماذا؟ هذا الخوف من الله عز وجل.

    أما إذا كان الخوف من الناس بسبب شرهم فإن هذا أيضاً يختلف، فالخوف الجبلي مفطور في الإنسان، فلو قيل: إن السلطان هددك؛ تجد أنك تخاف وأنت في بيتك، هذا خوف جبلي وتخاف فعلاً، أو قيل: إن في البيت لص، فهناك شبه من الخوف، سواء خوف من ناحية أنه جبان، أو خوف من المواجهة وماذا تكون النتيجة، بل أحياناً قد يكون هذا خوف دائم، فالخوف الجبلي سواء كان سراً أو علناً لا خوف فيه، والخوف من الله عز وجل كذلك أيضاً هو على نحو ما ذكرت.

    انتهاء فرقة المعتزلة

    السؤال: هل صحيح أن المعتزلة فرقة كانت ثم اندثرت؟

    الجواب: يبدوا أنها خفّت كثيراً وأوشكت أن تندثر، لكن مع الأسف أن العقلانيين من الأدباء والكتاب حرصوا على إحيائها، كـطه حسين ومن سار على شاكلته، اجتهدوا أن يحيوا مذهب الاعتزال ولهذا حتى الحداثيين الآن الذي له قراءة في الحداثيين يلاحظ أنهم ليسوا معتزلة ويا ليتهم معتزلة ! فهم يكفرون بالله عز وجل من حيث لا يعلمون نسأل الله السلامة.

    لكنهم أحياناً قد تعجبهم نظرات عقلانية، فبعض صناديد المعتزلة لهم نظرات عقلية تعجب الماديين، وتعجب المتأثرين بالغزو الفكري الغربي، ومن هنا يحيونها، لماذا؟ ليس قناعة بالدين -والمعتزلة مقتنعون بالله وبالإسلام وبرسوله- لكن هؤلاء يخرجونها من أجل أن يضللوا بها ويقولون: نؤمن، لا. نسأل الله السلامة.

    من هؤلاء الذين صاروا ضد دينهم الإسلام.

    المعتزلة لاشك أنهم أهل ضلال ومنهجهم كان في الرد على الكلاميين والإلحاديين، فهم أرادوا أن يردوا على الملاحدة والزنادقة وأرادوا أن يردوا على اليونان الفسقة لكن أخطئوا بلا شك وإلا مقاصدهم كانت حسنة، لكن هؤلاء ما أخذوها من أجل أن يؤصلوا الفلسفة اليونانية يعني: هؤلاء يريدون أن يحيوا الاعتزال أو بعض مناهج المعتزلة من أجل أن يؤصلوا الفلسفة اليونانية والفلسفة الأرضية المادية.

    قول بعض الناس "فلان عنده ثقة بنفسه"

    السؤال: قول بعض الناس: فلان عنده ثقة بنفسه، هل هو قول صحيح؟

    الجواب: صحيح إذا كان المراد به في معناه أنه ليس جباناً وعنده شخصية، ولا شيء فيه إذا كان ثقة بنفسه بحيث يتجاوز حدوده ويتجاوز ما هو معلوم لله تعالى في تصريف خلقه وفي هيمنة مشيئته سبحانه وإرادته هذا لا، أما فلان عنده ثقة بنفسه بحيث لو أنك قارنت بين من يختلفون من بعض الناس تجده عنده تردد وخوف بينما الثاني عنده ثقة بنفسه، فيجوز هذا التعبير ولا شيء فيه.

    أدوية تشفي من الصداع والضغط

    السؤال: نرى في بعض الصيدليات أدوية حديثة يزعم أنها تشفي من الصداع والضغط وغير ذلك فهل استعمالها صحيح، أم أنها من التمائم؟

    الجواب: والله ما أدري عنها، لكن هذا ترجع إذا كانت طبية صحيحة ويرجع في هذا ينبغي أن ينظر فيها عالم الشراب وعالم الطب، فإذا كانت فعلاً لها أثر طبي صحيح فهي دون ذلك، أما أنها مجرد علم نفس أو أشياء نفسية لا يجوز، وأغلب التمائم من الأشياء النفسية، تضع الإنسان في مجرد توهم يضع خيطاً في رقبته أو في عضده أو في كاحله أو حتى في خاصرته هي وهم، أما إذا كانت فعلاً تتضمن علاجاً مادياً؛ فهذا أنا لا أعرف عنها شيئاً ويرجع النظر فيها كما قلت إلى حقيقتها.

    علاقة الحج بالعقيقة

    السؤال: أردت أن أحج حجة الإسلام وقالت لي أمي: إنه لم يعق عنك، فهل ثمة علاقة بين العقيقة والحج؟

    الجواب: ليس هناك علاقة بين العقيقة والحج، العقيقة لاشك أنها مسئولية الأب أن يعق عن أولاده لكن العقيقة مستحبة وليست واجبة، لكن لا علاقة بين صحة الحج وعدم العقيقة فالحج صحيحٌ إن شاء الله.

    أيهما يقدم: الحج أم الإنفاق في الجهاد

    السؤال: امرأة قالت: والله لأتصدقن على المجاهدين في سبيل الله، وهي تريد الآن أن تحج فهل عليها الوفاء وكيف بالنسبة للحج أثابكم الله؟

    الجواب: هذا لا يمنع مادام المبلغ ليس له علاقة بقدرتك على الحج، أما لو كان المبلغ لا يكفي بين الحج وبين الإنفاق فدين الله يقدم على كل حال، أما إذا كان عندك القدرة فلا بأس إن شاء الله.

    عبارة (شاءت الأقدار )

    السؤال: نقرأ من عبارة بعض الكتاب: (شاءت الأقدار) فهل العبارة هذه صحيحة؟

    الجواب: لا هذا غير صحيح، إنما هي مشيئة الله سبحانه وتعالى، ولا يقال: شاءت الأقدار، وإنما يقال: شاء الله سبحانه وتعالى، بل حتى بعض العلماء يقف عند قوله تعالى: إنه على ما يشاء قدير، أو لا يستحسنها، بل هو قدير على كل شيء وهذه تتوجه إلى مذهب المعتزلة ، فيها قصد وينبغي أن يبتعد عنها.

    تزكية المال المسروق وقد حال عليه الحول

    السؤال: لدى زوجتي ذهب وقد حال عليه الحول ولكنه سرق فهل نزكيه اليوم؟

    الجواب: الذي نقول به: أنه لا زكاة في حلي النساء الماضي الاستعمال، ومادام أنه معد للاستعمال أو أنها تدخره لتستعمله وعادة المرأة لا تستعمل حليها دائماً، كما أنها أيضاً لا تستعمله دفعة واحدة، فهي عندها أنواع تستعملها في مناسباتها وإن كان المنهي عنه الإفراط في مثل هذا لكن الأصل أن الحلي ما دام أن شراءها من أجل الاستعمال فإنه لا بأس فيه.

    مدى صحة خبر السبع في الصفا

    السؤال: ما خبر السبع في الصفا فكل الإخوان يسألون عن خبر هذا السبع فهل هو صحيح؟

    الجواب: لا صحة له في الواقع، والأمر فعلاً أنه كذب، ذكر ذلك أيضاً أئمتنا كالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وكذلك الشيخ: محمد السبيل أيضاً أصدر في ذلك بياناً حملته الصحف كذب ذلك ومن طريف ما قال الشيخ محمد السبيل حفظه الله قال: إن مثل هذا الأمر من علامات الساعة، ولأنه من حديث الرويبضة، والرويبضة هو: الذي يتحدث بما لم يعلم، فالأمر لا صحة له، ولكن عقول الناس تطير بمثل هذه الشائعة.