إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ حسن أبو الأشبال الزهيري
  3. شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا بهللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة، فلا يصح الحج إلا بالإتيان به، وهو مرة في حق المفرد والقارن، ومرتان في حق المتمتع، فمرة يسعى لعمرته، ومرة يسعى لحجته، كما يشرع للحاج رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، ثم يرمي الجمار الثلاث أيام التشريق الأول والثاني والثالث.

    1.   

    حكم السعي بين الصفا والمروة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به].

    فالسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا بالإتيان به؛ لأن الركن داخل في ماهية الشيء، وفي تكوينه وأساسه بخلاف الواجب، فإن الواجب يجبر بدم، كالمبيت بمنى في أيام التشريق فإنه واجب، فمن حج ولم يبت بمنى في هذه الليالي فإن عليه دماً؛ لأنه لابد أن تعرف أن أي واجب يقصر فيه الحاج يجبر بدم، وأي ركن في الحج يقصر فيه بمعنى لا يأتيه ألبتة فإنه يبطل به حجه.

    فقوله: باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، يعني: من لم يسع لا حج له، وهذا السعي في حق المتمتع مرتان: مرة مع العمرة، ومرة مع الحج.

    يعني: يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق ويتحلل؛ لأنه لا يتحلل قط معتمر إلا بعد السعي بين الصفا والمروة.

    أما القارن فله أن يطوف بالبيت ويصلي ركعتين، ثم يرجع إلى الحجر فيقبله، أو يستلمه، أو يشير إليه مكبراً، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يحلق، ثم ينطلق يوم التروية إلى منى فيؤدي الحج، لكنه في يوم النحر إذا نزل إلى مكة وجب عليه أن يطوف بالبيت، وأن يسعى بين الصفا والمروة.

    إذاً: القارن ليس عليه من الوجوب إلا سعي واحد بين الصفا والمروة، فإن فعل هذا السعي بعد طواف القدوم، أو بعد طواف العمرة، فليس عليه سعي في يوم النحر، وإنما يطوف بالبيت فقط.

    وإذا لم يأت به في أداء عمرته، فيجب عليه أن يأتي به في يوم النحر على الخلاف المذكور.

    فالذي لا يطوف ولا يسعى في يوم النحر، وتحلل بأداء المنسكين: رمي جمرة العقبة والذبح، أو الحلق فله أن يتحلل، وهذا المعلوم عند أهل العلم بالتحلل الأصغر الذي يحل له كل شيء إلا النساء؛ لأن حل النساء هو التحلل الأكبر.

    ولا يحل له النساء إلا بعد الطواف والسعي، فإذا طاف وسعى وأتى منسكين آخرين حل التحلل الأكبر، بمعنى: كل شيء يحل له كان حراماً عليه في حال إحرامه حتى النساء، والذي لا يطوف في نهار النحر، ودخل عليه الليل ولم يطف وأراد أن يطوف بالليل، أو أن يطوف في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع وهي: أيام التشريق، فيجب عليه أن يلبس ملابس الإحرام من جديد.

    لكن الشيخ عادل العزازي حفظه الله راجعني في هذه القضية وقلت له: أنا ظننت أن هذه المسألة مستقرة عندك؛ لأننا تلقيناها عن الشيخ الألباني ، والشيخ الألباني صاحب دليل فيها، وإن لم يقل فيها أحد من أهل العلم السابقين قبله بقول، إلا ما ورد إشارة عند النووي في شرح الصحيح في شرح حديث جابر الطويل في صفة حجه عليه الصلاة والسلام.

    ولكن الشيخ الألباني وقف عندها وأكد عليها وساق لها الدليل، أن من أدركه الليل في يوم النحر ولم يطف ولم يسع فعليه الإحرام، والحديث صحيح.

    ولكني حاولت مراراً وبذلت جهداً جهيداً أنا وإخواني الذين يهتمون ويعنون بكتب التراث للحصول على نسخة كتاب: مناسك الحج والعمرة للشيخ الألباني، ولكن للأسف الشديد لم نجد الكتاب إلى الآن.

    فهذه المسألة من أراد أن يرجع إليها بالتفصيل فليرجع إلى كتاب: مناسك الحج والعمرة للشيخ الألباني .

    وهذه قضية مهمة؛ لأن كثيراً من الناس يغفل عنها، بل ربما لا يعرفها من الأصل، فإن الذي لم يطف ولم يسع في يوم النحر عليه أن يلبس ملابس الإحرام إذا جن عليه الليل، والذي نقل هذا الكلام إلى الشيخ عادل لم يذكر له أني قلت: إذا جن عليه الليل.

    فظن الشيخ أنني ألزم الناس بلبس ملابس الإحرام في كل وقت، وفي كل حين حتى في نهار النحر قلت: أنا لم أقل هذا، وما آفة الأخبار إلا رواتها، قلت: أنا لم أقل هذا وحاكمني الشيخ عادل، ولكني قلت له: بيني وبين القوم الشريط والكلام مسجل، وهو أني قيدت ذلك بدخول الليل، فاشترطت دخول الليل.

    1.   

    حكم لبس الباروكة للمرأة تتزين بها لزوجها

    المسألة الثانية التي يسرني جداً أن أعتذر عنها، وأن أنسحب منها قبل البدء في الدرس وهي أنني قلت: إن لبس الباروكة للمرأة المسلمة تتزين بها لزوجها أمر جائز، وامتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة) وهذه النصيحة أنا أولى بها من أي إنسان آخر.

    وقول عمر لـأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: يا أبا موسى أو قال له: يا عبد الله بن قيس، اعلم أن الرجوع بالحق خير من التمادي بالباطل.

    وقول أبي حنيفة: إنما نحن بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً.

    والحقيقة: اللياقة والمرونة والشهامة هي: أن المرء إذا علم أنه أخطأ يرجع عن خطئه، وهذا تمام العلم وكماله، ولا أدعيه لنفسي، لكن على أية حال لا بأس أن نتمسك بأسلافنا رحمهم الله.

    فهذه المسألة أنا قد أخطأت فيها حتى أوقفتني امرأتي جزاها الله خيراً على فتوى للجنة الدائمة، لما وجه إليها السؤال: ما حكم لبس المرأة ما يسمى بالباروكة لتتزين بها لزوجها؟

    فأجابت اللجنة المباركة: ينبغي لكل من الزوجين أن يتجمل أحدهما للآخر بما يحببه فيه، ويقوي العلاقة بينهما، لكن في حدود ما أباحته شريعة الإسلام دون ما حرمته، ولبس ما يسمى بالباروكة بدأ في غير المسلمات، فهو أصلاً من زينة الكافرات، واشتهرن بلبسه والتزين به حتى صار من سيمتهن.

    فلبس المرأة المسلمة إياها، وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبه بالكافرات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (من تشبه بقوم فهو منهم).

    ولأنه في حكم وصل الشعر بل أشد منه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعن فاعله.

    وإني أنسلخ من الكلام الأول انسلاخاً تاماً، وأقول: هذه عقيدتي في هذه القضية، جزاكم الله خيراً، وأرجو أن تسامحوني.

    1.   

    باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به

    الباب الثالث والأربعون: باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به.

    والسعي بين الصفا والمروة للمتمتع يكون مرتين؛ لأن العمرة الأولى لا تتم إلا بطواف وسعي، والحج لا يتم إلا بطواف وسعي.

    أما القارن فإن عمرته تتم بغير سعي إذا كان سيسعى مع طوافه في يوم النحر، يعني: أن القارن إما أن يؤخر السعي، وإما أن يعجل السعي، فإذا عجل السعي فالسعي في يوم النحر مستحب وليس واجباً.

    أما المفرد إذا أخره فالسعي في يوم النحر في حقه واجب؛ لأن المفرد ليس له إلا سعي واحد.

    قال: [عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أو قلت لها: إني لأظن رجلاً لو لم يسع بين الصفا والمروة ما ضره، قالت: لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]... إلى آخر الآية، فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة]، يعني: عروة بن الزبير يقول لـعائشة : أنا أرى أن واحداً حج أو اعتمر ولم يسع بين الصفا والمروة ليس عليه حرج، وأن السعي بين الصفا والمروة إنما أذن فيه الشارع لبيان مسألة عقدية كانت على أيام الجاهلية؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].

    فوقف عند قوله: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ [البقرة:158] يعني: المسألة ليست عزيمة، فالذي يريد أن يسعى فلا جناح عليه، والذي لا يريد لا شيء عليه، فلا جناح عليه أن يطوف بهما.

    قالت عائشة رضي الله عنها له: لو كان الأمر كما تقول لكان: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما؛ يعني يطوف أو لا يطوف، إذا كنت تعتبر أن هذا الطواف أو السعي بين الصفا والمروة من باب الاستحباب لكان سياق الآية يختلف عن سياق المتواتر، فلا جناح عليه ألا يسعى، فالآية ليست كما تظن أو كما فهمت، بل الآية حجة عليك، وليست حجة لك، فهي تريد أن تقول له: أنت لا تفهم الحديث إلا إذا عرفت سبب ورود الحديث، ولا تفهم الآية إلا إذا عرفت سبب نزول الآية، فقوله تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، كانت الأنصار في الجاهلية يعبدون صنمين هما: إساف وكان على الصفا، ونائلة وكانت على المروة، ثم تحول الصنمان إلى حجر الكعبة، ثم إلى جوار الكعبة، فكانوا يسعون بين الصفا والمروة لأجل عبادة الصنمين.

    فالأنصار لما دخلوا في الإسلام وأتوا إلى مكة معتمرين تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ لأنهم كانوا يسعون في الجاهلية عبادة للأصنام. فقولها: إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يبلون في الجاهلية لصنمين على شاطئ البحر يقال لهما: هتاف ونائلة، وقولها: على شاطئ البحر هذا خطأ، وإنما الذي كان على شاطئ البحر شيء آخر.

    قالت: ويأتون إلى الصفا والمروة فيعبدون هذين الصنمين، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونه في الجاهلية، أي: يطوفون بين الصفا والمروة لعبادة الصنمين.

    قالت: فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، أي: ليستا عبادة الصنمين، وإنما هما من شعائر الله، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ [البقرة:158] أي: فلا يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة كما كان يطوف في الجاهلية، فإنه الآن من شعائر الإسلام.

    قال: [قال عروة: قلت لـعائشة: (ما أرى علي جناحاً ألا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: لم؟ قلت: لأن الله عز وجل يقول: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، قالت: لو كان كما تقول لكان: (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية -ومناة هذه هي التي كانت على شاطئ البحر- فإذا دخلوا الحرم توجهوا إلى الصفا والمروة فعبدوا هذين الصنمين، فيطوفون بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي صلى الله عليه وسلم للحج ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)].

    قولها: فلعمري هذا قسم، (ما أتم الله حج امرئ أتى للحج ما لم يطف بين الصفا والمروة)، يعني تريد أن تقول له: إن السعي هذا ركن من لم يأت به فلا حج له.

    1.   

    باب بيان أن السعي لا يكرر

    الباب الرابع والأربعون: باب بيان أن السعي لا يكرر.

    وهو أن السعي لا يكرر في حق القارن، وهذا الكلام قدمناه، والمتمتع يكرر سعيه، والمفرد لا سعي عليه إلا سعياً واحداً، فالقارن الذي ساق الهدي من الميقات ولم يتحلل بعد عمرته انتظاراً للإهلال في يوم التروية عليه سعي واحد.

    قال: [وقال جابر : (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً)].

    وفي الدروس الماضية تكلمنا مراراً وأثبتنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قارناً.

    ومعنى قول جابر: (ما طاف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً)، أي: ولا أصحابه الذين ساقوا الهدي.

    أما من لم يسق الهدي فإنه يجب عليه سعيان، وهو المتمتع.

    1.   

    باب بيان وقت استحباب الرمي

    الباب الثالث والخمسون: باب بيان وقت استحباب الرمي.

    والرمي رميان: رمي في يوم النحر، ورمي في أيام التشريق.

    ورمي الجمرات بحصى الخذف، فإذا زادت عن ذلك أو نقصت جاز مع الكراهة، لكن على أية حال: يكره إذا تعمد الملتقط أن يلتقط أصغر من حصى الخذف أو أكبر، أما من لم يجد إلا أكبر أو أصغر فلا حرج عليه.

    فمثلاً: لا يلتقط المحرم حصى خذف مثل حبة الأرز، وإن فعل سيجزئه لكن مع الكراهة.

    ولا يلتقط سبعة أحجار كبار تقع في وجوه الناس من الناحية المقابلة له، ويعتبر أن هذه عبادة، فعلى اعتبار أنه لو رمى بحصى الخذف وجاءت في وجوه المقابلين له لا تضرهم، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف فقال: (إنه لا ينكأ عدواً، وإنما يفقأ العين).

    وقد كنا نخذف ونحن نرعى الأغنام، والحمد لله ما من نبي إلا ورعى الغنم.

    فباب بيان وقت استحباب الرمي.

    قال: [عن جابر قال: (رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى -ويوم النحر هو يوم العيد- وأما بعد -أي: وأما بعد يوم النحر- فإذا زالت الشمس)].

    إذاً: الجمرة جمرتان: جمرة العقبة الكبرى، وهي التي ترمى فقط يوم النحر، ورميها ضحى، ويجوز أن ترمى إلى وقت المغرب، لكن أحب الأوقات في رميها الضحى بعد أن تنزل من مزدلفة إلى منى.

    وجمرة العقبة الكبرى في منى، لما تنزل من مزدلفة ستنزل إلى منى يوم النحر بعد الشمس، وقدر المشي ساعة ما بين مزدلفة إلى منى، فإذا وصلت إلى منى وبحثت عن جمرة العقبة الكبرى كنت في وقت الضحى، ولذلك يجوز أن تلتقط حصى الخذف الذي ترمي بها جمرة العقبة من مزدلفة، أو من طريقك إلى منى، أو من منى نفسها.

    وبعض الحجاج في ليلة المبيت بالمزدلفة يبيتون مهمومين ومنشغلين بجمع سبع حصيات لكي يذهبوا إلى منى وينطلقوا منها مباشرة.

    والخطأ الثاني أيضاً: بعض الحجاج يطيب حصى الخذف وهو محرم، والمحرم لا يجوز له أن يستعمل الطيب، فهو عندما يطيب هذه الحصيات سيمس من الطيب، وهذا خطأ كبير أيضاً.

    بعض أهل العلم هناك يفتي بوجوب الدم؛ لأن هذا تنطع في عدة مسائل، فالصحابة ما غسلوا الحجارة، لأن الأصل فيها الطهارة، لحديث: (جعلت لي الأرض طهوراً) أي: الأرض كلها بحصاها وترابها ووحلها وطينها طهور.

    لكن قد يقال: نحن نطيبها لأنها تقع في يد الله عز وجل، من الذي نص على أن هذه الحصيات تقع في يد الله إذا رميتها؟!

    والشيعة عليهم لعنة الله لا يلتقطون الحصى إنما يلتقطون أكياس الدم، فكل واحد منهم يأتي بسبع أكياس دم، وهذه إشارة لمقتل الحسين ، فهم يرجمون الشيطان بأكياس الدم.

    تصور أن كل شيعي يرمي بسبعة أكياس دم، والأكياس تقع في محل الشاهد فتنفجر، فيرجع الدم على الحجاج، فهذا بلاء عظيم مع ما في هذا اليوم من شدة الزحام، والذي يسقط على الأرض فكبر عليه أربعاً لوفاته، سواءً كان كبيراً أو صغيراً، رجلاً أو امرأة، فلا مجال أبداً لحياته إلا أن يأذن الله تبارك وتعالى له بذلك.

    فحصى الخذف لا تغسل ولا تطيب ولا شيء من هذا، وتلتقط من أي مكان، ولا مانع للحاج -وهذا يحصل لما يأتي يوم عشرين من ذي القعدة- أن يأخذ من بلاده حصى فيضعها في الشنطة مثلاً ويحافظ على هذه السبع الحصيات.

    والسؤال: هل يجوز رمي الجمرة أياً كانت: الوسطى أم الصغرى أم الكبرى بجمار رمي بها من قبل؟ والجواب: لا يجوز، إنما الجمرة يرمى بها مرة واحدة.

    ولذا فإن عربيات البلدية هناك تقوم برفع كل هذا الحصى وترميه بعيداً في الجبل؛ من أجل اليوم الثاني يرمي الناس الجمرات بحصى جديدة، وقد يلتقط الناس ثاني يوم أو ثالث يوم أو رابع يوم الذي هو ثالث أيام التشريق نفس الجمرات التي رموا بها بالأمس أو قبل الأمس، لكن هذا لا يضر، لأن الذي يغلب على الظن: أن هذه الجمار التي تلتقط من بعيد لم يرم بها، إنما التي رمي بها هي التي تأخذها من الجو، أو التي أخذتها في أثناء الرمي من محل الشاهد نفسه، أو من البير نفسه، فإن الموجود في هذا البير يقيناً عندك أنه قد رمي به، فلا يجوز التقاطه مرة أخرى، إنما إذا مررت بالجبل والتقطت منه وإن رمي به ألف مرة فإن الأصل فيه عدم الرمي، وهذا جهل لا يضرك.

    فمن شك هل رمي بها أو لم يرم بها، فالأصل عدم الرمي ما دامت بعيداً.

    والحوض لابد أن تقع الحصى فيه، ولا يصح الرمي إلا أن تقع في الحوض نفسه.

    جابر رضي الله عنه يقول: (رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر) وهي جمرة العقبة الكبرى، أما الكبرى والوسطى والصغرى فهي ترمى في أيام التشريق الثلاثة إلا لمن تعجل، كما قال تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203].

    يعني: الذي هو مستعجل ويريد أن يسافر أو ينطلق، ولذلك المتعجل لا يجوز له أن يبقى في مكة رابع أيام التشريق، ولذلك قال: لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] يعني: هذه المسألة مربوطة بتقوى الله عز وجل، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203]، يعني: التعجيل والتأخير كله بتقوى الله عز وجل، فمن كان في حاجة إلى الاندفاع والانطلاق من مكة لعجلته وعدم فراغه فله أن يجمع رابع أيام العيد، أو ثالث أيام التشريق إلى اليوم الذي قبله، فيرمي كل جمرة بأربع عشرة، سبع ليومه وسبع لغده، وهذا معنى التعجيل.

    لكن رمي جمر العقبة الكبرى يكون يوم النحر لوحدها، والرمي أفضل أوقاته وقت الضحى، ويستمر الرمي أو وقت الجواز إلى غروب الشمس.

    وأما أيام التشريق التي هي يوم ثاني العيد وثالث العيد ورابع العيد إلى صلاة العصر، فيكون رمي جمرة العقبة والجمرة الصغرى والوسطى بعد الزوال، أي: بعد زوال الشمس، يعني: بعد وقت الضحى حتى إذا أسفر صلى الصلاة، ولو أخر الصلاة ولم يصل بغلس، يعني هو صلى في منى يوم التروية بغلس، وصلى في مزدلفة عند سقوط الشمس، فمعناه: أنه أخر صلاة الصبح إلى هذا الوقت، على أي حال هذه المسألة تراجع أو ننظرها.

    قال: (وأما بعد) أي: وأما بعد يوم النحر فهي أيام التشريق لكل جمرة سبع حصيات، فيكون الرمي بعد زوال الشمس أي: في الجمرات الثلاث.

    1.   

    باب بيان أن حصى الجمار سبع

    الباب الرابع والخمسون: باب بيان أن حصى الجمار سبع.

    قال: حصى الجمار، ولم يقل: حصى الجمرة الكبرى.

    أيام التشريق فيها رمي الجمرات الثلاث، بخلاف يوم النحر، ففيه رمي جمرة العقبة الكبرى فقط بسبع حصيات.

    قال: [قال جابر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الاستجمار تو، ورمي الجمار تو، والسعي بين الصفا والمروة تو، والطواف تو، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو)].

    يريد أن يقول لك: إن العدد سبعة مستحب في بعض العبادات، وواجب في البعض الآخر.

    1.   

    باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر

    الباب الثامن والخمسون: باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.

    قال: [يقول ابن عمر : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى).

    قال نافع: (فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله)].

    يعني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، بمعنى: طاف طواف الإفاضة، فالنبي عليه الصلاة والسلام في يوم النحر طاف طواف الإفاضة، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.

    إذاً: أول مافعله النبي عليه الصلاة والسلام هو أنه أتى من مزدلفة إلى منى ثم رمى جمرة العقبة، ثم حلق، ثم ذبح، ثم انطلق إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وسعى بين الصفا والمروة، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر.

    والنبي صلى الله عليه وسلم حج في ذلك الوقت راكباً، وهذا أخص.

    قال: [وعن عبد العزيز بن رفيع قال: قلت لـأنس بن مالك : (أخبرني عن شيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النحر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل ما يفعل أمراؤك)].

    يعني: أنت ليست لك علاقة بالنبي عليه الصلاة والسلام، إنما النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا لأنه الأحسن، لكن لا يمنع أن يكون هناك خلاف الأحسن وهو الجائز، يعني خلاف المستحب الجائز أو المباح.

    فقال له أنس رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كيت وكيت، لكن لا يلزمك هذا، إنما الذي يلزمك هو اتباع الأمراء؛ لأن مخالفة الأمير سبب فتنة عظيمة، ونحن في الدروس الماضية ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة بمنى، وأبو بكر وعمر قصرا الصلاة بمنى، إلا عثمان رضي الله عنه فإنه صلى أربعاً، وصلى خلفه ابن مسعود رضي الله عنهما أربعاً، فقيل لـابن مسعود : لمَ صليت وقد علمت أن عثمان خالف السنة في ذلك؟ قال: الخلاف شر.

    يعني: يرضيكم أن ابن مسعود يصلي في مكة ركعتين، ولا يصلي مع الإمام أربعاً، فصلاة الظهر بمنى أربع ركعات جائزة، وإن كان الأولى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو خالف أحد فصلى أربعاً تصح صلاته.

    وهذه السنة العظيمة خفيت على عثمان بن عفان ، وهنالك مسائل مشهورة ومستفيضة عند الصغار قد خفيت على الكبار؛ ليجري الله عز وجل سنته في الخلق مهما بلغت قيمته ومنزلته أنه لا يحظى بالعلم كله.

    وموسى عليه السلام وهو نبي ذهب إلى الخضر وأخذ منه العهود والمواثيق الغليظة أنه لا يعترض عليه، ومع هذا أخطأ ثلاث مرات وأول مرة وثاني مرة قبل عذره، ولما أخطأ في المرة الثالثة فارقه، ولذلك قال له الخضر : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78]، أي: أنت لا تنفع للصحبة أبداً، مع أنه نبي لكنه بشر في النهاية، ولذلك هو معصوم في جهة الشرع، أما في غير جهة الشرع فليس معصوماً.

    ولا يجوز على الأنبياء ارتكاب الكبائر باتفاق، أما الصغائر فالخلاف فيها قائم، والراجح جواز وقوع الأنبياء في الصغائر التي لا علاقة لها بالشرع.

    إذاً: طواف الإفاضة ليس بواجب يوم النحر بل هو مستحب، يعني: يجوز لك أن تؤخره إلى اليوم الثاني والثالث والرابع؛ لأنه مستحب يوم النحر، وليس بواجب، بل بعض أهل العلم قالوا: إنما يجب أداء طواف الإفاضة في شهر ذي الحجة، ومن لم يفعله في شهر ذي الحجة فلا حج له، أي: ما أتم الله حجه كما قالت عائشة رضي الله عنها.

    أما المستحب وهو أن يطوف في يوم النحر، وليس في ليلة الحادي عشر؛ لأن لغة الشرع تفرق بين اليوم والليلة.

    فالليل يطلق على الليل، واليوم يطلق على النهار دون الليل.

    ولذلك فإن الكتب التي عنيت بأعمال اليوم والليلة تجد فيها مثلاً: أذكار اليوم والليلة، أي: أذكار النهار والليل، لأن اليوم يطلق على النهار دون الليل.

    فطواف الإفاضة في يوم النحر مستحب، ولا يتحلل التحلل الأكبر إلا به، أما إذا تحلل التحلل الأصغر بأداء منسكين من بقية المناسك، فإنه يحل له كل شيء إلا النكاح.

    ولا يرخص في ترك المبيت إلا لأهل السقاية، وهم الذين يأتون بالماء من مكة، ويوم التروية سمي يوم التروية لأن الحجاج يتروون فيه، يعني: يأخذون ما يرويهم من العطش من مكة إلى منى.

    وأيام التشريق سميت تشريقاً لأن اللحم كان فيها يشرق بمعنى: أنه يجفف، أو يشقق قطعاً ثم يجفف.

    1.   

    باب وجوب المبيت بمنى

    قال: [باب وجوب المبيت بمنى].

    اعلم أن المبيت بمنى واجب، الذي هو ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لكن هذا الوجوب ينسحب على من بقي في المكان ولو جزءاً يسيراً من الليل.

    فاللغة والشرع يسمحان بإطلاق لفظ المبيت على من أدرك المبيت بمنى، ولو جزءاً يسيراً من الليل.

    ثم اختلفوا هل هذا الجزء اليسير يكون في أول الليل أم في آخره؟ ومن تمكن من البقاء والمبيت بمنى من أول الليل فهذا بلا شك أولى، وأخرج له من الخلاف، وإذا لم يتمكن إلا من البقاء في منى جزءاً يسيراً من الليل من أوله أو من آخره، ما دام أنه لم يتمكن من ذلك إلا على هذا النحو فإنه يجبره.

    وهذه المسألة ستقابلها في منى، فإن بقاءك في النهار ليس بلازم؛ لأن القصد أن ترمي الجمرات الثلاث بعد الزوال.

    فبقاؤك من الفجر إلى الظهر في منى ليس بلازم، بإمكانك أن تنطلق خارج منى، وبقاؤك بعد الزوال إلى غروب الشمس ليس بلازم، إنما لأجل رمي العقبات الثلاث، فإذا رميتها بعد الزوال ثم انطلقت إلى مكة لتحظى بفضل وثواب الصلاة في المسجد الحرام فلك ذلك، يعني أن تذهب فتصلي العصر هناك، ولا بأس أن تصلي المغرب والعشاء هناك، فتكون صليت العصر والمغرب والعشاء، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، أي: بثلاثمائة ألف صلاة، يعني: بحوالي مائة وخمسين ألف يوم في الحياة العادية، أو بمائتي ألف يوم في الحياة العادية لو أن الله تقبل ذلك وأثابك عليه.

    والمبيت في منى أفضل من المبيت بالمسجد الحرام؛ لأن المبيت بالمسجد الحرام لا فضل فيه غير الأمن والأمان، مع أن الأمن والأمان في موسم الحج عموماً، أو في بيت الله عموماً سواءً كان ذلك بالليل أو بالنهار.

    أما إدراك المبيت في منى فإن بعض أهل العلم ذكر أن المبيت لا يكون إلا بإدراك أول الليل، وبعضهم قال: بل آخر الليل يجزئه، ولكن الأحوط أن يحرص الحاج أن يكون من أول الليل إلى آخره في منى حتى يخرج من هذا الخلاف، لكن إذا لم يتمكن إلا بالوقوف ولو ساعة من آخر الليل، أو من أوله فلا حرج عليه إلا أهل السقاية، وهم الذين يخدمون الحجيج بشربهم وطعامهم وغير ذلك بغير عوض.

    كان العباس يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام عدم المبيت بمنى لقيامه على أمر السقاية للحجيج، والحمد لله السقاية في الحج الآن على أعلى مستوى.

    1.   

    باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها

    الباب الواحد والستون: باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها.

    قال: [قال علي : (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه)]، البدن: جمع بدنة، والبدنة في اللغة تطلق على البقرة والبعير والشاة، ولكنها عند الإطلاق تطلق على البعير فقط، قال علي رضي الله عنه: [(أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئاً)].

    يعني: أجر الجزارة تكون مالاً، فلا يأخذ الجزار شيئاً من الذبيحة، وهذا الحكم ينسحب على الأضاحي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث).

    يعني: كان حتى لو بقي ولم يتلف لا يأكله.

    ثم أتى الناسخ لهذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث ألا فكلوا وادخروا)، يعني: الآن كلوا وادخروا بخلاف الأول فإنه لم يكن يحل لأحد أن يدخر فوق ثلاثة أيام.

    ولا يعطى الجزار على سبيل الإجارة والعوض منها شيئاً، فإذا سقت الهدي من الميقات، وقلدته وأشعرته فقد أوقفته على الله عز وجل، فهو كالنذر تماماً، فلا يجوز لك أن تبيع شيئاً من هذه الذبيحة، ولا ترم حتى الظفر ولا ينتفع به أحد، ويحرم عليك أن تبيع شيئاً من النذر أو الأضحية أو العقيقة أو الهدي، وأما النذر فيحرم عليك أن تأكل منه شيئاً؛ لأنك نذرتها لله عز وجل، وإن كان النذر مكروهاً؛ لأن النذر إنما يستخرج به من البخيل.

    والبخيل جعل الله تبارك وتعالى أهون الناظرين إليه، وأهون أصحاب الحقوق عليه، فظل يلتمس لنفسه الأعذار حتى يتخلص من أداء حق الله عز وجل له.

    فلا يجوز للناذر أن يأكل من نذره شيئاً، ولا من يعولهم، أي: من تلزمه نفقتهم، ويجب إخراج النذر كله لله عز وجل، دون أن ينتفع منه بشيء إلا بالثواب الذي دفعه للتخلص من هذا النذر لله عز وجل.

    أما الأضحية فلك أن تأكل منها، وتهدي وتتصدق منها قياساً على الهدي، فإن للمهدي أن يأكل من هديه، وأن يتصدق منه بالثلث الثاني، وأن يهدي منه الثلث الثالث، فإن تصدق بها كلها كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فهو حسن، وهذا عين الكمال والتمام، والنبي عليه الصلاة والسلام ذبح عدداً عظيماً جداً بلغ ستين ناقة، وأمر علي بن أبي طالب أن يتصدق بكل شيء فيها بحيث لا يبقي منها شيئاً، وهذا عين الكمال والتمام الذي لا يكاد يصدر إلا عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.

    والشاة لا يصح فيها الشراكة، وأما البدنة التي هي البعير أو البقرة، فإنها تصح وتشرع لسبعة، وللآكل أن يأكل من الهدي ما شاء.

    وسن الحياة محل خلاف؛ لأن تحديد السن ليس فيه دليل، وأقل عمر الشاة أن يكون ثمانية شهور، وأكثره ألا يزيد عن سنة، لكن لو أنه قدم أقل من ثمان، أو أكثر من عام فإنه يجزئ؛ لأنه لا دليل في التنصيص على هذه القضية المعينة.

    1.   

    باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض

    الباب السابع والستون: باب وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض.

    طواف الوداع في الحج بلا خلاف واجب على الحجاج، ويجوز لك الجمع بالنية بين طواف الإفاضة الذي هو ركن، وبين طواف الوداع الذي هو واجب، وطواف الإفاضة في يوم النحر، وسمي الإفاضة لأن الإنسان يفيض من منى إلى مكة، أي: ينزل من منى إلى مكة، ثم يرجع إلى منى فيبقى بها ثلاثة أيام، فمن انطلق من منى إلى مطار جدة ليركب الطائرة أو الباخرة ولم يطف طواف الوداع فإن عليه دماً؛ لأن طواف الوداع للحج واجب، وبعض أهل العلم قالوا باستحبابه للمعتمر.

    والصواب بل الصحيح: أنه لا طواف وداع للمعتمر أياً كانت عمرته في أي وقت من السنة شاء.

    أما طواف الوداع فواجب، وقيل: سنة، والراجح أنه واجب يجبر بدم، يعني: من فرط فيه أو قصر فيه فعليه الدم حتى لو تركه ناسياً أو جاهلاً، فإنه يرتفع عنه الإثم وتبقى عليه الكفارة، وهي: ذبح شاة لفقراء الحرم.

    فالذي يطوف طواف الإفاضة في يوم النحر يلزمه بعد انتهائه من الحج طواف آخر هو طواف الوداع، ولو أخر طواف الإفاضة لليوم الثالث أو الرابع، وجمع بالنية بينه وبين طواف الوداع جاز ذلك وأجزأه، لكنه لا يعجل ويقدم طواف الوداع مع طواف الإفاضة ويطوفهما طوافاً واحداً في يوم النحر لاختلاف الزمان.

    وسمي طواف الوداع وداعاً لأنك ستغادر مكة بعده مباشرة، ولذلك ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم الاتجار بعد طواف الوداع؛ لأنه سيطوف طواف الوداع وينطلق من المسجد الحرام إلى سفره مباشرة، فلا يجوز ولا يصح أن يطوف إنسان في يوم النحر مع طواف الإفاضة مع أنه يعلم أنه يبقى أكثر من ثلاثة أيام في منى أو في بلد الله الحرام.

    وفي صحيح مسلم وعند البخاري كذلك أن الحاج لا يجوز له البقاء في مكة بعد أداء الحج ثلاثة أيام إلا أن يكون مجاوراً، يعني: إلا أن ينوي البقاء في مكة، أما الذي أتى إلى الحج فبعد ثلاث ينطلق.

    قال: [قال ابن عباس: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)] أي: بالطواف، يعني الناس لما كانوا يرمون الجمرات في ثالث أيام التشريق ثم ينطلق كل واحد منهم إلى حال سبيله، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا ينصرفن أحدكم -أي: بعد أداء الحج- حتى يكون آخر عهده بالبيت) بالطواف.

    وهذا بخلاف طواف الإفاضة.

    وفي حديث ابن عباس : [(أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)].

    يعني: المرأة الحائض ليس عليها طواف وداع، إنما عليها طواف الإفاضة، ولكنها تؤخره حتى يرتفع عنها الدم، وأهل العلم في هذا الزمان يفتون بجواز أن تتعاطى المرأة أدوية ترفع الدورة حتى يتم حجها؛ وعائشة لما حاضت في الحج كان الأمر بيد النبي عليه الصلاة والسلام، فكان له أن يصدر أوامره للصحابة كلهم بالبقاء في مكة اليوم الثاني والثالث إلى أن تنتهي الدورة.

    أما الآن فيطلب منك أن تكون في المطار الساعة كذا، وفي الميناء الساعة كذا، وإن تأخرتم فإنه سيترككم.

    فالعلماء جوزوا أن تتعاطى المرأة أي أدوية ترفع الدورة وتحتفظ بها حتى يتم حجها، أو تتم عمرتها.

    أما الصيام فليس في ذلك ضرورة، إنما في ذلك تنطع.

    1.   

    باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره

    باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره.

    قال: [عن عبد الله بن عمر : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من الجيوش -يعني: من الغزو- أو السرايا، أو الحج، أو العمرة إذا أوفى -يعني: إذا بلغه- على ثنية، أو فدفد -يعني: إذا صعد شيئاً مشرفاً عالياً- كبر ثلاثاً)].

    وهذه السنة لما تكون مسافراً تطلع على كبري، أو على تبة، وأنت طالع الكبري أو التبة فتقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، سائحون -أو ساجدون -ومعنى (آيبون) يعني: راجعون منيبون- لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده.

    وهذا يسن لمن رجع من سفر الطاعة كرجوع الجيش من الغزو، أو رجوع الحاج من الحج، أما السفر العادي فلا يسن فيه: (صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).

    وفي رواية: أنه كبر مرتين، ولا بأس أن يكبر ثلاثاً لورود ذلك أيضاً.

    1.   

    باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة

    الباب التاسع والسبعون: باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة.

    قال: [قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة -يعني: لا يوجد يوم أكثر عتقاً من الرقاب من النار أكثر من يوم عرفة- وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)]، أي: يرجون رحمتك، ويخافون عذابك كما في بقية الحديث الآخر، قال: (يرجون رحمتي ويخافون عذابي، ولم يروه)، أي: ولم يروا عذابي، فكيف لو رأوه.

    فقوله: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) لا يتعارض مع حديث: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)، ووجه الجمع بين الحديثين:

    أن خير أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، وخير أيام السنة هو يوم عرفة.

    والدنو دنو حقيقي يليق بالله عز وجل، والإمام النووي عليه رحمة الله كان يقع في التأويل أحياناً، وتلاميذه من فحول أهل العلم اعتذروا عن النووي بأنه لم يتقن مسائل العقيدة، وتصدر للتصنيف والتأليف في الفقه والأصول وغير ذلك قبل أن يستيقن من مسائل الاعتقاد، فكلما مرت عليه المسألة في أثناء تصنيفه تكلم فيها ونقل فيها عن أهل العلم، فتارة ينقل، وتارة يسكت، وتارة يوافق المتأولة.

    وله تأثر بعلماء زمانه ومشايخه، وأنهم كانوا متأولة، فقد كانوا في العقيدة أشاعرة، فقد قال النووي في شرحه لهذا الحديث: قال القاضي عياض : قال المازري : معنى ( يدنو ) أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة.

    وهذا تأويل أيضاً، لأن دنو الرحمن صفة فعل لله عز وجل، وصفة أفعاله لا يعلم كيفيتها إلا الله عز وجل، كما لا يعلم صفات ذاته إلا هو سبحانه.

    فأهل السنة يثبتون جميع الصفات لله عز وجل على المعنى اللائق به، ولا نخوض فيها بكيف ولا تأويل، إنما نؤمن بها كما جاءت ونمرها كما أمرها سلفنا رضي الله عنهم، وهذا أسلم وأحكم وأعلم.

    1.   

    باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة

    الباب الثاني والتسعون: باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة

    والإمام النووي قد أثبت يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبر في بيته، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: (ما بين قبري ومنبري) وهو لا يعرف مكان القبر، وأنتم تعلمون أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وهذه سنة خاصة بالأنبياء.

    رجل صوفي بنى مسجداً، وحفر لنفسه قبراً، ولما مرض واشتد عليه المرض قال: أنا سأمكث في المسجد من أجل إذا مت أدفن فيه.

    ولو كان هذا الرجل صادقاً لكان ينام دائماً في القبر لا في الغرفة من أجل أن يدفن في الناحية التي مات فيها، ولما تحقق الإمام النووي من موته لم يتحرج أن يقول: ما بين القبر ومنبر المسجد النبوي روضة من رياض الجنة، والمقصود بالبيت هو بيت عائشة الذي مات فيه النبي عليه الصلاة والسلام وصار بعد ذلك قبراً له صلى الله عليه وسلم.

    أما قوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين قبري ومنبري) فهذا حديث غير صحيح، والصحيح: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).

    واختلف العلماء في معنى قوله: ( روضة من رياض الجنة ):

    القول الأول: أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة؛ لأنه موضع من مواضع الجنة وروضة من رياضها.

    والثاني: أن العبادة فيه تؤدي بصاحبها إلى الجنة.

    قال الطبري : المراد ببيته هو القبر، قاله زيد بن أسلم .

    والثاني: المراد بالبيت: سكناه، يعني على ظاهره، وإن كان القولان كلاهما يؤدي إلى معنى واحد، لكن حرص الناس على أن يصلوا في الروضة هذا حرص مشكور؛ لأن العبادة في هذا الموطن لها فضل يختلف عن غيره، وحرص الناس أحياناً يؤدي إلى وقوع مفسدة عظيمة جداً خاصة مع الزحام الشديد.

    ولذلك فإن هناك مآسي منها ما يفعله غالب الحجاج كالباكستانيين والهنود وغيرهم كل واحد فيهم يجلس في الطابور من أجل أن يصلي ركعتين في الروضة.

    1.   

    باب أحد جبل يحبنا ونحبه

    الباب الثالث والتسعون: باب أحد جبل يحبنا ونحبه.

    أي: باب إثبات أن جبل أحد يحبنا ونحبه.

    جاء في حديث أبي حميد الساعدي أنه قال: [(خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك -... وساق الحديث وفيه- ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث، فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: هذه طابة -أو طيبة، أو طِيبة وهي المدينة- وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه)].

    وفي رواية: (إن أحداً جبلٌ يحبنا ونحبه)، والسبب لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    وبعض أهل العلم يتأول هذا الحديث فيقول: يحبنا أهل الجبل من الإنس والجن والملائكة، لكن هذا تأويل، ولا يمنع إجراء هذا الحديث على ظاهره، وأن الله تعالى يرزق هذا الجبل الأصم تمييزاً يحب به ويبغض، كما أنطق الله عز وجل الجمادات والأحجار والمياه والحيوانات والطيور للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الحديث من معجزاته الكثيرة عليه الصلاة والسلام، فإن الله ميز بعض الجمادات وأعطاها تمييزاً لتبكي وليعز عليها فراق النبي عليه الصلاة والسلام، أو لتستجيب لأمره عليه الصلاة والسلام، أو تنتهي بنهيه عليه الصلاة والسلام، فلا مانع أن يرزق الله تعالى ذاك الجبل تمييزاً يحب به ويبغض، فأحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأحب أصحابه، وأحب المسلمين الموحدين جميعاً؛ لأن قوله: (إن أحداً جبل يحبنا ونحبه) (يحبنا) أي: نحن المسلمين، وقيل: الصحابة.

    والراجح: أن هذا اللفظ عام يطلق ويراد به عموم الموحدين وعموم المسلمين، ولذلك: (لما صعد النبي عليه الصلاة والسلام جبل أحد هو وأبو بكر وعمر وعثمان فارتجف الجبل واهتز، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).

    فثبت أحد، ولما يرتجف بعد ذلك، وهذا يدل على أن الله تعالى رزق الجبل تمييزاً، فائتمر بأمره عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي

    الباب الرابع والتسعون: في إثبات فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.

    قال: [قال النبي عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)].

    فإذاً: الصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام أحسن من جميع المساجد بألف صلاة، أما المسجد الحرام فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة.

    قال: [قال أبو هريرة رضي الله عنه: (صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد)].

    يعني: آخر المساجد التي لها هذا الفضل، والمسجد الأقصى هو مسجد داود وسليمان عليهما السلام، ونحن أحق بداود وسليمان من اليهود عليهم لعنة الله، وإثبات الفضل لهذه المساجد، لأن الذي بناها أنبياء، فإن أول من أسس قواعد البيت الحرام وكذلك المسجد الأقصى هو آدم عليه السلام، وهذا الذي رجحه الحافظ ابن كثير ، وابن تيمية وغيرهما من أهل العلم.

    والذي رفع القواعد في البيت الحرام هو إبراهيم وإسماعيل، والذي رفع القواعد في المسجد الأقصى هو داود وسليمان.

    والذي بنى المسجد النبوي هو النبي عليه الصلاة والسلام.

    فيقول أبو سلمة : لم نشك أن أبا هريرة كان يقول الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منعنا ذلك أن نستثبت أبا هريرة عن ذلك الحديث، حتى إذا توفي أبو هريرة تذاكرنا ذلك، وتلاومنا ألا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك حتى يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان سمعه منه، فبينما نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ ، فتذاكرنا ذلك الحديث، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ : أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد).

    فهذا الحديث قد ورد موقوفاً ومرفوعاً من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    قال: [عن ابن عباس أنه قال: (إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فأصلين في بيت المقدس -يعني: كانت وجعة مريضة، فنذرت لله عز وجل إذا شفاها أن تخرج إلى بيت المقدس لتصلي به- فبرئت ثم تجهزت تريد الخروج، واستعدت للرحلة من المدينة إلى الشام، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسلم عليها فأخبرتها ذلك وقالت: اجلسي وكلي ما صنعت -أي: كلي الأكل الذي أنت عملتيه ومتزودة به في الطريق- وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)]، الذي هو البيت الحرام.

    فـميمونة رضي الله عنها اجتهدت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على جواز الاجتهاد عند الصحابة، وعدم الرجوع في اجتهادهم أحياناً إلى النبي عليه الصلاة والسلام إذا كانت الحجة واضحة وظاهرة.

    كما أن في هذا الحديث جواز العدول عن عين النذر إلى ما هو أفضل منه، فإن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فهي تجزئ عن الصلاة المنذورة في المسجد الأقصى.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).

    وشد الرحال: هو اتخاذ الرحلة إلى هذه المساجد.

    الإمام أبو محمد الجويني يقول: يحرم شد الرحال إلى غير هذه المساجد، والإمام النووي يقول: هذا الكلام غلط، والصواب: هو مذهب الجمهور، أن هذا الحديث فيه فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال إليها؛ لأن معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها، فمهما شددت رحالك إلى جميع المساجد في بقاع الأرض، فليس لها فضل شد الرحال كما لهذه المساجد، ولا ينفي ذلك جواز شد الرحال إلى غيرها لطلب العلم أو غيره.

    وعبارة يحرم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، لم يقل بها إلا الإمام الجويني فقط، وغلطه وخطأه أهل العلم، وحملوا الحديث على أنه لا فضيلة في شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا لا ينفي أن تشد الرحال إلى غير هذه المساجد، لكن ليس لها فضل شد الرحال كفضل شد الرحال إلى الثلاثة المساجد.

    يعني: كأن الحديث معناه: لا فضيلة في شد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة.

    فمن ذهب مثلاً من القاهرة إلى قليوب أو إلى غيرها لسماع محاضرة -مثلاً- فإن هذا من شد الرحال، فعلى مذهب أبي محمد الجويني يحرم، وعلى مذهب علماء الأمة أن هذا الفعل جائز، لكن ليس فيه فضيلة شد الرحال كما في هذه المساجد الثلاثة.

    ونريد أن نبين مسألتين:

    المسألة الأولى: ذكر اسم الشيخ بالقدح مناف للأدب في طلب العلم، والأفضل أن يقال: ما بال قول فلان من الناس، أو ما الرد على من يقول كذا هل توافق عليه أو تخالفه؟ وإذا خالفته ووافقته فما الحجة في ذلك؟ أما ذكر اسم الشيخ في مجلس غير مجلس الشيخ، فهذا من إساءة الأدب في طلب العلم، لابد أن تعلم هذا أنت وغيرك.

    المسألة الثانية: ما المانع أني أذهب إلى المسجد الفلاني، لعلمي بأن هذا الإمام أتقى الأئمة، أو أحسن الأئمة قراءة، أو أنداهم صوتاً، وأنت تعلم أن الشرع ندب إلى كل هذا، وأن أهل السنة إنما يحرصون كل الحرص على إتيان الصلاة خلف أفضل الأئمة.

    سمعت الشيخ المنشاوي يقرأ: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:1-3]، ثم يرجع فيقول: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:2-3]، والقسم بالقرآن المجيد جائز، لأنه صفة من صفات الله عز وجل، وكلام الله عز وجل صفة من صفاته، والصفات يجوز الحلف بها.

    والشيخ علي درويش قصد عدم ترك مسجد الحي وهجره، والذهاب إلى مسجد بعيد، ولم يحمله على شد الرحال، والشيخ علي درويش شيخ معتبر على كل حال.

    ورأيي هو تحري الصلاة خلف أفضل الأئمة وإن بعد المسجد، ولا فرق في ذلك بين طلب العلم، وانتقاء الإمام.

    1.   

    باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم

    باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم كما جاء في كتاب الله عز وجل هو مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هو مسجد قباء كما هو مشهور عند الناس.

    قال: [(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله! أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة - قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره)].

    ليس معنى ذلك: أن مسجد قباء ليس له فضل، بل لقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ركعتان في مسجد قباء تعدل عمرة).

    والصلاة في مسجد قباء تعدل ثواب عمرة، لكن عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال ابن عمر : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء راكباً وماشياً).

    وعنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباءٍ راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين).

    وكان يأتيه كل يوم سبت، وفي هذا جواز تخصيص يوم من أيام الأسبوع لعبادة معينة، كما يقول الإمام النووي في ذلك.

    قال: (وفي هذا الحديث بيان فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وفضيلة زيارته، وأنه تجوز زيارته راكباً وماشياً، وهكذا جميع المواضع الفاضلة تجوز زيارتها راكباً أو ماشياً، وفيها أنه يستحب أن تكون صلاة النفل بالنهار ركعتين كصلاة الليل.

    وقوله: كل سبت، فيه جواز تخصيص بعض الأيام للزيارة، وهذا هو الصواب وهو قول الجمهور، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث ولله الحمد والمنة)، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.