إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (76)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تمام الوضوء وكماله أن يتجنب المتوضئ مكروهات الوضوء كالوضوء في مكان نجس أو الزيادة على الثلاث غسلات أو الإسراف في الماء أو ترك سنه من سنن الوضوء، بل عليه في كل ذلك أن يقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، ويتابعه في جميع ما يأمر به، وينتهي عن كل ما ينهى عنه.

    1.   

    مكروهات الوضوء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، وها نحن مع كتاب الوضوء.

    وقد عرفنا أن الوضوء فريضة الله على كل من قام للصلاة؛ لقول ربنا تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، الآية.

    وفي الحديث الصحيح: (لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). لا تقبل صلاة أحدكم أيها المؤمنون! إذا أحدث حتى يتوضأ، ومعنى أحدث: انتقض وضوءه بالخارج من القبل أو الدبر.

    وعرفنا فرائض الوضوء فريضة بعد فريضة، وعرفنا أيضاً سنن الوضوء، وانتهى بنا الدرس إلى مكروهاته.

    [ مكروهاته، وهي ] أي: الأشياء التي تكره للمتوضئ أن يفعلها:

    أولاً: الوضوء في المكان النجس

    [ أولاً: التوضؤ في المكان النجس؛ لما يخشى أن يتطاير إليه من النجاسة ] فلا يصح أن نتوضأ في مكان فيه أبوال وعذرات وأوساخ؛ لأنه إذا تطاير الماء من الأرض وعاد إليك نجس جسمك، فلا يتوضأ إلا في مكان طاهر، لا يخشى صاحبه أن يتطاير إليه شيء نجس، فالوضوء في المكان النجس غير الطاهر مكروه؛ لما يخشى أن يتطاير إليه من النجاسة.

    ثانياً: الزيادة على ثلاث

    [ثانياً: الزيادة على الثلاث] أي: الزيادة على ثلاث مضمضات أو استنشاقات أو غسل الوجه أو غسل اليدين زيادة مكروهة، فالغسلة الأولى فرض، والثانية والثالثة سنة مستحبة، وأما الزيادة على الثلاث فلا يجوز هذا، بل هو مكروه؛ [لحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: من زاد فقد أساء وظلم) ] فالنبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل أعضاءه أمام الناس ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: (من زاد فقد أساء وظلم)، أي: من زاد رابعة في غسله أو في مضمضته أو استنشاقه فقد أساء وظلم، يعني: وضع الشيء في غير موضعه، فالكراهة ثابتة، إلا في الرجلين؛ لأن الثلاث قد لا تكفي الرجلين، فقد يكون فيهما تراب أو شيء آخر، فعفي عن التحديد، ومن غسل ثلاثاً فله الأجر.

    ثالثاً: الإسراف في الماء

    [ ثالثاً: الإسراف في الماء ] أي: الكثرة في الماء الذي يتوضأ به [ إذ توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمد -حفنة- والإسراف في كل شيء منهي عنه ] قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]. حتى في الأكل والشرب، والإسراف: الزيادة على الشيء المطلوب، والزيادة على الواجب مكروهة. فتوضأ الرسول بالمد، والمد: هو حفنة هكذا، وقد كفاه لوضوئه.

    رابعاً: ترك سنة أو أكثر من سنن الوضوء

    [ رابعاً: ترك سنة أو أكثر من سنن الوضوء ] يكره للمؤمن أن يتوضأ ويترك سنة أو سنتين أو ثلاثاً من سنن الوضوء؛ [ إذ بتركها يفوت على صاحبها أجر لا ينبغي تفويته ] فإذا فوت سنة أو سنتين أو ثلاثاً فقد فوت أجراً على نفسه، وهو في حاجة إلى هذا الأجر، ولهذا يكره أن يترك سنة أو سنتين.

    خامساً: الوضوء بفضل المرأة

    [ خامساً: الوضوء بفضل المرأة ] فإذا توضأت والدتك أو زوجتك أو أختك في إناء وبقي فيه ماء فيكره أن تتوضأ به أنت، ويصح الوضوء مع الكراهة [ لخبر: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة ) ] ولو توضأ صح وضوءه، فهناك فرق بين المكروه وبين الحرام، وبين الواجب وبين السنة، فالأفضل ألا تتوضأ بفضلة الماء التي تركتها أمك أو جاريتك أو أختك.

    هذه مكروهات الوضوء:

    أولاً: التوضؤ في المكان النجس.

    ثانياً: الزيادة على ثلاث.

    ثالثاً: الإسراف في الماء.

    رابعاً: ترك سنة أو أكثر من سنن الوضوء.

    خامساً: الوضوء بفضل المرأة؛ لحديث: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة) أن يتوضأ به الإنسان.

    1.   

    كيفية الوضوء

    [ المادة الثالثة: في كيفية الوضوء ] فهيا نسمع كيف يتوضأ المؤمنون، فالكيفية [ هي: أن يضع الإناء عن يمينه إن أمكنه ذلك ]، وإذا لم يستطع فلا حرج [ ويقول: بسم الله، ويفرغ الماء على كفيه ] من الإناء [ ناوياً الوضوء ] بقلبه، فيجعل الإناء عن يمينه ويصب الماء على كفيه من أجل الوضوء وبنية الوضوء، [ فيغسلهما ثلاثاً ] أي: كفيه [ ثم يتمضمض ثلاثاً ] فيأخذ الماء مرة وثانية وثالثة ويمضمض الماء في فمه ويطرحه [ ثم يستنشق ويستنثر ثلاثاً ] فيستنشق الماء بأنفه ثم يطرحه وينثره بيده ثلاث مرات، [ ثم يغسل وجهه من منبت شعر رأسه المعتاد إلى منتهى لحيته ] ومبدأ الشعر الجبهة، فهي مبدأ منبت الشعر المعتاد، وينتهي إلى منتهى اللحية، هذا الطول [ ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضاً ] فالطول هكذا والعرض هكذا، من وتد الأذن إلى وتد الأذن هذا وهذا [ يغسله ثلاثاً، ثم يغسل يده اليمنى إلى العضد ] ويتجاوز المرفق بقليل فوقه؛ ليكون من الغر المحجلين إن شاء الله [ ثلاثاً، مخللاً أصابعه، ثم يغسل اليسرى كذلك، ثم يمسح رأسه مسحة واحدة، يبدأ بمقدم رأسه ويذهب بيديه ] إلى مؤخره [ ماسحاً قفاه ] والقفا هو المؤخر [ ثم يردهما إلى حيث ابتدأ، ثم يمسح أذنيه ظاهراً وباطناً ] فيمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما [ بما بقي من بلل في يديه ] أي: يمسح رأسه بالماء وأذنيه بما بقي في أصبعيه من الماء [ أو يجدد لهما ماء إن لم يبق بهما من بلة، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم يغسل اليسرى كذلك ] ويرفع الغسل فوق الكعب؛ ليكون من الغر المحجلين إن شاء الله.

    1.   

    ما يقال بعد الفراغ الوضوء

    [ ثم ] بعد ذلك [ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ] فإذا فرغ من الوضوء يرفع طرفه إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وهذا الدعاء له جائزة عظيمة، وهي أن أبواب الجنة الثمانية تفتح له عندما يرفع رأسه ويتشهد ويدعو بهذا الدعاء آلياً، ولو كان أمامها لدخل، وهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (فتحت له أبواب الجنة الثمانية). فلابد من حفظ هذه الشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فيا معشر الأبناء والإخوان! لابد من حفظ هذا، ولهذا كررنا القول حتى يحفظها الأبناء والإخوان، ويقولونها بعد كل وضوء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ولا نزيد على قول رسول صلى الله عليه وسلم، مثل: واجعلني من عبادك الصالحين، فالذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي نقوله ونعمل به، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ولا نشك في أن الكثيرين لا يقولونها. ومعنى يرفع طرفه أي: عينه إلى السماء، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وذلك لما روي أن علياً رضي الله عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح رأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فعلمهم عملياً كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    نواقض الوضوء

    والآن المادة الرابعة في نواقض الوضوء، أي: مبطلات الوضوء، أي: أن يكون متوضئاً وينتقض وضوءه أي: يبطل يجب عليه أن يتوضأ.

    [ المادة الرابعة: في نواقض الوضوء ] أي: مبطلات الوضوء، فيكون متوضئاً وينتقض وضوءه، أي: يبطل، فيجب عليه أن يتوضأ.

    [ نواقض الوضوء هي: ]

    الأول: الخارج من السبيلين

    [ أولاً: الخارج من السبيلين من بول أو مذي أو ودي أو عذرة ] فهما سبيلان، فالبول يخرج من سبيل، والعذرة من سبيل آخر، والسبيل الطريق، والحمد لله لولا الله عز وجل فإننا إذا أكلنا وشربنا نموت، لأنه لن يخرج البول هذا، فهذا من تدبير الله عز وجل، وسبحان الله!

    والبول معروف، والمذي يخرج إذا ذكر اللذة سواء بالمس أو بالتفكر فانتصب ذكره، فإنه يخرج منه ماء رقيق أبيض، ليس منياً، فالمني ثخين، وهذا المذي يكثر في الفحول، فإذا خرج وجب الوضوء، فالمذي ماء أبيض رقيق يخرج عند انتعاش الذكر وانتصابه، وعند تذكر اللذة والشهوة، فإذا خرج بطل الوضوء وانتقض، ولابد من وضوء آخر. والودي ماء أبيض ثخين كالمني، وعندما يخرج لا ينقطع أبداً إلا إذا بال الإنسان، فالودي ماء أبيض ثخين إذا خرج من الفحل وجب عليه الوضوء، فالودي إذا خرج فإنه لا ينتهي إلا إذا بال صاحبه؛ لأن له اتصالاً بما في الجسم، وهذه لطيفة فقهية، فالفقهاء يقولون: ما هي النجاسة التي لا تطهر إلا بنجاسة؟ أي: نجاسة لا تطهر إلا بنجاسة، ولا يوجد هذا إلا في الودي فقط، فالودي إذا خرج لا ينقطع، بل يبقى يسيل أحببت أم كرهت حتى تقطعه بالبول، فإذا بلت انتهى.

    والعذرة: الخراء، وهو معروف [ أو فساء أو ضراط ] والفساء: نفس .. ريح تخرج من دبر المرأة أو الرجل، فإذا خرج ذلك النفس انتقض الوضوء. والضراط هو: صوت يخرج من دبر الإنسان، معروف عند البشرية، وبالأمس قلنا في الضراط: أن قوم لوط كانوا يتضارطون بينهم، وأيهم أكثر ضراطاً في ناديهم والعياذ بالله، والمؤمنون والمؤمنات إذا ضرط أحدهم بدون إرادته فهو معذور، وأما أن يتعمد أن يضرط وهو جالس بين الناس فهذا لا يجوز أبداً، إذ هو تشبه بقوم لوط، لكن إذا خرج بدون إرادته فلا بأس به [ ويسمى هذا بالحدث ] فالخارج من السبيلين يسمى حدثاً، وفي الحديث: (من أحدث فليتوضأ) [ وهو الذي يعنيه قول رسول الله ] صلى الله عليه وسلم: [ (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ] ولنحفظ هذا الحديث، دائماً وطول الحياة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم) رجالاً أو نساء، كباراً أو صغاراً، (إذا أحدث حتى يتوضأ)، ومعنى أحدث: خرج من دبره ضراط أو فساء أو بول أو غائط. أي: خرج من بطنه ما علمتم فانتقض وضوءه حتى يتوضأ.

    الثاني: النوم مضطجعاً إذا كان ثقيلاً

    [ ثانياً: النوم ] الرقاد [ الثقيل إذا كان صاحبه مضطجعاً ] أما إذا كان جالساً فهذا النوم لا يؤثر عليه، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جالسون ينتظرون الصلاة تخفق رءوسهم من النوم ولا يتوضئون، ويكره الاضطجاع على البطن، وأما إذا اضطجع على ظهره ونام انتقض وضوءه؛ لأنه لا يدري هل خرج منه فساء أو لم يخرج. وأما النوم الخفيف فقد يكون مضطجعاً ونومه خفيف، فلو قلت: إبراهيم! قال: لبيك، ماذا تريد؟ فإذا كان النوم خفيفاً فيعفى عنه ولا يؤاخذ به، وهو على وضوئه، وإذا كان النوم ثقيلاً بحيث لو ناديته: فلان! لا يسمع ولا يجيب، ولو وقفت إلى جنبه لا يشعر فإنه ينقض الوضوء، والخفيف لا ينقض الوضوء [ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) ] فقوله: (العين وكاء) أي: رباط، (السه): الدبر، فالعين هي رباطه فإذا نام انحل فلا يدري ما خرج، فالسه: الدبر، والوكاء: الحبل أو الرباط الذي تربط به، (فمن نام فليتوضأ)، والأمر للوجوب، والنوم الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى حركة معفو عنه، والثقيل هو الذي يفسد الوضوء ويوجب الوضوء.

    الثالث: زوال العقل

    [ ثالثاً: استتار العقل وفقد الشعور بإغماء أو بسكر أو بجنون ] فإذا استتر العقل وتغطى وفقد الشعور بإغماء إذا أغمي عليه، أو بسكر شربه أو جنون -والعقل يذهب إما بجنون وإما بسكر وإما بمرض .. إغماء- فقد انتقض وضوءه، ويجب عليه أن يتوضأ، وهذه هي الحالات التي يستتر العقل بها، فإما أن يغمى عليه إغماء بألم باطني، وإما أن يكون قد شرب محرماً مسكراً، أو يكون قد أصيب بجنون، والذي به جنون فقد يرفس ويسقط على الأرض، فإذا تغطى العقل بسبب من الأسباب بطل وضوءه، ويجب أن يتوضأ [ إذ حالة استتار العقل لا يدري فيها العبد انتقض وضوءه بمثل فساء مثلاً أو لم ينتقض ] وضوءه، فالنائم أو فاقد العقل لابد أن يجددا الوضوء؛ لأنهما لا يدريان هل هما على وضوء أم قد انتقض وضوءهما؟

    الرابع: مس الذكر

    [ رابعاً: مس الذكر بباطن الكف والأصابع ] والذكر معروف، فهو آلة خروج البول، فإذا مس الرجل ذكره بباطن كفيه وأصابعه انتقض وضوءه [ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ) ] لكن لو مس ذكره بظاهر الكف فهذا لا لا ينقض الوضوء، بل لابد أن يكون بكفه، وأما بظاهر الكف فلا ينقض الوضوء، فمن أفضى بيده إلى فرجه انتقض وضوءه؛ وذلكم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ). وإن مس ذكره وعليه ثوب أو سروال فلا شيء عليه.

    الخامس: الردة

    [ خامساً: الردة ] والعياذ بالله [ كأن يقول: كلمة كفر ] وكثير من العوام يسب الله والرسول عندما يغضبون، فمن قال كلمة ردة [ فإنه ينتقض وضوءه بذلك ] ويجب عليه أن يتوضأ [ وتبطل سائر أعماله التعبدية ] فكل أعماله السابقة تبطل عليه؛ [ لقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] ] وهذا موقف خطير، فكثير من العوام يقولون كلمة الكفر، فيسخرون بالرسول ويسخرون بالله، ويقولون كلمة كفر مخرجة من الملة، والله يقول: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]. فلو دعا غير الله لحبط عمله، وهذا هو الشرك. فيا ويل الذين يدعون غير الله، مثل الذين يدعون يا فاطمة ! يا حسين ! يا رسول الله! يا عبد القادر! فإنه بمجرد ما يدعو هذا الدعاء يبطل عمله كله، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] ومنه الوضوء!

    السادس: أكل لحم الجزور

    [ سادساً: أكل لحم الجزور ] أي: البعير [ لقول أحد الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) ] فأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم سألوه: (أنتوضأ من لحوم الغنم يا رسول الله؟! قال: إن شئت، قال القائل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم). والحديث رواه الترمذي وصححه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلذا لو تغدى أحدنا أو تعشى وأكل لحماً فلو توضأ خير له؛ لأن الرسول رغب فيه، لكن لا يجب الوضوء إلا من أكل لحم البعير على ما ستسمعون [ إلا أن الجمهور ] أي: الأكثرية من الصحابة [ لا يرون الوضوء من لحم الجزور؛ بحجة أن هذا الحديث منسوخ، وبكون الجماهير من الصحابة ومن بينهم الخلفاء الأربعة كانوا لا يتوضئون من لحم الجزور ] فلهذا نقول: الوضوء من لحم البعير أولى؛ خروجاً من الخلاف، لكن لو فرضنا أن شخصاً ما توضأ فلا نقول له: أعد صلاتك؛ لأن وضوءك باطل.

    أقول: نتوضأ من لحم البعير فقط، والعلة فيه: أن فيه دسومة وزهومة أكثر، فلهذا نتوضأ من أكل لحم الجزور احتياطاً وعملاً بما هو أحوط، والإمام أحمد فقط هو الذي يتوضأ من لحم الإبل، وأما مالك و الشافعي وأبو حنيفة فلا يتوضئون من لحم الجزور، وما دام أن هناك من يتوضأ فالأحوط هو أن نتوضأ.

    السابع: مس المرأة بشهوة

    [ سابعاً: ] من نواقض الوضوء: [ مس المرأة بشهوة؛ إذ قصد الشهوة كوجودها ناقض للوضوء ] والمقصود بالمرأة قطعاً زوجته أو جاريته، وأما إذا مس أجنبية فتقطع يده؛ إذ لماذا يمسها؟ والمس بشهوة يعني: أن يتلذذ بذلك وتشتهي نفسه ذلك المس، وأما المس بدون قصد ولا شهوة فلا ينتقض وضوءه، [ بدليل الأمر بالوضوء من مس الذكر؛ لأن مس الذكر يثير الشهوة ] وقد تقدم لنا أن مس الذكر ينقض الوضوء، وذلك في حديث: (من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ). وسبب ذلك الشهوة التي يثيرها مس الذكر، وكذلك إذا مس المرأة بشهوة انتقض وضوءه، وإن وضع يده على امرأته وهو لا يريد شهوة ثم حصلت له شهوة انتقض وضوءه. وقصد الشهوة كوجودها، فمادام أنه قصدها فكأنه وجدها، وهذا ناقض للوضوء؛ بدليل الأمر بالوضوء من مس الذكر، [ ولما في الموطأ عن ابن عمر رضي الله عنهما: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها فعليه الوضوء ] فقبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي قال تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]. ومس المرأة بشهوة هذا خاص بامرأته، وأما مس امرأة أجنبية فهذا حرام لا يحل له.

    هذه نواقض الوضوء، وهي: الخارج من السبيلين، والنوم الثقيل، ومس الذكر، والردة والعياذ بالله، وأكل لحم الجزور، ومس المرأة بشهوة.

    1.   

    ما يستحب منه الوضوء

    ثم قال: [ ما يستحب منه الوضوء ] أي: الأشياء التي إذا فعلها يستحب له الوضوء [ يستحب الوضوء لكل واحد مما يأتي ].

    أولا: الوضوء من سلس البول لكل صلاة

    [ أولاً: صاحب السلس ] الذي يخرج منه الفساء أو الضراط بدون انقطاع في أغلب أوقاته، أو يخرج منه مذي، [ وهو من لا ينقطع في غالب وقته ببوله أو ريحه، ويستحب له أن يتوضأ لكل صلاة؛ قياساً على المستحاضة ] فصاحب السلس الذي يخرج منه بول أو فساء أو ضراط ولا يستطيع أن يضبط نفسه في هذه الحال فيستحب له الوضوء فقط، وإذا لم يتوضأ فلا شيء عليه. والمستحاضة هي المرأة التي يسيل دمها دائماً، وبعد أن تنتهي أيام عادتها المعتادة ثمانية أيام أو سبعة أو عشرة يستمر معها الدم، فهذه المستحاضة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتوضأ لكل صلاة، فيستحب أيضاً لغيرها ممن به سلس بول أو مذي أن يتوضأ لكل صلاة.

    ثانياً: وضوء المستحاضة لكل صلاة

    [ ثانياً: المستحاضة، وهي من يجري عليها الدم دائماً في غير أيام عادتها، ويستحب لها أن تتوضأ لكل صلاة كصاحب السلس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لـفاطمة بنت أبي حبيش: (ثم توضئي لكل صلاة) ]، أي: لأنه ليس بدم نفاس ولا حيض، ولكن دم استحاضة، ومن هنا قال أهل العلم: صاحب السلس لو لم توضأ لا بأس، لكن يستحب له أن يتوضأ لكل صلاة.

    ثالثاً: استحباب الغسل من غسل الميت والوضوء لمن حمله

    [ ثالثاً: من غسل ميتاً أو باشر حمله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ)، ولما كان الحديث ضعيفاً استحب أهل العلم الوضوء من ذلك احتياطاً ] فقط؛ لأن الحديث ضعيف، ومن ضعف الحديث قال الفقهاء: يستحب إذا غسلت ميتاً أن تغتسل. ولو لم يقل الرسول هذا فقد يقول قائل: لماذا لا أغتسل وقد باشرت جسمه وفيه نجاسة وفيه كذا وكذا؟ فمن حمل الميت يستحب له الوضوء فقط وليس بواجب، فلو لم يتوضأ وصلى أو مس المصحف أو طاف فلا حرج؛ لأنه ليس بواجب؛ لأن الحديث ضعيف لم يصح، ولكن من باب الاحتياط (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). ومادام ورد أن مغسل الميت يغتسل يستحب له أن يغتسل، ويستحب له الوضوء، والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.