إسلام ويب

خطبة عيد الأضحى المبارك 1407ه [1]للشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى بعث إبراهيم عليه السلام بالحنيفية السمحة، وأمره أن يعلن الحج إلى بيت الله الحرام بعد بنائه له، ثم بعث محمداً صلى الله عليه وسلم على هذه الملة، وحول القبلة إلى الكعبة، فهذا شرف لهذا البيت الحرام، وشرف لأهله، وأمر داع إلى أن يعتصم الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالدين واحد، والقبلة واحدة، والرسول واحد، والتفرق مذموم، والركون إلى أعداء الله من نواقض هذا الدين.

    1.   

    مكانة بيت الله وميزاته في الإسلام

    الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر! خلق الخلق وأحصاهم عدداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.

    الله أكبر! عنت الوجوه لعظمته، عز سلطانه، وعم إحسانه.

    الله أكبر! كلما ذكره الذاكرون، الله أكبر! عدد ما هلل المهللون، وكبَّر المكبرون، وسبح المسبحون.

    الله أكبر! كلما أحرموا بالحج ملبين، وقصدوا البيت الأمين، فطافوا وسعوا، وشربوا من زمزم، وصلوا خلف المقام، والتزموا الملتزم.

    الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، فتح أبوابه للتائبين، ورحمته قريبٌ من المحسنين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه رحمةً للعالمين، أدَّى الرسالة، ونصح الأمة، وبلَّغ البلاغ المبين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته أجمعين، ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    الله أكبر ... الله أكبر لا إله إلا الله .. والله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد.

    أما بعــد:

    فيقول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26] بيت الله المعظم هو رمز الحنيفية السمحة ... ملة إبراهيم ... إمام الحنفاء، جعل الله به الأسوة بالدين، وبه الاقتداء في البراءة من الشرك وأهله: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ [الممتحنة:4] وأمر نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم باتِّباع هذه الملة، والسير على هذه الطريقة، قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123] فجدد المصطفى هذه الملة، وأنار السبيل، ودعا إلى عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فالعبادات بأنواعها محض حق الله، فلا معبود بحقٍ إلا الله، الواحد الأحد الفرد الصمد، فالدعاء لله وحده، والخوف والرجاء من الله وحده، والشفاعة لله جميعاً، هذا هو أصل الدين وقاعدته، وهو منطلق هذه البيت المشرف، وأخص خصائصه، فيطهر من الشرك ورجس الأوثان، وتلتقي عليه جموع المؤمنين الموحدين، وتتوجه إليه الأبدان والأفئدة، تلك خصيصة ظاهرة.

    الأمان والحرمة للبيت الحرام وأهله

    وخصيصة أخرى وميزة عظمى لهذا البيت ولأهله ووفوده تلك الخصيصة المتمثلة في قول الحق تبارك وتعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة:125] فما برح بحفظ الله وكنفه يطاول الزمان في منعة من الله وأمان، يتطلع إليه المسلمون، ويتنافس في تفيؤ ظلاله المتنافسون، يعيشون في أمنه وأمانه، وتوافر أرزاقه، وتكاثر خيراته قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص:57].

    حرمة زعزعة أمن الحرم

    تلك نعمة يفيض بها الله على هذا البيت وأهله وقاصديه يمتن بها عليهم.

    وإن مما يتنافى مع حرمة هذا البيت، ومع أمن هذا البيت: السعي في زعزعة أمن آمنيه، وبث القلاقل فيهم، وإحداث الفتن بينهم، وإثارة الشغب حولهم.

    كيف وقد خاطب الله أهل الإيمان، وناداهم بنداء الإيمان؛ لتجنب امتهان حرمة شعائر هذا البيت، زماناً ومكاناً، فقال عز من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2]؟! فكيف يكون حال من لم يُعظِّم شعائر الله ولا الشهر الحرام؟!

    واجب المسلمين نحو بيت الله الحرام

    إن واجب كل مسلم أن يسهم في تهيئة الجو الآمن المطمئن؛ ليؤدي حجاج هذا البيت مناسكهم، ويقفوا بين يدي مولاهم، قائمين وعاكفين، وركعاً وسجوداً بخشوعٍ وأمان، منقطعين عن الشواغل، متبتلين إلى الله بصدق التوجه.

    بل لقد نهى الله -سبحانه وتعالى- عن مجرد الجدال تعظيماً لحرمة الزمان والمكان، وانصرافاً للتزود بالتقوى حيث يكمل جلال الموقف، وجو السكينة الذي يجب أن يتهيأ لوفد الله، ولضيوف الرحمن، فمن خالف ذلك وأراد بهذا البيت سوءاً فقد توعده الله بقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    وإن ما أقدم عليه بعض الحجاج من إثارة الشغب، وإحداث القلاقل والفتن، وترويع الآمنين في جوار هذا البيت وما تسبب عن ذلك من قتل نفوسٍ بريئة لا يرتضيه مؤمنٌ يقدر لهذا البيت حرمته، ويعرف له قدسيته؛ مهما كانت المقاصد والغايات ... فكيف إذا كانت أهدافاً مشبوهة، وغاياتٍ مدخولة؟!

    فحقٌ على كل مؤمنٍ قصد هذه البقاع الطاهرة، يرجو الرحمة، ويؤمل في مغفرة الله له ويتطلع إلى حجٍ مبرور؛ حقٌ عليه أن يتجنب كل ما يشوش على الآمنين أمنهم، وعلى المتعبدين عباداتهم؛ من صخبٍ ومجادلات ورفع أصواتٍ بما لا يليق، فلا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام إن كنتم مؤمنين.

    1.   

    ضرورة تقوية الروابط بين المسلمين

    إن حق بيت الله المطهر، وحرمه الآمن، وجمعه العظيم، أن تتأكد به الصلات، وتتوثق عنده العلاقات على تقوى من الله ورضوان، إذ لم يشهد التاريخ أمتن ولا أطهر ولا أعمق من أخوة الدين ورابطة الإيمان، اسألوا الأوس والخزرج! اسألوا المهاجرين والأنصار! وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103] كيف انطوت تلك القبائل المتناحرة بالأمس تحت راية المثنى ، وسعد بن أبي وقاص ، وخالد بن الوليد ، وعقبة بن نافع ، وموسى بن نصير ، وقتيبة بن مسلم ، ومحمد بن القاسم ، كيف جاهدت تلك الأمة تحت راية صلاح الدين ؟

    خاطب النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه بقوله: (ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف بين قلوبكم بي؟ ) ولقد أجابوا وقالوا وصدقوا: لله ورسوله المن والفضل، وقال تاريخ الإسلام من بعدهم: لله ولرسوله المن والفضل.

    أيها المؤمنون .. حجاج بيت الله! ألم تكن هذه الأمة قبل الإسلام على ضلال؟ وأي ضلال أعظم من عبادة الأوثان والطواغيت، وعبادة الشهوات؟

    كان يمزقها القتل والقتال، ويسودها الفقر والذل والتشتت، بأسهم بينهم شديد، وما هي إلا أن هبت ريح الإيمان؛ فأصبح الذين كانوا بالأمس ضلالاً لا يعرفون ديناً، ولا يحملون علماً، أصبحوا أعلام هدى، وأئمةً راشدين، حملوا مشاعل الهداية إلى مشارق الأرض ومغاربها، يدعون إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، ويبصرون أهل العمى، فما أعظم أثرهم على الناس.

    أيها المؤمنون: ما أعظم أثرهم في العقائد والأخلاق، وفي الآداب والاجتماع؛ بهم قامت دولة التوحيد والإيمان، وعمرت سوق الجنة.

    ضعف الروابط الجاهلية في تجميع شمل الأمة

    أمة الإسلام: هذه حقائق وعلاماتٍ شامخة لا يشك فيها مؤرخ، ولا ينكرها منصف.

    يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم!

    لماذا يتعلق أقوامٌ بحبالٍ أوهى من خيوط العنكبوت؟! يستبدلون بحبل الله وحبل رسوله عصبياتٍ وقوميات وجنسيات لم تزدهم إلا ضلالاً، ولم يجدوا من ورائها إلا تفرقاً؟!

    ضلالاتٌ في الاعتقاد، وفوضى في الفكر، وتفسقٌ في الأخلاق، وتفككٌ في الروابط الاجتماعية، أشبه ما يكونون حالاً بالجاهلية الأولى.

    أيها الإخوة في الله: لقد ثبت ضعف أي رابطة عن القدرة على جمع الصفوف، أو قهر الشهوات العارمة، أو محو الأنانيات المستحكمة، إذا تجردت عن العقيدة الصحيحة، والإيمان الصادق، والتربية الصالحة، ومن أجل تبيين هذا الأمر ليوازن مريد الإصلاح بين ربح الأمة وخسارتها، بين دخلها وخرجها، يوازن بين الربح لما كان الاستمساك بالعروة الوثقى، والاعتصام بحبل الله، والتألق بركاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وركبه، يقارن بين ذلك وبين خسارتها حين انفصلت عن هذا الركب الميمون، وانطوت كل فئة على نفسها، وعاشت في عزلة عن شقيقاتها، وتمسكت بعصبيات، ودعت إلى نعرات لم تزدها إلا تباراً، فتمكن أعداؤها، وأكل الذئاب كل قاصية، فاستبيح الحمى، ونهبت الديار، وسلبت الخيرات، وتداعت على الأمة السباع المسعورة، وفرقتهم السياسات الممقوتة، ثم أقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومون.

    الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله .. والله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد!

    إن المجرم في حق أمة الإسلام من يسعى لإضعاف صلتها بالدين، أو يسعى في أن يزعزع من نفوسها اليقين، ومن يحول بينها وبين نبيها محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    وإنها الرزية كل الرزية في أمة شرّفها الله بالإسلام، وأعزها بهذا الدين، فتخلع عنها ثوبه، وتأبى السير تحت لوائه، وترضى أن تقاتل ذليلة تحت ألوية الجاهلية، والنعرات العنصرية، والشعارات الحزبية.

    الاعتصام بالدين والاجتماع عليه

    أيها المؤمنون: إن الواقع لشاهدٌ على أن هذه الأمة إن لم تجتمع على الدين فلن تجتمع على غيره، وإن لم تعتصم بحبل الله فرقها أعداء الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران:149-150] فليس إلا الإسلام جامعاً، وليس غير الدين مؤلفاً.

    إن الانفصال عن دوحة الدين المباركة، والانقطاع عن الموكب المحمدي، والإعراض عن الإسلام الميمون؛ خسارة لا تعوض؛ بل هلاكٌ ما بعده هلاك، مهما ظهر البريق، ومهما عظم السراب، إنها لا تعوض بلباقة أو كياسة، ولا تعوض ببراعة أو حسن سياسة، لا يغني عنها مظاهر ولا حسن أزياء.

    إن المظاهر والقشور لا تغني فتيلاً عن الحقيقة والجوهر، إن العبرة والمعول على ما يعمر القلوب من إيمانٍ ويقين، وليس بما يكسوا الأجساد من فاخر الثياب وأنواع المياثر.

    لقد خرج الفاتحون من المسلمين إلى العالم بثيابٍ مرقعة، ونعالٍ مخصوفة، يروي الحافظ ابن كثير في تاريخه ، فيقول: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام عرضت له مخاضة، فنـزل عن بعيره، ونزع نوقيه -يعني: خفيه- فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة منتقداً: قد صنعت اليوم صنعاً عظيماً لأهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فضربه عمر على صدره، وقال: [[أو غيرك يقولها يا أبا عبيده ؟! إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبون العزة بغيره يذلكم الله ]]. هذا هو واقع التاريخ يا أمة محمد!

    الله أكبر .. الله أكبر .. لا إلا الله والله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد!

    إن الاستقلال المنشود، والعز المبتغى هو الاعتزاز بالإسلام والعمل به، والمذلة والمهانة والتبعية بالتطلع إلى السير في ركاب الحضارات الخاوية، والإصرار على تطبيق نظم غير إسلامية في بلاد الإسلام وفي بيوت المسلمين.

    إن الله قد اختار هذه الأمة لحمل أمانة الوحي، فإن استهانة بهذا الاصطفاء، وتركت العمل بدينها، وهدرت الدعوة إليه، ورضيت بأن تكون ذليلة وراء هذا أو ذاك، فما أهونها على الله، وإن الله لها لبالمرصاد: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك:20].

    العودة إلى الله من أسباب النصر

    فاتقوا الله يا أمة الإسلام! وعودوا إلى دينكم فبه المعتصم، وإلى الله وحده الملجأ، أسلموا وجوهكم لله رب العالمين، وأخلصوا دينكم لله، فلن يكون النصر واسترداد الحق حتى يعود رهبان الليل وفرسان النهار وما ذلك على الله بعزيز. فلا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خلافهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى.

    وإن أمة الإسلام -بإذن الله- ستأخذ من دهرها دروساً، ومن مواسمها ومناسباتها عظاتٍ وعبراً، وتأخذ من الحج اجتماع الكلمة، ومن عيد الأضحى التضحية، وستنفض الغبار المتراكم عليها وتنفي عنها كل متطفلٍ من غير طبيعتها، والأمل بالله يفوق كل أمل، والرجاء به فوق كل رجاء، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    أقول قولي هذا .. وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الله أكبر .. لا إله إلا الله.. والله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد.

    1.   

    وصية إلى ولاة الأمور والعلماء

    الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر!

    أوجد الكائنات بقدرته، فأتقن ما صنع.

    الله أكبر! شرع الشرائع فأحكم ما شرع.

    الله أكبر! لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله الأصفياء، وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    الله أكبر.. لا إله إلا الله.. والله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد.

    أما بعــد :

    فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن ضعف حال المسلمين، واضطراب أمورهم لم يكن إلا من عند أنفسهم، وإن تسلط الأعداء لم يكن إلا بسبب أعمالهم والتقصير في مسئولياتهم وإسناد الأمور إلى غير أهلها.

    فيا حكام الإسلام! ويا ولاة أمور المسلمين! اتقوا الله فيما وليتم، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، ارفعوا راية الكتاب والسنة، ولوا أعمالكم من يخاف الله ويتقيه، وتتحقق فيه الكفاية للعمل، اتق الله في توجيه الرعية، لا يكن في أجهزة الإعلام إلا ما فيه إصلاحٌ وصلاح، وتوجيهٌ وترسيخ إيمان، وحب إسلام.

    مناهج التعليم يجب أن تنتج رجالاً أوفياء لدينهم وإخوانهم المسلمين، تنتج أهل صلاحٍ وإصلاح، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين.

    علماء الإسلام .. يا دعاة الخير والصلاح! أنتم ورثة الأنبياء، اتقوا الله فيما علمكم الله، ضاعفوا الجهود في الدعوة إلى الله، أرشدوا عامة المسلمين إلى الحق، بينوا للناس ما نزل إليهم، فقد أخذ الله عليكم الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، ادعوا إلى تحكيم شرع الله، وتطبيق أحكامه في جميع شئون الحياة، أقيموا واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وخذوا على أيدي السفهاء: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].. وَافْعَلُوا الْخَيْر َ ) [الحج:77].. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78].

    واعلموا أنكم في أيام فاضلة، ومواسم كريمة، فاشغلوها بذكر الله، واعمروها بالتكبير والتهليل، وعظموا شعائر الله وحرماته.

    1.   

    الأضحية وأحكامها

    وإن من أعظم ما يتقرب به من الله عز وجل في هذه الأيام الأضاحي، فهي سنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر من عملٍ أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً ).

    ولتعلموا -وفقني الله وإياكم لصالح العمل- أن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد إلى غروب الشمس في آخر أيام التشريق، ولا يجزئ في الأضاحي المريضة البيَّن مرضها، ولا العوراء البين عورها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، ولا الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا الهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها، ولا العضباء التي ذهب قرنها أو قطعت أذنها، ولا الجدباء التي نشف ضرعها ويبس من الكبر.

    ولا يجزئ من الإبل إلا ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له ستة أشهر، وتجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، والشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، ولا يبيع منها شيئاً، ولا يعطي الجزار أجرته منها.

    فاتقوا الله عباد الله! وانبذوا عن أنفسكم الشح والبخل، وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم، وأكثروا من ذكر الله، وصلوا الأرحام، وبروا بوالديكم، وأكرموا اليتامى والمساكين، وتصافحوا وتناصحوا وتسامحوا، وأزيلوا الغل والشحناء من قلوبكم، وتزاوروا وتهادوا، واحذروا الكبر والغيبة والنميمة، وكونوا عباد الله إخواناً.

    ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين؛ فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، ودمر اليهود ومن شايعهم وسائر الكفرة والملحدين، اللهم جنبنا الفتن والقلاقل والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدهم بالحق، وأيد الحق بهم، واجعلهم هداةً مهتدين.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    اللهم وفق حجاج بيتك لحجٍ مبرور، وسعيٍ مشكور، وذنبٍ مغفور، واكتب لهم الصحة والسلامة ولسائر المسلمين في برك وبحرك أجمعين.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز!

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله .. والله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2742018325

    عدد مرات الحفظ

    684655635