إسلام ويب

الربا هو الدمارللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، وإن الربا من أعظم الكبائر والشرور التي توقع الأمة في الدمار والخراب، وتسبب إنزال الوباء والغلاء والأمراض والأسقام.

    وقد حذر الله منه وتوعد من حاربه به بالحرب في الدنيا قبل الآخرة.

    1.   

    جريمة الربا وخطرها الديني والمادي

    الحمد لله الواجب حمده، المتعالي جده، أحمده سبحانه وأشكره على آلائه العظام، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظم حلمه فعفا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وأصحابه الحنفاء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، أثبت ما أثبت ونفى ما نفى.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله- واحذروا الدنيا فإنها حلوة خضرة حُفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وتحلَّت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا يدوم نعيمها، ولا تُؤمن غوائلها، غرارة ضرّارة، وصفها ربكم عز شأنه بقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45] لا زاد فيها مُدَّخر إلا زاد التقوى، ألا فاتقوا الله رحمكم الله!

    أيها المسلمون! إن الأمة لتبلغ الأفق الأعلى من العز والمجد؛ حين تحفظ دينها، وتصون أخلاقها، وتحمي أوطانها، وترسخ سيادتها، وتحسن التدبير في مالها واقتصادها.

    هذه المقاصد الكبرى، لا تتحقق ولا تحفظ ولا تُحمى إلا بعنصرين عظيمين: عزة النفس وقوتها، وتنمية المال وحسن إنفاقه، تعز النفس وتقوى بالمجاهدة والجهاد، مع صحة المعتقد والاستقامة على الحق وإعداد القوة، أما المال وكسبه وإنفاقه فهو السلاح المضَّاء، والعصب العاصب، يحرك الأمم، ويهدد الدول، ويفجر الحروب.

    لا يمكن للأمة أن تبني مجدها وتواجه أعداءها بعد سلاح العقيدة وزاد الإيمان؛ إلا بسلاح المال، وقوة الاقتصاد، وحسن التدبير والمسارعة في العطاء والبذل، ومن ملك المال ملك النفوذ، وذهب أهل الدثور بالأجور، والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس.

    أيها الإخوة المسلمون! إن أجزاءً كثيرةً من هذا العالم في حالٍ من التدهور، سريع أو بطيء، ظاهر أو خفي، وإن كثرة كافرة من أمم الأرض تعمل ويكسب غيرها، وتتعب ويستريح غيرها، وتشقى ويسعد غيرها، وتبأس وينعم غيرها.

    أيها المسلمون! لم يحدث أن شاع الفساد وعمّ الاضطراب مثلما شاع في هذه الأزمان المتأخرة، ومع هذه الحضارات المعاصرة؛ سادت الفاحشة، وفشا الخمر، وانتشر القمار والميسر.. فسادٌ يدخل من كل باب -إلا ما رحم ربي- في هذا العالم المادي المكفهر، والذي تتطور فيه تقنيات التصنيع والإنتاج، فلا ترى إلا التضخم والبطالة وكساد سوق العمل.

    الربا من أعظم أسباب الفساد

    أيها الإخوة! وهذه وقفة مع سببٍ من أعظم أسباب هذا الفساد -إن لم يكن أعظمها وأكبرها وأفحشها- ذلكم هو الربا والمرابون وأكلة الربا، صورة كُبرى من أكل أموال الناس بالباطل، لقد جُرَّت كثيرٌ من الأمم رويداً رويداً إلى التورط في التعامل بالربا، ووقعت في لهيبه الحارق وشباكه الملتوية؛ مما جعل كثيراً من العقلاء والمستبصرين يرون أن هذا التوريط من أكبر الجرائم الأخلاقية والاقتصادية والسياسية ناهيك عن المخالفة الشرعية.

    ما أضعف كثيراً من الأمم إلا أكل الربا والتعامل به، وإذا كان الدَّيْنَ في حق الأفراد هماً بالليل وذلاً بالنهار؛ فإنه في حق الأمم ذلٌ وفقر وانتقاص لكرامة الأمة، ونيلٌ من مصالحها الوطنية، عقلية ربوية قاسية جعلت بلداناً كثيرة مدينة بمئات الملايين والمليارات في أرقامٍ فلكية لا يكاد يُحصى عدها، وما زادها ولا ضاعفها ولا أعجز أصحابها عن سدادها إلا ما يسمونه بمصاريف وخدمات وفوائد الديون، شعوبٌ عصف بها الفقر بسبب الديون الربوية، وبيوتٌ اجتاحها الخراب بسبب أكلها الربا.

    أيها المسلمون! المرابي أنانيٌ متسلط، واسع الحيلة.. ماكر التصرف.. ناعم الملمس.. كاشر الأنياب.. دينه حب المال، ومتعته ابتزاز المحتاجين.

    آثار الربا على الأفراد والأمم

    الربا استعباد للأمم والأفراد، واستغلالٌ للجهود والعرق، تحت ضغط الحاجة، والعوز في ساعات الضيق والأزمات.

    الربا معاملة شرسة لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية.

    الربا يقوم على نهب أموال الكادحين، وابتزاز خيرات الدول، وسرقة جهد المجتهدين بأبخس الأثمان وأقل التكاليف.

    المرابون لا تزيد ثرواتهم إلا إذا كثرت مصائب الناس، وعظمت حاجاتهم، في الأزمات والحروب ترتفع نسب فوائد الربا وعوائد التأمين، إنها أحكامٌ وتشريعات حسب الأهواء والأطماع لا بحسب المصالح الحقيقية للناس والشعوب.

    إن فشو الربا يعني خلق الأزمات الاقتصادية، وحلول الكوارث المالية والجوائح المعيشية.

    الربا ظلام على الإنسانية في إيمانها وأخلاقها واقتصادها ومعيشتها وصميم حياتها، يمحق سعادة البشرية، ويعطل نموها المتوازن.

    بالربا تصبح المجتمعات مرتعاً للكراهية والحقد والبغضاء والشحناء، وميداناً للتنافس غير الشريف الذي تغتال فيه القيم، وتتضاءل معه محاسن الأخلاق.

    فشو الربا نذيرٌ بضياع الثروات ومحق البركات، ما التضخم والبطالة والكساد إلا آثارٌ من آثار الربا، الأموال كثيرة، والسيولة متوفرة؛ ولكنها في خزائن المرابين من الأفراد والمصارف والدول.

    المصانع تستغني عن عمالها، والشركات تسرح أعداداً هائلاً من موظفيها، والمرابون يقبضون أيديهم، الناس بحاجةٍ إلى السلع والخدمات ولكنهم لا يجدون المال، فتحدث حينئذٍ الهزات الاقتصادية، وتتنزل الكوارث المالية، وتنهار الأسعار، وتضطرب الدورات التجارية، وتفقد العملات قيمتها.

    إن الشح في الموارد، والاختناقات في الخدمات، ما هي إلا آثارٌ من آثار الربا الكالح.

    فشو الربا يضعف الإنتاج، فالمرابي يكنز ماله ويدخره للحصول على عائدٍ مضمون، ولا يعرضه للمخاطرة، ومن المعلوم لدى المرابي أنه كلما نقص سعر الفائدة زاد الإنتاج، وحينئذٍ تزداد فرص العمل وميادين التشغيل في المعاملات الربوية، الدائن المرابي رابحٌ دائماً، والمديون المكافح هو وحده المعرض للربح والخسارة، ومن المعلوم جزماً أن المال سيئول كله للذي يربح دائماً وهذا ما عليه حال كثير من المصارف الربوية والدول الربوية.

    فمعظم المال على وجه الأرض عند فئات محدودة.. من المصارف وبيوت التجارة، ومن عداهم من الملاك وأصحاب الأعمال والاستثمارات ليسوا سوى أُجراء أو شبه أُجراء يعملون لحساب هذه الفئة المحدودة من أكلة الربا الذين يجنون ثمرات كد الآخرين، وعرق جبين الكادحين.

    معاملات ربوية محرمة قاتلة مهلكة تفرزها المصارف الربوية والتعاملات المحرمة، بعيدة عن أخلاقيات التعامل، وضوابط التعايش، وتبادل المصالح.

    معاملاتٌ محكومة بمرض التنافس على تكديس الأموال والتهامها، وامتصاص ثروات الشعوب وانتهابها واستلاب جيوب الناس وابتزازها، تحت دعوى النظام العالمي والتجارة العالمية، وما حقيقتها وما مآلاتها إلا حصر للأموال في البطون الواسعة؛ لرهطٍ من المرابين، وتضييق سبل البيع الحلال، وإضعاف طرق الاكتساب المستطاب.

    إن ارتفاع الفوائد الربوية يعني ارتفاعاً مبالغاً في الأسعار دون أن يقابل هذا الارتفاع في الأسعار إنتاجٌ أو جهدٌ إنتاجي، وهذا يزيد من مديونات العالم دون زيادة مماثلة في الإنتاج.

    إن هذه الفوائد يصعب سدادها، وهي تزداد يوماً بعد يوم من مئات الملايين إلى ملياراتها، وهذا هو التضخم القاتل.

    إن عملات العالم تنتحر وتتدهور وتنهار، إنها بالونات لا تزال تمتلئ بالهواء الفاسد حتى تنفجر، ولسوف يعقب ذلك كسادٌ ما بعده كساد.

    إن الفوائد الربوية تهدر قيمة النقود، وتهبط بقيم العملات، وتنسف النظام النقدي.

    1.   

    السعادة الحقيقية في ترك الربا والتعامل الحلال

    أيها الإخوة في الإسلام! لا سعادة لأهل الأرض كلهم ولا خير ولا بركة إلا بترك الربا، وإسقاطه من المعاملات والتعاملات، إن المخرج هو بناء نظام اقتصادي جديد، خالٍ من الربا والفوائد الربوية قليلها وكثيرها.

    إن من المسلمات في عقيدة كل مسلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا يمكن أن يحرم شيئاً وتكون البشرية بحاجة إليه، بل لا يمكن أن تصلح به الحياة، إن المصدر المشروع للكسب وسبيل الاستقرار في الاقتصاد هو العمل والجهد والعقل والتخطيط.

    وكل إنسانٍ إذا استخدم قوته البدنية، وعقله المفكر، فإنه سوف يكسب حاجته وفوق حاجته بإذن الله، وسواءٌ في ذلك الأفراد أو الأمم.

    إن الغنى الحقيقي ليس في تكديس الأموال وكنزها واحتكارها، ولكن الغنى الحقيقي في الاستغناء بالكسب وفتح سبله.

    أيها الإخوة! العمل في ديننا قرين الجهاد في سبيل الله: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل:20] وكل نبيٍ كان له عملٌ وحرفة، وما من نبيٍ إلا رعى الغنم، وما أكل نبي الله داود إلا من عمل يده، وعمر بن الخطاب اشتغل بالصفق في الأسواق، وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف مع جملة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من أصحاب رءوس الأموال الكبيرة في كسبٍ شريف وعملٍ منتج جهزوا بها جيوش الجهاد، وفكوا بها بوائق الأمة ليس فيها درهم ربا.

    إن ثروة الأمم الحقيقية هو عمل أبنائها وجد أهلها وعمل الأمة المباركة في إنتاجها لحاجاتها في غذائها وكسائها ودوائها وسائر مطالبها، ونظامنا أهل الإسلام نظامٌ عدل في معاملاته وطرق كسبه لا يطغى فيه قويٌ على ضعيف، ولا غنيٌ على فقير، ولا يكون فيه المال دولة بين الأغنياء، من أجلَّ هذا أحل الله البيع وحرَّم الربا، فالنقود لا تلد نقوداً، ولكن المال ينتج بالعمل والتبادلات التجارية والتعرض للربح والخسارة من قبل الجميع.

    تبادلٌ في المنافع، قد جعل الناس بعضهم لبعضٍ سخرياً، ولم يجعل الله لأحدٍ حقاً بغير عمل، أو بدون مقابل.

    أحلَّ الله البيع؛ لأن فيه عوضاً وتعاوضاً، وحرم الربا؛ لأن فيه زيادة لا مقابل لها، نظام الأخلاق ونظام الاقتصاد مترابطان فلا يقوم اقتصادٌ صحيح بغير خُلقٍ حسن.

    إن منع الربا يحمي المجدين العاملين الشرفاء، الذين يتعاطون الأعمال الشريفة ، والمشروعات المنتجة، ويضرب على أيدي مصاصي دماء الشعوب وكدها، لقد زعموا -وبئس ما زعموا- أن الربا حاجة ملحة وضرورة عصرية، لا غنى للاقتصاد عنها، ولا قيام للمصارف بدونها، وهذا محض افتراء! فالربا هو الدمار والخراب، ولكن بعض المهزومين، المتعلقين بالأعداء لا يستطيعون أن ينظروا بغير منظارهم.

    الربا هو أحد المنافذ التي تمكن منها الأعداء من ثروات كثيرٍ من الأممم ولو كانت هذه الدعوى صحيحة ، فها هو الربا قد انتشر في الأرض انتشار السرطان، وهاهي قلاع الربا قد نبتت وبنيت في كل صقعٍ من أصقاع الدنيا.. صغيرها وكبيرها.. غنيها وفقيرها.. والصغير والفقير لا يزال يُعاني من التخلف والقهر والاستعباد والفقر، فهل أغنتكم قلاع الربا؟

    وبعد أيها الإخوة! فإن العالم يسير بسرعة مخيفة نحو كارثة اقتصادية بلا حدود، وإن هذه الكارثة لا ترجع إلى أن موارد الخير والرزق في الأرض قد تناقصت، فالموارد للإنسان والحيوان لا تزال في ازدياد، وتقنيات التصنيع في إنتاج الغذاء الكساء والدواء وغيرها ماثلة للعيان.

    بل إن بعض الدول تلقي بفائض إنتاجها في البحر حتى لا تنخفض الأسعار، وما يصرف في سباق التسلح يكفي عشر معشاره لرفاه البشرية كلها: وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:10] ولكنها آثار ومحق الربا، وآثار إعلان الحرب من الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:278-281].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأدلة على تحريم الربا

    الحمد لله على ما أخذ وأعطى، وعلى ما ابتلى وأبلى، أحمده سبحانه وأشكره، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، نبي الهدى، وخاتم الأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعد: أيها المسلمون! كتاب ربنا قد جاء بالقول الفصل في أمر الربا، في خبرٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن ومع كل هذا فلا يزال الناس بحاجة إلى التذكير به، وبيان حرمته، وشدة خطره، وعظيم أثره وآثاره.

    إن كثيراً من بقاع العالم غارقة في أوحال الربا، وتحيق بها نذر لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحيط بها الإعلام والإعلان والإيذان بحرب الله ورسوله، إنها تلاحق العالم وتزلزل أركانه: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27].

    تحريم الربا من المعلوم من الدين بالضرورة في نصوص قطعية من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:271-276].

    وفي الحديث الصحيح: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء ) وهو أحد الموبقات السبع الغامسات في الإثم، وهو قرين للشرك والسحر وقتل النفس بغير حق، وفي الحديث: (درهم ربا أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام ) رواه أحمد والدار قطني ، ورجال أحمد ثقات، (وإن أربى الربا أن يستطيل المسلم في عرض أخيه ) والأحاديث في ذلك كثيرة في عقوبات الدنيا والآخرة.

    الربا كسبٌ خبيثٌ محرم مشئومٌ، وسحتٌ لا خير فيه ولا بركة، الربا محاربة لله ورسوله، وكفى في ذلك خطراً ونذراً، ومن ذا الذي يطيق مواجهة حربٍ مع الله ورسوله؟!

    وإن آثار هذه الحرب لمخيفة -نسأل الله العفو والسلامة- نقصٌ في الأموال والثمرات، وجدبٌ وغرق وأوجاعٌ مستديمة، وأمراضٌ مستعصية، وحرمانٌ من اللذائذ والطيبات والمتع المباحات، مع ما يصيب الناس من الهم والحزن والعجز والكسل والشح وأسباب القلق، وموجبات الأرق، وعصابات الإجرام، وأنظمة الجور على الأنفس والممتلكات! ألم تقرءوا: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء:160-161].

    وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ظهر في قومٍ الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله ) رواه أبو يعلى والهيثمي ، وإسناده جيد.

    أيها الإخوة! إن على أهل الإسلام أن يُطهروا عقولهم ونفوسهم، ويوقنوا بأن الطريق المستقيمة واضحة المعالم، ولكن السير فيها لا يتيسر إلا لذوي الاستقامة، فإن الظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج.

    فاتقوا الله -رحمكم الله- وتأملوا في أنفسكم وحاسبوها، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أمركم، بذلك ربكم، فقال عز من قائلٍ عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالعدل وبه كانوا يعدلون: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة وأعداء الملة والدين.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم أيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك، وأعل به كلمتك، وأعز به أهل الحق، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!

    اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، لإعزاز دينك، وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وكوسوفا وفي كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم انصرهم وأيدهم، اللهم انصرهم على الصهاينة الغاصبين، والصرب الحاقدين، والوثنيين الظالمين.

    اللهم كن لهم، وسدد سهامهم وآراءهم، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا و