إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ حسن أبو الأشبال الزهيري
  3. شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - باب القسامة

شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - باب القسامةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القسامة هي الأيمان في الدماء، وصورتها أن يوجد قتيل بموضع لا يعرف من قتله، ولا بينة، ويدعي وليه قتله على شخص أو جماعة، وتوجد قرينة تشعر بصدقه، فيحلف على ما يدعيه خمسين يميناً ويحكم له بالدية أو القصاص، وقد كان أهل الجاهلية يعملون بالقسامة فأقرها الإسلام كما في حديث مقتل عبد الله بن سهل، فهو أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، به أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد بسط أهل العلم مسائل هذا الباب، وأجمعوا على أنه لا قصاص ولا دية بالدعوى المجردة حتى تقترن بشبهة يغلب الظن بها.

    1.   

    باب القسامة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    كتاب القسامة، والمحاربين، والقصاص، والديات. الباب الأول وهو: (باب القسامة):

    شرح حديث قتل عبد الله بن سهل في خيبر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري- عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار الحارثي -مولى الأنصار وهو مدني ثقة، فقيه- عن سهل بن أبي حثمة] -وهو ابن سعيد بن عامر الأنصاري الحزرجي المدن وهو صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة- [قال يحيى -أي: الأنصاري- وحسبت قال- وعن رافع بن خديج] يعني: سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج [أنهما قالا: (خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد -وهما أبناء عمومة- حتى إذا كانا بأرض خيبر تفرقا في بعض ما هنالك - أي: تفرقوا في النخل والبساتين، هذا ذهب من جهة والآخر ذهب في ناحية أخرى - ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحويصة بن مسعود ، وعبد الرحمن بن سهل ، وكان أصغر القوم)].

    القصة باختصار: أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد ذهبا إلى أرض خيبر، فلما وصلا إلى خيبر تفرقا، وسار كل منهما في طريق، فإذا بـمحيصة قد وجد عبد الله بن سهل بن سعد بن زيد قتيلاً، فرجع أي: محيصة إلى المدينة وقبل أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أخاه حويصة ، وأخبر كذلك أخا القتيل واسمه عبد الرحمن بن سهل بن زيد. فهذه القصة فيها أربعة أشخاص: محيصة ، وحويصة ، وعبد الله ، وعبد الرحمن فذهبوا جميعاً -أي: الثلاثة- إلى النبي صلى الله عليه وسلم. [(فذهب عبد الرحمن ليتكلم -أي: مع النبي عليه الصلاة والسلام قبل صاحبيه- أي: قبل ابني عمه حويصة ومحيصة - لأنه شقيق المقتول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر)] أي: ما دام حويصة أكبر منك سناً فلا ينبغي لك أن تتقدم بين يديه بالكلام؛ لأنه أكبر منك. [(فصمت - أي: سكت - فتكلم صاحباه وتكلم معهما - أي: بعدهما - فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل ، فقال لهم: أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم)] يعني: أتحلفون خمسين يميناً بالله أن فلاناً قتله؟ أتتهمون أحداً بعينه؟ أيغلب على ظنكم أن فلاناً قتل أخاكم؟ إذا كنتم تشكون أو تظنون أو يغلب على ظنكم هذا فاحلفوا خمسين يميناً وحينئذ أقضي لكم بالقصاص منه أو بالدية.

    قال: [(أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد) أي: نحن لم نشهد القتل، وإنما بيننا وبين خيبر عهد وميثاق كما تعلم، وأهل خيبر يهود، واليهود أنقض الناس للعهود وأغدر الناس ولذلك نحن نتوقع أن يكونوا هم الذين قتلوا أخانا عبد الله بن سهل .

    قال: [(قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد -أي: لم نر بأعيننا، ولم نشاهد القتل بأنفسنا- قال النبي عليه الصلاة والسلام: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)] أي: يحلف اليهود خمسين يميناً فتبرأ ساحتهم من دم أخيكم. [(قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار)] هؤلاء يهود يا رسول الله وهم كفار فكيف نقبل أيمانهم وهم كفار [(فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عقله)] أي: دفع لهم الدية. ومعنى عقله. أي: ربط الإبل بعقلها في ساحة أولياء القتيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في القتل الخطأ: (وديته على العاقلة) والعاقلة هم أولياء القاتل؛ لأنهم يعقلون الإبل التي تدفع دية لأولياء القتيل، يعقلونها في ساحة أولياء القتيل، ولذلك سميت الدية على هذا النحو (عاقلة). لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام قوماً يأبون الحلف؛ لأنهم لم يشهدوا، ولم يقبلوا أيمان الآخرين؛ لأنهم كفار، فأراد أن يطيب خاطرهم بأن ساق الدية من عند نفسه عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)

    قال: [وحدثني عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري- عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج : (أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر -أي: ناحية خيبر- فتفرقا في النخل -أي: في البساتين- فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغر منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر الكبرى - يعني: كبر الكبير - أو قال: ليبدأ الأكبر -أي: بالكلام- فتكلما في أمر صاحبهما - أي: حويصة ومحيصة-. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم خمسون منكم على رجل منهم)]، والمعلوم أنه لا يقسم إلا صاحب الولاية، وابن العم ليس ولياً، والخطاب لهؤلاء الثلاثة [(قال: يقسم خمسون منكم)] وإجماع أهل العلم أنه لا يجب القسم إلا على الوارث، والوارث هنا واحد وهو عبد الرحمن أخو عبد الله .

    فقوله: [(يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)] البرمة هو: الحبل الذي يربط به الرجل، فيساق إلى ساحة القصاص.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: [(يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته -أي: يأخذ هذا الذي أقسم أنه قاتل، من رقبته حتى يوضع في المكان الذي يقام عليه فيه الحد- قالوا: أمر لم نشهده ، كيف نحلف يا رسول الله؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم)] يعني: إما أن تحلفوا فتستحقوا، وإما ألا تحلفوا فيحلف اليهود فتسقط عنهم الدية والقصاص، وكذلك يبرءونكم من اليمين الذي لا يغلب على ظنكم أو لا تظنوا ظناً ينبني عليه العمل أنهم قد قتلوا أخاكم. [(قالوا: يا رسول الله! قوم كفار -أي: كيف نقبل أيمانهم- قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله)] أي: فدفع له الدية من عند نفسه.

    [قال سهل: فدخلت مربداً لهم يوماً -والمربد: هو المكان الذي تربط فيه الإبل- فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها. قال حماد: هذا أو نحوه].

    سهل بن أبي حثمة يقول: وأنا قد حفظت هذا الحديث حفظاً جديداً لا أخرم منه حرفاً. أي: أرويه كما لو أن الحادثة تمت الآن، فدلل على ذلك بأمارة وهي أن الإبل التي دفعها النبي عليه الصلاة والسلام دية لأولياء القتيل قد دخلت أنا مربدها فبعير أحمر منها رفسني رفسة أوجعتني، أو أصابتني، أو آلمتني.

    شرح الأحاديث في مقتل عبد الله بن سهل ودية الرسول صلى الله عليه وسلم له من عنده

    قال: [وحدثنا القواريري حدثنا بشر بن المفضل -وهو ابن لاحق الرقاشي أبو إسماعيل البصري- حدثنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: نحو هذا الحديث وقال في حديثه: (فعقله رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده)] أي: أعطاه العاقلة من عنده. يعني: الدية. ولم يقل في حديثه: فركضتني ناقة.

    حدثنا عمرو بن الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي- جميعاً عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة بنحو حديثهم].

    [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار : (أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاريين ثم من بني حارثة خرجا إلى خيبر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود)] وهذا الصلح مع اليهود لم يتم إلا بعد فتح خيبر. وهذا يدل على أن هذه الحادثة إنما حدثت في مدة الصلح التي كانت بين المسلمين وبين اليهود: أن يزرع اليهود خيبر على أن يكون للمسلمين نصيب من هذا الثمر، فهذه الحادثة تمت في مدة الصلح الذي كان بين اليهود والمسلمين. قال: [(فتفرقا في حاجتهما، فقتل عبد الله بن سهل فوجد في شربة مقتولاً)] والشربة هي: الحوض الصغير بجوار النخل، [(فدفنه صاحب)] الذي كان معه هو محيصة . [(ثم أقبل إلى المدينة -أي: رجع إلى المدينة- فمشى أخو المقتول عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأن عبد الله وحيث قتل فزعم بشير وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم: تحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم)] أي: لو أنكم حلفتم خمسين يميناً على واحد منهم لأتينا به لتقتلوه قصاصاً. [(قالوا: يا رسول الله! ما شهدنا ولا حضرنا. فزعم أنه قال: فتبرئكم اليهود بخمسين)] أي: بخمسين يمين [(فقالوا: يا رسول الله! كيف نقبل أيمان قوم كفار، فزعم بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقله من عنده).

    وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار : (أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد) وساق الحديث بنحو حديث الليث بن سعد إلى قوله: (فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده).

    قال يحيى : فحدثني بشير بن يسار قال: أخبرني سهل بن أبي حثمة قال: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض بالمربد]. والفرائض هنا: جمع فريضة، والفريضة هو الشيء المحدد بتحديد الشرع، فرض الله صلاة الظهر أربع ركعات. أي: حدد الله تعالى عدد ركعات الصلاة بأربع، وفرض الله عز وجل على كل مسلم رجل أو امرأة، عبد أو حر، كبير أو صغير، صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو من بر، أو من شعير، أو من زبيب، أو من أكل، ففرض بمعنى حدد، وفرض الله عليكم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، أي: حدد الله عز وجل لكم هذه الفرائض.

    فقوله هنا: لقد ركضتني فريضة أي: بعير من الإبل المحددة لهذه الدية، وليس الفريضة بمعنى الهرمة كما في قوله تعالى: لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة:68]، لا فارض بمعنى الهرمة، ولا بكر بمعنى الصغيرة، فهناك فارق بين الفارض والفريضة، فالفارض الهرم، والكبير، والعجوز، أما الفريضة فهي الشيء المحدد بتحديد الشرع، فهو يريد أن يقول: أن بعيراً من إبل الدية قد رفسني وركضني في موضع من بدني، وهذا الذي ركضني إنما هو من إبل الدية.

    شرح حديث: (فوداه بمائة من إبل الصدقة)

    قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عبيد وهو الطائي حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره (أن نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيه)]. والنفر يطلق على الواحد وعلى الجماعة، قال تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] قال العلماء بالإجماع: النفر يطلق على الواحد كما يطلق على الجماعة، والنفر هم من بني حارثة. قال: [(فوجدوا أحدهم قتيلاً) وساق الحديث. وقال فيه: (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه)] يعني: كره أن يجعل دمه هدراً؛ ولو جعله هدراً لكان محقاً، ولم يجعله هدراً لأنهم لم يحلفوا؛ كما أنهم أبوا أن يقبلوا يمين الكفار، (قالوا: هم يهود يا رسول الله، كيف يحلفو) فلما كره النبي عليه الصلاة والسلام أن يهدر دمه وداه من عند نفسه [(فوداه مائة من إبل الصدق)] قوله: (إبل الصدقة) لا بد من تأويله وإلا فقد حكم كثير من المحدثين والشراح بأن هذه اللفظة وهم من الرواة، لأن هذا هو السياق الوحيد الذي يثبت أن الإبل كانت من إبل الصدقة، أما بقية الروايات فمجمعة على أن النبي إنما وداه من عند نفسه، وسنعرف الفارق بين أن تكون الدية من إبل الصدقة، أو من عند الآخرين، وهو فارق جوهري عظيم سنتعرض له بإذن الله تعالى.

    شرح حديث: (إما أن يدفعوا الدية لكم أو يأذنوا بحرب)

    قال: [حدثني إسحاق بن منصور -المعروف بـالكوسج- أخبرنا بشر بن عمر -وهو ابن الحكم الزهراني أبو محمد البصري- قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثني أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه: (أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير)]، العين ضد الفقير؛ لأن العين فوهتها ضيقة وقعرها بعيد، بخلاف الفقير: فهي سهلة الإدراك، لو وضعت رجلك فيها ربما لا يبلغ ماؤها إلى الركبة، وعينها واسعة جداً، كحفرة على سطح الأرض. [(قال: قتل عبد الله بن سهل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم -وهو الذي كان بخيبر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـمحيصة : كبر كبر)] أي: ليتكلم أخوك وهو حويصة، يريد أنه أحق بالكلام منه لكبر سنه. [(فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يدوا صاحبكم، وإنما أن يؤذنوا بحرب)] أي: إما أن يدفعوا الدية لكم، أو يؤذنوا بحرب، لأنهم بقتلهم عبد الله بن سهل فقد نقضوا العهد، وإذا نقض العهد أحد الطرفين في صلح أو معاهدة فقد استوجب الحرب [(فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم بذلك)] أي: كتب إلى اليهود، إما أن تدفعوا الدية أو الحرب. [(فكتبوا إليه: إنا والله ما قتلناه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لـحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم)]. أي: إذا حلفتم خمسين يميناً فقد استحققتم قاتلكم قصاصاً أو دية على خلاف سيأتي معنا بإذن الله. [(قالوا: لا)]. أي: ما شهدنا يا رسول الله! كيف نحلف على أمر نشك فيه [(قال: ستحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين، فواده رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار)]، الضمير يعود على دار أولياء عبد الله المقتول. [فقال سهل : فلقد ركضتني منها ناقة حمراء].

    شرح حديث: (أن رسول الله أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)

    قال: [وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قال أبو الطاهر : حدثنا، وقال حرملة : أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)] يعني: موضوع القسامة بخمسين يمين كان موجوداً في الجاهلية والنبي عليه الصلاة والسلام أقره وأبقاه في الإسلام. فمن الأحكام ما كان موجوداً قبل الإسلام وبعد الإسلام.

    قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنصار واليهود بالقسامة

    قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن شهاب بهذا الإسناد مثله وزاد: (وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيلاً ادعوه على اليهود)] وهي نفس القصة التي معنا.

    [وحدثنا حسن بن علي الحلواني حدثنا يعقوب -وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم المدني الزهري- حدثنا أبي عن صالح -وهو ابن كيسان المدني- عن ابن شهاب الزهري- أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أخبراه عن ناس من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن جريج]. انتهت أحاديث الباب عند الإمام مسلم .

    1.   

    كلام النووي في شرح أحاديث القسامة

    قال النووي: [قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام) فكان من حق هذا الحديث أن يضم إلى جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام. ومعنى جوامع الكلم أي: الكلام القليل الذي تنبني عليه أحكام عدة، وهو قليل جداً في مبناه، كثير في معناه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر). فهذا من جوامع الكلام، وموجود في الأربعين النووية، وفي جامع العلوم والحكم، فكل قضية، أو نزاع، أو خصومة، إنما يجب على المدعي أن يقدم بينة فإن عجز عن تقديم البينة وجب على المدعى عليه أن يحلف اليمين. هذا أصل في كل قضية من القضايا، الذي يزعم أنه صاحب حق فهو مدع يجب عليه أن يقدم البينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي). فإن عجز عن تقديم البينة فالمتهم أو المدعى عليه يجب عليه أن يحلف اليمين، فإن حلف وإلا ثبتت عليه التهمة.

    وإجماع الأمة أن حديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة جداً من قواعد الأحكام وهو كذلك. وكان ينبغي أن يضم هذا الحديث عقب ذاك الحديث، لأن حديث القسامة على العكس تماماً من حديث البينة، فاليمين هناك على المدعي، والبينة على المدعي في حديث البينة، واليمين على المدعي في حديث القسامة، بل في القسامة اليمين على الطرفين، فهذا الحديث أي: حديث القسامة كالمتمم، والمكمل لقواعد الخصومات بين يدي القاضي فيما يتعلق بالأيمان، والديات، والقصاص، فكان ينبغي أن يكون هذان الحديثان في مكان واحد، وهما من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.

    (قال القاضي عياض : حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ بهذا الحديث، فهم متفقون ومجمعون على وجوب الأخذ بحديث القسامة).

    خلاف العلماء في كيفية الأخذ بحديث القسامة

    (أما كيفية الأخذ والتطبيق العملي فمحل نزاع بينهم، وروي عن جماعة إبطال القسامة قالوا: نحن لا نأخذ بهذا الحديث ولا نعمل به، وممن قال بهذا سالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار والحكم بن عتيبة ، وقتادة ، وأبو قلابة ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وابن علية ، والإمام البخاري وغيرهم.

    وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين). يعني: قال باعتبارها. والرأي الثاني: بعدم اعتبارها والأخذ بها. قال: (واختلف القائلون بالقسامة واعتبارها إذا كان القتل عمداً هل يجب القصاص بها أو الدية؟ فقال معظم الحجازيين: يجب القصاص. وهو قول الزهري وربيعة الرأي وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود. كل هؤلاء قالوا بوجوب القصاص إذا كان القتل عمداً. وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وروي عن ابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز. قال أبو الزناد : قلنا بها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفرون. يعني: قلنا: إن القصاص يجب في القسامة إذا كان القتل عمداً. قال: وإني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان). هذا المذهب الأول.

    المذهب الثاني: قال: (وقال الكوفيين والشافعي رضي الله عنه في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص وإنما تجب الدية).

    ودليل الجمهور هو هذا الحديث، ولا دليل لمن أبطل القسامة، بل أدلتهم كلها شبهات مردودة مدفوعة فيكون الرأي الصحيح عندي هو القول بالقسامة مثل الرأي الثاني.

    واختلف القائلون بالقسامة في كيفية تطبيق هذا الحديث أو هذا الحكم، فمنهم من قال: إذا كان القتل عمداً وجب القصاص وهم الجمهور. ومنهم من قال وهم الكوفيون أي: أصحاب الرأي وهم الأحناف، والشافعية في أصح القولين عنهم أنهم قالوا: (لا يجب القصاص بل تجب الدية. وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان الليثي، والحسن بن صالح.

    وروي أيضاً عن أبي بكر وعمر ، وابن عباس، ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين).

    قالوا: تجب الدية ولا يجب القصاص حتى لو كان القتل عمداً.

    خلاف العلماء في من يحلف القسامة

    قال: (واختلفوا فيمن يحلف في القسامة) يعني: من يبدأ بالحلف بالقسامة، وسميت قسامة؛ إما لكثرة القسم، وإما لوجوب القسم على الطرفين؛ لأنه في أي خصومة أخرى فإن القسم على المدعى عليه، وهو المتهم، أما في القسامة فالقسم على المتهم وهو المدعى عليه أو على المدعي، فإما أن يكون لكثرة القسم وأنه ليس يميناً واحداً ولا ثلاثة بل خمسين يميناً، وإما أن ذلك لوجوب القسم على الطرفين فسمي قسامة.

    أما من الذي يحلف: (قال مالك والشافعي والجمهور: يحلف الورثة -يعني: كل من وجب له الإرث- ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً). ولو أن أولياء القتيل خاصة وهم الورثة حلفوا خمسين يميناً فقد استوجبوا واستحقوا صاحبهم -أي: القاتل- فإن عفوا عن القصاص فلهم الدية. وهذا الحديث فيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: (احلفوا خمسين يميناً)، فلم يطالبهم بالبينة، وإنما طالبهم بالقسم، فإذا أقسموا استحقوا صاحبهم وإلا حلف صاحبهم فبرأت ساحته، وهذا عند النكول عن القسم والامتناع، أما إذا أقسم أولياء القتيل أو الورثة فقد استحقوا حق صاحبهم.

    قال الجمهور: (يحلف الورثة، ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا تندفع.

    قال مالك : الذي أجمعت عليه الأئمة قديماً وحديثاً أن المدعين -أي: أولياء القتيل- يبدءون في القسامة؛ لأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث) أي: بالأمارات وشبه الدلالات، ولأنهم أصحاب دعوى ليسوا محل تهمة، وأعظم دليل على ذلك ما سماه العلماء هنا باللوث، واللوث هو الطي، واللي، والشر، والجراحات، واللوث عند الشافعي رحمه الله تعالى هو: شبه الدلالة.

    واللوث في حديث القسامة: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلاناً قتلني. فهذا اللوث هو الشاهد الوحيد الذي يشهد بيمينه على إقرار المقتول قبل أن يموت، أو يشهد الشاهدان على عداوة بينهما أيضاً، وهذا لوث إيضاً، وهو شبه دلالة، أو إشكال أو أمارة أن القاتل هو فلان، للعداوة التي كانت بينهما أو تهديد منه له قبل أن يموت أو نحو ذلك، كما في قصة قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قتله غلام المغيرة بن شعبة أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله لما طعن عمر ، قال عمر : من قتلني؟ مع أنه لم يقتل بعد. قالوا: غلام المغيرة أبو لؤلؤة. قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل لم يسجد لله. أي: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد شخص مشرك. ثم قال: لقد هددني العلج آنفاً، والعلج: الغلام القبيح.

    وقصة التهديد: أن غلام المغيرة لما جاء إلى عمر وهو أمير المؤمنين يشكو إليه الخراج الذي فرضه عليه مولاه وسيده المغيرة ، قال له عمر : كم تدفع؟ قال: ثلاثة دنانير. قال: ماذا تعمل؟ قال: أصنع الرحى، وأصنع كذا وكذا، فقال عمر : ما خراجك بكثير. يعني: لم يظلمك المغيرة. اصنع لنا رحى يا أبا لؤلؤة. فقال أبو لؤلؤة : سأصنع لك رحى تتكلم عنها العرب والعجم. فهذا كلام حمال يحمل على أني سأصنع لك رحى هي من الأعاجيب في الدنيا، يتمناها كل الناس، أو سأجعلك تدور في بركة دمائك، فلما طعن عمر من الغد قال: لقد هددني العلج آنفاً. يعني: قد أنفذ ما هددني به البارحة، ففهم عمر رضي الله عنه بسرعة الدلالة من كلامه السابق فكان فيها لوث.

    (قال القاضي : وضعف هؤلاء رواية من روى الابتداء بيمين المدعى عليهم، قال أهل الحديث هذه الرواية وهم من أحد الرواة؛ لأنه أسقط الابتداء بيمين المدعي ولم يذكر رد اليمين؛ لأن الروايات كلها متفقة على أن الذي يبدأ اليمين في القسامة هو المدعي، ثم إذا نكصوا ونكلوا عن القسامة رد اليمين إلى المدعى عليه). يعني: تحول اليمين إلى المدعى عليه.

    (ولأن من روى الابتداء بالمدعي معه زيادة، ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة فوجب العمل بها ولا تعارضها رواية من نسي وقال: كل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية يبدأ بيمين المدعي، أو المدعى عليه إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور أن يبدأ بيمين المدعي فإن نكل ردت على المدعى عليه.

    الإجماع على أنه لا قصاص ولا دية بمجرد الدعوى

    قال: (وأجمع العلماء على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى). يعني: قبل اليمين، فمن قال لشخص أنت قاتل أبي، لا يثبت بهذا حق، بل هذا مجرد ادعاء، فلا يدخل في حد التنفيذ إلا إذا أقسم المدعي خمسين يميناً أن المدعي عليه هو القاتل، أو يحلف خمسين يميناً أنه لم يقتل، حينئذ تبرأ ساحته، فإجماع العلماء أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى. أي: الدعوى المجردة عن اليمين.

    قال: (حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها. واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة لها سبع صور).

    1.   

    صور الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة

    الصورة الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان

    قال: (الصورة الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني أو ضربني وإن لم يكن به أثر، أو فعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي أو جرحني. ويذكر العمد فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث ، وادعى مالك رضي الله عنه أنه مما أجمع عليه الأئمة قديماً وحديثاً.

    قال القاضي : ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما، ولا روي عن غيرهما، وخالف في ذلك العلماء كافة فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة.

    واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة). قالوا: من أجل أن ننفذ القسامة في هذا الباب لا بد من وجود الأثر أو الجرح.

    (واحتج مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل في قول الله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة:73]. قالوا: فأحيا الله الرجل فأخبر بقاتله). لكن هذا استشهاد بعيد، وهذا تم من باب الإعجاز الحسي في بني إسرائيل، أما عندنا فيكفي الدليل العقلي.

    (واحتج أصحاب مالك أيضاً بأن تلك حالة يطلبها غفلة الناس، فلو اشترطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً). فالقاتل إنما ينتهز فرصة تفرد أو غياب المقتول عن أعين الناس، فيطعنه، أو يضربه، فلو أبطلنا قوله لأبطلنا أحكام كثيرة.

    قوله: بأن تلك الحالة حالة يطلب فيها غفلة الناس، يعني: القاتل ينتهز فرصة غفلة الناس عن الإيقاع بالمقتول، فلو اشترطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً. يريد أن يقول: لا بد من اعتبار قول المجروح: أن فلاناً هو الذي قتلني. أو أعان على قتلي، ولو قلنا: لا بد أن يشهد شاهدان أو أكثر فمعناه: أننا سنجعل قول المجروح هدراً، وأدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً.

    يعني: من جانب القاتل أن القاتل ينتهز خلوة، فينقض على غريمه، فلو أن غريمه قال: قتلني فلان فلا بد من اعتبار القول؛ وإلا فسيؤدي عدم اعتبار قوله إلى إبطال كثير من الدماء.

    الحجة الثانية: أن المقتول يغلب عليه في هذه الحالة الصدق؛ لأنه يعلم أنه مفارق لدنياه ذاهب إلى الآخرة فلا ينفعه إلا الصدق، ولا مصلحة له في أن يتهم فلاناً أو فلاناً ممن لم يضربه ولم يجرحه؛ ولأنه في حالة قرب من الله عز وجل ، فهو يتحرى ويتقرب بالصدق إلى الله عز وجل، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود البر والتقوى فوجب قبول قوله.

    (واختلف المالكية في أنه هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد أو لا بد من اثنين؟) فمنهم من قال: يكتفي على قول المجروح بشاهد. ومنهم من قال: لا بد من شاهدين. والصواب: أنه يكتفي مع قول المجروح وإقراره بشاهد واحد. والمجروح لو قال: قتلني فلان ولم يسمعه أحد فإن قول المجروح لا يصل إلى القاضي؛ إلا عن الذي يبلغ إقرار المجروح، فلذا يكفي في ذلك شاهد واحد.

    الصورة الثانية: اللوث من غير بينة على معاينة القتل

    (الصورة الثانية: اللوث من غير بينة على معاينة القتل. وبهذا قال مالك والليث والشافعي. ومن اللوث: شهادة العدل ولو كان واحداً. وكذا قول جماعة ليسوا عدولاً). واللوث الذي هو شبه الدلالة يتحقق بشهادة رجل واحد عدل أو جماعة وإن كانوا فساقاً، أو كفاراً، فلو أن مسلمين يمشيان في الشارع بينهما خصومة ونزاع ودار بينهما شجار فقتل أحدهما الآخر في حضرة عشرة من النصارى، فأتى النصارى العشرة إلى القاضي وقالوا: شهدنا أن هذا يقتل ذاك. تقبل شهادتهم مع أن الشاهد ينبغي أن يكون عدلاً لكن ليس في كل قضية تلزم عدالة الشاهد، لأن هذه قضية لم يرها إلا فاسق أو كافر، والخلاف إنما دار في شهادة الفاسق وحده أو الكافر وحده، لكن لو شهد جماعة من الفساق أو جماعة من الكفار قبلت شهادتهم؛ لحديث: (صدقك وهو كذو) فأثبت له الصدق في هذه القضية؛ لأنه لا مصلحة له في الكذب حينئذ، فهو في هذه القضية صدق مع أن الأصل فيه الكذب.

    الصورة الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياماً ثم مات قبل أن يفيق منه

    الصورة الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياماً ثم مات قبل أن يفيق منه. قال مالك والليث: هو لوث. وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا قسامة هنا بل يجب القصاص بشهادة العدلين). يعني: إذا شهد عدلان فقالا: ضرب فلان فلاناً فجرحه فأغمي عليه، ومات بسبب هذا الجرح قبل أن يفيق من جرحه، لكنه في الغالب ليس من باب القسامة لشهادة الشاهدين العدليين.

    الصورة الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول أو قريباً منه ومعه آلة القتل

    (الصورة الرابعة: يوجد المتهم عند المقتول أو قريباً منه أو آتياً من جهته، ومعه آلة القتل). يعني: تصور لو أنك دخلت حارة فوجدت رجلاً يجري أمامك وفي يده سكين والدم يقطر منها، وبعد ذلك رفع السكين فوقك وأنت تركته، ومشيت إلى آخر الطريق فوجدت شخصاً ملقى على الأرض مقتول ودمه ينزف، فالذي قتله هو الرجل الذي كان يجري وبيده سكين، ومع ذلك فإنك لن تحلف أنه هو الذي قتل، لأنك لم تر القاتل، ولم تشاهد، لكن هناك لوث وقرينة قوية على أنه هو القاتل.

    وصاحب السيارة إذا أخذ شخصاً كان في الطريق، وقدر الله عليه بحادث فمات الراكب، فالقانون الوضعي يحمل صاحب السيارة المسئولية، هذا بخلاف القوانين الشرعية التي أمرتنا بالاعتصام، والتقارب، والتلاحم، والود، وغير ذلك.

    الصورة الخامسة: أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل

    (الصورة الخامسة: أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل فإن كان من أحد الطرفين ففيه القسامة، وعند مالك في رواية عنه والشافعي وأحمد وإسحاق : لا قسامة فيه بل الدية على الطائفة الأخرى، وإن كان المقتول من غيرهما فعلى الطائفتين ديته).

    الصورة السادسة: وجود الميت في زحمة الناس

    (الصورة السادسة: وجود الميت في زحمة الناس. قال الشافعي : تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية، وقال مالك : هو هدر أي: لا دية له. وقال الثوري وإسحاق : تجب الدية من بيت المال، وروي مثله عن عمر وعلي).

    الصورة السابعة: أن يوجد القتيل في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم

    (الصورة السابعة: أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم). يعني: شخص من القبيلة الأولى وجد مقتولاً في القبيلة الأخرى، وكلاهما معاد للأخرى، فمن الطبيعي جداً أن الذي قتله هم أهل القبيلة الثانية.

    (فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة الطائفة الأخرى لينسب إليهم.

    قالالشافعي : إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخالطهم فيها غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وعن أحمد نحو قول الشافعي.

    وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، يعني: بمجرد وجوده في قرية العدو يوجب القسامة، والدية على العدو. ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع السابقة إلا في هذه الصورة السابعة فقط؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.

    قالوا: فإن وجد القتيل في المسجد حلف أهل المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة. وقال الأوزاعي : وجود القتيل في المحلة -يعني: في الحي- يوجب القسامة وإن لم يكن عليه أثر، وروي نحو ذلك عن داود الظاهري ، وهذا كلام القاضي عياض رحمه الله والله أعلم).

    استحباب تقديم الأكبر في السن والعلم والمنزلة

    أما قوله: (فذهب عبد الرحمن يتكلم قبل صاحبه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كبر كبر) يعني: قدم الكبير في السن أن يتكلم، وفي الحقيقة فإن كثيراً من الإخوة أو كثيراً من المسلمين يتصورون أن التقدم دائماً لمن كان على اليمين في الدخول، أو الخروج، أو الطعام، والشراب وغير ذلك، وليس هو كذلك، بل ورد في السنة أحاديث كثيرة جداً تدل تارة على أن التقدم لمن كان على اليمين، أو التقدم لكبير السن، أو التقدم لكبير الشأن، فليس التقدم على نسق واحد يتعلق بالسن، بل قال عليه الصلاة والسلام: (البركة مع أكابرك) وقال: (أمرني جبريل أن أكبر) يعني: أقدم الكبير. أي: في الطعام، والشراب، والتقدم والمشي وغير ذلك.

    قال مالك بن مغول كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فصرنا إلى مضيق -يعني: إلى طريق ضيق لا يأخذنا جميعاً وإنما يتقدم أحدنا دون الآخر- فتقدمني ثم قال لي: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمتك. وهذا يدل على جواز التقدم لمن كان كبير السن وإن كان على جهة الشمال.

    وعن الفضل بن موسى قال: انتهيت -أي: وصلت- أنا وابن المبارك إلى قنطرة -أي: معبر طريق- فقلت له: تقدم. وقال لي: بل تقدم أنت. فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين. والسلف كان بينهم من اللطائف أمر عجيب جداً. وأيضاً: لو كان التقدم من جهة اليمين مستقر عند السلف ولا شيء غيره لم يكن هناك حاجة إلى حساب السن، حتى لو كان أفضل منه في العلم، ولما لم يكن هذا مستقراً لدى السلف وأن التقدم على أنحاء كثيرة فكان أحدهما حين يتقدم على الآخر إما لعلمه، أو فضله، أو لمكانته ومنزلته، وأحياناً بعضهم يتقدم لسنه.

    وانتهى الحسن بن عمارة وأبو حنيفة إلى قنطرة فقال أبو حنيفة للحسن : تقدم. قال الحسن : بل تقدم أنت، أنت أفقهنا، وأعلمنا، وأفضلنا، فالتقدم يكون لأهل العلم، والفقه، والفضل.

    وقال يعقوب بن سفيان الفسوي : بلغني أن الحسن بن صالح وعلي بن صالح كانا توأمين، فنزل الحسن قبل علي فما تقدم عليه علي قط ولا تكلم في مجلس فيه الحسن احتراماً للحسن ، مع أن علي من الثقات الأثبات الفقهاء، وكلامهما مشهور بالعبادة، والزهد، والصلاح.

    يعني: يريد أن يقول لك: لم يكن بينهما نصف ساعة. الحسن نزل من بطن أمه أولاً ومن بعده علي فهما توأمان، لكن علي يحفظ هذا التقدم في السن ولو كان نصف ساعة، وغير ذلك مما كان هو محل مفاضلة بين أهل العلم من السلف فليس بلازم أن تكون أنت على اليمين فيثبت لك الحق المطلق فربما يكون من كان على الشمال هو أولى منك بهذا الحق كأن يكون عالماً أو جواداً سخياً يجود على الناس وينفعهم وأنت لست كذلك، أو يكون والدك، أو عمك، أو جدك، أو معلمك أو مدرسك، أو غير ذلك فكل هؤلاء لهم الحق عليك في التقدم، وفي الشراب، وفي الكلام والمحادثة وغير ذلك، إذا وجدت واحداً من هؤلاء فقدمه على نفسك، وهذا من باب الأدب.

    ونحن نعرف أن عبد الرحمن بن سهل بن زيد أخو القتيل، أما محيصة وحويصة فكلاهما ابن عم له، وابن العم ليس وارثاً ولا ولياً، إنما وليه عبد الرحمن، فـعبد الرحمن هو الوحيد الذي له الحق في أن يرث عبد الله وله الحق في أن يتكلم، فلما استخدم هذا الحق في طرح القضية وعرضها على النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (كبر)، لأن محيصة أصغر من حويصة ، فـحويصة هو الذي يتكلم أولاً، وإذا أراد محيصة أن يتكلم فليفعل بعد أخيه، أما عبد الرحمن فآخر من يتكلم؛ لأنه الصغير، مع أنه صاحب الحق الأول وهؤلاء لا حق لهم، فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام حويصة على عبد الرحمن إنما أمر بذلك؛ ولم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى بل سماع القصة، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف القضية ما هي؟ وما هو الذي حصل؟ ليس في معرض تحقيق وتفصيل القضية، وإثبات الحق لفلان ونفيه عن فلان، أو اتهام فلان وثبوت الحق لفلان، وإنما يريد أن يفهم ما الذي حصل؟

    فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما حرم عبد الرحمن من الابتداء بالكلام رغم أنه صاحب الحق في الولاية لمعرفة صورة القضية، لا لتحقيق الحق وإثبات التهمة، لكن إذا قلنا تكلم عن الحق ونحكم فيه بالدية أو القصاص أو غير ذلك فإن صاحب الحق عبد الرحمن، ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة في الدعوى ولكنه استشرفت نفسه بمساعدته، أو أمر بتوكيله وفي هذا فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، ولهذا مظاهر كثيرة فإنه يقدم بها في الإمامة السن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله، فإن تساووا فأعملكم بالسنة، فإن تساووا فأكبركم سنا)، وفي رواي: (سلماً)، وهذا يدل على أن السن محل اعتبار في الشرع، وكذلك في ولاية النكاح من باب الندب، والاستحباب، لا من باب الفرض والوجوب، يعني: أريد أن أزوج ابنتي فاستحباباً وندباً وتأدباً أجعل الولاية لوالدي.

    بيان كيفية يمين القسامة وردها على الطرف الآخر

    أما قوله عليه الصلاة والسلام: (أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم). قد يقال: كيف عرضت اليمين على الثلاثة مع أن حويصة ومحيصة ، لا يجب عليهما اليمين، بل لا يشرع لهما، وإنما يكون اليمين للوارث خاصة الذي هو عبد الرحمن لأنه أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم لا ميراث لهما مع الأخ؟

    الجواب: أنه كان معلوماً عندهم، أن صورة الخطاب للعموم لكن المعلوم عند المخاطبين أن الذي سيحلف واحد منهم، وأما الآخران فابنا عم لا ميراث لهما مع الأخ، فاليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهما، والمراد: من تختص به اليمين، أي: الذي تلزمه اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلوماً للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفية ما جرى له.

    يثبت الحق قصاصاً كان أو دية بعد الحلف عليه، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: قصاص. ومنهم من قال: الدية. ومنهم من قال: هدر لا قصاص ولا دية.

    واعلم أنهم إنما يجوز لهم أن يحلفوا خمسين يميناً إذا علموا يقيناً أن فلاناً قتل ولا إشكال هنا، ويجوز لهم أن يحلفوا خمسين يميناً مع غلبة الظن مع القرائن الدالة كاللوث.

    ولا يجوز لأحد أن يقسم هذه الأيمان في القسامة بمجرد الظن، أو الظن المجرد، بل لا بد من ظن مقترن بقرائن، أما مجرد الظن أو مطلق الظن فلا يستوجب اليمين، ولا يجوزها من باب أولى، وإنما عرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم اليمين إن وجد فيهم هذا الشرط، وليس المراد بالإذن لهم بالحلف من غير ظن، ولهذا قالوا: (كيف نحلف ولم نشهد).

    أما قوله لما قالوا: (كيف نحلف ولم نشهد يا رسول الله، قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)أي: ترد اليمين إلى الطرف الآخر وإن كانوا يهوداً فيحلفون خمسين يميناً، فإن فعلوا ذلك برئت ساحتهم بمجرد هذه الأيمان.

    وقيل معناه: يخلصنكم من اليمين بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.

    وفي هذا الحديث دليل لصحة يمين الكافر والفاسق، وهذا بخلاف الشهادة، فإنه يشترط فيها العدالة إلا في مواطن، أما القسامة فيصح فيها يمين الكافر ويمين الفاسق من باب أولى، وإنما وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعاً للنزاع، وإصلاحاً لذات البين، فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا، أو يستحلفوا المدعى عليهم وقد امتنعوا من الأمرين. يعني: أهل القتيل قالوا: لا نحلف، ولا نقبل اليهود أن يحلفوا؛ فأراد صلى الله عليه وسلم جبرهم وقطع المنازعة وإصلاح ذات البين بدفع الدية من عنده.

    أما قوله: (فوداه من إبل الصدقة) جمهور المحدثين على أنه وهم من الراوي؛ لأن مجموع الروايات تقول: إنما وداه من عنده، ومن عند نفسه. أي: من ماله الخاص عليه الصلاة والسلام، وربما جمعنا بين اللفظين أن هذا كان من مال الصدقة عامة، فلما وزع مال الصدقة اشتراه النبي عليه الصلاة والسلام من مالكه بعد توزيعه عليه، لأن بعض الناس يتصور أن هذا إنما تم توزيعه من زكاة المال ولا يصح ذلك؛ لأن الديات ليست من مصارف الزكاة.

    1.   

    فوائد من أحاديث باب القسامة

    (وفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة والاهتمام بإصلاح ذات البين. وفيه: إثبات القسامة. وفيه: الابتداء بيمين المدعي في القسامة لا المدعى عليه. وفيه: رد اليمين على المدعى عليه إذا نكل المدعي في القسامة -أي: رفض الحلف- وفيه: جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم. يعني: الحكم الغيابي. وفيه: جواز اليمين بالظن وإن لم يتيقن. وهذا مشروط بالقرائن. وفيه: أن الحكم بين المسلم والكافر يكون مرده إلى الشريعة الإسلامية).

    ومن أبواب الضلال والانحراف التي يعيشها المسلمون في بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها أن الدعاوى والخصومات بشأن النكاح والأحوال الشخصية تتم في الكنائس، وفي مسألة الأحوال الشخصية يتم بلاء عظيم جداً، فالمسلم يسافر من بلاد المسلمين للحصول على الشرف السرمدي كما يزعمون، ولا يحصل عليه إلا بالزواج، ولما تسمع كلمة زواج تعرف أنها النطيحة، والمتردية، والموقوذة، وما أكل السبع، فيقال: الأخ الفلاني تزوج امرأة أمريكية، فهي من قلة الأزواج والعشاق تزوجت شخصاً مسلماً يريد أن يحصل على الشرف، أو امرأة مريضة عليلة لا تقوم من الفراش المهم أنها تكون أمريكية تحت أي علة لا تتزوج شخصاً أجنبياً وإن شئت فقل مسلماً للأسف الشديد، وهو يقبل هذا أحياناً، تجد الشخص يجلس معها ويقول لها: هذا الزواج هو صوري في مقابل أن لك كذا، والقضية لا تتم بهذا الشكل، بل لا بد أن الزواج يتم في المحكمة ويوثق هناك، والقاضي يعرف هذه الأشياء، يعرف أن المصريين بالذات يعملون هذه الأمور. فإنه سيقول للرجل المسلم: أنت متزوج هذا المرأة؟ يقول له: نعم. يقول له: قبلها. فيقبلها. ثم يقول له: احضنها، فيحضنها، ثم يأخذها القاضي على جنب ويقول لها: هو يستخدم معجون أسنان أو لا ؟ هو يريد أن يتأكد أنهم جالسين مع بعض في شقة واحدة أم لا. تقول له: نعم. فيقول لها: ما لونه؟ فتقول له: أبيض، ثم يأخذه على جنب ويسأله عن معجون الأسنان؟ وما لونه؟ فيقول له: أحمر. فيبطل القاضي الزواج وصاحبنا يكون قد قبلها وحضنها.

    فهم يجعلون هناك عراقيل في إتمام النكاح؛ لأنهم لم يرون أنه ليس شرفاً لأمريكا أن أحداً من المسلمين ينسب إليها، والواحد منا يعتبر أن الشرف كل الشرف أنه يحصل ولو على تأشيرة من السفارة الأمريكية، وهذا ما وصل إليه الكفار من عز، وما وصل إليه المسلمون من انهزام نفسي، فهذا أمر مخجل جداً، وموجع للقلوب والرؤوس.

    قال: (وفي هذا الحديث أن القسامة إنما تكون على واحد فقط، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أشهب وغيره يحلف الأولياء على ما شاءوا ولا يقتلون إلا واحداً). أي: الواحد بواحد. يعني: يقتل المسلم بالمسلم والنفس بالنفس. (ولا يجوز قتل المسلم بالكافر، وهذه المسألة محل نزاع، ومذهب الجماهير فيها وهو الراجح إن لم يكن هو الصحيح أن المسلم لا يقتل بكافر قط لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يقتل مسلم بكافر)).

    وقال الشافعي رضي الله عنه: إن ادعوا -أي: أولياء القتيل- على جماعة حلفوا عليهم وثبتت عليهم الدية على الصحيح، وفي قول أنه يجب القصاص عليه وإن حلفوا على واحد استحقوا عليه وحده، والمقصود بذلك أن أولياء المقتول إذا حلفوا على جماعة أنهم قتلوا قتيلهم استحقوا قتل واحد دون الجماعة، وإذا حلفوا على قوم أنهم قتلوا قتيلهم أخذوا الدية ولم يقتل واحد منهم، وهذه مذاهب العلماء في ذلك).

    ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب)معناه: إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم لو أنكم حلفتم وثبت عليهم القتل، فإما أن يدفعوا لكم ديته، وإما أن يعلمونا أنهم متنعون من التزام أحكامنا والانصياع لشرعنا فينتقض عهدهم ويصيرون حرباً لنا. وفي هذا دليل لمن يقول: الواجب في القسامة الدية دون القصاص.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.