إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 119للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للحبيب صلى الله عليه وسلم خصائص اختصه الله بها دون بقية البشر منها: النبوة، ونوم العينين دون القلب، وإباحة نكاح أكثر من أربع نسوة، ومواصلة الصوم، وحرمة أكل الصدقة، ووجوب قيام الليل، وأنه لا يورث، وحرمة نكاح نسائه بعده وغيرها، كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم جملة معجزات أهمها معجزة القرآن الكريم.

    1.   

    الخصائص المحمدية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    وها نحن مع خصائص الحبيب صلى الله عليه وسلم، وما زلنا مع ما كان له أولاً من إماء، فقد كان له إماء.

    ثانياً: كُتَّابه.

    ثالثاً: أسماء خيله.

    رابعاً: أسماء بغاله صلى الله عليه وسلم.

    خامساً: أسماء إبله ولقاحه ومنائحه.

    سادساً: أسماء سلاح الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    وما هناك حاجة إلى ذكر هذه الأشياء، لكن علمنا أن له إماء وأن له كُتَّاباً وأن له سلاحاً، وسيف اسمه كذا، إلى غير ذلك.

    قال: [الخصائص المحمدية: إن للحبيب صلى الله عليه وسلم خصائص اختصه الله تعالى بها دون الخلق لكماله الذاتي] أي: الخلقي [والروحي لم تكن لغيره من أفراد أمته].

    معشر المستمعين والمستمعات! نحن الليلة مع ما اختص الله به حبيبه صلى الله عليه وسلم من الخصائص التي لم تكن لواحد من أمته.

    النبوة

    قال: [أولاً: النبوة: فليس لأحد بعده أن يدعيها] ولو قال: أنا نبي لقد كذب، ويستتاب، ويقتل إن لم يتب، وكم من أحد ادعاها ولقي جزاءه.

    قال: [أو أن تكون له بحال] من الأحوال، وذلك [لأن الله تعالى ختم بنبوته سائر النبوات، وختم برسالته سائر الرسالات] لكن ما الدليل؟ الدليل: [قال تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]] وقرئت: (وخاتِم النبيين). فهذا كلام الله: (خاتم النبيين) هل ممكن أن يأتي نبي بعده؟

    نعم لقد ظهر دجالون ولكن الله أزال وجودهم، وآخرهم كما علمتم جاءنا شاب إلى المنزل وقال: أنا نبي، والطلبة يسمعون، فقلنا له: كيف أنت نبي؟ قال: أنا نبي نبئني الله، كيف تنكرون عليه؟ النبوة انتهت، خاتمها الأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم، المهم فجاء جارنا بعصاه وانهال عليه ضرباً فصرخ يقول: أنا كذاب، أكذب ما أنا بنبي، ما أنا بنبي. وشرد.

    وكذلك الهندي أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، لكنه مسخ ولعن.

    المهم أن من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم أن نبوته ختم الله بها النبوات، فلا نبي بعده.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاكراً عمر بخير: ( لو كان في أمتي محدثون ) أي: من تحدثهم الملائكة ( لكان منهم عمر ولكن لا نبي بعدي )، فلهذا كل من يتكلم بالغيب، ويدعي أنه يعلم الغيب فهو طاغوت يجب أن يلعن، ثم يستتاب، فإن تاب وإلا يقتل.

    قال: [فمن ادعى النبوة معه كمسيلمة الكذاب أو بعده فهو كاذب كافر، يستتاب] أي: يطلب منه أن يتوب [فإن تاب وإلا قتل كفراً] فـمسيلمة الكذاب فعل العجب، وفي اليمن كذلك آخرون.

    إذاً هذه خصوصية من خصائصه، لا يشاركه فيها أحد.

    الوحي

    قال: [ثانياً: الوحي] فالوحي من خصائصه صلى الله عليه وسلم، [فليس لأحد بعده] أي: بعد وفاته [أو معه] أما قبله فكانت للأنبياء [أن يدعي أنه أوحي إليه بكذا أو يوحى إليه في كذا لا يقظة ولا مناماً] فالرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهذا أمر مسلّم، فمن رأى رؤيا صالحة، وانبثقت وتجلت كطلوع النهار فهي حق، لكن ليس معنى هذا أنه نبي، والرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له بشرى من البشريات التي يهبها الله الصالحين من عباده.

    وكانت الرؤيا جزءاً من ستة وأربعين جزءاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه ستة أشهر بالمنام فقط: ربيع الأول والثاني، وجمادى الأولى والثانية، ورجب وشعبان، وفي شهر رمضان أوحي إليه، فستة أشهر كان الوحي يتلقاه في المنام، ثم بعد ذلك عاش ثلاثاً وعشرين سنة وهو يوحى إليه، فاضرب الثلاثة والعشرين سنة في اثنين يساوي ستة وأربعين، فستة أشهر نصف سنة كان مناماً، إذاً: فالرؤيا الصالحة من العبد الصالح جزء من النبوة، لكن ليس من كاملها بل جزء من ستة وأربعين جزءاً، والذي يرى رؤيا صالحة يقول: رأيت كذا، ويقصه على الصالحين لكن لا يقول: أنا نبي الآن، أو أصبحت كالنبي يلقى إلي في المنام بكذا وكذا.

    ثم قال: [لا بإلقاء في الروع، ولا بهتاف ملك] من الملائكة [فضلاً عن رؤية الملك والتلقي عنه] فقد يقول: سمعت ملكاً يناديني أو يقول لي كذا وكذا [وذلك لانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم ولكمال الشريعة وتمامها] فالشريعة قد تمت وكملت، والقوانين في المال، في الاقتصاد، في السياسة، في الحرب، في الأخلاق، في الآداب، في العبادات، والله لقد تمت كلها وكملت، وما هناك أبداً فجوة تريد أن تكملها، فليس هناك في حاجة إلى نبوة جديدة أو رسالة جديدة [وعدم حاجتها إلى إكمال أو إتمام، فمن ادعى الوحي -وإن قل- فهو كافر يعامل معاملة مدعي النبوة] فإن تاب وإلا قتل.

    نوم العينين دون القلب

    قال: [ثالثاً: نوم العينين دون القلب: فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو الذي تنام عينه ولا ينام قلبه، خصوصية أخبر بها له صلى الله عليه وسلم فلم تكن لغيره، فمن ادعاها فهو كاذب مفتر لا تقبل منه دعواه] ينام لكن عينه نائمة وقلبه ما ينام؛ لأنه يتلقى الوحي من الله عز وجل، أما غير الرسول فإذا نامت عينه نام قلبه، فما يبقى تفكير ولا ولا، لكن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن عينه تنام وقلبه لا ينام، ليبقى قادراً على تلقي العلوم والمعارف من الله عز وجل، إذ القلب هو الحي.

    إباحة الله تعالى له نكاح أكثر من أربع زوجات

    قال: [رابعاً: إباحة الله تعالى له نكاح أكثر من أربع زوجات] هذه خصوصية له، فأباح الله لأمته أن يتزوجوا بأربع زوجات، وأن يجمعوا بينهن أيضاً في بيت واحد، وهو صلى الله عليه وسلم أذن له في تسع، فمن أراد أن يتزوج خامسة واستباح ذلك يستتاب وإلا يقتل.

    قال: [وعدم إباحة ذلك لغيره من سائر رجالات أمته؛ إذ قال تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب:50]، وكان تحته تسع نسوة يوم نزلت هذه الآية. هذا له] يوم ما نزلت هذه الآية كان تحته تسع نسوة، سيدتهم عائشة إلى حفصة بنت عمر فنزل قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب:50] وهذا إعلام من الله بأنه أباح له التسع.

    قال: [ولأمته قال تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، فلم يحل لهم أكثر من أربع، فكانت الزيادة على الأربع من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم] إما اثنتان مع بعضهما أو ثلاث أو أربع، ولو كنت ما كنت فلا يحل لك الزيادة على أربع، أما إذا تزوجت وطلقت أو تزوجت وماتت فلك هذا ولو إلى مائة، لكن المحرم أن يجمع أكثر من أربع نسوة، لقول الله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] أي: اثنتين أو ثلاث أو أربع فقط فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3] أي: إذا ما عندك قدرة على أن تعدل بين النساء فاكتف بواحدة، ولا تظلم المؤمنة.

    وصال الصيام

    قال: [خامساً: وصال الصيام] ومعنى وصال الصيام أن يصوم مثلاً يوم الإثنين ويضيف إليه يوم الثلاثاء ولا يفطر إلا ليلة الأربعاء، أو يصوم يومي الخميس والجمعة مع بعضهما ويفطر يوم السبت وهكذا، وهذه خصيصة له صلى الله عليه وسلم فلا تحل لمؤمن ولا مؤمنة بأن يصوم يومين متتاليين بدون إفطار، بل يجب أن يفطر ولو بقليل، أما أن يبقى صائماً يومين فلا يحل أبداً، وإن أصر يحاكم ويؤدب وإلا يقتل.

    قال: [إذ من خصائصه صلى الله عليه وسلم مواصلة الصوم، فيصوم يومين متتاليين لا يفطر إلا في نهاية اليوم الثاني، ولم يؤذن لأحد من أمته في ذلك، وقد قيل له في ذلك] أي قيل له: كيف تصوم يا رسول الله يومين؟ [فقال: ( إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ) رواه الشيخان] فما أنا كأنتم، فهم أرادوا أن يجمعوا يومين كالرسول صلى الله عليه وسلم فسألوه: لم أنت لا تفطر ونحن نفطر؟ وأنت تواصل ونحن لا نواصل؟ فأجابهم بقوله الحكيم: ( إني لست كأحدكم ) إي والله، ما هو كأحدنا، فهو رسول الله يتلقى الوحي ويكلمه الله ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ).

    قال: [والإطعام والسقي هنا معنويان على حد قوله في المريض] قال الحبيب صلى الله عليه وسلم في المريض: [( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم )] فليس معناه أنه يبيت ويأكل الخبز واللحم ويقول: ربي أطعمني، قال: هذا معنىً فيعطيه من الرضا والقبول والطمأنينة كأنما هو يطعم ويشرب، بدليل أنه قال: ( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام ) اتركوهم، ما دام مريضاً لا يقبل أن يأكل فلا تلزمه، فإن الله عز وجل يطعمه ويسقيه بما يعوضه عن ذلك الطعام والشراب في قوة بدنه.

    حرمة أكل الصدقة

    قال: [سادساً: حرمة أكل الصدقة] لا يأكل صلى الله عليه وسلم الصدقة أبداً، فإذا جاءت صدقة زكاة أو تطوع أو كذا لا يأكلها.

    قال: [ويشاركه في هذه الخصوصية آل بيته] فآل بيته يشاركونه في هذه الخصوصية، وكأنكم معه، وإذا بـالحسن أو الحسين يحبو أيام صباه، فوجد كوماً من تمر الزكاة، فأخذ الحسين تمرة وألقاها في فيه، فقال له صلى الله عليه وسلم: ( كخ كخ ) وانتزعها من فمه، لأن الصدقة عبارة عن أوساخ المتصدقين؛ فإذا أراد أحدنا أن يغسل نفسه من ذنوبه فإنه يتصدق، وبالتالي يطهر.

    إذاً الصدقة هي أوساخ الناس، ولا يأكل الوسخ إلا مضطر ولا محالة حينئذ، فيحيا أفضل من أن يموت لشرف آل البيت؛ لأنهم حماة الرسول.

    إذا حرم الله عليهم أكل الصدقة، وقد عرفنا أن آل البيت هم: نساؤه ثم أولاد جعفر، وأولاد علي، وأولاد حمزة، وأولاد عقيل أيضاً، فكل من كان من أولاد عبد المطلب فهو من آل البيت، وهؤلاء لا يأكلون الصدقة ولو جاءوا، والله عز وجل قد جعل لهم الخمس في الغنيمة ينفقها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يقوم مقامه.

    فإن قيل: إلى كم بطن أو ولد يمتد نسل آل البيت؟

    فالجواب: إلى يوم القيامة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حدد، لكن على شرط أن يثبت النسب، فلا تزور أنت لوحة تكتبها وتشهد عليها بالباطل.

    قال: [دون سائر أفراد أمته، فإنه يحل لأي فقير ومحتاج أن يأكل الصدقة ويطلبها إن احتاج إليها إلا رسول الله وآل بيته].

    قيام الليل

    قال: [سابعاً: قيام الليل] هذه خصوصية من خصائصه صلى الله عليه وسلم [فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل على سبيل الوجوب] فليس تطوعاً مثلنا بل على سبيل الوجوب [وذلك لقول الله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:2]] وهذا أمر، وهو للوجوب لا للندب [وقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79]] أي: أزل عنك الجهد أي: النوم، واعبد الله.

    قال: [بخلاف أفراد أمته فقيام الليل ليس واجباً على أحد منهم، وإنما يقومونه تطوعاً ونافلة لا غير]، فأيما مؤمن رجل أو امرأة يقوم الليل فقيام الليل له من أفضل العبادات، وحسبك أنك تبيت مع الله، وما أنت بنائم مع الشيطان، لكن ليس بواجب، بل هو نافلة من أفضل النوافل، وقد بين الرسول وقت قيام الليل، وأن أفضله الذي يكون في الثلث الآخر من الليل.

    عدم إرثه

    قال: [ثامناً] أي: ثامن الخصائص [عدم إرثه] فإذا توفي صلى الله عليه وسلم لا يورث، والذي تركه هو صدقة لا تورث [فما تركه كان صدقة فلم ترث فاطمة نصفها] فلها النصف؛ لأن الرسول ما ترك ذكراً إلا البنات والزوجات، فالبنت ترث النصف من أبيها إذا لم يكن له ولد، والزوجات يرثن الثمن، والباقي للعصبة وهو العباس ، فعاصب الرسول هو العباس ، أما أولاد حمزة .. أولاد جعفر .. أولاد علي فلا، والعباس قبلهم.

    قال: [ولا أزواجه أمهات المؤمنين ثمنهن] فيقتسمن الثمن إذا مات الرجل ولم يترك ولداً، والمرأة لها الثمن إذا ترك بنتاً مثلاً أو ولد، وإن يكن أربع نسوة فلهن الثمن بينهن إلى يوم القيامة.

    قال: [ولا العباس العاصب ما أبقت الفرائض] فـالعباس هو العاصب؛ لأنه عمه، والباقون هم أولاد أعمامه، فلا حق لهم ما دام العباس موجوداً، فالباقي كان للعباس، فلا العباس أخذ، ولا فاطمة أخذت، ولا النسوة أخذن.

    قال: [بل قال صلى الله عليه وسلم: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة )] وبعض الطلبة قال: هل نقول: نورث أو لا نوَرّث؟ الجواب: لا نورث.

    قال: [ وقوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]] فإن قيل: كيف داود ورثه سليمان، والحديث يقول: ( إنا معاشر الأنبياء ) مطلقاً ( لا نورث ما تركناه صدقة )؟ فما هو الجواب؟

    أي: لما قال الله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16] يريد أن يمدح سليمان وداود ويثني عليهم، فهل كون الابن يرث الأب فيه مدح وثناءا؟! وهل هناك في البشر عرب أو عجم .. كفار أو مؤمنون من لا يرث الولد والده؟

    الجواب: معنى (ورث سليمانُ داودَ) أي: في النبوة والرسالة والحكم والقضاء والدولة، وليس في الدينار والدرهم، فكل الناس يتوارثون.

    كذلك الآن أنا أمدحك لأنك ذكر، فهل هذا مدح؟! أو أمدحك لأنك تسمع! هل هذا مدح؟!

    فكذلك هنا: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16] فورثه الله وربه تعالى وأحله محل أبيه في الدولة والسلطان والرسالة والتشريع والبيان والحكم، وليس في البعير والشاء.

    ثم إذا ما فهمتم الآية فإن الرسول قد بين في الحديث وقال: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ) فإن كذبته تكفر، وهل الرسول يكذب فما كان يعرف أنه ورث سليمان داود؟!

    إذاً الإرث الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم هو إرث الدينار والدرهم والشاء والبعير، أما إرث سليمان لداود فهو الدولة، والسلطان، والقضاء، والحكم وهذا الذي حل محل أبيه فيه.

    قال: [فليس المراد منه إرث المال بل النبوة والملك؛ إذ لا يخبر الله تعالى في مقام الإنعام والتكريم بأن ولداً ورث والداً فيما ترك من مال، إن هذا أمر معلوم بين سائر الناس، ولا فضل فيه لأحد على آخر] فهل لما تقول: أنا ورثت أبي تكون هذه مزية كبيرة؟! أو أصبحت أفضل الناس؟! لا، فإن كل الناس يرثون آباءهم وإخوانهم، وبهذا زال اللبس إن شاء الله.

    هبة النكاح

    قال: [تاسعاً] أي: تاسع الخصائص [هبة النكاح] ومعنى هبة النكاح أن تأتيك المرأة فتقول لك: تزوجني مجاناً وهبت نفسي لك، هل يجوز هذا لغير رسول الله؟ ما يجوز، ومهما كنت، ولو تمرغت بين يديك في التراب لوجه الله تقول: تزوجني بلا مهر، فوالله ما جازت، أما هو صلى الله عليه وسلم فلو جاءت امرأة وقالت: يا رسول الله! وهبت لك نفسي فله أن يقبل.

    قال: [وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فأيما امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم له أن يتزوجها بدون مهر يقدمه لها، ولم يكن هذا لأحد من أفراد أمته قط؛ إذ لابد للنكاح من مهر معجلاً أو مؤجلاً] لكن لا بد منه يكثر أو يقل [إلا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]].

    لكن كم امرأة وهبت؟

    هي امرأة واحدة، وعفا عنها وما قبلها؛ فقط ليميزه عن الأمة، وما يكون مثلهم، فكيف يقودهم وهو مثلهم، لقول الله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [الأحزاب:50] وقال: مؤمنة فلو جاءت كافرة ما يقبلها ولا ينظر إليها، مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50].

    قال: [ومن لم تهب له نفسها فعليه أن يدفع لها مهراً، وقد أمهر الكثير من نسائه أربعمائة درهم] أي: الآن أربعمائة كذا.

    حرمة نكاح نسائه بعده صلى الله عليه وسلم

    قال: [عاشراً] أي: من الخصائص المحمدية [حرمة نكاح نسائه بعده صلى الله عليه وسلم] فأيما امرأة عقد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وبنى بها وأصبحت امرأته فلا تحل بعد وفاته لأحد أبداً لا من الإنس ولا من الجن، فقد أصبحت أماً لك كيف تتزوج أمك؟! فهذه خصوصية.

    قال: [وليس هذا لأحد سواه قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]] أي: وأزواجه أمهات المؤمنين، فهل يوجد من يتزوج أمه؟ مستحيل، هذه خصوصية.

    قال: [فلا يحل لمؤمن أن يتزوج امرأة من نساء النبي اللاتي توفي عنهن بخلاف أفراد أمته من علماء وصلحاء، وكلهم أولياء، فلا يحل لأحدهم أن يمنع امرأته من الزواج بعده إلا أن تشاء هي ذلك] ما نقول: هذا ولي الله فلا نتزوج نساءه، أو هذا عبد صالح فكيف نتزوج امرأته بعدما مات؟! هذا لا يوجد.

    وليس لأحد أن يقول لزوجته: إياك أن تتزوجي بعدي، فإن تزوجتي فلست من أهل الجنة.

    وقد قالها أحد الأصحاب رضوان الله عليهم في فلسطين لما جاء الوباء، وهو مرض عام عافنا الله وإياكم منه؛ قال لزوجته: أي فلانة! إن أردت أن تكوني زوجتي في الآخرة فلا تتزوجي غيري؛ لأن المرأة قد تتزوج عدة رجال من بعده، فهي تكون لمن مات عنها، ولم تتزوج بعده.

    فلهذا لك أن تقول لزوجتك: إن شئت أن تتزوجي لك ذلك، وإن رغبت أن تكوني -إن شاء الله- زوجتي في الجنة فلا تتزوجي، أما أن تقول: لا، لا أسمح لها أن تتزوج، فلا يصح أبداً، وإلا وصلت إلى مستوى النبوة فتكفر، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] معنى هذه الكلمة: لئن أعطش أنا ولا يعطش رسول الله، لئن أمشي أنا ولا يمشي رسول الله.. لئن نموت كلنا ولا يموت رسول الله، هذا معنى أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6].

    قال: [فلا يحل لمؤمن أن يتزوج امرأة من نساء النبي اللاتي توفي عنهن بخلاف أفراد أمته من علماء وصلحاء وكلهم أولياء، فلا يحل لأحدهم أن يمنع امرأته من الزواج بعده إلا أن تشاء هي ذلك لها فلها ما شاءت ما شاء الله لها ذلك].

    1.   

    المعجزات المحمدية

    قال: [المعجزات المحمدية] هيا مع المعجزات.

    هل هناك فرق بين المعجزة والخصيصة؟

    المعجزة لا تظهر على يد أحد إلا نبي، والمعجزة أمر خارق للعادة يعجز البشر لو اجتمعوا على إتيانه، أما الخصيصة فشيء اختص الله بها رسوله؛ ليكمله، ويرفع شأنه وقدره.

    قال: [إن المراد من المعجزات هو ما يعجز البشر كلهم عن الإتيان بمثله، فيكون ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم معجزاً لغيره من سائر الناس] أي: ما يأتي به النبي أو الرسول من حادثة تعجز البشرية عن مثلها، ولا تقوى أبداً أن تأتي بمثلها [بحيث لم يقدر عليه أفراداً أو جماعات؛ لأنه خارج عن طوق البشر واستطاعتهم] هذا المعجز [إن قرن بالتحدي كان المعجزة الخاصة بالأنبياء، وإن لم يقرن بتحد فهو كرامة يكرم الله تعالى بها من يشاء من أوليائه وصالحي عباده].

    مثال: عطشنا وكدنا نموت يا رسول الله فاسأل الله واستغث لنا، فقال: اللهم اسقنا الغيث الآن، فنزل المطر من السماء، هذه كرامة، فالكرامة أن نقول لأحدكم: أيها الصالحون! ارفعوا أيديكم إلى الله ليسقينا أو يفرج ما بنا، ويتم ذلك.

    أما المعجزة فمقرونة بالتحدي، يقولون للنبي: إن كنت رسولاً فادع الله أن ينزل المطر الآن نؤمن بك، فدعا هذه معجزة مقرونة بالتحدي.

    وذاك الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! أتدعي أنك رسول الله؟ قال: أي نعم رسول الله.

    قال: إن كنت رسول فادع هذه الشجرة أن تأتيك. فوالله لقد قلعت جذورها وجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وما آمن ذاك! لكن قال: سحر.

    فالكرامة للأولياء والصالحين من أمثالكم، والمعجزة خاصة بالأنبياء؛ لأن المعجزة مقرونة بالتحدي.

    قال: [إذ الفرق بين المعجزة والكرامة] ما هو؟ [أن المعجزة تكون مقرونة بالتحدي غالباً، والكرامة خالية من ذلك] أما قالت قريش: إن كنت رسول الله فلينقسم القمر وينشق شقين، فوالله انقسم قسمين وراء جبل أبي قبيس، وشاهدوه منقسماً، وقرأ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] وهل آمنوا؟ لا، إلا من رحم الله.

    قال: [لأن المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى: صدقوا النبي فيما يخبر به عني] لسان حال المعجزة: صدقوا النبي فيما يخبر به عني، وهنا في سوق المناخة جاءت صلاة الظهر فما وجدوا ماء، وهم ثمانون رجلاً في السوق، فجيء بإناء فيه ماء فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده ففار الماء، فتوضئوا كلهم، فهذه معجزة، كأنما الله يقول: آمنوا برسولي.

    قال: [فالمعجزة مثبتة للنبوة مقررة لها؛ إذ بها يعرف النبي الحق من المدعي الكذاب] ومعرفتنا لمعجزات الرسول تزيد في إيماننا، ولذلك آمنا.

    قال: [ولفظ المعجزة غير وارد في القرآن الكريم] أي: لا يوجد لفظ معجزة في القرآن [وإنما الوارد لفظ الآية] الوارد الآية؛ آية النبوة، ما آية نبوتك؟ [لأن الأصل في الآية العلامة الدالة على الشيء، إذ يقول الإنسان لأخيه: فلان يقول لك: أعطني كذا أو كذا، فيقول له: ما آية ذلك؟] أي: ما علامة ذلك؟ [أي: ما علامته أنه قال: أعطه كذا وكذا، فيريه خاتمه أو كتابه أو سيفه أو أي شيء خاص به فيكون ذلك آية وعلامة على صدق ما ادعاه وطالب به].

    تقول: اذهب إلى فلان وقل له: قال لك الشيخ أعطني كذا، يقول: ما آية ذلك؟ ما علامة هذا؟ فيعطيه كتاباً مثلاً.

    قال: [ومن القول الشائع عند الناس قولهم: لا نبي إلا بالمعجزات ولا ولي إلا بالكرامات، وهو قول في الجملة صحيح] هذا من كلام العامة، وهو صحيح، فإذا لاحظتم أن فلاناً ولي حقاً -لاحظوا- سوف تظهر لكم كرامة في يوم من الأيام.

    وهل أنتم أولياء أو لا؟

    أية كرامة من أن تعيش كذا سنة لا تكذب ولا كذبة، أية كرامة أعظم من هذه؟

    أية كرامة من أن تعيش أربعين .. خمسين سنة لا تترك فريضة من فرائض الله؟

    هذه أعظم الكرامات.

    ولو تتبعت حياتك كم مرة استجاب الله لك؟ كم مرة فرج الله عليك؟ كم مرة .. وأنت لا تدري، فذه كرامات تصاحبك طول حياتك.

    قال: [هذا وللحبيب محمد صلى الله عليه وسلم معجزات أكرمه الله تعالى بها، وصدق رسالته بمثلها بلغت ألف معجزة]، بلغت معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ألف معجزة أو أكثر أيضاً [هكذا قرر أهل العلم إن لم تكن أكثر من ذلك، وها نحن أولاء نورد ما يحضرنا منها] نأخذ منها بعضها:

    معجزة القرآن الكريم

    قال: [وأولى تلك المعجزات أو الآيات: القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله تعالى أوحاه إليه، فدل ذلك على نبوته وصدقه في رسالته؛ لأن القرآن الكريم معجز بحروفه وكلماته وتراكيبه ومعانيه وأخبار الغيوب التي وردت فيه، فكانت كما أخبر.

    كما هو معجز بالأحكام الشرعية والقضايا العقلية التي لا قبل للبشر بمثلها مع التحدي القائم إلى اليوم بأن يأتي الإنس أو الجن متعاونين بمثله. قال تعالى موحيه ومنزله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

    وتحدى العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان على أن يأتوا بعشر سور مثله فما استطاعوا قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، وتحداهم بسورة واحدة من مثله فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24]].

    هذه اللطيفة (ولن تفعلوا) تعرفونها، نقول: لو أن صانعاً في اليابان صنع ساعة أو نظارة أو أي شيء فهل يستطيع أن يتحدى البشرية خمسين عاماً أنها ما تستطيع أن توجد هذا؟ أو كان ذلك في أمريكا أو في الصين أو في روسيا أو في أي مكان، أن ينتجون منتجاً ويقولون: نتحدى البشرية كلها خمسين سنة أن تنجز مثل هذا الإنجاز، والله ما يقدرون، لكن الله يقول: (ولن تفعلوا) واليوم مضى عليهم ألف وأربعمائة سنة فما فعلوا. هل جاءوا بسورة وقالوا: هذه مثل القرآن؟ (ولن تفعلوا) إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    قال: [نفياً لقدرتهم على الإتيان بسورة مثل القرآن في مستقبل الأيام، وقد مضى حتى الآن ألف وأربعمائة سنة واثنان وعشرون سنة وسبع سنين] أي: لما ألف الكتاب، أما الآن فقد مضى سبع عشرة سنة [ولم يستطع الكافرون أن يأتوا بسورة من مثله. وبهذا كان القرآن معجزة خالدة باقية ببقاء هذه الحياة، ولذا سيخلد الإسلام ويبقى إلى نهاية الحياة، لأن معجزته باقية كذلك].

    ولعل السامعين لا يدرون! والله لو ما كان القرآن عندنا محفوظاً بحفظ الله لا يزيد فيه أحد ولا ينقص لانتكست الأمة قبل ألف سنة، بدليل أن الأمم ما تمضي سبعون سنة حتى يدخلوا في الشرك والباطل.

    أتباع عيسى كم سنة عبدوا الله عبادة صحيحة؟ سبعين سنة ثم تحولوا إلى الشرك، فلولا أن القرآن تعهد الله بحفظه وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] لحصل للأمة شرك وضلال لا حد له وارتدوا، لكن القرآن باق فهو نور الله.

    والله تعالى أسأل أن يوفقنا وإياكم لما ندرس ونسمع.