إسلام ويب

القلق .. أسبابه وعلاجهللشيخ : سعود الشريم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القلق مرض عضال، وداء أصاب الشيوخ والشباب والأطفال، أسبابه كثيرة، وعلاجه سهل يسير على من يسره الله عليه، فأسبابه تكمن في البعد عن الله والتعلق بغيره وغير ذلك مما هو راجع إليه، وأما علاجه، فالتعلق بالله واللجوء إليه ودوام ذكره جل وعلا، والحفاظ على الصلوات.

    1.   

    مقدمة عن القلق وخطره

    الحمد لله ولي الصالحين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخليله وخيرته من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى صلاة وأتم تسليم، وعلى آله وأصحابه ومن سار على ملته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فبادئ ذي بدء أوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه في السر والعلن، والمنشط والمكره، فما خاب من اتقاه، ولا أفلح من قلاه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].

    أيها الناس! البال الرخي، والنفس الرضية، والصدر المنشرح، مطالب جليلة تصبوا إليها أفئدة بني آدم، وتروم نوالها كل نفسٍ لم تكتنفها دواعي الخذلان، أو مكابرة العاجز وبطر المستنكف، والمرء في هذه الحياة ما دام ذا روحٍ يقلبها فهو يعيش على أمرٍ قد قدر، وحينما يشب عن الطوق بعد نضارة الصبا ينهج في البحث عن الهنا لحياته نهجاً مستتباً، يرج نفسه رجاً شديداً، يظن أنه بين الرياحين السرمدية، يتهادى في دروبها كيف ما يحلو له، لا يذعره شيء حتى يبلغ نهايته المكتوبة، دون أن يُفكِّر هُنيهة أنَّ من عاش لم يخل من المصيبة، وقلَّما ينفك عن عجيبة، فيشاء الله غير ما يشاء هو، ويقدر غير ما قدر هو، وتخيب ظنون المرء في جُلِّ ما كان يؤمل، وتنقلب آحادها رأساً على عقب، متخطفاً عن السير إما في أوائله أو أواسطه، بله بلوغ نهايته المشرئب إليها، ثم يكون ما يكون، ولقد صدق من قال:

    ما عند يومي ثقة لي بغدِ      لا بد من دار خلود الأبدِ

    صح عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً ) لقد صدق رسول الله -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه، نعم! لقد صدق، فأين هم الذواقون لطعم الإيمان؟ وأين في الذواقين من يظهر أثر الذوق لهذا الطعم في نفسه وروحه وسلوكه بل وحياته كلها؟

    ألا وإن حملة الأدوية التي ينفعون بها ولا ينتفعون منها كثرة كاثرة على هذه البسيطة، وهم:

    كالعيس في البيداء يقتلها الظما     والماء فوق ظهورها محمول

    (ورب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ).

    1.   

    علاقة القلق بضعف الإيمان

    والحق -عباد الله- أن الإيمان والسعادة لا يضيرهما شيءٌ البتة إذا كان بعض حملتها ومنسوبيها أول الناس خروجاً عليها، ونأياً عنها، وإلا فأين الذين لم يعد منهم في حياته فاقد السعادة، ملتاثاً بلوعة القلق والاكتئاب، أين صاحب المنصب والشرف، الذي لم يعد قلقاً في أوج تكأته وسلطانه، يتوجس فقده كل لحظة عُرياً من خلاله عن معاني الإحساس بطعمه، أو استتمام رائحته المركبة؟!

    وأين الأبوان اللذان لم يعد أحدهما يخشى على أولاده القوارع بالمدلهمات.. في كسوة هذا، وإعفاف تلك، وتوظيف هذه، وتزويج ذاك؟

    بل أين.. وأين.. وأين؟

    إنه عصرٌ موحشٌ على كثرة مؤنسيه، مقلقٌ على كثرة مهرجيه ومروجيه.

    إنه مليء بكل مسببات القلق لفاقدي الهدف، ومعصوبي البصائر، الذين يتخبطون كالعشراء، وجل من لم يصب بمثل هذا السيل الطام فلا أقل من أن يناله رشاشه المتناثر هنا أو هناك.

    بالطبع -أيها المسلم- أنا وأنت، وهو وهي، وغيرنا جميعاً، نحن أعضاء في هذا المجتمع الفسيح، كل فردٍ منا عرضة للقلق أو الغضب، مثلما هو عرضة للسعادة أو الهناء، الكل يريد السعادة، ولكن لا أحد يريد أن يرى نفسه قلقاً أو كئيبا، وإن كان ثَمَّ وقوعٌ في حمأة القلق لفردٍ ما، فقد لا يُحسن التصرف أمام هذه البلية العظمى؛ إما عن جهل منه بطرق الخلاص والنجاة من هذا المأزق الحرج، وإما عن سلوك طُرقٍ وهمية مصحوبةٍ بغفلة، ووثبة يحسنان له القبيح، فيظن جاهلاً أنه مكمن الدواء، وكان كالمتسعسل إذا ثمل، وإما أن يكون المتصرف مع هذا الداء يعلم خطورته وسحق هوته، ولكنه يصر على البقاء فيه، أو يتعمد بتقطيع ألمه بكيوفات مهدئة أياً كانت ذوائبها مما لا يقرها الشارع الحكيم، ويا لله! ويا لله!

    إذا كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ     وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ

    أيها المسلمون! إنَّ من الإنصاف التام ألا يهون من شأن هذه القضية، وألا نجعل الإحساس بالقلق جهلاً منا أو مكابرة حكراً على ذوي الضعف وملتحفي المسغبة والإملاق، ولا غرو فيما أقول عباد الله، فكم رأينا كبراء قلقين، وأغنياء مضطربين؟! إذ من الناس من يقلق من فراغ بطنه إبَّان إملاقه، والبعض الآخر ربما قلق بسبب التخمة التي تحويها بطنه إبَّان إغداقه، ألا وإن قلقاً ما في نفس فقير مدقع ليس بأقل في الخطورة من قلقٍ ما في نفسٍ ثري طائش.

    أضرار القلق على المجتمع المسلم

    وأقول مثل ذلك في الصبي والشيخ والشاب، والذكر والأنثى، والصحيح والسقيم.. قلقٌ في المال، وفزعٌ من المستقبل المجهول، وشعورٌ بالوهن عن حمل المتاعب، وميل الإنسان إلى التوجس حتى من أبعد الأمور احتمالاً، والتي سببت من خلاله الحضارة المادية الحديثة سوء الظن بالله، وزعزعة الثقة به وبحكمته وعدله إلا من رحم الله، مما هو في الحقيقة سرٌ ولا شك، في قيام الكهانة والدجل، والوقوف على أعتاب العرَّافين والمشعوذين بحثاً عن حلٍّ لمشكلاتٍ استيئسوا هم من حلها، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولسان حالهم يقول: وداوني بالتي كانت هي الداء.

    وهو كذلك! سر لقيام ما يُسمَّى شركات التأمين، وتغلغل فروعها، واستثمان ورمها في أرجاء الدنيا العامة، وكأنهم موكلون في حماية الناس من قدر الله جلَّ وعلا، فاستحوذت تلك الشركات على قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، مستغلة بذلك خشية الخوافين على أعمارهم حيناً، وعلى أموالهم وممتلكاتهم حيناً آخر، والذي يُساورهم القلق من أجلها، والمستنكر هنا -عباد الله- استباحة التأمين لدى الجماهير من الناس على كافة أصقاعهم، في حين أن جمهور أهل العلم على تحريمها والمنع منها، لأدلةٍ ومسوغاتٍ ليس هذا محل بسطها.

    ناهيكم -أيها المسلمون- عن الشين والعيب في المتاجرة بالذعر الناشئ عن خور اليقين، والفرث الذي استحوذ على ضعاف النفوس، عندما يدفعهم الشك وقلة الإيمان بقضاء الله وقدره إلى ارتقاب الموت أو الخسار كامناً لهم في كل أفق، فتفزعهم الهمسة، وتؤلمهم اللمسة، ولا يعرف السم إلا من كابده، وما راءٍ للسم كمن شرب.

    الأطفال أكثر الفئات قلقاً

    أيها المسلمون! لقد أكدَّت الدراسات الميدانية الحديثة على مستوى العلوم التطبيقية والطب النفسي، أن القلق والاكتئاب ينتشران بصورة فعالة بين الأطفال، لا سيما في دول الغرب أو دولٍ تسير في ركابه، وذلك على حدٍ سواء بين أطفال الفقراء وأطفال الأغنياء، بنسبة مفزعة تصل إلى ربع المائة، وأن أولئك المصابين لديهم الاستعداد المبكر لتعاطي المخدرات والكحول أكثر بمرات من غيرهم، كما أكدت الدراسات على أن مراهقي الإناث أكثر إصابة بالقلق من مراهقي الذكور، وأكدت بعض جولات الاستطلاع أن الخوف من الفشل والتسريح والبطالة من أهم أسباب القلق الذي يُسيطر على العاملين بصورة عامة، ويظهر أثر ذلك على صورة اضطراب في الدورة الدموية، وضعف المقدرة على التركيز، وخفقان القلب، وقرحة المعدة، وأرقٍ واكتئابٍ دائمين.

    ولقد أكَّد خبراء متخصصون في مثل هذه الدراسات، أنهم استطلعوا ما يقارب المائتين من رجال الأعمال، أعمارهم متجانسة، فاتضح أن أكثر من ثلثهم يُعانون واحداً من ثلاثة أمراض كلها ناشئة عن القلق، وهي: اضطراب القلب، وقرحة المعدة، وضغط الدم.

    وقد قالوا عن هذا القلق: إنه شعورٌ عاطفي، يعتري الإنسان، يمنعه من التمتع بحالة الاستقرار النفسي والبدني، بحيث يفقد أمرين عظيمين من أمور الاستقرار، وهما: الصبر، والسكينة، ويسميه بعض علماء القلوب اكتئاباً.

    1.   

    أسباب القلق

    عباد الله! للقلق المتفتق بين ظهرانينا أسباب كثيرة يطول حصرها، والناس فيها بين مقل ومكثر، ولكن حاصلها وجماعها لا يخرج في الغالب عما سنطرحه في هذه العجالة.

    البعد عن الله

    فأولها بل وحمأة النكد، ونواة القلق: ألا وهو البعد عن الله جلَّ وعلا، بحيث يقصر المرء في طاعة ربه سبحانه، إذ قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وخمول الذكر، والوحشة بين العبد وربه، ومنع إجابة الدعاء، ومحق البركة في الرزق والعمر، وقسوة القلب؛ تتولد هذه كلها من معصية الله، ومن البعد عن طاعته وذكره، فإن تولَّى الله العبد، ويسَّر له سُبل الطاعة والهداية، انقهرت عنه هذه كلها، وإن تخلَّى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة والعياذ بالله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من تعلَّق شيئاً أوكل إليه } رواه أحمد والترمذي .

    يقول الله جل وعلا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    ويقول سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125].

    وقال سبحانه عن الجن: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً [الجن:13].

    ويقول: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً [الجن:17] أي: مشقة لا راحة معها.

    يقول أحد السلف : "مساكين أهل الدنيا! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، فسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: معرفة الله ومحبته، والشوق إلى لقائه وعبادته".

    التصور المقلوب للمال

    وسببٌ آخر من أسباب القلق يكمن في تصورٍ مقلوب للمال وحقيقته.

    إذ فَهِمَ منه أقوامٌ أنه مصدر السعادة وزوال القلق، فحدثوا ولا حرج عن هيام البعض به.. من أثرياء مترفين أضعفوا به خلقهم ودينهم: {التجار فجار، إلا من بر وصدق } هكذا صح الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فاستخفَّ بعضهم بقواعد الإيمان، فأكل بماله كما تأكل الأنعام، وشرب كما تشرب الهيم، معاملاتهم وتجاراتهم وعلائقهم بالناس إنما تقوم على أصولٍ من المعدة لا من الخلق، وعلى استشمام رائحة الاقتيات لا رائحة الإيمان وحسن السجايا، عارية نفوسهم من صفاء الروح والتراحم بين بني البشر، فكأنهم يشترون القلق بمالهم، ويبيعون الطمأنينة كما يُباع الحقير في أسواق النخاسين، وما علموا أن السعادة الحقة ليست في جمع المال فحسب، إذ كم من غني وجد، لكنه ما وجد إلا عكس ما كان قد وجد، ولعمر الله! إن التقي هو السعيد.

    ويزداد الأمر إسعاداً حينما يكون المال بيد العبد المسلم على نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {نعم المال الصالح للرجل الصالح } أين هذا مما يتردد كرَّات ومرات عبر الصحافة وأشباهها عن دراسات تُؤكد أن من الحقائق المسلمة أنه عندما تهبط قيمة الأسهم فيما يُسمى "البورصة" ترتفع نسبة السكر بين المضاربين؟ فأي علاجٍ -إذاً- أنجى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن هذا المال خضر حلوٌ، من أخذه بسخاوة نفسٍ بُورِك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفسٍ لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع } رواه أبو داود .

    الهم

    وسببٌ ثالث من أسباب القلق يقال له: الهم.

    نعم عباد الله.. الهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني: الحزن، والشدة، والإذابة، الهم الذي يُحطِّم العمالقة، ويذبل الوجوه الطافحة بالحياة النظرة، الهم الذي يخترم الجسيم نحافة، ويشيب ناصية الصبي ويهرم.

    إن سوء الإحسان في مواجهة الفتن والبلايا والرزايا، بحيث يتغلب الضجر على الصبر، ويفقد العقل توازنه واعتداله، لهو منبت الهم ونقعه، وإن الكثيرين في الواقع يتبرمون بالزوابع التي تحيط بهم، مع أن المتاعب والآلام تربة خصبة تنبت على جوانبها بذور الرجولة، وما تفتقت مواهب العظماء إلا وسط ركامٍ من المشقات والجهود المضنية، ولم يكتفوا بإصرارٍ مؤقت يخدع المرء به نفسه، فيقول: أنا راضٍ، ونفسه طافحةً بالضيق والتقزز، فينشأ له من طبعه الجزوع ما يبغض إليه الصبر، ويجعله في حلقه مُرَّ المذاق، فيتنجنج ويضيق، ويحاول جاهداً أن يخرج من حالته على نكظ.

    إذ أن عُشَّاق الصخب، ومدمني الشكوى، هم أفشل الناس في إشراب حياتهم معنى الطمأنينة، حيث يطوفون حولها معولين منتحين، ولم يدعوا ألسنتهم وقلوبهم تلعق ما في واقعهم المر من غضاضة.

    اشتكى عروة بن الزبير الآكلة في رجله فقطعوها من ركبته وهو صامتٌ لم يئن، وفي ليلته تلك سقط ولدٌ له من سطحٍ فمات، فقال عروة : [[اللهم لك الحمد كانوا سبعة من الولد فأخذت واحداً وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فإن كنت أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت لقد عافيت ]].

    لو رجع المرء لنفسه قليلاً لاتهم مشاعره الثائرة حيال ما ينزل به، فمن يدري رُبَّ ضارة نافعة، أو ربما صحت الأجسام بالعلل، أو لرب محنةٍ في طيها منحة، وكم بسمة كانت وليدة غصة، وكل إنسانٍ يصيبه من الكروب ما يهون معه ما سلف من الخطوب، وكم من زمنٍ بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه، ولم يبكِ الباكون في مفقودٍ مثل محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومن ذكر مُصيبة لا يسلو بها فليذكر مصاب الأمة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فما فقد الماضون مثل محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا مثله حتى القيامة يفقد:

    وهل عدلت يوماً رزية هالكٍ     رزية يومٍ مات فيها محمد

    ألا إن مكاره الدنيا ضربان: ضربٌ فيه حيلة؛ فالاضطراب داؤه، وضربٌ لا حيلة فيه فالاصطبار شفاؤه، والحكمة البليغة تقول:

    الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر.

    وعواقب الأمور تتشابه في الغيوب، فرب محبوبٍ في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوطٍ بنعمة هي داؤه، ومرحومٍ من داءٍ فيه شفاؤه، ورب خيرٍ من شر، ونفعٍ من ضر: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

    مرَّ إبراهيم بن أدهم على رجلٍ قلقٍ مهموم، فقال له: إني سائلك عن ثلاثة فأجبني، قال: أيجري في هذا الكون شيءٌ لا يُريده الله؟ أو ينقص من رزقك شيءٌ قدره الله؟ أو ينقص من أجلك لحظة كتبها الله؟ فقال الرجل: لا. قال إبراهيم : فعلام القلق والهم إذاً؟!

    الهم -أيها المسلمون- جندٌ من جنود الله، يُسلطه على من يشاء من عباده بعدله وحكمته سبحانه: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [الفتح:4].

    سُئِلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[من أشد جند الله؟ قال علي : الجبال، والجبال يقطعها الحديد فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد فالنار أقوى، والماء يُطفئ النار فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب فالسحاب أقوى، والإنسان يتكفأ الريح بيده وثوبه فالإنسان أقوى، والنوم يغلب الإنسان فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم فأقوى جند الله هو الهم يُسلطه على من يشاء من عباده ]].

    دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يومٍ فإذا هو برجلٍ من الأنصار يُقال له أبو أمامة ، فقال: {مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني، وديونٌ يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همَّك وقضى عنك دينك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة : ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني } رواه أبو داود في سننه .

    بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

    أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    علاج القلق

    الحمد لله وحده كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء الغرر.

    أما بعد:

    فما أكثر العواطف التي تهب علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة! وكم يواجه المرء منا بما يُكدِّره ويُنغِّص عليه ما يشتهي، بحلول القلق والاضطراب النفسي في شخصه، حتى تجتمع عليه السباع الأربعة التي تهد البدن وتوهنه، وهي: الهم والحزن والأرق والسهر، وقد صح الخبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم: (ما من داءٍ إلا وله شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله ) بيد أن الكثيرين ممن يُعالجون القلق هم في الحقيقة مظهرون للعلل النفسية، والجُلَّ منهم نجحوا في الهدم ولم ينجحوا في البناء، وقطعوا الطريق على أُناسٍ باحثين عن الشفاء ففشلوا في إرشاد نفسٍ قلقة، وللطب النفسي العري عن شريعة الله الحظ الأوفر في إعماق هذه الهوة، حيث لجأ جمهورٌ منهم في علاج القلق إلى ما يسمى: بالمعازف والموسيقى، والتي نقل إجماع أهل العلم على تحريمها، أو بما يسمى التنويم المغناطيسي؛ والذي يفتح مجالاً واسعاً لممتهنيه في أن يقلبوا الحقائق، أو يمتطوا من خلاله أهواءهم في تنفيذ مآرب بدنية، حتى امتدت إلى ما يسمى بالروحية الحديثة لمجالس تحرير الأرواح؛ وهي ضربٌ من الكهانة والشعوذة، والقلب على الرعاع، وفي كلتا الحالين هم يشرحون الصدور بتغييب الوعي، فكأنما يلهث المرء وراء سرابٍ بقيعة كلما ازداد منه قرباً ازداد السراب منه بُعداً وتخييلاً.

    حرصوا على تطبيب الزكام، والنتيجة الحاصلة استفحال الجذام، وإذا كان الأمر كذلك ففي ما شرعه الله من الأدوية وفيما أباحه منها غنية تامة في علاج الأدواء.

    القرآن الكريم

    والأدوية الناجعة كثيرة جداً، من أشهرها: القرآن الكريم -كلام الله جلَّ وعلا- فيه شفاء للناس من أمراض القلوب والأبدان.

    وقد دلت النصوص الشرعية على تخصيص بعض الآيات للرقية الشرعية، كسورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، ولو رقى المرء نفسه بآياتٍ غيرها من القرآن فلا بأس.

    ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إذا اشتدت عليه الأمور قرأ الآيات التي فيها ذكر السكينة، يقول ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام : سمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تأججت العقول عن حملها من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت إذ ذاك في حال ضعف القوة، قال: فلما اشتد عليَّ الأمر -والقول لـشيخ الإسلام - قلت لأقاربي ومن حولي: اقرءوا آيات السكينة، قال: ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبه.

    قال ابن القيم رحمه الله: وأنا جربت أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأيت لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطمأنينته.

    الذكر والصلاة

    ومن الأدوية الناجعة لداء القلق عباد الله: الذكر والصلاة.

    ذكر الله على كل حال، تحصل به الطمأنينة ويزول القلق: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    يقول ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون السمك إذا فارق الماء؟!

    فيا لله أيها المسلمون! أي وصية أعظم وأجدى في مثل هذه الحال من وصية الله لعبده وخليله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر:97] فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:98-99]؟! ولأجل ذا صح عنه صلى الله عليه وسلم: {أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة } رواه أحمد وأبو داود ، وقال كما عند النسائي وأحمد : {وجُعِلت قرة عيني في الصلاة }.

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب } رواه أبو داود والنسائي .

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [[تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مُغلق ]].

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.

    اللهم فرج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الرحمين.

    اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738921789

    عدد مرات الحفظ

    684561322