إسلام ويب

النظافة والزينة والتجملللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تطهير العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والمعاصي والبدع مقرون بتطهير ظاهر الإنسان وثوبه ورقعته، أناقة من غير سرف، وتجمل من غير تكلف.

    ولهذا جاءت هذه المادة لتبين دعوة الإسلام لتطهير الظاهر والباطن، ولتوضح بعض مظاهر الطهر والنقاء في توجيهات الإسلام، فحين يجمل الدين البواطن بالهداية إلى الصراط المستقيم، فإنه يجعل الظواهر في أحسن تقويم.

    1.   

    شمولية الدين الإسلامي

    الحمد لله المحمود بكل لسان، واسع الفضل والإحسان، أحمده سبحانه وأشكره، حمداً وشكراً تنال به نواهل الرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث للثقلين؛ الإنس والجان، بلغ الرسالة وأوضح المحجة، حث على منار الحق وأبان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي التقى والإيمان، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس ونفسي- بتقوى الله، فالسعيد من اتقى ربه، وتدبر أمره، وأخذ حذره، واستعد ليومٍ لا تقال فيه عثرة، ولا تنفع فيه عبرة.

    أيها المسلمون: الإسلام دين الفطرة، تصلح له وتصلح به كل الأزمنة وكل الأمكنة، فهو دين العقيدة والشريعة، يعالج شئون الحياة كلها في سلفية لا تتوقف عند عصر، بل تتجدد لتعالج أوضاع كل عصر، وتفتي في كل شأن، وتقضي في كل أمر.

    دين يجمع البشاشة في حياة، وحسن الخلق في ابتسامة. دين يعترف ما للبشر من أشواقٍ قلبية، وحظوظ نفسية، وطبائع إنسانية.

    لقد أقر الدين ما تتطلبه الفطرة من سرور وفرح، ولباسٍ وزينة، محاطٌ بسياج من الأدب الرفيع، يبلغ بالمتعة كمالها ونقاءها، وبالسرور غايته، بعيداً عن الخنى والحرام، والظلم والعدوان والغل وإيغال الصدور، ومتطلبات الفطرة هذه جاءت في دين الإسلام، مصاحبة ومرتبطة وملازمة لإصلاح المعتقد وسلامة الباطن: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5].

    فتطهير العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي مقرون بتطهير الظاهر في بدن الإنسان وثوبه ورقعته، يجمع المسلم بين النظافتين، ويحافظ على الطهارتين، وحين يجمل الدين بواطنهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، فإنه يجمل ظواهرهم في أحسن تقويم.

    إذا كان ذلك كذلك -أيها الإخوة- فإن الأخذ بالزينة والقصد إلى التجمل، والعناية بالمظهر، والحرص على التنظف والتطهر من أصول الإصلاح الدينية والمدنية التي جاء بها ديننا، وتميز بها أتباعه.

    1.   

    دعوة الإسلام لنظافة الحس مع نظافة النفس

    إن حب الزينة والتزين من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله في الخليقة، ولقد امتن الله على بني آدم كلهم بلباس الزينة حين قال عز شأنه: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26] يقول أهل العلم: خص سبحانه الريش بالذكر لأنه ليس في أجناس الحيوان كالطير في كثرة أنواع ريشها، وبهجة مناظرها، وتعدد ألوانها، فهي جامعة لجميع أنواع المنافع والزينة، ويقول الحافظ ابن القيم رحمه الله: ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده الجمالين؛ اللباس والزينة تجمل ظواهرهم، والتقوى تجمل بواطنهم، وقال في أهل الجنة: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12] فجمل وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير.

    وفي خبر نبينا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم: (خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر ) إنها الفطرة، وسنن المرسلين اتفقت عليها الشرائع، ودعت إليها الديانات، وترك ذلك وإهماله مضر بالجسم وتشبه بالوحوش والسباع، بل تشبه بالكفار المبتعدين عن صحيح الفطرة وهدي المرسلين.

    ومن أجل هذا -أيها الإخوة- فإن الإسلام حريص على أخذ أبنائه بنظافة الحس مع نظافة النفس، وصفاء القلب مع نقاء البدن، وسلامة الصدر مع سلامة الجسد، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين.

    أيها الإخوة: المسلمون هم الذين نشروا النظافة والتنظف في أصقاع الدنيا حيثما حلوا وأينما وجدوا مما لم تعرفه الأمم السابقة قبلهم.

    إن من يقرأ تاريخ الأمم والملل يعلم أن أكثر البشر يعيشون كما تعيش الوحوش في جزائر البحار وكهوف الجبال وأكواخ الأدغال، كلهم أو جلهم يعيشون عراةً أو شبه عراة، الرجال منهم والنساء، وما دخل الإسلام بيئة ولا بيتاً إلا وعلمهم حسن اللباس، وجمال الستر، ونظافة البدن، وطهارة المسكن، بالإيجاب تارة وبالاستحباب أخرى، نقلهم من الوحشية الفاحشة إلى الحضارة الراقية، وهذا الحديث لا يخص العصور الغابرة، بل إنك بكل ثقة وأسى لا ترى أمكنة أو أزمنة انطمست فيها آثار النبوة إلا ويتجلى فيها صور الجهل والظلم، والكفر بالخالق، والشرك بالمخلوق، واستحسان القبائح، وفساد العقائد، وانحراف السلوك، وما خليت ديار من هدي النبوة إلا وكان أهلها أشبه بالبهائم؛ يتهارجون في الطرقات، ويتعاملون كالعجماوات، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يتورعون عن قبيح، ولا يهتدون إلى سبيل، وشواهد ذلك في عصركم هذا تجلو الحق والعدل.

    إن المسلمين نماذج رائعة للطهر والجمال عندما ينفذون تعاليم دينهم في أبدانهم وبيوتهم، وطرقهم ومدنهم، ومساكين بعض المنتسبين للإسلام ممن يولون وجوههم شطر نظم وتقاليد وعادات يعجبون بها وهي لغيرهم، ويتشبثون بها وعندهم خيرٌ منها في دينهم، وعند الله ما هو أزكى وأتقى وأغنى وأنقى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة: 138].

    1.   

    بعض مظاهر الطهر والنقاء في توجيهات الإسلام

    أيها الإخوة: وهذا استعراض لبعض مظاهر الطهر والنقاء والجمال والزينة في توجيهات الإسلام وسلوك المسلمين المستمسكين.

    الطهور شطر الإيمان، والصلاة أهم فرائض الإسلام بعد الشهادتين، شرع لها التطهر من الحدث والتنظف من القذر والنجس، والمسلم يتوضأ في يومه عدة مرات غالباً، ويغتسل في كثيرٍ من المناسبات المشروعات، والوضوء على الوضوء نورٌ على نور، مع مستحبات من الوضوء أخرى للنوم والعبادة، وصلاة الجنازة والعيدين، والخسوف والكسوف، وسجود التلاوة وغيرها، إنها الصلوات الخمس تنظف الباطن وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فوضوءها ينظف الظاهر: (أرأيتم لو كان باب أحدكم على نهرٍ جار يغتسل منه خمس مرات، أيبقى من درنه شيء ) . وغسل الجمعة واجب على كل محتلم: (لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهرٍ ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) بهذا جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    والتطهر المأمور به ليس مقصوراً على المجامع ومجالس الناس، ولكنه مطلوبٌ في جميع الأحوال حتى إذا قعد المرء في بيته، أو ذهب إلى فراشه، فقد جاء في الخبر مرفوعاً: (طهروا الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبدٌ يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره -أي: في لحافه- ملك لا ينقلب في ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهراً ) رواه الطبراني يسند جيد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي خبر ثان عند أبي داود : (ما من مسلم يبيت طاهراً فيتعار من الليل -أي: يستيقظ- فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه ).

    وأمة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم تُعرف يوم القيامة بين الأمم بغرتها وتحجيلها من آثار الوضوء.

    والسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، وقص الشارب وحفه من التجمل، ومن كان له شعرٌ فليكرمه بالغسل والدهن والترجيل والتطييب، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً شعثاً رأسه قد تفرق شعره فقال: (أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره ).

    وقص الأظافر، وغسل البراجم وهي: مفاصل الأصابع، ونتف شعر الإبط، وحلق العانة، واجتناب الروائح الكريهة؛ من الثوم والكراث والبصل، كل ذلك من التوجيهات المتأكدة رعايتها، والإنسان قد يحتمل من غيره ألواناً من الأذى ولكنه لا يصبر على الرائحة المنتنة تنبعث من فمٍ أو عرقٍ أو غيرهما، ويتأكد ذلك في المساجد التي يؤمها المسلمون للطاعة وذكر الله والصلاة، وكيف تخشع نفسٌ مهتاجة مضطربة تعرضت للأذى، وتعكر عليها صفو مناجاة الرب تعالى، وانقطعت من لذة التضرع والتذلل.

    ومن المستكره فتح الفم عند التثائب لما في ذلك من قبح المنظر، وقلة الذوق، وإيذاء الجليس، وسرور الشيطان.

    وفي مقابل ذلك جاء الحرص على الطيب والحث على التطيب، ونبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحب الطيب ويكثر من التطيب.

    وغطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، واجتنبوا الجشاء، ولا تشربوا من فم السقاء، ولا تتنفسوا في الإناء، ولا تنفخوا فيه، والتنظف من بقايا الطعام وفضلاته، في الأيدي والأفواه والأسنان كل ذلك مندوبٌ إليه، وشرب نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لبناً، ثم تمضمض، وقال: (إن له دسماً )

    والتطهر والتنظف يمتد من الأبدان إلى البيوت والطرقات، والمساجد ومجامع الناس: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125] .. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] .. (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة )

    ومن الدقة في التعاليم رعاية سبل وقاية المجتمع في آداب قضاء الحاجة، لا يتلوث بها ماء، ولا يتنجس بها طريق أو مستظل، فقد جاء النهي عن البول في الماء الدائم، وقال عليه الصلاة والسلام: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ).

    الاهتمام بجمال الهندام

    أما حسن الملبس وجمال الهندام فمطلوب قدر الاستطاعة وحسب الوجد، عن الأخبص الخشمي قال: {رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي أطمار -أي: ثياب بالية- فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: ومن أي المال؟ قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاة، قال: فلتُر نعمته وكرامته عليك } فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده.

    ولما قال عليه الصلاة والسلام: {لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجلٌ: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميلٌ يجب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس }.

    وفي الناس أجلاف يظنون أن قصد الزينة تصنع، فيرد عليهم ابن الجوزي رحمه الله بقوله: "وهذا ليس بشيء، فإن الله تعالى زيننا لما خلقنا؛ لأن للعين حظاً من النظر، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنظف الناس وأطيبهم، وكان لا يفارقه السواك، ويكره أن تشم منه ريحٌ ليست طيبة" فهو عليه الصلاة والسلام كاملٌ في العلم والعمل، فيه يكون الاقتداء، وهو الحجة على الخلق، بل إن بعض محترفي التدين يحسبون فوضى اللباس وإهمال الهيئة والتبذذ المستكره ضرباً من العبادة، وربما ارتدوا المرقعات والثياب المهملات، وهم على خيرٍ منها قادرون، ليظهروا زهدهم في الدنيا وحبهم للأخرى، وهذا جهلٌ وخروجٌ عن الجادة.

    إنه لا يطيق الروائح الكريهة والأقذار المستنكرة إلا ناقص الفطرة وجمال الأدب، وإنما لبس المرقع من لبسه من السلف الصالحين لاستدامة الانتفاع بها، يوضح ذلك ويجليه الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله حين يقول: وما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه كان يرقع ثيابه إنما يفعله لاستدامة الانتفاع به وذلك شعار الصالحين، حتى اتخذه المتصوفة شعاراً فجعلته في الجديد وليس بسنة، بل هو بدعة عظيمة، وإنما المقصود من الرقع هو الانتفاع بالثوب.

    1.   

    علاقة طهارة الظاهر بطهارة الباطن

    أيها الإخوة: ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، وطهارة الجسد واللباس، وطهارة النفس وكرامتها ارتباطاً وثيقاً وتلازماً بيناً. نعم إن هناك تلازماً بين شرع الله في اللباس والستر والزينة، وبين تقوى الله عز وجل في النفوس، فكلاهما لباس، فالتقوى لباسٌ يستر عورات القلوب ويزينها، والثياب تستر عورات الجسم وتزينها.

    من تقوى الله ينبع الحياء الذي ينبت الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه، ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يكترث أن يتعرى أو يدعو إلى التعري.

    ومن أجل هذا -أيها الإخوة- فإن ستر الجسد ليس مجرد أعراف وتقاليد كما يزعم الماديون الهادمون لأسوار العفة والفضيلة، ولكنها فطرة الله التي فطر الخلق عليها، وشريعته التي أنزلها وكرم بها بني آدم.

    وبعد أيها الإخوة: فعناية الإسلام بالنظافة والتجمل والصحة والتطهر جزء من العناية بقوة المسلمين، إن المطلوب أجسامٌ تجري في عروقها دماء العافية، وتمتلئ أبدان أصحابها قوة وفتوة، فالأجسام المهزولة لا تطيق حملاً، والأيدي القذرة غير المتوضئة لا تقدم خيراً، ورسالة الإسلام أوسع في أهدافها، وأصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مريضة موبوءة عاجزة: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:31-32].

    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه، وكما تغسلون أدرانكم بالماء فاغسلوا ذنوبكم بالتوبة، توبوا إلى ربكم واستغفروه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    حقيقة الزينة في الإسلام

    الحمد لله المتفرد بالعزة والجلال، والمتنزه عن الأنداد والأمثال، أحمده سبحانه وأشكره فهو جميل يحب الجمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، جاء بالشريعة السمحة، ورفع عنا ربه ببعثته الآصار والأغلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان في الأقوال والأعمال.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: إن الأناقة من غير سرف، والتجمل من غير تكلف من آداب الإسلام وتوجيهاته، إنه الإسلام الذي ينشد لبنيه علو المنزلة، وجمال الهيئة ليكونوا في الناس كالشامة البيضاء، غير أنه ليس من الإسلام الركض إلى أسباب الزينة بغير عنان، وملء اليد منها بغير ميزان. إن من يطلق يده في الإنفاق في الزينة ولذائذ النفس ويتجاوز بالإنفاق المعتاد من أمثاله يقل نصيبه من البذل في وجوه الخير؛ ذلك أن النفوس المبتلاة بحب الزينة المفرطة، ولذائذ الأجسام المغالى فيها لا تقف عند حد، وكلما أدركت منزلة تشوفت إلى ما فوقها كما جاء في الخبر الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (إن هذا المال حلو، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) وسأل رجل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: [[ما ألبس من الثياب؟ قال: مالا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به الحكماء ]].

    إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة- فليس من زينة الرجال حلق اللحى، ولبس الحرير، والتختم بالذهب، وإسبال الثياب، فما أسفل من الكعبين ففي النار.

    وليس من المقبول تبرج النساء بزينة: (كاسيات عاريات، مائلات مميلات ) وفي الجملة فإن السلف كانوا يكرهون الشهرة من الثياب، العالي منها والمنخفض؛ وثوب الشهرة العالي: ما قصد به الاختيال والتعالي والفخر والمباهاة، والمنخفض: ما قصد إلى الرديء والمبتذل مع القدرة على ما هو خيرٌ منه امتناعاً عما أباح الله بزعم التزهد والتعبد، ودين الله الوسط، والرفيع من اللباس ممدوح إذا كان تجملاً وإظهاراً للنعمة.

    وبعد أيها الإخوة: فحسب الناس من القذر الكدر هذا التدخين الذي ابتليت به طوائف من الناس، فيسيء هذا المبتلى ويؤذي بما ينفخ من دخان وينفث من رائحة تخنق الأنفاس وتفسد الأجواء وتلوث المجالس، وهو بلاء ماحق في المكاتب والمتاجر والمراكز، وإنه لشاهدٌ على أن الفرد والأمة حين تبتعد عن آثار النبوة تفقد الأدب الرفيع والذوق السليم، والإحساس الرقيق والتصرف المهذب.

    ألا فاتقوا الله رحمكم الله والزموا هدي نبيكم، واسلكوا مسلك العدل والوسط، ثم صلوا وسلموا على صاحب الخلق الأكمل والأدب الأرفع والريح الأطيب، نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وكل أعداء الدين.

    اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين بالعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.