إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (78)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للغسل فروض وسنن، أما فروضه فالنية، وتعميم سائر البدن بالماء، وتخليل أصول الشعر والأصابع، وأما سننه فغسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء، وتقديم أعضاء الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، وأما مكروهاته فالإسراف في الماء، والغسل في المكان النجس، والاغتسال بفضل المرأة، والاغتسال بلا ساتر ولا حائط، والكيفية الصحيحة للغسل هو اتباع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    1.   

    مشروعية الغسل وبيان موجباته ومستحباته

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة..

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ليلة الخميس من يوم الأربعاء، ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي للشريعة الإسلامية مجملة، العقيدة، الآداب، الأخلاق، العبادات، المعاملات، وها نحن مع: [ الفصل السابع: في الغسل]، وهذا من الفقه، والرسول الكريم يقول: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، ويقول: ( إنما العلم بالتعلم )، ودرسنا مجمل ما في الغسل وبقيت بقية، فنعيد للتذكير بإيجاز بما سبق أن درسناه: [ أولاً: الغسل: وفيه أربع مواد: المادة الأولى: في مشروعية الغسل، وبيان موجباته].

    مشروعية الغسل

    أولاً: المشروعية: الغسل مشروع بالكتاب والسنة النبوية، والدليل: قول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6] أي: اغتسلوا. وقال تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا تجاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ) رأس الذكر إذا دخل في فرج المرأة وجب الغسل، فإذا التقى الختانان وجب الغسل، ولو لم يحصل إنزال ولا إمناء.

    موجبات الغسل

    موجبات الغسل:

    أولاً: الجنابة: وتشمل الجماع، وهو: التقاء الختانين ولو بدون إنزال -والإنزال: هو خروج المني بلذة في نوم أو في يقظة، من رجل أو امرأة- وذلك لقول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ) ] موضع الختان من الرجل رأس الذكر، وموضع الختان من المرأة البظر، وحكم الختان أنه من واجبات الإسلام، وهو بالنسبة إلى النساء مكرمة وفضيلة.

    ثانياً: انقطاع دم الحيض أو النفاس: إذا انقطع عن المرأة دم حيضها أو نفاسها وجب الغسل عليها، وذلك لقول الله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [ البقرة:222] ] أي: في وقت الحيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ البقرة:222] يعني: بالجماع حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222] ] أن تأتوا النساء من فروجهن لا من أدبارهن والعياذ بالله؛ لأن القبل هو الحرث والزرع والنبات، لكن الذي يحرث في الدبر لا ينبت، ولا يولد له، أعوذ بالله! نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، يعني: سواء كنت قائماً أو قاعداً فلا بد من الفرج لا من الدبر، وقضية الدبر من عمل قوم لوط، عليهم لعائن الله، ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( امكثي.. ) أي: في بيتك ( قدر ما كان تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي )، فالحائض الذي دمها يسيل تمكث عن الصلاة والصيام قدر الحيض سبعة أيام أو ثمانية، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، وفي هذا دليل على وجوب الغسل بسبب الحيض.

    ثالثاً: الدخول في الإسلام: أيما كافر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صادقاً من قلبه ولسانه، إلا ويجب عليه أن يغتسل.

    رابعاً: الموت: فإذا مات المسلم وجب تغسيله لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، إذ أمر بتغسيل ابنته زينب رضي الله عنها لما ماتت كما ورد في الصحيح.

    مستحبات الغسل

    مستحبات الغسل:

    أولاً: يستحب أن تستغل يوم الجمعة لصلاة الجمعة؛ وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ). ومعنى (واجب) متأكد الغسل، ليس معناه كالجنابة، بدليل لو ما اغتسل يدخل المسجد ويصلي ولا حرج، فلهذا القول بالسنية هو الظاهر.

    ثانياً: للإحرام: يسن لمن أراد أن يحرم بعمرة أو حج أن يغتسل.

    ثالثاً: لدخول مكة، وقد عرفنا مما سبق: أن الرجل كان يسافر من المدينة إلى مكة مدة عشرة أيام وهو في البر والصحراء، فيصل إلى مكة وعليه التراب والغبار، فيستحب له قبل أن يدخل مكة أن يغتسل.

    كذلك في يوم عرفة فهو يظل طول النهار منذ الفجر وهو واقف على جبل عرفة وحرارة الشمس مرتفعة، فقبل أن يدخل إلى عرفة يغتسل؛ لينشط ويكثر من الدعاء.

    رابعاً: لتغسيل الميت: الذي يغسل ميتاً يستحب له أن يغتسل، فالأمر للاستحباب وليس للوجوب، ولو لم يفعل فلا إثم عليه، وإن فعل يؤجر ويثاب، فمن غسل ميتاً استحب له أن يغتسل للحديث المتقدم.

    1.   

    فروض الغسل

    [ المادة الثانية: في فروض الغسل، وسننه، ومكروهاته: أولاً: فروضه ] الغسل له فروض كالصلاة لها فروض وسنن وواجبات.

    أولاً: النية

    [ أولاً: النية: وهي عزم القلب على رفع الحدث الأكبر بالاغتسال ] النية: أن تنوي بقلبك أنك عازم على رفع الجنابة بالاغتسال، إذ لا بد من هذه النية، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، لو أن جنباً اغتسل في البحر بالماء والصابون ولم ينو نية رفع الحدث الأكبر فهو لا يزال جنباً، حتى ينوي أن يرفع الحدث بغسله، لو اغتسل في سبعة أبحر ما رفعت الجنابة عنه [ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) ] فهذه قاعدة إسلامية، وهي أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.

    ثانياً: تعميم سائر الجسد بالماء ودلك ما يمكن دلكه

    [ ثانياً: تعميم سائر الجسد ] أي: كل الجسد [ بالماء بدلك ما يمكن دلكه ] الموضع الذي لا يستطيع المغتسل أن يدلكه يكفي فيه الماء، فيصبه عليه، وإن استطاع أن يدلك صب عليه الماء ودلكه بكفه [ وإفاضة الماء على ما يتعذر دلكه حتى يغلب على الظن أن الماء قد عمه كله ] مثل الظهر، فإن يداك لا تستطيع أن تصل إلى ظهرك بكامله، فحيث وصلت يداك ادلك ثم صب الماء، حتى تطمئن أن الماء قد عم جسمك.

    ثالثاً: تخليل الأصابع والشعر

    [ ثالثاً: تخليل الأصابع ] أصابع اليدين والرجلين [ والشعر ] شعر الرأس وغيره كاللحية، يخلله خشية أن يبقى جزء ما تبلل ولا وصله الماء [ وتتبع ما ينبو عنه الماء كالسرة ] إذ هي كالحفرة، فلا بد أن يمسها بيده؛ لأن الماء ينبو، وكذلك تحت الإبطين والركبتين، ويتتبع بالماء وبيده ما ينبو ويرتفع عنه الماء ولا يصل إليه، ومعنى نبا ينبو إذا ارتفع وتجاوز [ ونحو ذلك ] كالإبطين والركبتين والفخذين أيضاً؛ لأنه إذا اغتسل وهو جالس لا يصل الماء إلى الفخذين.

    1.   

    سنن الغسل

    أما [ سننه ] والفرق بين الركن والسنة أن الركن إذا سقط يسقط البناء، والسنة كالبياض الذي تطلو به الجدار، إذا سقط البياض لا يسقط البناء.

    إذاً: والسنن خمس:

    أولاً: التسمية

    [ أولاً: التسمية ] وهي قولك: (بسم الله) عند شروعك أي: بدءك في اغتسالك أو وضوءك، ولا تزد (الرحمن الرحيم) [ إذ هي مشروعة في كل عمل ذي بال ] التسمية مشروعة في كل عمل له قيمة، وله شأن، وله حال؛ كالأكل، والشرب، واللباس، والركوب، والنزول.. وفي كل الأشياء، كل ذي بال يشرع فيه (بسم الله) فكيف بالوضوء أو الغسل؟ فهو من باب أولى.

    ومن آداب قضاء الحاجة قبل أن يدخل رجله اليسرى في الحمام.. المرحاض يقول: بسم الله، أما المسجد فيدخل رجله اليمنى ثم يقول: بسم الله.

    ثانياً: غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء

    [ ثانياً: غسل الكفين ابتداءً قبل إدخالهما في الإناء ] أول شيء يبدأ به هو غسل كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء وغيره، وذلك [ لما تقدم ] في الوضوء.

    ثالثاً: البداية بإزالة الأذى

    [ ثالثاً: البداية بإزالة الأذى ] يبدأ المغتسل من الجنابة بغسل فرجيه.. قبله ودبره وما حولهما من الوسخ والأذى، بمجرد أن يغسل كفيه ثلاثاً يستنجي، ويغسل فرجيه وما حولهما، لا بد من هذا الترتيب على سبيل السنية.

    رابعاً: تقديم أعضاء الوضوء قبل غسل الجسد

    [ رابعاً: تقديم أعضاء الوضوء قبل غسل الجسد ] وسيأتي بيان ذلك، ومعنى هذا أن تتوضأ وضوءك للصلاة، كأنك أمام الناس، بعد ذلك اغسل رأسك كاملاً ثم اغسل شقك الأيمن فالأيسر كما يأتي بيانه.

    والشاهد عندنا: تقديم أعضاء الوضوء قبل غسل الجسد، أن يتوضأ قبل أن يغسل جسده.

    خامساً: المضمضة والاستنشاق وغسل صماخ الأذنين

    [ خامساً: المضمضة والاستنشاق وغسل صماخ الأذنين، أي: باطنهما ] والمضمضة: غسل داخل الفم، وهي: أن يمضمض المتوضأ الماء في فمه. والاستنشاق غسل داخل الأنف، وهي: جذبه للماء ثم نفثه. وغسل صماخ الأذنين: وهو إدخال الماء إلى أذنيه؛ فالمضمضة والاستنشاق وغسل صماخ الأذنين ليس بواجب، ولكنه من سنن الغسل وكمالاته، فمن لم يأت بهذه السنن فالغسل كامل، ليس باطلاً.

    والفرق بين السنة والواجب أن ترك الواجب يفسد العمل، أما ترك السنة فلا يبطل العمل، لكن يفوته الأجر والمثوبة.

    1.   

    مكروهات الغسل

    [ثالثاً: مكروهاته: مكروهات الغسل هي: ] الغسل له واجبات وله سنن، وله مكروهات، كالوضوء، والصلاة..

    أولاً: الإسراف في الماء

    [ أولاً: الإسراف في الماء ] وهو إذا كنت تغتسل بلترين ماء فلا تغتسل بسطل كامل، فالإسراف هو الزائد على الحاجة، والزيادة خطأ ومكروهة وتفقد أجراً [ إذ اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع ] ونحن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، أي: قدوة صالحة [ وهو أربعة أمداد (حفنات) ] أي: أربع حفنات ماء يساوي كيلو مثلاً.

    وقولوا: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، لأنكم تفجرون المياه في الجدران كأنكم في الجنة، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يأتون بالماء على أعناقهم.

    كانت أمي رحمة الله عليها تخرج بالقربة في آخر الليل إلى الوادي قبل أن يراها الرجال، فتأتي بالماء ليومين أو ثلاثة، إذ كانت النساء عندنا لا يخرجن في النهار قط، سواء كانت هناك جنازة أو موت أو عرس، وإنما يخرجن في الليل فقط، والعجائز كذلك لا يخرجن في النهار، وهذا من أعجب ما يكون.

    ونحن في هذه الأيام نفتح المياه من الجدران وكأننا في الجنة دار السلام، ولا نشعر بهذا النعمة، ولا نقول: الحمد لله، ونبكي دائماً.

    ثانياً: الغسل في المكان النجس

    [ ثانياً: الغسل في المكان النجس ] المكان النجس لا يصح فيه الغسل، بل يكره؛ إذ تتطاير النجاسة إلى جسمك، فاغتسل في مكان طاهر، هذا هو الأفضل والأليق، أما من اضطر أو ما وجد مكاناً طاهراً يغتسل فيه فلا بأس، فهو مكروه فقط، لكن إذا وجد مكاناً نقياً طاهراً يغتسل فيه ولا يغتسل في مكان نجس [ خشية التلوث بالنجاسة ] فإما أن تتطاير إلى ماءك أو إلى جسمك.

    والحمام إذا كان فيه مكان بعيد للتغوط، أو مكان خاص وهو بعيد عنه لا يضر، لكن لو كان يغتسل في مكان النجاسة فهذا لا ينبغي.

    ثالثاً: الاغتسال بفضل طهور المرأة

    [ ثالثاً: الاغتسال بفضل طهور المرأة؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال بفضل طهور المرأة، كما تقدم ] في رواية الترمذي وحسنها، وهناك رواية أخرى تبيح ذلك، هناك أحاديث لا تفاضل بين فضل المرأة وفضل الرجل، وهذا الحديث حسنه الترمذي في السنن، وهو أن الأفضل لا يغتسل بفضلة المرأة، ولعل السر في هذا أن بعض الناس يتقززون بالنفس، لا يستطيع أن يغتسل بفضلة المرأة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( اغسل ولا حرج ) والذي يحصل في نفسه ذلك لا يغتسل، وهذا من باب التوسعة في الشرع، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا وهذا، بحسب حال الناس، والقضية قضية كراهة فقط، لو اغتسلت بفضل المرأة غسلك صحيح، لو اغتسلت هي بفضل ماءك غسلها صحيح.

    رابعاً: الاغتسال بلا ساتر من حائط أو نحوه

    [ رابعاً: الاغتسال بلا ساتر من حائط أو نحوه ] فلا يغتسل أمام الناس في الشارع أو في الساحة الكبرى، لا بد وأن يكون وراء شيء يستره؛ لأنه كاشف عن جسمه وعورته، فينبغي أن يكون مستوراً بجدار، أو بشجرة، أو بغيرهما ولو كان شخصاً يسترك وأنت تغتسل [ لقول ميمونة رضي الله عنها ] وهي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوج الرسول صلى الله عليه وسلم [ ( وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماءً وسترته فاغتسل ) ] وهذا في عرفات [ فلو لم يكن الاغتسال بلا سائر مكروهاً؛ لما سترته عليه الصلاة والسلام ] فدل على الكراهة [ ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عزوجل حيي ستيرٌ ) ] كثير الستر [ ( يحب الحياء ) ] فأحبوا ما يحب ربكم، ومن تحقيق الولاية أن تحب ما يحب ربك، وتكره ما يكره، وإذا خالفته فأنت عدوه وليس بوليه [ ( فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ) ] فإذا اغتسل أحدكم يا معشر المؤمنين والمؤمنات فليستتر، لا يغتسل أمام الناس، فإنه يكره له أن يغتسل له بدون ساتر، فلو اغتسل بدون ساتر فالغسل صحيح، فهذا هو الفرق بين الواجب والمكروه.

    خامساً: الاغتسال في الماء الراكد الذي لا يجري

    [ خامساً: الاغتسال في الماء الراكد الذي لا يجري ] بركة مملوءة ماء لا يخرج منها ولا يجري، ولا يأتيها ماء جديد، فلو يغتسل فيها يفسدها، لا ينبغي له ذلك، فإن ذلك يكره. أما إذا كان بحراً فليس عندنا مانع؛ وذلك [ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ] الماء الدائم قد يشرب الناس منه، أو يأخذون منه ويتوضئون، فلما تغتسل وعليك أثر البول والمني أفسدت الماء، لأنه راكد ليس جارياً، فإن كان غير جنب فلا بأس أن يغتسل فيه.

    1.   

    كيفية الغسل

    [ المادة الثالثة: في كيفية الغسل ] أي: كيف تغتسل؟ [ كيفية الغسل: هي أن يقول -المغتسل- بسم الله، ناوياً رفع الحدث الأكبر باغتساله ] لأن النية ركن، فهي واجبة [ ثم يغسل كفيه ثلاثاً ] أي: مرات [ ثم يستنجي فيغسل ما بفرجيه ] القبل والدبر [ وما حولهما ] من أذى [ ثم يتوضأ وضوءه الأصغر ] كاملاً [ إلا رجليه؛ فإن له أن يغسلهما مع وضوئه، وله أن يؤخرهما إلى الفراغ من غسله ] قد يكون في أرض فيها طين أو تراب، فلو غسلهما للمرة الأولى يحتاج بعد ذلك إلى غسلهما مرة ثانية.

    إذاً: يجوز له أن يتوضأ ولا يغسل قدميه، وإن شاء غسل قدميه، وإن شاء أخرهما؛ ووضوءه صحيح، وغسله صحيح [ ثم يغمس كفيه في الماء ] بعد الفراغ من الوضوء يغمس كفيه في الماء [ فيخلل بهما أصول شعر رأسه، ثم يغسل رأسه مع أذنيه ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن من أعلاه إلى أسفله ] يبدأ أولاً بالأيمن [ ثم الأيسر من أعلاه إلى أسفله، متتبعاً أثناء الغسل الأماكن الخفية كالسرة وتحت الإبطين والركبتين ونحوهما ] حتى لا يبقى موضعاً ما ابتل بالماء، وهو مأمور بأن يغسل جسده كاملاً [ وذلك لقول عائشة رضي الله عنها ] وهي أم المؤمنين الصديقة رضي الله عنها، حب رسول الله، بنت الصديق رضي الله عنه [ ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم غسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر جسده ) ] لخصته في كلمة.

    أما الإسراف في الماء كمن يفتح الدش لمدة طويلة قد تصل إلى ساعة أو أقل، هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فهذا بدعة منكرة، فلا ينبغي الإسراف في الماء، إن الله تعالى يقول وقوله الحق: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، من أراد أن يبغضه الله فليسرف. هل هناك من يحب أن يبغضه ربه؟!

    1.   

    ذكر ما يمنع بالجنابة

    [ المادة الرابعة ] والأخيرة [ فيما يمنع بالجنابة ] الجنب يمنع عن أشياء، فالجنابة هي المانعة، والجنابة هي الجماع بالتقاء الختانين [ يمنع بالجنابة أمور:]

    أولاً: قراءة القرآن إلا الاستعاذة ونحوها

    [أولاً: قراءة القرآن إلا الاستعاذة ونحوها ] يحرم على الجنب أن يقرأ القرآن إلا: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ونحوها: (بسم الله الرحمن الرحيم) فلا بأس، فالجنب لا يحل له أن يقرأ آية من كتاب الله، وذلك [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) ] أي: بعض آية.

    [ وقول علي رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن -يعلمنا القرآن- على كل حال ما لم يكن جنباً ) ] علي رضي الله عنه، صهر الحبيب صلى الله عليه وسلم وابن عمه، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ) ومعنى يقرئنا القرآن: يعلمنا القرآن، ( ما لم يكن جنباً ) فإن كانت عليه جنابة لا يعلمهم القرآن.

    ثانياً: دخول المساجد إلا المرور بها للمضطر

    [ ثانياً: دخول المساجد إلا المرور بها للمضطر إليه ] ليس بدون حاجة [ لقوله تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] ] والعابر السبيل هو المار، أيما مسجد حرام أو دون الحرام، تقام فيه الصلاة، وفيه محراب ويصلى فيه لا يحل أن تجلس فيه وأنت جنب، وإن كنت نائماً في المسجد، ثم استيقظت وأنت جنب فاخرج على الفور، لا تبقى جالساً، وإذا كنت مضطراً أن تدخل من هذا الباب وتخرج من هذا، فلا تجلس وأنت جنب بل امش، أو تبحث عن زيد أو عن عمرو، قالوا لك: في المسجد. وأنت جنب ولم تجد من يبحث عنه تدخل المسجد ولا تجلس، من أول المسجد إلى آخره تشاهد صاحبك وتخرج، أما الجلوس في المسجد لا يحل لصاحب الجنابة.

    ثالثاً: الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً

    رابعاً: مس المصحف الكريم

    [ رابعاً: ] وأخيراً [ مس المصحف الكريم ولو بعود ونحوه ] لا تقلب صفحات المصحف بعود وأنت جنب، هذا القول الذي عليه الجمهور، لا نلتفت إلى الخلافات، لو كان ضرورة لها حكمها، وأنت حر مستطيع لا تمس المصحف أبداً [ لقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:77-79]. ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ) ] والحديث رواه الدارقطني وهو صحيح. لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ولو بعود.