إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [2]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الشرع بالتدرج في تحريم الخمر، وبعد أن استقر الأمر على التحريم فرض حداً على شاربها، فجلد النبي صلى الله عليه وسلم وجلد من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وفي هذا رد على من أنكر حد الخمر من المغمورين المفتونين، والذين زعموا أن القرآن إنما جاء بتحريمها دون بيان الحد على شاربها.

    1.   

    كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر

    بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وبعد:

    فما زال الكلام عن الخمر موصولاً، وفي الدرس الماضي سردنا الأحاديث المتعلقة بحد الخمر، وذكرنا طرفاً من كلام الإمام النووي عليه رحمة الله في معرض كلام علي بن أبي طالب : (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي -أي: أجد منه حرجاً في نفسي- إلا صاحب الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنّه).

    وقال علي : وصاحب الخمر إذا مات وديته. أي: غرمت ديته.

    حكم من حد في شرب الخمر فمات

    قال النووي في قوله: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنّه) معناه: (لم يقدر فيه حداً مضبوطاً).

    وقلنا: اختلف أهل العلم في حد شارب الخمر، فمنهم من قال: أربعين. ومنهم من قال: ثمانين. ومنهم من قال: حد النبي صاحب الخمر بنحو أربعين، وكلمة (نحو) تفيد أن الحد غير مضبوط، لكن الغالب -وهو مذهب جماهير الفقهاء- أن حد شارب الخمر أربعون جلدة، وما زاد على ذلك -كما فعل عمر رضي الله عنه: أنه حد شارب الخمر بثمانين جلدة. ووافقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في بعض الروايات- فهو من باب التعزير. إذاً: الاتفاق بين جماهير العلماء: أن الحد أربعون، وأن الزيادة على الأربعين هي من باب التعزيز مردها إلى الإمام.

    ولذلك قال النووي: (وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد جلده الإمام أو جلاّده الحد الشرعي). يعني: إما أن يباشر الجلد الإمام أو القاضي أو الجلاّد أو من ينوب عن الإمام عموماً، ولو أنه باشر الحد بنفسه أو بنائبه، فمات المحدود فلا دية له ولا كفارة عليه. لو أن السلطان قال مثلاً: هذا شرب الخمر فأقيموا عليه الحد. فبينما الجلاد يجلده مات أثناء إقامة الحد. فهل له دية؟ أو هل على الأمير أو الجلاد كفارة؟ قال جماهير العلماء: ليس على الإمام ولا على جلاّده ولا على بيت المال كفارة ولا دية. يعني: لا تلزم الجلاّد ولا الأمير كفارة ولا دية، لا من ماله ولا من بيت مال المسلمين.

    والمعلوم أن هذا لو تم فإنه قتل على سبيل الخطأ لا العمد؛ فإذا حُد فلان من الناس في جناية ارتكبها فمات في أثناء الحد، فالذي كان يقيم عليه الحد لا يقصد بإقامة الحد قتله، إلا أن يكون الحد الرجم، فإنما قصد الراجم إزهاق المرجوم؛ لأن الشرع أذن بذلك. أما إذا كان الحد جلداً فالمعلوم أن الجلاد لا يقصد بذلك القتل، فلو وقع القتل يكون خطأً، ودية القتل الخطأ يكون على العاقلة. وأما قتل العمد، فإنه إذا تنازل أولياء المقتول عن القصاص -أي: النفس بالنفس- ستكون الدية في مال القاتل إذا كان القتل عمداً، أما إذا كان خطأً فقولاً واحداً: أن الدية تلزم العاقلة. والعاقلة: هم عصبة القاتل، فالدية تلزم من مالهم:

    وأنتم تعرفون الفرق بين الحد والتعزير، فالحد: ذكر في القرآن أو ذكر في السنة حداً محدوداً بأعداد معدودة ومضبوطة بغير زيادة ولا نقصان، ولذلك من الفروق بين التعزير وبين الحد: أن الحد إذا بلغ أمره إلى السلطان فلا شفاعة فيه، ولا اختيار للسلطان فيه، بل لا بد أن يقيمه بغير زيادة ولا نقصان، فالزاني غير المحصن يجلد مائة جلدة، فلا يمكن أن يجلد تسعاً وتسعين جلدة، بل لا بد أن يكون مائة جلدة، ولا يمكن أن تكون مائة جلدة وجلدة؛ لأن الشرع سماها حدوداً. أي: محدودة، ومفروضة، ومضروبة على نحو واحد وجهة واحدة، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان عنها بخلاف التعزير، إذ إن التعزير راجع إلى المعزر أياً كان: السلطان، أو الزوج على زوجه، أو الوالد على ولده، فابنك إذا أخطأ خطأً ليس لك أن تضربه أكثر من عشر ضربات؛ لأنه لا يضرب أكثر من ذلك إلا في حد من حدود الله عز وجل، فأقصى حد للتعزير من جهة الضرب عشر جلدات، وما زاد على ذلك فهو إثم للضارب أو المعزر، ولك أن تعدل إلى أقل من ذلك، بل لك أن تعدل عن الضرب كله وتكتفي بتوجيه اللوم والتوبيخ والتقريع، وتستمر في تأنيبه النهار كله؛ وذلك لأنه بهذه الطريقة يصلح وينضبط، فمن الناس من لا يحب أن يشتم أو يهان، ولكنه ينصاع بالعتاب الرقيق، ومن الناس من ينصاع وينضبط بنظرة، عندما تنظر إليه نظرة استنكار يرجع عما فعل، وإن كانت المرأة لا يجدي معها إلا الضرب فتضرب ضرباً لا يكسر عظماً ولا يسيل دماً كما قال عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: التعزير راجع إلى اجتهاد المعزِّر ونظرته إلى المعزر، وأي وسائل التعزير تنفعه.

    حكم من مات من عقوبة التعزير

    مسألة: من مات من التعزير. منهجنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة. وفي محل ضمانه قولان للشافعية: أصحهما: تجب الدية على عاقلة الإمام، والكفارة في ماله. والثاني: تجب الدية في بيت المال.

    وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا -أي: الشافعية- أحدهما: في بيت المال أيضاً. والثاني: في مال الإمام. وهذا مذهب الشافعي.

    وقالت جماهير العلماء: لا ضمان فيه على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال. وهذا هو الراجح: أن المعزر كالمحدود لا ضمان ولا كفارة، إذ كيف يضمن الإنسان نتيجة فعله الشرعي، وأنتم تعلمون أن الشرع أخباره أوامر. أي: أخبار تتطلب منا التصديق الجازم واليقين التام، وأوامر تحتاج منا إلى تنفيذ، فالشرع أمرني أن أضرب هذا مائة جلدة؛ لأنه زانٍ، وفي أثناء الضرب مات. فما بالي أضمن هذا الموت وأضمن هذه الحياة؟ كيف ذلك؟! وكذلك التعزير، فإنني لم أضرب ولدي أو من كنت سلطاناً عليه إلا لأجل التأديب، فلم أرد انتقاماً، فضلاً عن أنه مات بعدم إراداتي، فكيف أضمن روحه والذي فعلته أنا أمر شرعي؟ فالذي يترجح لدي هو مذهب جماهير العلماء: أنه لا ضمان فيه ولا كفارة.

    أقوال العلماء في ما يمكن اتخاذ الخمر منه

    جماهير العلماء يقولون: كل ما أذهب العقل فهو خمر؛ لأن الخمر لغة: هو ما خمر العقل وستره وغطاه، فكل مُذهِب للعقل ومسكر حرام؛ لأنه خمر، قال عليه الصلاة والسلام: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام). وفي رواية البخاري ومسلم : (كل مسكر حرام)، سواءً كان خمراً أو ليس بخمر، فالمسألة محل نزاع بين أهل العلم، لكن الإمام أبا حنيفة قال: إنما الخمر من العنب، وما دون ذلك ليس عنده بخمر، وهذا يكاد يكون كلاماً فاسداً أو باطلاً، والصحيح هو مذهب جماهير العلماء.

    وأما ما يذكره العامة على ألسنتهم إذا أرادوا أن يبالغوا في ذكر شيء أو في إثباته فيقولون: فلان يقول في فلان ما قال مالك في الخمر. فهذا الكلام يشعر أن مالكاً تفرد بقول دون جماهير العلماء في الخمر، وما قال مالك في الخمر إلا ما قاله جماهير العلماء، فقد قال مالك إن الخمر يتخذ من كل شيء، من جميع الثمار. والإمام أبو حنيفة هو الذي انفرد في ذلك فقال: لا يكون إلا من العنب. فينبغي أن يكون المثل السائر على لسان الناس: (قال فلان في فلان ما قال أبو حنيفة في الخمر)، وليس كما قال مالك في الخمر؛ لأن مالك لم يقل شيئاً شاذاً ولا منكراً.

    إذاً: أهل العلم متفقون على وجوب حد شارب الخمر، وعلى أن حده الجلد، ولكنهم مختلفون في مقداره، فذهب الأحناف ومالك إلى أنه ثمانون جلدة، والشافعي إلى أنه أربعون. وجاءت عن الإمام أحمد روايتان كما في المغني لـابن قدامة إحداهما: ثمانون.

    وقال علي بن أبي طالب لما استشاره عمر : إذا سكر هذي -أي: قال كلاماً غير مفهوم ولا قيمة له- وإذا هذي افترى -أي: تعدى وظلم- فحده حد المفتري، وأنتم تعلمون أن حد المفتري ثمانون جلدة. فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوافق عمر رضي الله عنه في إحدى الروايتين عنه.

    حد الخمر والرد على الملاحدة في إنكارهم ثبوت حد شارب الخمر

    مسألة: حد الخمر. مسألة محل نزاع؛ ولذلك الملاحدة يقفون عند حد الخمر بالذات ويقولون: لم يرد في القرآن الكريم سوى ذكر تحريم الخمر، أما حده فلم يرد كالسرقة. قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38].

    الجواب: هذا كلام عام، فالله تعالى قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، فمن أين تقطع اليد؟ فالكف يطلق عليها اليد، والساعد يد، والعضد يد، والمنكب يد، وكل هذا في اللغة، وفي الاصطلاح يسمى يداً، فلو أننا قطعنا يد السارق من منكبه لغة نكون قد أخطأنا؛ لأن السنة بينت أن القطع من الرسغ: الفاصل الذي بين الكف والساعد. وقال عليه الصلاة والسلام: (لا قطع في أقل من ربع دينار). وفي رواية الصحيحين يقول: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)، والربع الدينار (50) جنيهاً تقريباً، وقد يكون الربع دينار (100) جنيه، لكن نحن نقول: (50) جنيهاً، حتى لا نشجع الناس على السرقة.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا قطع في ثمر ولا كثر)، والكثر: هو جمار النخل، فلو أن الواحد منا يمشي في طريقه فنزل بستاناً فإن له أن يأكل منه بشرط ألا يحمل معه منه شيئاً. هب أنه أكل من هذا البستان بما يزيد على (50) جنيهاً، فهل لصاحب البستان أن يقول له: أنت أكلت شجرة كاملة وهذه إنتاجها عندي معدود وموزون، تساوي (100) جنيه، فأنت الآن سارق؟ وهل يقام عليه الحد أو لا؟

    مثال آخر: لو أن واحداً في عام قحط وجدب سرق ليأكل هو وأولاده، فكانت نسبة المسروق أكثر من حد القطع هل يقام عليه الحد حينئذٍ؟ هل تجدون هذه الاستثناءات كلها في كتاب الله؟ الجواب: لا.

    إذاً: قولهم: لا نجد حد الخمر في كتاب الله نرد عليهم فنقول لهم: ولا تجدون كذلك بقية الحدود كلها في كتاب الله عز وجل، فلمَ التمسك إذاً والتشدق بأنكم قرآنيون، وأنكم مستعدون لتلقي الأوامر عن الله لا عن رسوله عليه الصلاة والسلام؟ خاصة وأن الله تعالى جعل طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام هي عين طاعته سبحانه وتعالى، وجعل معصية الرسول صلى الله عليه وسلم هي عين معصية الله عز وجل. والنبي عليه الصلاة والسلام قد حذر من هؤلاء وأنبأ بوجودهم، فقال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: دعونا من هذا. ما وجدنا في كتاب الله حلالاً حللناه، وما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). قال ذلك ثلاثاً.

    والسنة هي الحكمة المذكورة في القرآن الكريم، قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]. وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. وغير ذلك من الآيات. قال الشافعي: (أجمع كل العلماء أن الحكمة في كتاب الله عز وجل هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خلاف بين السلف في وجوب الاحتجاج بسنة النبي عليه الصلاة والسلام متى صحت).

    الحالات التي يثبت بها الحد

    قال الإمام تحت باب: ما يثبت به الحد.

    ويثبت بالإقرار أو بالشهادة، وهذا ليس خاصاً بشرب الخمر.

    الرجل إذا أقر وهو سكران هل يقام عليه الحد؟

    الجواب: شهادته غير معتبرة. أي: أن إقراره غير معتبر مع أن الحالة بينة، لأننا لا ندري هل شرب الخمر مختاراً أم مكرهاً؟ وهل هو لما نطق بالشهادة أو أقر بين يدي القاضي كان عقله ذاهباً أم حاضراً؟

    الجواب: كان ذاهب العقل، وذاهب العقل إقراره أو شهادته غير معتبرة، فلو أنك قلت: إن إقرار الشارب معتبر في حال شربه وحال سكره فلا بد أن تقول: إن شهادة السكران بين يدي القاضي في حال سكره معتبرة؛ لأن الشهادة والإقرار هما من باب البينة، ولا بد أن يكون المبين عاقلاً مدركاً لما يقول، وأن يكون بالغاً غير صبي.

    فإذا أتى الرجل وهو سكران بين يدي القاضي وقال: شربت خمراً فأقم علي الحد. لا يقام عليه الحد فإقراره ليس معتبراً؛ وذلك لأنه أقر في حال سكره وذهاب عقله. وإقراره معتبر بعد ذهاب سكره وإتيانه مختاراً إلى القاضي، وقال: لقد شربت خمراً فأقم علي الحد. فإذا فعل ذلك وأصر على هذا الإقرار فيجب على القاضي أن يعتبر هذا الإقرار ويقام عليه الحد، وإذا رجع عن هذا الإقرار قبل قيام الحد عليه فليس للقاضي أن يقيم عليه الحد؛ لأن المقر حر في الرجوع حتى يقام عليه الحد، فإذا أقيم عليه الحد فلا عبرة برجوعه، فإذا كان الحد رجماً فرجم مات، فلا مجال للرجوع، وإذا كان جلداً يجلد. إذاً: الحد يثبت بالإقرار، وشهادة شاهدين عدلين في الخمر وأربعة في الزنا.

    بعض أهل العلم يقيمون الحد بالعلم لا بالشهادة، كـالوليد بن عقبة بن أبي معيط كان معلوماً شربه الخمر، فلما جيء به إلى عثمان بن عفان شهد عند عثمان رجلان، أما أحدهما فقال: قد رأيته يشرب الخمر. وأما الثاني فقال: رأيته يتقيأ. فقال عثمان: لولا أنه شرب لم يتقيأ. فـعثمان بن عفان اعتبر أن علامة الشرب هي القيء. وهذه العلامة محل نزاع؛ فكلنا نتقيأ بغير شرب للخمر! وقد يشرب شخص الخمر ولكنه لا يتقيأ. إذاً: لا يلزمه أن يتقيأ إذا كان ما شربه خمراً، ولكن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يعتمد العلم في قيام الحد؛ لذلك فإن بعض أهل العلم يأخذ بالإقرار والشهادة، وهذا مذهب الجماهير، وبعض أهل العلم يعتبر العلم في الحد كالشهادة والإقرار.

    مثال ذلك: شخص يقول لك: إن ابنك عمل كذا وكذا. تقول: صحيح هو فعلاً عمل ذلك؛ لأنه معلوم عنه أنه يفعل ذلك كثيراً. وهذا الرجل الذي اشتكى من ولدي أنا على يقين أنه صادق، كما أني على يقين أن ولدي فعل ذلك؛ لأنني أعلم أن ولدي يفعل ذلك دائماً.

    فلما جيء بـالوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى عثمان وشهد لديه شاهد واحد أنه رآه يشرب الخمر، وأما الثاني فقال: أنا ما رأيته يشرب، ولكن رأيته يتقيأ- أقام عليه عثمان الحد وقال لـعلي: قم يا أبا الحسن ! فأقم على الوليد الحد، فأمر علي ولده الحسن، فأبى فأمر عبد الله بن جعفر رضي الله عن الجميع فجلده وعلي بن أبي طالب يعد.

    فـعثمان رضي الله عنه كان ممن يذهب إلى أن العلم اليقيني أو غلبة الظن تقوم مقام الشهادة؛ لأن الوليد محدود عدة مرات من قبل ذلك في شرب الخمر، وهو رجل مشهور بذلك. وأنا قلت لكم في الدرس الماضي: إن الإمام الذهبي قال: هو صحابي فاسق. يعني: ممن كان يقيم على المعصية ويشرب الخمر ولم يتب منها. فهذا الذي غلب على ظن الإمام الذهبي حتى تجرأ على القول بذلك في هذا الصحابي. وأنتم تعلمون أن عقيدة أهل السنة والجماعة تابعة للصحابة رضي الله عنهم، والإيمان بحبهم إلى قيام الساعة، وأن مرتكب الكبيرة فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم مؤمنون موحدون، ومنهم الوليد غير أنه ابتلي بشرب الخمر وأقيم عليه الحد غير مرة.

    اختلف الفقهاء في ثبوت الحد بالرائحة، وأنتم تعلمون قصة ماعز لما أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (يا رسول الله! زنيت فأقم علي الحد، فقال: لعلك فاخذت لعلك قبلت قال: يا رسول الله! زنيت. حتى قال له: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم. يا رسول الله! قال: أدخل هذا منك في ذاك منها كما يدخل الرشاء في البئر؟ قال: نعم. يا رسول الله!) إذاً هو يفهم معنى الزنا وقد أقر على نفسه أربع مرات، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه وقال: (أبه جنون؟). وهذا من موانع قيام الحد. قالوا: (لا يا رسول الله! ما علمنا عليه من مس) فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أسكر صاحبكم؟). يعني: هذه الشهادة والإقرار على نفسه ربما يكون في حال سكره، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أدن مني! فدنا منه فوضع أنفه على فمه واستنكه رائحته). شم رائحة فم ماعز الأنصاري. فمن هنا ذهب بعض أهل العلم إلى ثبوت الحد بالرائحة، وشم النبي صلى الله عليه وسلم لفم ماعز إن لم يكن له قيمة فلماذا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ فيكون فعلاً عبثاً! والنبي منزه عن هذا عليه الصلاة والسلام.

    وبعضهم اعتبر وجود الرائحة في قيام الحد، وذلك إذا شهد بوجود الرائحة عند الحاكم شاهدان عدلان؛ لأنها تدل على الشرب كدلالة الصوت والخبر. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يثبت الحد بالرائحة لوجود الشبهة، والروائح تتشابه، فهناك روائح كريهة كرائحة الخمر ولكنها ليست رائحة خمر، وليس بلازم أن يكون خمراً. فالأصل براءة الشخص من الحد عند وجود الشبهة؛ لأن الشرع لا زال دارجاً على درء الحدود بالشبهات. وأنتم تعرفون أن رجلاً شهد عليه ثلاثة عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنهم رأوه يأتي صبياًّ. قالوا: رأينا بأعيننا، فلما جاء الرابع، قال عمر: اتق الله ولا تشهد إلا بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين! رأيت شراً. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت رجلاً وطفلاً تحت لحاف يرتفع وينخفض. وأنتم تعلمون أن شرط قيام الحد رؤية الإيلاج بالعين، فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر! ثم صرف الرجل وأقام حد القذف على الثلاثة، مع أن المنظر الذي رآه الرابع منظر مؤذٍ إلى أقصى حد، ويغلب على الظن مع شهادة هؤلاء الثلاثة أنه كان يلوط بهذا الولد، ومع هذا لا تقام بمثل هذا الحدود بل تترك؛ ولذلك قال عمر: الله أكبر، وفرح جد الفرح ببراءة هذا الرجل من هذه التهمة الموجهة إليه.

    شروط إقامة الحد

    شروط إقامة الحد:

    فأول شرط منها: أن يكون عاقلاً، وهذا احتراز من الجنون، فلو أن مجنوناً وجد زجاجة خمر وشربها فإننا لا نقيم عليه حد السكر؛ لأنه غير مكلف؛ لزوال عقله، ويلحق به المعتوه عند كثير من أهل العلم.

    الشرط الثاني: البلوغ، وهذا احتراز من الصبا، فلو شرب الصبي الصغير الذي لم يبلغ الخمر أو زنى لا يقام عليه الحد؛ فلا حد -مطلقاً- على الصغير، ولكن يمكن تعزيره؛ للتدريب والتعليم.

    الشرط الثالث: الاختيار. يعني: أشرب الخمر مختاراً لها مقبلاً عليها غير مكره، والإكراه له شروط، وأول شرط في الإكراه الشرعي الصحيح: أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما أكره، كأن يهددك سلطان قوي وأنت على يقين أنه قادر على هذا التهديد، ولذلك الإمام مالك لما سئل: عن رجل أجبر على طلاق امرأته، قال: الطلاق ليس معتبراً مع الإكراه، فكذلك إذا أجبرني السلطان على شرب الخمر وإلا أوقع بي كيت وكيت وكيت، ويبلغ ضرره فوق ضرر شرب الخمر، كأن يقول: إما أن تشرب الخمر أو أقتلك ويخرج أمامي سيفاً، وأنا على يقين أنه لا يتورع عن القتل، ولا يحاسبه أحد، فهذا مكره قادر على تنفيذ ما أكره، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أو: (وما أكرهوا عليه).

    وإذا كان الإثم مرفوعاً مع الإكراه فمن باب أولى أن يرفع معه الحد. يعني: إذا كان المرء بالإكراه غير آثم عند الله فمن باب أولى أن يرتفع عنه الحد في الدنيا.

    وكذلك حالة الاضطرار، أنتم تعلمون أن الخمر يقوم مقام الماء أحياناً، كما أن الخنزير يقوم مقام الطعام أحياناً، فلو أن شخصاً عطش وليس أمامه إلا الخمر فإما أن يشرب الخمر وإما أن يهلك عطشاً ويموت، فإنه يجب عليه أن يشربها، وإلا مات منتحراً، لكنه يشرب منها ما يسد الرمق أو يبل الريق. يعني: لا يشرب حتى يروى؛ لأن شرب الخمر استثنائي والاستثناء يقدر بقدره، فشارب الخمر في حال الاضطرار لا يقام عليه الحد.

    الشرط الرابع: العلم. أن يعلم الشارب أنه يشرب خمراً، فلو أن شخصاً قال لك: تفضل. اشرب هذا المشروب الغازي، وإذا بالذي داخل الزجاجة هو خمر، وأنت لا تعرف الخمر ولا تعرف طمعها، فلما شربتها سكرت؛ لأنها كانت خمراً؛ والشركة تصنع الخمر وتصنع المشروب الغازي وحصل خطأ في العبوات، فوضعت زجاجات المشروب الغازي بدلاً من زجاجات الخمر، ووضعت زجاجات الخمر بدلاً من زجاجات المشروب الغازي، فهل يقام عليك الحد حينئذٍ؟ لا يقام عليك الحد.

    وإذا تناول من الشراب ما هو مختلف في كونه خمراً بين الفقهاء فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن للخلاف شبهة.

    إذا كان أهل العلم اختلفوا في مسألة على قولين أو أكثر، ومدار اختلافهم على فهم الدليل فالأصل احترام رأي الآخر، وإن كنت مخالفاً؛ لأنك في الحقيقة لست صاحب الحق البحت؛ لأن الدليل واحد، والكل يفهمه فهماً يختلف عن فهم الآخرين، فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يعتبر أن فهمه لهذا الدليل هو أصح الأفهام. هذا إذا كان الخلاف معتبراً. أما إذا كان الخلاف غير معتبر فإنه لا عبرة بمن خالف الدليل.

    قال: (الحد على من تناول الخمر وهو غير عالم بالتحريم إذا كان في دار الحرب أو قريب عهد بالإسلام).

    مثال ذلك: شخص في أمريكا أسلم وكان يشرب الخمر قبل الإسلام وشربها بعد الإسلام. هل يقام عليه الحد؟

    الجواب: لا يقام عليه الحد؛ لأنه قريب عهد بإسلام وهو في ديار كفر، فلا يقام عليه الحد؛ لجهله بالتحريم.

    وقد نقلت إليكم ذات مرة أننا التقينا بامرأة أسلمت حديثاً في إحدى الولايات وهي باقية على الزنا، كل ما فيها أنها تعد الزنا فعلاً قبيحاً لكن لا علم لها بالتحريم، فهي نفسياً ليست مطمئنة للفعل، لكن لا تعلم بتحريمه في الشرع، وفوجئت بالتحريم لأول مرة لما وقفنا نتكلم معها.

    اشتراط الحرية والإسلام في قيام الحد على شارب الخمر

    هل يشترط في الذي يقام عليه الحد أن يكون حراً أم أن هذا يشمل العبيد والإماء؟

    الجواب: يشمل العبيد والإماء، وكذلك لا يلزم أن يكون مسلماً؛ لأن المتيقن أن الله تبارك وتعالى ما أحل على لسان رسول قط الخمر، فإنه لا يتصور أن الله تعالى -مثلاً- أحل الخمر على لسان موسى أو على لسان عيسى أو على لسان إبراهيم! وغير الحر طبعاً في جميع الحدود يقام عليه نصف الحد. قال تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، فالكتابيون من اليهود والنصارى الذين يتجنسون بجنسية الدولة المسلمة ويعيشون معهم مثل أقباط مصر، وكذلك الكتابيون أهل الذمة الذين يقيمون مع المسلمين بعقد أمان كالأجانب يقام عليهم الحد؛ لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

    قال: (ولأن الخمر محرمة في دينهم، وكذلك لسوء آثارها وضررها البالغ في الحياة العامة والخاصة، والإسلام يريد صيانة المجتمع الذي تظله راية الإسلام، ويحتفظ به نظيفاً قوياً متماسكاً لا يتطرق إليه الضعف من أي جانب)، لا من ناحية المسلمين ولا من ناحية غير المسلمين وهذا مذهب جماهير الفقهاء، والأحناف فقط هم الذين خالفوا وقالوا: غير المسلمين لهم أن يشربوا الخمر في بلاد المسلمين. وهذا مذهب مردود.

    حكم التداوي بالخمر

    مسألة: حكم التداوي بالخمر:

    التداوي بالخمر محل خلاف، فمذهب الجماهير -وهو الراجح- على أن التداوي بالخمر غير جائز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التداوي بالخمر وقال: (إنها داء وليست بدواء). وقال: (إن الله أنزل الداء والدواء، فجعل لكل داء دواء فتداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام).

    وقد روى أبو داود : (أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا؟ قال رسول الله: هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتنبوه. فقال الرجل: فإن الناس ليسوا بتاركيه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لم يتركوه فقاتلوهم).

    وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام، وهذا مذهب مرجوح.

    ومثَّل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة في حالة الاضطرار فكاد يختنق ولم يجد ما ينزلها سوى الخمر فله أن يأخذ شربة من الخمر أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك سوى جرعة من خمر فله ذلك؛ لأن الهلاك من البرد متيقن. أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت؛ فأخبره الطبيب الحاذق أنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر؛ فهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات، وإلا فلا.

    1.   

    باب قدر أسواط التعزير

    قال الإمام في الباب التاسع: (باب: قدر أسواط التعزير).

    لم يرد كيفية معينة في ضرب الحد أو التعزير، لكنه ضرب وسط بين الشدة والرخاوة، ومثَّل الفقهاء بنوع هذا الضرب بألا يغادر العضد الإبط. وبعضهم قال: عليه أن يرفع عضده حتى لا يرتفع على منكبه. أي: يضرب ضرباً معتدلاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يشج رأساً ولا يكسر عظماً). وكذلك هذا القدر في الحد والتعزير.

    شرح حديث: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط ...)

    قال: [ حدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب - وهو عبد الله بن وهب المصري - عن عمرو بن وهب - وهو عمرو بن الحارث المصري عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال: بينما نحن عند سليمان بن يسار إذ جاءه عبد الرحمن بن جابر فحدثه، فأقبل علينا سليمان فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) ] والأسواط: جمع سوط.

    إذاً: هذا أقل حد في الحدود، والحديث هنا يقول: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله). والمقصود: أن حد التعزير أقصاه عشرة أسواط، ولا يضرب المرء أكثر من عشرة ابتداءً من أربعين فما فوقها إلا في حد من حدود الله عز وجل.

    حكم الزيادة على عشرة أسواط في التعزير

    وقد اختلف العلماء في التعزير: هل يقتصر فيها على عشرة أسواط فما دونها ولا تجوز الزيادة أم تجوز الزيادة؟ فقال ابن حنبل وبعض من المالكية والشافعية: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط. أما جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فذهبوا إلى جواز الزيادة. ثم اختلف هؤلاء فقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات. يعني: هم قالوا بجواز الزيادة فقط، واختلفوا في الضابط في ذلك، فلم يذكروا عدداً معيناً، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود، كما أنهم استندوا إلى فعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حد صاحب الخمر ثمانين، ونحن نعلم أن الحد المضبوط الذي حده علي بن أبي طالب، وحده من قبله النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر هو أربعون، أما عمر فحد ثمانين، يعني: عزر بأربعين، وجمع بين الحد والتعزير في مجلس واحد، وربما زاد على ذلك؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (جلد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر نحواً من أربعين)، يعني: قريباً من أربعين. والقريب من هذا سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، وربما يكون اثنين وأربعين، أو ثلاثاً وأربعين جلدة زائدة. وهذا مذهب جماهير العلماء: أن التعزير ربما يبلغ الحد وزيادة.

    قال الجمهور: لأن عمر رضي الله عنه ضرب من نقش على خاتمه مائة، وضرب صبياً أكثر من الحد، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: (لا يبلغ به أربعين؛ لأنه أقل الحد).

    وقال ابن أبي ليلى: (خمسة وسبعون)، وهي رواية عن مالك وأبي يوسف وعن عمر : لا يجاوز به ثمانين، يعني: يضرب الحد، لكن لا يبلغ به ثمانين.

    وعن ابن أبي ليلى في رواية أخرى: (هي دون المائة)، وهو قول ابن شبرمة ، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي يحيى: (لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب)، يعني: في التأديب والتعزير لا يضرب أكثر من ثلاث.

    وقال الشافعي والجمهور من أصحابه: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى حدوده فلا يبلغ بتعزير العبد عشرين، أي: نصف حد الخمر؛ لأن العبد إذا شرب الخمر حد على نصف حد الحر، فإذا كان حد الحر أربعين فحد العبد عشرون، ولا يبلغ تعزير الحر أربعين، وقال بعض أصحابنا: لا يبلغ بواحد منهما أربعين، وقال بعضهم: لا يبلغ بواحد منهما عشرين، وأجاب أصحابنا عن الحديث: بأنه منسوخ؛ وإلا فإن الحديث سيهدم هذه الآراء كلها؛ لأنه لا اجتهاد مع وجود النص والاجتهاد مع وجود النص باطل.

    فقال: أجابوا عن هذا الحديث بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم جاوزوا عشرة أسواط، وتأوله أصحاب مالك على أنه كان مختصاً بزمن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا التأويل ضعيف.

    ولذلك مذهب من قال: بأن هذا النص منسوخ وأن الزيادة جائزة في التعزير عن عشرة أسواط رأي ضعيف وإن كان رأي الجمهور، فمذهب الجمهور: جواز الزيادة، والحقيقة أن النص قاضٍ عليهم.

    وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.