إسلام ويب

اللغة .. عنوان سيادة الأمةللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لغة الأمة ميزان دقيق ومعيار أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأداة الحضارة.

    والمسلمون اليوم قد أصيبوا بانهزامية في لغتهم وفي أخلاقهم ومظاهرهم، فمن مظاهر الانهزامية في اللغة عند المسلمين: تعميم اللغة الأجنبية، وانتشارها في أسماء المحلات والسلع والأطعمة، وكذلك التحدث بها لغير حاجة.

    1.   

    اللغة العربية وأهميتها

    الحمد لله؛ وهو الأحق أن يحمد، سبحانه وبحمده هو الواحد الأحد الفرد الصمد، أستغفره وأتوب إليه، وأشكره وأثني عليه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، عطاؤه جزيل، وفضله عميم، وخزائنه لا تنفد، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، نبيٌ لا يكذَّب، ورسول لا يعبد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ساروا على هدي محمد، فكانوا بالخير أسعد، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وأخلص لربه وتعبد.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله؛ فتقوى الله هي الوصية الجامعة، والذخيرة النافعة، واستعدوا للمنايا فهي لا بد واقعة، واحذروا زخارف الدنيا المضلة، فمن استكثر منها فما ازداد إلا قلة، وليكن استكثاركم وازديادكم من التقوى فهي خير زاد.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]

    أيها المسلمون: من أحب الله أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أحب لغة القرآن الكريم، فهي لغة كريمة نزل بها أفضل كتاب، ونطق بها أفضل مخلوق صلى الله عليه وسلم.

    هي وعاء علوم الدين، وذخائر التراث، لا تكون معرفة القرآن والسنة إلا بها، ولا يتم فهم علومهما ومقاصدهما بدونها، تعلمها وإتقانها من الديانة، فهي أداة علم الشريعة ومفتاح الفقه في الدين.

    أيها الإخوة المسلمون: إن لغة الأمة ميزانٌ دقيق ومعيارٌ أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات، فهي شريان الأمة، وأقنوم الحضارة، ومصدرٌ عظيمٌ من مصادر القوة، وإذا أضاعت أمة لسانها أضاعت تاريخها وحضارتها، كما تضيع حاضرها ومستقبلها.

    إن اللغة من أهم ملامح الشخصية الإنسانية إن لم تكن أهمها، وهي التي تربط المرء بأهله وأمته ودينه وثقافته، فهي التاريخ، وهي الجغرافيا.

    اللغة مظهرٌ من مظاهر قوة الابتكار في الأمة، فإذا ضعفت قوة الابتكار توقفت اللغة، وإذا توقفت اللغة تقهقرت الأمة، وإذا تقهقرت الأمة فذلكم هو الموت والاضمحلال والاندثار.

    إن شواهد التاريخ قديمها وحديثها تظهر بجلاء: أنه لم تتقدم دولة ولم تشيد حضارة ما لم تكن العلوم والتعليم بلغة الأمة نفسها لا بلغة أجنبية عنها.

    منزلة اللغة العربية وقوتها

    أيها المسلمون: وفي شواهد التاريخ -أيضاً- استطاعت لغة القرآن الكريم أن تحقق متطلبات المجتمع التاريخية عبر الأحقاب المختلفة، بكل المستويات الدينية والعلمية، والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية في عصر النبوة، ثم في عصر الخلافة الراشدة، ثم في حكم بني أمية، وما رافقه من تعريب الدواوين، ونظم الإدارة للمجتمعات المختلفة، والأقاليم والجيوش والحياة العامة، كما استجابت اللغة لحاجات الحضارة أيام بني العباس وما واكبها من حركة الترجمة، بل هي لا غيرها كانت لغة العلم والبحث العلمي في الطب والعلوم والرياضيات والفلك والهندسة وغيرها.

    إن الدولة الإسلامية على مر عصورها لم تأخذ من الأمم في احتكاكها معها إلا بمقدار الحاجة الماسة للتعبير عن بعض المعاني التي لم تكن موجودة في لغتها، ولم تفتنهم لغات هذه الأمم رغم حضاراتها العريقة، كفارس والروم واليونان، بل زادهم ذلك تمسكاً وحرصاً.

    والعجيب في هذا التاريخ الإسلامي العظيم، وهذا الدين الأخاذ: أن أبناء الأمم الأخرى هم الذين كانوا يتسابقون إلى تعلم لغة القرآن، لغة الدين والعلم! بل هم الذين نبغوا فيها، وشاركوا على نحوٍ مدهش في وضع قواعدها، وجمع معاجمها، انطلاقاً من الشعور الإسلامي الرائع الذي أحلَّ لغة القرآن أرفع المنازل؛ لأنها لغة الدين والتنزيل، وفي كل أرجاء الأمة وأصقاعها تتردد أصداء هذا الحديث النبوي فيما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن العربية ليست لأحدكم بأبٍ ولا أم، إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي } والحديث ضعيفٌ في إسناده، ولكنه صحيحٌ في معناه، كما يقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    استهداف اللغة العربية من قبل أعدائها

    أيها الإخوة في الله: وإذا كانت لغة القرآن ولغة الإسلام بهذه القوة، وبهذه المقدرة، وبهذه المنزلة؛ فلا غرابة أن تكون مستهدفة من أعدائها، فلقد علم المشتغلون بدراسات التاريخ المعاصر، والمتابعون لمسيرة الاستعمار وسياساته أن التهجم على اللغة والتهوين من شأنها، والسخرية من المشتغلين بها، والتهكم بها في وسائل الإعلام والقصص والروايات والمسرحيات، في سياساتٍ مرسومة وحملات مكثفة، ثم تلقف ذلك من بعدهم وعلى طريقهم أبناءٌ وأجراء وعملاء.. نعم. ليس من المستغرب أن تتعرض لغة شعبٍ من الشعوب في مرحلة الغزو والاحتلال إلى الإذابة والمحو؛ لأن اللغة معلمٌ بارز في تحديد الهوية، وإثبات الذات، فكيف إذا كانت اللغة هي لغة القرآن ولسان الإسلام؟!

    وقد يكون من غير الحصيف -أيها الإخوة- أن نلوم أعداءنا فيما يقومون به من أجل مصالحهم، وتحقيق أهدافهم، وسعيهم في تحكيم غيرهم، ولكن الأسف والأسى أن يصدر ذلك ويتبناه فئات من بني قومنا، تعلقوا بالأجنبي وولوا وجوههم شطره ثقافياً وفكرياً، وأصبحوا ينظرون إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.

    1.   

    ترك اللغة من مظاهر الانهزامية

    لماذا هانت علينا أنفسنا؟

    ولماذا هانت علينا بلادنا؟

    ولماذا هانت علينا لغتنا -لغة ديننا ولغة قرآننا-؟

    إنما أصاب الأمة من ظروفٍ سياسية واقتصادية، وضعفٍ في الديانة، أدى إلى ركود الفكر، وضعف الثقافة، حتى آل الأمر إلى هذه التبعية المشينة، إن الأزمة أزمة عزة لا أزمة لغة، وأزمة ناطقين لا أزمة كلمات.

    إن اللغة لم تضعف ولم تعجز، ولكن ضعف أبناؤها، وقصَّر حماتها، وإن من الظلم والحيف أن يتهم هؤلاء الأبناء العاقون الكسالى لغتهم من غير حجةٍ ولا برهان، ضعافٍ في أنفسهم، مهابيل في طموحاتهم، يرهبون أنفسهم بثورة المعلومات، وترتجف قلوبهم بتقدم التقنيات.. مسكينٌ هذا المثقف الذي ضعف وتخاذل، فشرَّق وغرَّب يفتش لعله يجد ميداناً أو مدخلاً.. ما الذي يريده هؤلاء المساكين؟

    هل يريدون أن ينسلخوا من هويتهم؛ فيهاجروا بألسنتهم وعقولهم إلى أعدائهم، ويتحولوا إلى مخلوقاتٍ تفكر بعقولٍ غير عقولها، وترطن بلسانٍ غير لسانها؟!

    هل يتخلون عن هويتهم ودينهم وعزهم بسبب نظرة ضيقة، ومنفعة آلية؟ هي في مآلها ومصيرها ضررٌ ماحق، وخطرٌ داهم، وبلاءٌ مغدق؟

    أيها المسلمون: ويزداد الضعف ويتجلى الهوان عند هؤلاء المشككين حين يتفوهون بقولهم: إن استخدام لغة الأمة قد يسبب عزوف الطلاب عن إتقان اللغة الأجنبية؛ مما يؤدي إلى ابتعادهم عن الأبحاث الجديدة والتطور السريع!

    ويحدثك آخرون عن سوق العمل: فترى مخذولين، مبهورين، يفاخرون في بعض كلياتهم وأقسامهم بأنهم يدرسون جميع العلوم لديهم بلغة أجنبية؛ بحجة أن سوق العمل يتطلب ذلك، وهي حججٌ يعلم الله ويعلم المؤمنون، ويعلم العقلاء أنها واهية، بل هي -والله- أوهى من بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.

    ولكنها أحوال تذكر بعبودية التسلط والاستعمار في بعض البلدان في الماضي، وما أشبه الأجواء الثقافية لعهد العولمة الحاضر بالأجواء الثقافية بعهد الاستعمار الغابر، من حيث جعل الاستلاب الديني عن طريق الهجوم الشرس على اللغة وزعزعتها في حياة الأمة، وإحلال اللغة الأجنبية بمسوغات بالية.

    وحين يحدثونك عن اللغة وسوق العمل ليتهم يحدثونك عن مصطلحاتٍ علمية، وتقنيات متقدمة، واتصالٍ بالجديد من العلم والتقنية، ولكنه -مع الأسف- ليس سوى إتاحة لعمالة وافدة متوسطة التأهيل ومتدنية الكفاءة، تتربع على مواقع العمل في المؤسسات والشركات، والأسواق والتجارة، مهمتهم عرض البضائع، وترويج السلع، وترتيب المستودعات، وقيد السجلات، وضبط المراسلات.. سوق عملٍ مخزي، تحولت به المستشفيات والفنادق وبعض أقسام الجامعات وبعض الأسواق ومعارض البضائع والتجارات، واللوحات الإعلامية والتجارية، تحول كل ذلك إلى بيئات أجنبية، يتبادل فيها أبناء الأمة لغة أو لغات أجنبية، حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة؛ فاضطربت لغة التفاضل، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفاً إلى تخلفهم، وضعفاً إلى ضعفهم، وامتلأت سوق العمل بالوافدين من غير حاجة حقيقية، ويريدون من أبناء الأمة أن يتحدثوا اللغة الأجنبية من أجل هؤلاء، زاعمين أنهم بهذا يهيئون لأبنائهم فرص العمل.

    وجود الوافدين ليس مسوغاً لترك اللغة العربية

    أيها المسلون: أيها المخلصون: إن وجود وافدين -مهما كان عددهم، ومهما كانت الحاجة إليهم، بل مهما كان مستواهم العلمي والفني- لا يجوز أن يكون سبيلاً للتفريط في السيادة على أرضنا.

    وقد علم العقلاء والاجتماعيون -فضلاً عن العلماء والمربين- أن اللغة من أهم مظاهر السيادة، وكم تمزقت بلاد حين تعددت لغاتها، بل لقد ظهرت مبادئ انشقاقٍ وطني في بعض الشعوب، وتصدعت صفوفها، وتسببت في إثارة الفتن والنعرات من أبناء البلد الواحد، مما تشاهد آثاره المدمرة ماثلة أمام العيان والأعداء لنارها يوقدون.

    إن من الغفلة الشنيعة الزعم بأن مصلحة السوق ودواعي الاستثمار تتطلب لغة أجنبية، فكل بلاد العالم -ولا سيما المتصدرة منها قائمة التقدمية- لا يمكن أن تؤثر شيئاً على لغتها مهما كانت الأسباب والدواعي والدوافع.. أما كان الأجدر بهؤلاء -إن كانوا وطنيين مخلصين- أن يجعلوا التحدث بلغتنا شرطاً في العمالة الوافدة بدلاً من إجبار أبنائنا أن يتحدثوا لغة أجنبية من أجل هؤلاء الوافدين؟! إن هذا -والله- لانتكاسة عجيبة.

    وبعد: أيها الإخوة! وفي محاسبة جادة، ومساءلة صادقة: إن كثيراً من الشعوب الموصوفة بالنامية قد انزلقت في تعليم أو تعميم اللغة الأجنبية في أبنائها، فماذا أفادت؟ وماذا استفادت؟ هل خرجت من فوق النامية هذه؟

    إن أعداءكم اليهود قد أحيوا لغة لهم مندثرة، لا حضارة لها ولا تاريخ؛ فأصبحت هي لغة العلم والأدب والحياة، إن أي أمة تروم التقدم والقوة والعزة والاعتماد بعد الله على نفسها؛ لا يمكن أن تمتلك زمام العلم والتقنية إلا حين تعلم ذلك كلها بلغتها.

    وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:192-197].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حاجة الأمة إلى سياسة لغوية

    الحمد لله على توفيقه وهدايته، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه لا منتهى لغايته، وأستغفر الله وأستهديه، وأسأله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أسمائه وصفاته وربوبيته ووحدانيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، اجتباه من خلقه واصطفاه لرسالته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله -عباد الله- في كل حال، وأخلصوا له في الأقوال والأعمال، والزموا الطاعات والامتثال.

    أيها الإخوة المسلمون: لقد ظهرت دعواتٌ تطالب بتعليم اللغة الأجنبية للأطفال الصغار من الصفوف الأولى، وعلت نداءات تدعو إلى تدريس لغة الأجنبي في جميع العلوم، وتعالت أصواتٌ تريد جعل اللغة الأجنبية شرطاً لتحصيل الوظيفة أو العمل!

    أيها الإخوة المخلصون: لا بد في الأمة من شموخٍ لا يحني هامته لإغراءات وضع اقتصادي طارئ، أو آليات سوق عابر، أو مكاسب وقتية عاقبتها الهلاك والدمار والذوبان والاندثار.

    إن من التناقض الصارخ والغفلة القاتلة: أن يتحدث رواد الفقه والمثقفون عن توطين التقنيات واستنبات العلوم في أرض الوطن، وهم في الوقت نفسه يصرون على الدعوة إلى تدريس العلوم والتقنيات باللغة الأجنبية، والتي لم يتقنها المتعلمون من غير أهلها، ولو أتقنوها -عياذاً بالله- كما يتقنها أهلها فقل على الأمة وعلى لغتها بل على وجودها السلام.

    أيها المسلمون: إن الحل والسلامة والحصانة والمشاركة الحقيقية في البناء وسلوك مسالك التقدم الصحيح والنظيف هو بالتصدي لخطر الإذابة للعمل المنظم الجاد بعيداً عن الشعارات الجوفاء، والكتابات الخرساء.. عملٌ جاد يكسب المناعة ضد محاولة الإذابة وطمس الهوية، ومن ثَم المشاركة في البناء ومعطيات الحضارة الصالحة النافعة؛ إن كان في الأمة غيرة، وإن كان ثَمة صدقٌ وجد في خدمة الدين والأمة واللغة، فالطريق واضح، والمحجة بينة.

    إن الأمة تحتاج إلى سياسة لغوية، فليست المشكلة ولا القضية في معرفة النظرية لقواعد اللغة وأصولها؛ بل الذي يحتاجه عموم الناس والمتكلمون هو الكفاءة اللغوية في النطق والكتابة والتعبير.. نحتاج إلى سياسة لغوية تنسق عمل المؤسسات المعنية باللغة وخطاب الناس، ولا سيما الإعلام بوسائله، والتعليم بمناهجه وطرائقه؛ فتكون الفسحة الميسرة هي الهدف المنشود التحقيق، وحينئذٍ لا تكون لغة مادة دراسية مجردة مفردة معزولة محصورة بين حيطان قاعات الدراسة في ساعات محدودة، بل يجب أن تكون هي لغة الحياة في كل ميادينها، مطلوبٌ الاهتمام الخاص باللغة في التعليم العالي في الأقسام العلمية والنظرية، وإلزام الالتزام بها تدريساً وتحدثاً وكتابة.

    مطلوبٌ الغيرة الصادقة على اللغة في الوقفة الصارمة أمام هذه الأسماء التجارية والصناعية الوافدة، التي لا تعكس سوى الانهزام والتبعية والشعور بالذلة والدونية.

    وبعد أيها الأحبة في الله: فإن قوة اللغة واستمرارها -بإذن الله- يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الأمة وحرصها على رعايتها وحمايتها وانتشارها، واليقين الجازم بأنها صالحةٌ لمقتضيات الحال، قادرة على متطلبات الوقت، ومعطيات التحضر، ومستجدات التطور، وتلك أهدافٌ كبرى تخطط لها الدولة المحترمة والأمة العظيمة، فتقيم المؤسسات المتخصصة، وتبني مراكز البحوث المتقدمة، وتؤسس الهيئات الفنية لتعليم اللغة وتطوير أساليب تدريسها، وترجمة المصطلحات الأجنبية.

    لا بد أن يبقى للغتنا سلوكها، ولا بد من تطويق المناعة الذاتية في جسم أبناء الأمة، والاعتزاز بالدين والدار، والتعامل مع اللغة الأجنبية ببصيرة وحسن استفادة من غير ذوبان.

    يجب أن نعلن ونلقن، ونرسم أننا بحاجة إلى الأمن اللغوي، كما أننا بحاجة إلى الأمن الفكري والغذائي والمائي، فكل أولئك من ضروريات الحياة والعيش الكريم.. هذا هو الطريق، وذلكم هو المسار، وعلى الله قصد السبيل، وكفى بربك هادياً ونصيراً.

    هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، فقد أمكركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائلٍ عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والملحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر ، وعمر ، وعثمان وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.

    اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

    اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير ، وفي الشيشان ، وانصرهم في كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

    اللهم إن اليهود المحتلين قد طغوا وبغوا وآذوا وأفسدوا وقتلوا وشردوا وهدموا وخربوا، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم وكن للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.