إسلام ويب

الطلاق شريعة محكمةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأسرة هي النواة الأولى لبناء المجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع؛ ولذا فقد أحاط الإسلام الأسرة بهالة من النصوص المحكمة التي تنظم جوانبها، من بداية اختيار الزوجة وحتى تربية الأطفال وتنشئتهم، مبيناً حق كل واحد من الزوجين على الآخر، ومرشداً إلى المحافظة على البيت المسلم من كل سوء ومكروه.

    1.   

    التفكك في الأسر الكافرة

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    فيقول الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، وقال الله عز وجل: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120].

    بين الله عز وجل في هاتين الآيتين بياناً شافياً: أنه لا يمكن أن يكون رضاً قط بين ملة الإيمان وملل الكفر على حد سواء، وأنهم لا يمكن قط أن يرضوا عنا إلا أن نترك ما نحن عليه من إيمان وشرع، وأن ننحاز وندخل فيما هم عليه من كفر حتى نكون نحن وإياهم سواء، حينئذ يحصل الرضا، وهو أيضاً رضاً ظاهر، لقول الله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14]، فهم قد رضي بعضهم عن بعض في الظاهر، وأما في الباطن فهم متفرقون متشرذمون، هذا البغض والحقد الدفين يظهر أثره بين الحين والحين متمثلاً شبهات في العقيدة، وشبهات في الشريعة، وشبهات فيما يتعلق بجوانب الحياة كلها.

    لما فسدت أسر اليهود والنصارى، ولم يكن بينهم ترابط أسري ولا اجتماعي، أصبح يزج الولد بوالده أو بأمه في بيت يسمى بيت العجزة، وهذا البيت يوجد في كل حي من أحياء بلاد أوروبا وأمريكا، إذا كبر الوالد أو الوالدة حمله ولده فزج به في غياهب هذه الديار المظلمة.

    وفي سنة (79) سألت رجلاً في هذا البيت من بيوت ميلانو في إيطاليا، قلت: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قال: ولدي. قلت: ولم؟ قال: لأن دوري قد انتهى. قلت: وكيف انتهى؟ قال: كبر سني، ورق عظمي، ولا فائدة مني! هكذا قال.

    قلت: أما نحن معاشر المؤمنين فإن دورك عندنا لا ينتهي إلا بدخولك القبر، وربما يكون لك دور بعد الموت، فقال: كيف؟ قلت: أخرج البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؛ بدعائهم وصلاتهم)، وكان بيننا من يترجم ترجمة جيدة، صاحب رسالة كما أنه صاحب لسان، فبكى الرجل طويلاً ثم أسلم، وصلى معنا ثلاثة أيام ثم قبض، ففرحت بذلك فرحاً شديداً بعد أن وفقني ربي أن أبين له أننا لا يهنأ لنا بال حين ننزل إلى أعمالنا في الصباح حتى نتوجه إلى آبائنا، وأجدادنا، وأمهاتنا، وجداتنا فنلتمس منهم الدعوات الصالحات، وأن هذا هو خير يوم يطلع علينا أن يرضى آباؤنا وأمهاتنا عنا، أما أنتم فإن أبناءكم الذين هم من أصلابكم ليس يربطكم بهم أدنى علاقة، هذا الفارق بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام وغيره كاليهودية والنصرانية، وهو مظهر ومعلم حسن من معالم الإسلام.

    ولذلك الواحد من أهل ملل الكفر إنما يؤوي ولده ذكراً كان أم أنثى حتى إذا بلغت البنت اثني عشر عاماً، والولد خمسة عشر عاماً، فإذا بلغ الولد منهم هذا المبلغ من العمر فرض عليه أن يأتي بطعامه، وشرابه، وأجرة سكنه، مما يجعل الولد يذهب فينحرف، ويجعل الأنثى في هذه السن المبكرة تذهب لتطلب معاشها بفرجها، وأما نحن في الإسلام فإن الأب والأم يبذلان النفيس والغالي في سبيل الحفاظ على الأولاد حتى يستقلوا بأزواجهم وبيوتهم، الواحد منا عنده عزم أكيد على الإنفاق على ابنته حتى تنتقل إلى بيت الزوجية، وإن بلغت من العمر أربعين أو خمسين سنة، ولا يطالبن قط بالمساهمة في الإنفاق بالبيت، إلا أن يكون إنساناً لم يبلغ من العلم مبلغاً وليست لديه روح الإسلام، فهو شريك في بعض الشيء مما يأتي به أهل الكفر من المنكرات والفواحش، وهذا قليل جداً في الأمة، أما عامة الأمة وإن لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي إلا أنهم يأبون إباء شديداً أن تخرج بناتهم وأزواجهم إلى ميادين العمل، أو أن يتسكعوا في الشوارع للقاء الشباب والمخنثين وغيرهم لأجل أن يأكلن ويشربن بفروجهن.

    معلم عظيم جداً من المعالم الإسلامية، وهذا المعلم لم يكن إلا من توجيهات الإسلام الحنيفة لبناء الأسرة المسلمة على آفاق عظيمة من تقوى الله عز وجل، ولذلك الإسلام يطالب أبناءه باعتقاد راسخ متين في القلوب حتى يتعامل مع النصوص الشرعية، أما إنسان ليس في قلبه وازع ديني يتعامل مع شرعه في الظاهر؛ فإن هذا لا ينتفع بإسلامه غالباً، ولذلك المرء إذا قرأ نصاً في كتاب الله عز وجل عليه أن يوقف نفسه عند كل آية فيقول: ما المطلوب مني؟ هذه الآية كيف خاطبتني؟ وما هو المراد منها؟ وما هي أحكامها، وحلالها، وحرامها، وأخلاقها، وآدابها؟ كما كان السلف -وخاصة الصحابة رضي الله عنهم- يحفظون العشر الآيات فلا يتجاوزونها حتى ينزلونها على أنفسهم وقلوبهم وجوارحهم من جهة الاعتقاد والعمل.

    1.   

    الأسرة المسلمة نواة المجتمع والدولة

    بالعودة إلى أصل موضوعنا فإننا نجد في كتاب الله عز وجل آيات عظيمة، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث صحيحة هي في الكثرة بمكان تأمر ببناء الأسرة المؤمنة التي تنبني أسسها وقواعدها على تقوى من الله عز وجل، كل فيها راع وكل فيها مسئول عن رعيته، كل فيها له حقوق عند الآخرين، وكل عليه واجبات نحو الآخرين، فمن مجموع هذه الأسر تتكون الدولة أو الدويلة، ومن مجموع هذه الدول يتكون المجتمع الإسلامي بأسره، وهذه الحقوق الخاصة في داخل الأسرة هي تلك الحقوق العامة تجاه كل بلد مع البلد الآخر، وتجاه كل مجتمع مسلم مع المجتمع الآخر، فإذا أدت كل دولة ما عليها من حقوق وواجبات في طريق بناء المجتمع الإسلامي الأعظم المنشود؛ سيكون لنا حينئذ يمكن أن نعقد الأمل في بناء دولة الإسلام في أرض الله عز وجل.

    إذاً: الدولة الإسلامية الأولى المنشودة إنما أساسها وأصلها الأسرة بأفرادها القلائل، هذه الأسرة لم يترك لنا الشرع أن نتخير خطوطها وأصولها وفروعها، بل حدد لنا كل شيء، حتى تبنى الدولة على أسس إلهية لا على أهواء شخصية.

    ولذلك دخل الشرع أول ما دخل في كيفية اختيار الزوجة، وبين الغرض المنشود من لقاء الرجل بالمرأة، وأنه ليس علاقة جسدية، بل هذه أدنى أغراض الزواج, وأما أعلى أغراض الزواج فهي تكوين المجتمع الإسلامي المتحضر الذي يتعامل مع كتاب الله وسنة رسول عليه الصلاة والسلام بقلب تقي مؤمن موحد، وأما اليهود والنصارى فأعرضوا عن شرع الله عز وجل وبدلوه وغيروه، ولذلك لم ولن يفلحوا قط: (ما أفلح قوم قط ولوا أمرهم امرأة) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه.

    ولذلك لو نظرت إلى البيت لو تزعمت فيه المرأة وصارت الكلمة كلمتها والأمر أمرها والنهي نهيها لابد أن تنقلب الأسرة رأساً على عقب؛ لأن هذا الوضع صادم النص، ولابد أن تعلم يقيناً أن هذا النص ما أتى إلا ليبين أصل الفطرة، وأصل الفطرة قد قرره الله تعالى في قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، حين انعدمت قوامة الرجل على بيته انعدم واختل توازن الرجل كلياً في الحياة العملية في الاجتماع، والسياسة، والأخلاق، والآداب؛ لأنه انهزم نفسياً في داخل بيته، فلابد أن تكون الهزيمة إليه في خارج بيته أسرع، يتصرف تصرفاً لا يليق من جهة الأدب، ولا الخلق، ولا الديانة، ولذلك الذي يهزم في بيته لابد أن تجد عليه انحرافاً في المسلك، والأخلاق، والآداب في خارج بيته، يحاول جاهداً أن يثبت زعامته، وقوامته المكذوبة على غيره ممن تولى سلطانهم رغماً عنهم لو قدر له أن يكون كذلك، كضابط -مثلاً- فقد هيمنته وسيطرته في بيته فيخرج على جنوده بالبلاء الأعظم إثباتاً لرجولته؛ لأنه يشعر من داخل نفسه أنه قد انهزم في بيته، وكذلك الزعماء، والرؤساء، والقادة، ورؤساء مجالس الإدارة وغيرها من هذه المناصب المرموقة، أما إنسان يتعامل معاملة سوية فهذه إشارة إلى أنه حكيم في بيته، ولا تزال القوامة في يده.

    وحدد الله عز وجل أصل النكاح في قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]، فأصل النكاح مودة ورحمة بين الرجل والمرأة، لا علاقة جسدية، بل أسمى من ذلك، ولذلك إذا فقدت الأسرة هذه المودة وهذه الرحمة فلك أن تتصور كيف تحيا هذه الأسرة حياة كلها ضنك وشتات وتشريد لأذهان القائمين عليها، كما أنها لا تثمر الثمار الحية في تربية أبنائها وأطفالها، ولذلك حدد الإسلام المعالم الأخلاقية، والقيم الوجدانية الوثيقة الصلة بالإيمان في هذه الآية التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، فالحياة الزوجية ليست علاقة رجل بامرأة فحسب، إنما هي أكبر من ذلك.

    1.   

    مسئوليات الأسرة المسلمة

    الحياة الزوجية لابد أن تبنى على أسس دينية أخلاقية، والمسئولية في هذا البيت تقع على كل أفراده، ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته) مسئول عن زوجه، وبناته، وأولاده، ومسئول عن أبيه وأمه في كبرهما، ومسئول عن أشقائه الذين أقعدتهم الأمراض والعلل عن الكسب إن كان قادراً ومن أصحاب الأموال.

    وكذلك (المرأة راعية ومسئولة في بيت زوجها) وهي مسئولة عن ذلك بين يدي الله عز وجل، والولد كذلك راع لأبيه وأمه من جهة البر، والصلة، وتمام الود والحب، ودفع كلمة (أف) التي هي أقل ما يمكن أن يتأذى به الأب والأم، ولذلك قرن الله عز وجل بر الوالدين بالتوحيد والعبادة فقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، أي: وأمر بالإحسان إلى الوالدين كما أمر بعبادته وحده؛ فمن لم يحسن إلى والديه فكأنه ما عبد الله حق العبادة؛ لأن من تمام العبادة لله عز وجل امتثال الأمر واجتناب النهي، وقد أمرك أن تعبده بالإحسان إلى الوالدين، فإذا تركت هذا فما عبدت الله على الحقيقة، وانظر إلى اقتران الأمرين في آية واحدة وفي نسق واحد.

    ترتيب الرعاية على كل أفراد المجتمع الإسلامي أمر حتمي لازم، فالحقوق والواجبات على كل من الزوجين، ولك أن تتصور لو أن الله تعالى رتب حقوقاً للزوجة ولم يرتب عليها واجبات، ماذا كان سيكون حالها؟ وكذلك في جانب الزوج، لو أن الله جعل له حقوقاً ولم يجعل عليه واجبات، لابد أن يختل ناموس الحياة بأسره؛ لأنه لا يسود إلا بسوق الحقوق إليه، وأخذ الواجبات التي عليه، ولذلك رتب الإسلام في ذمة الرجل حقوقاً، وكذلك للرجل في ذمة المرأة حقوق، وقابل ذلك بالواجبات، فإذا أدى الرجل ما عليه لابد أن يأخذ ما له، وإذا أدت المرأة ما عليها لابد أن تأخذ ما لها بالإحسان وطيب العشرة، لا أن يتعامل الزوجان مع بعضهما بلغة افعل وافعل، أو: إن فعلت سأفعل، والله تبارك وتعالى بين أن درجة الفضل أعظم بكثير من درجة العدل في قوله: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، أي: حين وقوع الشقاق والخلاف وما يمكن أن يترتب عليه من اضطراب قال: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].

    1.   

    محافظة الإسلام على الأسرة

    حافظ الإسلام كل الحفاظ على قيام الأسرة، وألا يشوبها أدنى شائبة، ولذلك حرم النبي عليه الصلاة والسلام اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن اختلاط الرجال بالنساء ينتج عنه نظرة، ثم ابتسامة، ثم ضحكة عريضة توقع المرأة الضعيفة في حبائل الشيطان، فحرم الإسلام الاختلاط مخافة أن يؤدي إلى الفاحشة البينة التي يترتب عليها خراب البيت وفساده واختلاط الأنساب باختلاط المياه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يسقي أحدكم ماءه زرع غيره) أي: لا يزني أحدكم بامرأة أجنبية. هذا المراد من الحديث؛ لأن الزنا مغبته عظيمة، أتدرون أن أعظم مغبة للزنا بعد غضب الله تبارك وتعالى التفكك الأسري وبالتالي تفكك المجتمعات.

    في مجتمعات أوروبا وأمريكا نسبة تزيد عن 70% لا يعرفون لهم أباً ولا أماً، ولو أن بيننا الآن رجل لا يعرف أباه فهي الحياة البئيسة البغيضة بعينها، فتصور أن مجتمعاً تبلغ فيه نسبة اختلاط المياه بسبب الزنا وغير ذلك 70%، كيف يكون هذا المجتمع؟ مجتمع منحل لا تربطه عقيدة، ولا تربطه مودة ولا إخاء ولا محبة، ولا صلة، ولا أي معنى من هذه المعاني الإسلامية التي أكرمنا الله عز وجل بها، فهي نعمة عظيمة جداً تستحق الشكر كما بين النبي عليه الصلاة والسلام، وكل هذا في سبيل الحفاظ على الأسرة كريمة عزيزة مصونة.

    قال عليه الصلاة والسلام: (لا تطرقوا النساء ليلاً) حتى الزوج إذا كان في سفر ولا يعلم وقت مجيئه يمنع أن يطرق بابه ليلاً؛ حتى لا يجد ما يكره، أو لتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، أي: تتجمل لزوجها، وتحلق ما يسن لها حلقه من الإبط والعانة، وتتجمل بأحسن الزينة لزوجها، وتتطيب فتلقى زوجها في أحسن زينتها؛ لأن زوجها يجب ألا يقع أنفه، ولا سمعه، ولا بصره من امرأته إلا على ما يحب، أما لو فاجأ الرجل امرأته من سفر طويل بعيد فربما رأى ما يكره فأحدث ذلك نفرة بينه وبين زوجه قد تؤدي في نهاية الأمر إلى الطلاق والفراق وخراب البيت وتشريد الأولاد، ويكون ذلك بسبب ترك سنة يراها الناس يسيرة.

    أما الصحابة فلم يكونوا كذلك، إنما كانوا يأخذون أمره عليه الصلاة والسلام مهما دق أو جم كأعظم ما يكون الأمر بالنظر إلى قدر وعلو الآمر لا بالنظر إلى مجرد الأخذ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، وخبب بمعنى: أفسد امرأة على زوجها، وأنتم تعلمون أنه قد استشرى في مجتمعات المسلمين أن الجار يمازح جارته، ويلاطفها، وهو مع زوجته من أعبس الناس، وهذه الجارة من أعبس النساء كذلك مع زوجها، ولكنها تتلطف وتضحك الضحكات العريضة لتوقع الجار بحبائلها، في الوقت نفسه زوج هذه المرأة يلاطف زوجة ذلك الرجل، فكأن هذه المرأة تزوجت جارها، وكأن هذه الجارة تزوجت جارها، فكل يميل إلى أخرى بالحرام، كما أن كل أخرى تميل إلى آخر في الحرام، وبذلك يفسد المجتمع بسبب كلمة، ولذلك نهى سلفنا رضي الله عنهم أن يلاطف الواحد منا طفلاً وأمه تنظر إليه، انظر إلى هذه الدقة من نظر علمائنا البعيد إلى صلاح القلوب وترك الأهواء، تصور لو أنك أخذت طفلاً رضيعاً فمازحته ولاطفته وقبلته وأمه تنظر إليك ماذا سيقع في قلبها؟ لن يقع إلا الحب، والميل لك، وبالتالي تقارن المرأة بينك وبين زوجها الذي ربما لا يقبلها، أو لا يروق له أن يقبلها أو يقبل حتى ولده، فتقول: إن فلاناً كان يفعل كذا وكذا بولدك وأنت حتى لا تفعل، وكلمة من هنا وكلمة من هناك حتى يقع المحظور ويخرب البيت، ولذلك حرص الإسلام دائماً على أن يبقى البيت المسلم بكماله وتمامه في العز والسرور والهناء والسعادة، وأنكر كل شيء ممكن أن يعكر عليه.

    الإسلام نهى عن الشذوذ، ونهى عن اللواط بين الذكور، ونهى عن السحاق بين النساء، ونهى عن الاستمناء للرجال والنساء سواء؛ لأن هذا أمر سرعان ما يخل بالبيت المسلم، ولذلك كثير من الشاب الآن يتوجه في أول ليلة له بهذا السؤال: يا شيخ! أنا إلى الآن ما قارفت امرأتي ولا أستطيع، فإني أشتهيها وأنا بعيد عنها، فإذا قربت منها انطفأت نار الشهوة عندي. كل هذا بسبب الاستمناء أو المخالفات الشرعية قبل الزواج.

    وخراب بيت إذا ضم إلى خراب بيت آخر وثالث ورابع وعاشر، ومئات، وآلاف، فبخراب هذه البيوت يخرب المجتمع بأسره، فانظر إلى أي مدى حرص الإسلام كل الحرص على صلاح البيت حتى يصلح بالتالي من مجموع هذه البيوت المجتمع المرجو.

    1.   

    الزواج في الإسلام

    الحياة الزوجية تبدأ بتوجيه نظر الزوج والزوجة بحسن الاختيار، والأمر بالنظر إلى الخاطب والمخطوبة سواء بسواء، وبعض الإخوة يتصور أن المطلوب من جهة النظر: النظر إلى المرأة، وهذه نظرة قاصرة، فللمرأة الحق في النظر إلى الرجل الذي تقدم لخطبتها، فإن راق لها وقبلته كان لها أن تعلن عن القبول.

    إن كانت المرأة ثيباً فتستأذن وتوافق هي، وإن كانت بكراً واستؤذنت فسكتت فذلك إذنها؛ لأن حياءها يمنعها من الكلام، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الثيب تستأمر، والبكر تستأذن، قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال: صماتها أو سكوتها)؛ لأن البكر حيية ليس لها معرفة بأحوال الرجال، فهي إذا استؤذنت ضحكت، أو سكتت حياء، أو عرقت، أو خجلت، أو انصرفت عن موطن السؤال، أما إذا قالت: لا، لا أريده، فلا يجوز قط لوليها أن يزوجها مع رفضها إذا كانت بالغة عاقلة، أما إذا كانت قاصرة فيزوجها وليها من رجل كفء ولو بغير إذنها، وحتى إن رفضت، كما تزوج النبي عليه الصلاة والسلام عائشة وعمرها ستة أعوام، وبنى بها النبي عليه الصلاة والسلام وعمرها تسعة أعوام، وذلك بغير إذنها؛ لأنها لم تبلغ.

    ولذلك يقول العلماء: الولاية على النكاح ولايتان: ولاية إجبار، وولاية اختيار، أما ولاية الاختيار فهي أن يستأذن الوالد أو الولي البنت البالغة، العاقلة، الراشدة، فإن أبت فيحرم عليه أن ينكحها، وإن سكتت أنكحها؛ لأن السكوت إذن، أما ولاية الإجبار فتثبت للأب خاصة؛ لأن الأب أحرص الناس على سوق الخير إلى ابنته؛ فإن تقدم لها الكفء الذي يرفع رأس الأسرة في السماء؛ فإنه حينئذ يحملها على النكاح منه ولا حرج عليه.

    أهمية اختيار صاحب الدين

    أمر الإسلام الولي بأن يختار صاحب الدين: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم)، وفي رواية: (وفساد كبير)، وأنتم تعلمون الفساد الواقع في المجتمع بسبب زواج الفساق، أو الملاحدة، أو من ليس بكفء لقلة الدين والأخلاق، وغير ذلك من سائر البلايا والرزايا التي ابتلي بها المجتمع الإسلامي.

    وفي المقابل من ذلك يجب على الرجل أن يتخير ذات الدين: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها؛ فاظفر بذات الدين) وهذا اختيار النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، قال: (فاظفر بذات الدين)، وإن لم تفعل: (تربت يداك)، وإن التصقت يداك بالتراب، دليل على الهوان والخسارة، والذي يتزوج امرأة لجمالها سرعان ما يزول جمالها وبالتالي يزول بيتها، وإذا تزوج الرجل المرأة لحسبها كان ذليلاً بين يديها، كما أنه إذا تزوجها لمالها كان عبداً أسيراً عندها، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام بين أن النساء هن الأسيرات، فكيف تنتكس الفطرة ويكون الرجل هو الأسير أسير المال؟ (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، هذا لمن عبد المال فلهث خلفه، أو عبد الجمال، ألا تعلم أن الجمال يشقيك؟! أيرضيك أن المرأة تتدلل عليك بجمالها؟! وربما أفسدت زوجها بجمالها، فإما أن يكون غيوراً شديد الغيرة فتتنغص عليه حياته، وإما أن يكون ديوثاً متساهلاً لا يبالي ببقاء امرأته مع الأجانب، ولا يرى في ذلك بأساً، فيفعل المحظور.

    كل ذلك أنكره الإسلام وحذر منه، بل وبين العلاج، وهو اختيار ذات الدين.

    ميثاق النكاح

    إذا التقى الرجل بالمرأة فأول لقاء يجمع بينهما يسبقه مجلس الميثاق الغليظ، ولك أن تتصور أن العقود كلها لم توثق بالميثاق الغليظ إلا ميثاق الإيمان وميثاق النكاح، ميثاق الإيمان وصفه الله تعالى بأنه ميثاق غليظ، وميثاق النكاح كذلك وصفه رب العزة تبارك وتعالى بأنه ميثاق غليظ، كما قال تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:20-21]، فعقد النكاح ميثاق غليظ ليس لعباً ولا لهواً، بل حياة ربما تطول على قدر عمر الزوجين، ليس عقد بيع وشراء، ولا عقد معاوضة، ولا عقد إجارة، إنما هو الميثاق الغليظ الذي ترتبت على جانبيه حقوق وتكاليف وواجبات، والله تعالى يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، وأن اللباس هو الذي يباشر بدن المرأة، فشبه الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل بالزي الذي تلبسه فيلتصق ببدنك؛ لأن بدنك يلتصق ببدن زوجك والعكس بالعكس، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ [البقرة:187]، الرجل يلبس المرأة، والمرأة تلبسه فيلتحمان، وهذا باب عظيم من أبواب المودة والرحمة، وهي من أغراض النكاح.

    وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج)، أحق شرط يمكن أن يشترطه المرء على نفسه، ويجب عليه أن يؤديه هو الصداق والنفقة اللازمان لقيام الحياة الزوجية، وهما حق استحلال الفرج، لا تطالب المرأة بالإنفاق على بيتها، ولها السكنى والنفقة والمهر أو الصداق.. كل ذلك واجب على الزوج، وهذا الذي جعل الله عز وجل يفضل الرجل ويرفعه على النساء درجة لما أنفق من أمواله.

    حقوق الزوجة

    أما عن الحقوق التي تترتب على الزوجين فإن أول حق بينهما هو حسن العشرة، ولذلك قال الله تعالى بصيغة الأمر الذي يفيد الوجوب ولا صارف له، قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف [النساء:19]، والأمر وإن كان موجهاً إلى الرجال خاصة إلا أنه لا يمنع أن يوجه إلى النساء كذلك؛ لأنه لا يتصور أن الله عز وجل أمر الرجال بحسن العشرة، وجعل للنسوة سوء العشرة، لا. بل هناك نصوص أخرى بينت للمرأة ما لها وما عليها، ولذلك قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، فهي حقوق وواجبات لابد من الوفاء بها في الجانبين، قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، ولذلك بين النبي عليه الصلاة والسلام المراد من هذا النص فيما أخرجه مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)، يفرك: يبغض، والمعنى: لا يبغض زوج مؤمن زوجته المؤمنة، (إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)؛ لأن المؤمنة لا يمكن أن يجتمع فيها الشر كله، بل فيها وفيها، كما بين النبي عليه الصلاة والسلام طبائع النساء وأصل خلقتهن فقال: (إنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج ما فيه أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسره طلاقها)، وإن طلقتها فلن تتزوج إلا امرأة مثلها.

    قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف [البقرة:228]، قال ابن عباس : (إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي، ولا أحب أن آخذ حقي منها حتى أوفيها حقها)، هذا يفهم منه: أن لامرأته حقاً عليه، كما أن له حقاً عندها.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله) أحسنكم أحسنكم لأهله، وقال عليه الصلاة والسلام: (يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة -وفي رواية: ضرب العبد- ثم يضاجعها بالليل؟!)، يبين صورة مقززة منفرة لمن يضرب امرأته طوال النهار فإذا جن الليل طلبها للفراش! كيف ذلك؟! وأي نفس تقبل هذا؟! ومن يقوى على المباشرة والإتيان والجماع والحالة النفسية هكذا، إلا أن يكون هو والحيوان سواء بسواء؟! ينزو على امرأته كما ينزو ذكر الحيوان على أنثاه.

    ويقول الله تعالى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36] الصاحب بالجنب هو الزوجة كما قال العلماء.

    وسأل معاوية بن حيدة النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، وألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجرها إلا في البيت) فللمرأة عند الرجل حقوق بينها النبي عليه الصلاة والسلام للرجال، وذكر الرجال بالوفاء بها.

    حقوق الزوج

    أما عن حقوق الزوج: فإن المرأة لا تصوم النافلة وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ لأن حق الزوج مقدم في النافلة على حق الله عز وجل، خاصة فيما يتعلق بصيام الزوجات وأزواجهن شباب، فالشاب يحتاج إلى امرأته في الليل أو في النهار، فإذا وجدها صائمة دخل قلبه الحزن والهم لحاجته إليها، خاصة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا وقع نظر أحدكم على امرأة فأعجبته فليأت امرأته؛ فإن معها مثل الذي معها)، يعني: عندها الذي عند هذه المرأة الأجنبية، فاقض وطرك وحاجتك مع امرأتك، وهذا لا يكون إلا في النهار.

    ومن الحقوق: ألا تأذن لأحد من محارمها أو محارمه بدخول بيته إلا برضا منه؛ لأنه لا يجوز أن تأذن للأجانب في غيبة من زوجها حتى وإن أذن.

    ومن الحقوق: ألا تأبى عليه الفراش إذا دعاها، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أيما رجل دعا امرأته إلى الفراش فأبت عليه فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح، وأيما امرأة باتت هاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، فاللعنة تلحقها في كل الأحوال ما دام زوجها يغضب عليها وعلى سلوكها، وأخلاقها، وإبائها، ونشوزها، فإنها في خطر عظيم جداً، لكن لا يهرب من هذا الخطر ويقبل على الجنان إلا امرأة آمنت بالله ورسوله، التي أمرت أنت بها أولاً في اختيار تأسيس الحياة والبيت.

    ومن الحقوق: ألا تطلب المرأة الطلاق من زوجها في غير ما بأس، فإذا وجد السبب فلا بأس أن تطلب الطلاق، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة قالت لزوجها: طلقني من غير ما بأس فالجنة عليها حرام)، وقال عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة طلبت الطلاق من زوجها من غير ما بأس فإنها لا تريح رائحة الجنة)، وقد تتابعت نسوة في طلب الخلع، حتى صار الخلع لقمة سائغة في أفواه النساء، وإن التي تطالب بالخلع من غير ما بأس من رائدتها؟ أهي حفصة ، أم عائشة ، أم جويرية ، أم زينب بنت جحش ؟ أبداً والله، رائدتها فريدة الناقش ، ونوال السعداوي ، وغيرهن من النسوة اللاتي نعرفهن بالنفاق والإلحاد، بل بالكفر البواح ومعاداة الإسلام في أصوله وفروعه، فإن المرأة التي تطالب بالخلع إذا لم يكن لها مسوغ شرعي في هذا فلابد أن تعلم أنها لابد أن تحشر حتماً مع نوال السعداوي ، وفريدة الناقش وهؤلاء المشبوهات، ولتفعل المرأة ما تشاء.

    قوامة الرجل على المرأة

    لو فرضنا أن البيت المسلم قام وأسس على تقوى من الله عز وجل؛ فلابد أن تبدأ مهمة كل أحد في بذل ما أوجب الله تعالى عليه، وأخذ حق كل واحد منهما من الآخر من هذه الحقوق الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله.

    حق القوامة للرجل، كما قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، وهذه الدرجة التي يعلو بها الرجال على النساء لها أسباب.

    منها: ما خص الله عز وجل به الرجال دون النساء من ضبط الأمر، وحزم القيادة، والقيام على مصالح ورعاية البيت من زوجة وأولاد، ومعاملة مع سائر أنواع من يمكن أن يتعامل معهم من سائر أفراد المجتمع، فالرجل مؤهل بالفطرة أن يقوم بهذا الدور، أما المرأة فليست كذلك، واستحق بهذا أن يكون قيماً عليها، أو قائماً على أمرها وشئونها.

    السبب الثاني: أنه المسئول عن الإنفاق وليست المرأة، فأي مخالفة لهذه الفطرة ولهذه النصوص الشرعية إنما هي مخالفة في أصل الإيمان، ولذلك لو أن المرأة نشزت من يؤدبها؟ ولماذا يؤدبها؟ وكيف يؤدبها؟ هذا أسئلة كثيرة جداً لابد أن تكون أجوبتها في الأفهام.

    1.   

    الوسائل الشرعية للتعامل مع نشوز المرأة

    النشوز في اللغة: الارتفاع، كما تقول: أرض ناشز، أي: مرتفعة، والنشوز في الاصطلاح سواء كان في حق الرجل أو المرأة؛ لأن النشوز في حقهما ثابت: هو أن تخرج المرأة من الطاعة، وتدخل في المعصية، وترك الأمر والوقوع في النهي، وكذلك الرجل، فإذا وقع هذا من المرأة أليس القائم على أمرها هو أحق الناس بردها إلى ما كانت عليه قبل النشوز؟ لكن السؤال: كيف يربيها؟ بطلاقها؟ لا، بلطمها؟ لا، بهجرها؟ لا، هناك وسائل:

    الوسيلة الأولى: يبدأ بوعظها، يذكرها بالجنة والنار، يذكرها بحال العصاة من الأمم الغابرة، وممن ساءت خاتمته من أمة الإسلام بسبب معصيته واقترافه الذنب، وغير ذلك مما يمكن أن يوجع قلبها، ويردها إلى رشدها، يذكرها باللعنة النازلة عليها من الله ورسوله والمؤمنين وملائكة الله عز وجل، ويذكرها بحقه عليها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، يذكرها ويعظها في نفسها موعظة بليغة، وهذه الموعظة ربما استغرقت لحظات أو ساعات أو أياماً أو أسابيع أو أشهراً أو حتى أعواماً؛ لأن الموعظة لا تعمل عملها في القلوب على نسق واحد، فالذي يجزئ مع هذا لا يجزئ مع ذاك، وربما الذي يجزئ مع هذا في لحظة ينتفع به الآخر في لحظات.

    الوسيلة الثانية: إذا بلغ الأمر في الوعظ ذروته ولم يجدِ انتقل الزوج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الهجر، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام بين كيفية الهجر؟ ومتى يكون؟ لا يكون الهجر قبل الوعظ، إنما الوعظ أولاً، وهذا على الترتيب في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث معاوية بن حيدة أنه قال: (ولا تهجر إلا في البيت) لا تخرجها من بيتها، ولا تخرج هي كذلك، وأنت لا تخرج، إنما تنام معها في نفس الفراش وفي نفس المخدع وولها ظهرك، يقول ابن عباس : الهجر أن يكلمها، يعني: لا يخاصمها، لكن لا يجامعها، ويقول الحسن وغيره: الهجر أن ينام معها في فراش واحد يوليها ظهره. وهذا أشد عليها، لو أنه ترك الفراش بالكلية لهان عليها، لكنه لو نام معها في سرير واحد وأعطاها ظهره لم يستجب لملاطفتها ومداعبتها مع نشوزها؛ لكان هذا من أقسى وأشد الأمور على نفسها.

    الوسيلة الثالثة: هب أن كل هذا لم يجد معها، نغير وسيلة أخرى، وينتقل إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب، فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، المرأة التي لا ينفع معها الوعظ، واللوم، والتوبيخ، والهجر ربما ينفع معها الضرب، وكثير من النساء -إن لم يكن كلهن- تحب أن يضرب الرجل، انظروا إلى العجيب في نفسية النساء، المرأة تحب أن تكون تحت رجله بمعنى الكلمة، أما الرجل الناعم فهو لا يعجب المرأة وإن أحسن إليها أيما إحسان، لكن المرأة إذا علمت من زوجها أنه يتدرج معها بتدرج الله له، وأنه لابد أن يصل في يوم من الأيام إلى الضرب فهذا أمر يجعلها تستجيب له.

    والضرب يكون بشيء معقول، مثل السواك، والسواك يطلق على شجرة الأراك كلها، فبإمكانك أن تأخذ جذعاً من شجرة الأراك وتضرب به، لكن بشرط: ألا تشج رأساً، وألا تكسر عظماً، كما جاء عند أبي داود بسند صحيح، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الضرب كيف هو؟ قال: (ألا تشج رأساً، ولا تكسر عظماً)؛ ولابد أن تعلم أن الإسلام ما أباح للرجال الضرب إلا بنية التأديب، لا بنية الانتقام والتشفي، ولذلك قال الله: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، ما دام أنها رجعت وتابت وأنابت لابد أن ترفع يدك عنها، هذه الوسيلة الثالثة.

    الوسيلة الرابعة: إذا وجدت المرأة نفسها شريكة لك في حياتك استقامت، وتكلفت الود، وتكلفت الملاطفة، والقيام بواجباتها وزيادة، ولذلك يدعو كثير من الناس الآن إلى تعدد الزوجات، وأنا لا أدعو لتعدد الزوجات ولكني لا أفتح الباب على مصراعيه حتى يصير علامة علي وعلى دعوتي، وأنتم تعملون أن طوائف كثيرة من المسلمين اهتموا بجانب واحد من جوانب الإسلام، وعيب عليهم أن يقفوا في الإسلام كله عند جانب واحد، كمن يقف على جانب واحد وهو السياسة، ومن يقف على جانب واحد وهو الجهاد، ومن يقف على جانب واحد وهو العلم، ومن يقف على جانب واحد وهو تعدد الزوجات، وقضيته في قومته ونومته تعدد الزوجات.

    فنجد من يؤلف لنا كتباً: تعدد الزوجات واجب، فيرد عليه الآخر في كتب: بل تعدد الزوجات مباح، أما الآخر فيقول: التوسط هو استحباب تعدد الزوجات، حتى صار أمراً يشغل العقول الدعوية على مستوى الساحة، وهذا خبط عشوائي لأناس لا رسالة لهم، ولا يستغلون الوقت استغلالاً جيداً، والوقت مع ضيقه إلا أنه مباح لمن أراد أن يتكلم ولمن كان عنده علم أن يتكلم به ويعلم شباب الصحوة دينهم وأحكام شرعهم، أما في كل مجلس، وفي كل درس، وفي كل قومة ونومة لا يتكلمون إلا عن تعدد الزوجات، وكأن دينهم وشرع ربهم هو تعدد الزوجات.

    فإذا كففناهم واعترضنا كلامهم، قالوا: أنت تعادي تعدد الزوجات، لا والله لا أعاديه، ولكن أعطيه الحق الذي أعطاه الله عز وجل له، ولذلك يصير الواحد منهم يطنطن ويجعجع شرقاً وغرباً في أنه سينكح فلانة، فإذا نكحها طنطن وجعجع حتى يطلقها، وكل هذا عنده سواء، يطلق تماماً كما تزوج، هذا سهل وذاك أسهل، وقد شهدت نصوص الشرع بكراهة الطلاق بغير ما بأس ومن غير عذر، ونجد أن هؤلاء يطلقون بغير عذر، كما يتزوجون بغير حاجة، ولكن لو أنصفنا واعتدلنا لأعطينا كل ذي حق حقه كما أذن في ذلك الشارع الحكيم سبحانه وتعالى.

    ولذلك الغرب الآن يتكلم عن قيادة الصحوة بالذات في مصر، وقد سمعنا من إذاعة لندن من يقول: قيادة الساحة السلفية في مصر لا تسمعوا منها؛ لأنها قد انشغلت بتعدد الزوجات! هذا أمر عجيب، حتى يلحظه الرافضون لحركات الصحوة في مصر وغيرها.

    السلف كان الواحد منهم يتزوج السبعين من الحرائر والإماء ولا أحد يعلم متى تزوج ولا متى طلق، فلماذا هذه الطنطنة وهذه الجعجعة؟! بل لقد سمعت بأذني رجلاً يدعو في مساجد الدعوة الكبيرة إلى تعدد الزوجات، ويؤثم من لم يعدد الزوجات، ويقول: لا علاقة للأمر بالدخل الشهري، ولا بحيازة المال فيما يتعلق بتعدد الزوجات، ومن ربط هذا بذاك فقد أشرك بالله عز وجل، حتى خرج الشباب فاقدي العقول من المحاضرة بحثاً عن زوجة ثانية، وثالثة، ورابعة، ليثبت أنه على التوحيد وأنه رجل، فوقع كثير من الشباب في مثل هذا بغير أن يتهيئوا بما هيأهم به الشرع، وسرعان ما فقدوا بيوتهم كلها؛ البيت الأول والثاني والثالث والرابع، ثم أفاقوا بعد ذلك، لكن متى؟ بعد ضياع الأسرة وتدميرها وتشريد الأولاد، فهذه دعوى أنا أرى فيها حظاً عظيماً من البطلان والفساد، لكن من كان في حاجة إلى زوجة ثانية ودعته الضرورة، وكان يملك الشرط الذي تكلم عنه وشرطه النبي عليه الصلاة والسلام، وغلب على ظنه العدل بين نسائه فلا بأس حينئذ أن ينكح ثانية وثالثة ورابعة.

    وأنا لا أحب ذلك لأهل العلم، خاصة أهل العلم في هذا الزمان لا وقت عندهم لزوجة واحدة، ولا وقت عندهم لطفل واحد ينجو به ويربيه تربية إسلامية في وسط وخضم هذه الموجات العاتية من الكفر والإلحاد، ولو أن رجلاً فرغ نفسه لتربية امرأته وتربية أولاده والله لن يكون عنده قط وقت لغيرهم، ومع هذا أقول: من احتاج إلى زوجة ثانية بالشروط الشرعية فلا بأس ولا حرج عليه، لكن لا يكون هذا دينه وحظه من شرع الله عز وجل.

    الوسيلة الخامسة: كنا قد بلغنا مع الزوجة مع نشوزها الموعظة والهجر في المضاجع والضرب غير المبرح، والزوجة الثانية التي إن وجدت ربما كفت نشوز الزوجة الأولى، يبقى معنا التحكيم، كما قال الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، واعلم أن الشرع لم يقل بطلاق الزوجة بمجرد نشوزها، وإنما قال: عظ، اهجر، اضرب، إرسال الحكمين.. وغير ذلك، كل هذا في سبيل البقاء على هذه الأسرة، رجاء أن ترجع الزوجة عن نشوزها، أو الزوج عن نشوزه، كما قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا [النساء:128] أي: زوجها، نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، يعني: حتى الحكمان دورهم الصلح، ولذلك يقول ابن سيرين والحسن : إنما للحكمين أن يحكما في الصلح دون الفراق؛ لأن الله تعالى قال: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، ولم يتكلم عن الفراق، فدور الحكمين أن يتما الصلح بين الزوجين: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ [النساء:35] أي: من أهل الزوج، والحكم رجل صالح من أهل العلم والفضل أو اللياقة الأدبية والرأي في الصلح حتى يبذل جهده بإخلاص ويقين.

    وكذلك: وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا [النساء:35] الضمير قيل: يعود على الزوجين، يعني: إن صدقا وبينا ما بينهما من خلاف، وكانا صادقين في إتمام الصلح، أجرى الحكمان الصلح، وفي رواية أخرى: إن يريدا -أي: الحكمان- الصلح وفق الله تعالى مساعيهما.

    وقيل: إن عمر بن الخطاب كان يرسل الحكمين ويقول: إن لم تصلحا بينهما أوجعتكما ضرباً؛ لأن الله تعالى يقول: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، فإن لم يحصل الوئام دل على أنكما لم تريدا إصلاحاً بينهما.

    واختلف أهل العلم: هل الحكمان هما حكمان أم وكيلان عن الزوجين؟ والراجح أنهما حكمان كما قال الله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا ولم يقل وكيلاً: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، وما الفارق بين الحكم والوكيل؟

    الفارق كبير، وهو: إذا كانا حكمين حكما بالصلح في مذهب جماهير أهل العلم، أما إن كانا وكيلين فلهما أن يحكما بالفراق، ولو حكما بالصلح فحكمهما نافذ رغم أنف الزوجين، وإن رأيا الطلاق فلابد أن يقع ما رأياه.

    1.   

    شبهات حول الطلاق في الإسلام وردها

    إذا استنفد الخلاف بين الرجل والمرأة كل هذه الوسائل، فهل يمكن للعلمانيين والملاحدة والكفار في بلادنا وفي غير بلادنا أن يأتونا ببديل؟ لقد أجرينا مع الزوجة جميع الوسائل فلم ترجع عن نشوزها، فإما أن نشابه النصارى في عدم إيقاع الطلاق إلا في ظروف ضيقة جداً يتضرر لها الزوج والزوجة، فقد بلغ النشوز بين الرجل والمرأة مبلغاً عظيماً حتى صار كل واحد منهما يأبى أن يسمع اسم الآخر، فحياتهما بعد أن كانت سعيدة في أولها، أصبحت في غاية التعاسة في آخرها، فما البديل بعد استخدام كل وسائل الصلح والتأديب والتربية والإرجاع عن هذا النشوز، الإسلام يقول: الطلاق.

    كما أثار الملاحدة تبعاً لأسيادهم في الشرق والغرب شبهات حول الإسلام في الزواج، أثاروا شبهات أخرى في الطلاق وفي الحدود وغيرها من سائر فروع الإسلام، فماذا قالوا عن الطلاق؟!

    قالوا: الطلاق عبارة عن وحشية، وحشية لماذا؟ قالوا: وحشية ولم يبينوا دليل هذه الوحشية، غير أنه زج وإلقاء بالمرأة في الشوارع والطرقات بعد أن كانت مستورة في بيتها، هذا البيت انقلب على رأسها جحيماً، فنقول: هي طلبته، واستنفذنا معها وسائل إرجاعها إلى بيتها فأبت، ونحن نتكلم عن الطلاق بعد استنفاد وسائل الصلح بينهما، لا نتكلم عنه بادئ ذي بدء، ومعاذ الله أن يكون وحشية، فهل الطلاق وحشية بعد هذا كله أم ما يفعله مجتمع الغرب الآن من الانحلال والانسلاخ من كل قانون سماوي أو حتى أرضي؟!

    إن الغرب يعيش إباحية لم تشهدها الجاهلية الأولى، ويعيش مرحلة تهتك وعري وإهانة للمرأة لم تبلغها المرأة في تاريخ البشرية بلغها الغرب الآن، ثم هو يتكلم عن وحشية الإسلام للمرأة في الطلاق، كما قال من قبل: إن النكاح للمرأة إنما هو حد لحريتها، فلا الحد نافع عند الغرب وأذنابهم في بلاد الإسلام، ولا الطلاق نافع كذلك، فما الذي ينفع؟ هل هذا الانسلاخ وشرب الخمر وأنك إذا سرت في شوارع أوروبا وجدت الرجال والنساء فوق بعضهم إما سكارى وإما زناة؟! هل هذا هو الذي يستقيم مع كرامة المرأة وعفتها وصيانتها وشرفها؟ أبداً. إنه لا يقوم بذلك إلا إنسان قد انتكست فطرته تماماً، والحل بعد استنفاذ وسائل تأديب المرأة لا حل لها إلا الطلاق.

    الطلاق في اللغة: الإرسال والترك.

    أما في الاصطلاح: فهو حل عقدة النكاح، الطلاق هو حل الميثاق الغليظ الذي أخذ علينا في نكاح النساء، إذا انفرط عقده فإنما هو الطلاق، والطلاق ثابت بكتاب الله عز وجل وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإجماع أهل العلم، وكذلك ثابت بالمعقول، يعني: المنطق يقول هذا، المنطق يقول: امرأة سيئة الخلق، زانية، خائنة، ولا يجدي معها نصح، ولا وعظ، ولا ضرب، ولا تحكيم ولا غير ذلك، فلا يكون معها إلا الطلاق.

    ويقولون أيضاً: الطلاق تشريد للأولاد، فنقول لهم: يرد على شبهتكم من زاويتين.

    الزاوية الأولى: لو أننا اعتبرنا أن الطلاق موت؛ فكيف يتربى الأطفال بعد موت أبيهم أو أمهم؟ فليس الطلاق بشر من الموت، فالذي يربي أولاده في حال موت أحد الوالدين يربيهم في حال طلاق الوالدين.

    الزاوية الثانية: أيهما أنفع للأولاد: أن يتربى الولد في جو مليء بالعطف والحب والحنان والود عند أحد الوالدين، أو في أحضان امرأة أخرى تزوجها أباه، أو في أحضان رجل آخر تزوجته أمه، أو يتربون في جو قد امتلأ بالتوتر، والعصبية، والسباب، والشتائم في كل صباح ومساء، أيهما أنفع وأجدى للولد؟ الأول دون الثاني.

    ولذلك كل الشبهات التي أثارها الملاحدة لا تقوى على مجابهة الإسلام، بل هي أوهى من بيت العنكبوت، ولذلك لا تثبت قط أمام من عنده مسكة من علم وفهم عن الله تعالى ورسوله، فربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة عظيمة ومضرة بالغة لسوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى الحال بين الزوجين حينئذ إيقاع الطلاق، والله تعالى يقول: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:236]، يعني: الطلاق مشروع، وقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، واعلم أن هذا أحد وسائل الإصلاح، يظهر هذا في كيفية إيقاع الطلاق، يقول الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ، إجماع أهل العلم أن المراد بذلك مرة بعد مرة، لا يقع مرتان دفعة واحدة، وإنما مرة بعد مرة.

    1.   

    الطلاق السني والطلاق البدعي

    الطلاق المسنون أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه، فإذا طلقها في حيض أو في طهر مسها فيه أمر بإرجاعها وتبقى عنده حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، أرأيتم إلى الشرع كيف يوسع مدة إيقاع الطلاق؟

    (( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ))، مرة تتلوها مرة، وهذه الآية تتكلم عن الطلاق الرجعي، أي: الذي يحق للرجل أن يراجع امرأته في مدة العدة بغير عقد ولا مهر؛ لأنها لا تزال امرأته له حق الرجعة عليها حتى وإن أبت وأبى وليها ما دامت في العدة، فالعدة من حق الرجل له أن يراجع فيها امرأته بالقول أو الفعل: راجعتك إلى عصمتي، أو يجامعها بنية الرجعة، حتى بعض أهل العلم قالوا: القبلة تكفي في الرجعة مع النية، أي: لثبوت الرجعة إلى عصمة الرجل وإلى قيادته وريادته.

    إذاً: الطلاق المسنون أن تطلق مرة واحدة، ثم إذا أردت أن تراجعها راجعتها، فإن شئت أمسكت على الدوام، وإن شئت طلقت الطلقة الثانية في طهر لم تمسها فيه، وبطلقة واحدة كذلك.

    1.   

    البقاء في بيت الزوجية بعد الطلاق

    المرأة إذا طُلقت الطلقة الأولى لا تخرج من البيت ولا يخرجها زوجها، وإنما تبقى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ويجعل بينهما وداً، فعندما تكون المرأة غائبة عن زوجها أو امرأة خرجت عنوة عندما قال لها زوجها، وأخذت ثيابها وخرجت خارج البيت، فما دامت بعيدة عن العين فلابد أن تكون بعيدة عن القلب، لكن بقاؤها في البيت لا يؤمن معه أن ينظر إليها وأن تنظر إليه، وأن يسمع منها كلمة أو تسمع منه، أو ينام معها في فراش، له ذلك كله، لكن لا يجامعها إلا بنية الرجعة، فتصور أن الرجل يقيم مع امرأة في بيت واحد ثلاثة قروء للعدة، وهو يكلمها، لابد أن يحدث بينهما شيء من الملاطفة أو يحصل الندم من الطرفين فيندمان على ما بدر منهما فيعالجان ويصلحان ويصححان ما فسد من سوء تصرفهما، فيرجعان إلى بعضهما، ويعزمان على ألا يعودا إلى ما ندما عليه من قبل، فإن تسلط الشيطان في لحظة ضعف وطلق الطلقة الثانية ذاق مرارة الفراق، وذاقت هي ألم الهجر وعار الطلاق الذي تعير به هنا وهناك، فإن راجعت نفسها واعتذرت عما بدر منها، وراجع نفسه، فوافق هواها هواه أو العكس رجعا وندما وحرصا على ألا يقع بينهما الطلقة الثالثة؛ لأن الحال بعدها ليس كما كان قبلها؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] أي: الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] في نكاح صحيح، ليس نكاح تحليل، ولذلك قال النبي عليه السلام: (لعن الله المحلل، والمحلل له)، إذا تزوج رجل امرأة صاحبه ليحلها له فهو ملعون، وإذا كان هذا باتفاق مع زوجها الأول فهو ملعون، ولذلك لابد أن يكون في نية العاقد عند العقد بقاء العشرة ودوامها مع هذه المرأة، وإلا فهذا النكاح نكاح متعة مؤقت بوقت، يقول: أنا أتزوجها ليلة أو أسبوعاً أو شهراً أو عاماً أو مدة بقائي في هذا البلد.. أو غير ذلك، فإن هذا النكاح الذي يعجبني فيه من أقوال أهل العلم: أنه نكاح متعة غير صحيح، وهو نكاح باطل منسوخ بالإسلام منذ عهد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا ناسخ بعده عليه الصلاة والسلام.

    فإذا وقعت الطلقة الثالثة خرب البيت، وفسدت الأسرة، وكان فيها من السلبيات ما فيها، لكن أقول: هذا إذا كان عند الزوج نوع تسرع، ولذلك من أعظم فوائد جعل القوامة بيد الرجال أن الرجل أضبط لأمره، تصور لو أن المرأة غضبت وكانت الولاية في يدها ستقول له: أنت طالق، لو كانت المرأة هي التي تطلق لخربت كل البيوت بعد النكاح بأشهر على الأقل.

    لكن الرجل يعرف مغبة ذلك من نفقة وسكنى وحضانة وغير ذلك بعد الطلاق، وهذا عبء لا يستطيع أن يصبر عليه حتى بعد الطلاق، مثل أن يقول قائل: يا رب! أنا مريض فأمتني! أولاً هل تعلم أنك إذا مت ستذهب إلى النعيم؟ ربما ذهبت إلى الجحيم فكان المرض لك خيراً من الموت، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، فلا اعتداء في الدعاء، يدعو بهذا ويكل الأمر إلى الله عز وجل اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الخير والشر، يعلم ما ينفعك ويضرك، ويختار لك، والنبي عليه الصلاة والسلام شرع لنا الاستخارة في الأمور، وكان الصحابة رضي الله عنهم يدعون الله تعالى حتى في شراك -سيور- نعالهم، يعني: توكل كامل على الله عز وجل فيما دق من حياتهم وجل، فيما عظم وكبر، يكلون أمرهم كله لله عز وجل.

    1.   

    حد الطلاق المخول للرجل

    يقول الله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]؛ حينئذ إذا وقع الطلاق فالله تبارك وتعالى ربما هيأ لهذه المرأة رجلاً يوافقها، وهيأ لهذا الزوج امرأة توافقه، فسعد كل منهما بنكاحه الجديد، وكما أمرنا الإسلام بذلك حرم علينا الإمساك بالزوجة لأجل الضرر، قال الله تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] الآية، وانتبه لهذه الآية، فقد نزلت رداً على أهل الجاهلية، كان الواحد منهم يطلق امرأته فإذا قاربت نهاية العدة أرجعها، وفي نفس اليوم يطلقها، فتعتد عدة جديدة، فإذا قاربت العدة على النهاية ردها، كأنه يقول لها: لا تحلين لي ولا لغيري، يعني: سأجعلك هكذا، لا هي زوجة ولا هي مطلقة تنتفع بزوج آخر، معلقة، ولذلك قال الله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129]، أي: كما كان الأمر في الجاهلية، فأمر الله تبارك وتعالى أن يطلقن بإحسان.

    ثم أعطها حقها بما استحللت من فرجها، أما إذا كنت لا تكرهها قط، وأنت تصنع ذلك من أجل الله عز وجل، وإنما هي التي كرهتك من غير ما بأس منك، كما قالت امرأة للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! طلقني من فلان، قال: أتعيبين عليه شيئاً؟ قالت: لا أعيب عليه خلقاً ولا ديناً، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فإني نظرت إليه يمشي مع فتية من قريش فإذا هو أكثرهم دمامة، وأقلهم قامة، وهو جعد، أفطس) وصارت تعدد من معايب زوجها.. وأن كل شباب قريش أصحابه كانوا على قمة من الجمال والطول، والنسق الجميل، وغير ذلك، فلما رأت هذا في زوجها كرهته، لكنه صاحب دين وصاحب خلق، فلما وصل الأمر إلى زوجها قال: (يا رسول الله! إنها أخذت مني حديقة كانت لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وزيادة، قال: أما الزيادة فلا، وأمره أن يطلقها تطليقة)، ولذلك إذا لم يكن بأس ولا عيب من قبل الزوج، ولكن المرأة بنفسها كرهت المقام والبقاء مع هذا الزوج من غير ما عذر ولا حرج؛ فلها أن تنصرف وتحل عقدة هذا النكاح، ولا يكون هذا النكاح وزراً على ظهرها، ولا غلاً في قدمها، وإنما جعل الإسلام لها أمرها أن تفتدي منه بماله الذي أخذته صداقاً لها دون زيادة، وفي بعض الروايات وعند بعض أهل العلم: لها أن تدفع الزيادة إذا كان بطيب خاطر منها، وأخذه بغير أن تستشرف إليه نفسه، فلها ذلك.

    فقوله: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ أي: مرة بعد مرة، يهيئ الجو لمراجعة كل من الزوجين نفسه، والاعتذار عما بدر منه، فإذا كان ذلك منهما، ولكن تم اللقاء بينهما بعد الطلقة الأولى وبعد الطلقة الثانية حتى وقعت الثالثة، فإن هذا البيت في الغالب لا يصلح للقيام بين هذين الزوجين، ولذلك حرمه الإسلام بعد وقوع الطلقة الثالثة وجعلها طلقة بائنة بينونة كبرى.

    1.   

    الأصل في الطلاق من حيث الحظر والإباحة

    اختلف العلماء: هل الأصل في الطلاق الحظر أم الإباحة؟ يعني: هل مباح وأمر مشروع وجائز يفعله المسلم ويوقعه أينما شاء، ويعبث ويلهو به متى شاء بغير ما عذر يحمله على ذلك، أم الأصل فيه الحظر ولا يصار إليه إلا للضرورة؟

    مذهب الجمهور -وهو الرأي الذي أذهب إليه- أن الطلاق محظور مكروه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وليس الأصل فيه الإباحة، دليل ذلك قول الله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، يعني: لا يطلق الزوج زوجه حتى مع كراهيته المحتملة لأخلاقها، ولذلك العلماء يعدون هذا من نوع الطلاق المكروه؛ أن يطلق الرجل امرأته وبإمكانه أن يحتمل بعض سوء خلقها، ولذلك ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الأحكام الشرعية الخمسة تقع على الطلاق كما تقع على النكاح، فأحياناً يكون الطلاق حراماً، وأحياناً يكون مكروهاً، وأحياناً يكون جائزاً مباحاً، ومندوباً ومستحباً.

    قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [النساء:35]، لم يقل: فطلقوهما، وإنما قال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا [النساء:35].. إلى آخر الآية، فهنا حث الله تعالى على الصلح مخافة الشقاق والنشوز.

    وقال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، ولم يقل: والفراق أو الطلاق خير، وإنما قال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، دل على أن بقاء الأسرة ونبذ الطلاق هو الأصل.

    إذاً: لا يصار إلى الطلاق إلا في أضيق الحدود لضمان بقاء الأسرة، وحفاظاً على كيانها، وبالتالي الحفاظ على كيان المجتمع بأسره، والمجتمع وإن كان صغيراً أو كبيراً فإن المكون له هو الأسرة التي تبني المجتمعات الإسلامية الإيمانية، أما الإسراع إلى إيقاع الطلاق في كل ما هب ودب فهذا على خلاف الأصل.

    أسأل الله تعالى أن يصلح لي بيتي، وبيوتكم، وبيوت جميع المسلمين.

    اللهم تقبل منا صالح الأعمال والأقوال إنك ولي ذلك والقادر عليه.