إسلام ويب

تفسير سورة الممتحنة (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العلاقة بين المؤمنين والكافرين قد جعل الله لها قيوداً وضوابط، فلا يجوز لمؤمن أن يوالي كافراً حربياً، ولا يتعامل معه بالبر والإحسان، بل يقاتل ويبغض في ذات الله سبحانه وتعالى، أما من كان من أهل الكفر والشرك لكنه لم يقاتل المؤمنين بسنان أو لسان فقد أباح الله عز وجل للمؤمنين البر إليهم والتعامل معهم بالقسط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    ها نحن مازلنا مع سورة الممتحنة المدنية، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:7-9].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة:7]. في الآيات السابقة التي تدارسناها بالأمس علمنا علماً يقينياً: أن الله عز وجل حرم على المؤمنين موالاة الكافرين ومودتهم ونصرتهم، والآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة إذ كان غلب على ظنه أنه لا بأس أن يبعث بكتاب إلى لمشركين ليأخذوا حذرهم من غزو الرسول صلى الله عليه وسلم لهم, وقد تاب الله عليه، ولكنه حرم علينا موالاة الكافرين ومودتهم ومحبتهم ونصرتهم، ولما سمع هذا المؤمنون المهاجرون في المدينة ولهم أبناء وإخوان وأمهات في مكة تألموا، إذ أوجب الله مقاطعتهم مقاطعة كاملة، فلما تألموا رفع الله عنهم ذلك الألم بقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة:7] وعسى في لغة العرب للترجي والأمل فقط، ولكن عسى عند الله تفيد القطع والوجوب، وأن ما أخبر به واقع لا محالة، فإذا قلت عسى أن يكون فلان هو الذي فعل كذا هذه مني للترجي وليس للجزم، لكن إذا كانت من الله تعالى فيجب أن يقع ذلك ولا يتخلف أبداً.

    قال تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة:7]. والذين عادوهم في مكة هم المشركون الكافرون، فعسى الله تعالى أن يجعل بين المؤمنين وبينهم مودة وذلك بأن يتوب الله على أولئك المشركين فيسلموا ويدخلوا في الإسلام ويصبحوا أولياء للمؤمنين، وكذلك كانوا، فما إن غزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة ودخل مكة منتصراً إلا وأسلموا إلا القليل منهم، وفرح بذلك المهاجرون؛ إذ وجدوا إخوانهم وآباءهم وأمهاتهم ونساءهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ قَدِيرٌ [الممتحنة:7], أي: على كل شيء، ولا يعجزه شيء، فكم من قلوب كانت كافرة فقلبها فآمنت، وكم من قلوب كانت شاردة عن الإيمان فجاء بها وآمنت لأنه هو على كل شيء قدير.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة:7], أي: غفور لعباده رحيم بهم, فمن عبد غير الله وأشرك به ثم أسلم وآمن غفر له ورحمه, وهذه بشرى ساقها الله إليهم.

    ويروى: أن قتيلة وهي امرأة أبي بكر الصديق وكانت في مكة ولم تؤمن ولم تهاجر مع أبي بكر حين هاجر بأسرته وكان ممن هاجر معه ابنته أسماء بنت أبي بكر الصديق وكانت أمها قتيلة فإذا بأمها تعطف عليها وتتألم لفراقها قبل فتح مكة، وتجيء بطعام وأشياء وقدمتها لابنتها أسماء ، فقالت أسماء: لن آخذ منكِ شيئاً، ذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته بقصتها مع أمها فقال لها: خذي ولا حرج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم)

    قال تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ [الممتحنة:8] هذه الآية نزلت في قتيلة ، وهي امرأة لم تقاتل المسلمين ولم تخرجهم من ديارهم, فعلى أسماء بنتها أن تودها وتحبها وتأخذ منها هديتها ولا حرج عليها في ذلك.

    وهناك خلاف بين المفسرين في تفسير هذه الآية، والراجح الذي عليه ابن جرير الطبري : أن الآية عامة في كل زمان ومكان، فالكفار الذين لم يحاربونا ولم يؤذونا ولم يخرجونا من ديارنا ولم يحاربوا ديننا لا حرج أن نودهم ونواليهم.

    وقوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8]. والبر هو فعل الخير، فإذا أطعمتموهم، وكسوتموهم وعدلتم بينهم جاز لكم ذلك, وإن قلت: لقد قال تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [التوبة:5] فالجواب: أن هذه بعدما نصر الله رسوله والمؤمنين في الجزيرة بقيت قبائل هنا وهناك لم تدخل في الإسلام، فأراد الله أن يطهر هذه الأرض من الشرك والكفر، وأن تصبح أرضاً للإسلام، ومن ثَمَّ قاتلهم الرسول ودخلوا في الإسلام, وما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وأهل الجزيرة مسلمون رجالاً ونساء، وتبقى هذه الآية عامة مع اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم فنتعامل معهم بهذه الآية الكريمة. إذاً فلا ينهاكم الله عن الإحسان والبر إلى الكفار الذين لم يقاتلوكم من أجل دينكم, ولم يجلوكم من بلادكم, فهؤلاء لا ينهاكم الله عن أن تبروهم وتقسطوا إليهم، أي: فتودوهم وتطعموهم وتكسوهم.

    ويبقى الحكم العام عن الحب الذي هو في القلب، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحب كافراً أو كافرة -سواء كانوا من اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب، أو كانوا من غيرهم- كحبه للمؤمنين؛ فهذا الحب لا يجوز أن يكون لغير أهل الإيمان أبداً، أما كونك تطعمه إن جاع, أو تسقيه إن عطش, أو تكسوه إن عري، فلا بأس، ما داموا مستقيمين معنا، لا يظلموننا ولا يعتدون علينا ولا يحاربوننا ولا يعاونون غيرهم علينا, ففي هذه الحال يجوز لنا أن نبرهم وأن نقسط بينهم في أي مكان كانوا.

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! إن الكفار سواء كانوا من البيض أو من الحمر، أو من العرب أو من العجم، لا تحل مودتهم ولا حبهم أبداً، لأنهم كفروا بالله وعبدوا غيره، وكذبوا رسوله وكتابه، فهم أعداء الله, وحبهم حرام، لا يجوز.

    ثانياً: إن حاربونا حاربناهم وقاتلناهم، ولم نبق منهم رجلاً إن أقدرنا الله على ذلك. أما النساء والأطفال والشيوخ والكبار السن فلا نقتلهم ولا نقاتلهم، فإن أعلنت دولة من الدول عن سلمها وعدم حربها واعتدائها على المسلمين فإن على المسلمين أن يسالموها، ولكن لا يودونهم ولا يحبونهم, ولا حرج أن نطعمهم إن جاعوا، ونسقيهم إن عطشوا، ونداويهم إن مرضوا؛ لأنهم بشر عسى الله أن يتوب عليهم, ويدخلوا في الإسلام, ويعبدوا الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم)

    قال تعالى: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:9], أي: إنما ينهاكم الله أيها المؤمنون! عن حب وموالاة من حاربوكم من أجل إسلامكم، فهؤلاء ينهى الله عن مودتهم وموالاتهم والسلام معهم.

    ثم قال تعالى: وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ [الممتحنة:9]. كما فعل المشركون في مكة حين أخرجوا رسول الله والمؤمنين معه وأجلوهم عن مكة من أجل دينهم.

    وقوله تعالى: وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ [الممتحنة:9], أي: وأعانوا من يقاتلونكم وساعدوهم ووقفوا إلى جوارهم ينصرونهم عليكم، فهؤلاء ينهاكم الله عن مودتهم وموالاتهم ومحبتهم.

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ [الممتحنة:9], أي: أيها المسلمون؛ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:9]. أي: الخارجون عن الطريق السوي، حيث خرجوا عن الحق والعدل والإيمان، وأصبحوا ظالمين كالكافرين والمشركين. وهذه هي تعاليم الله عز وجل لأمة الإسلام في هذه السورة المدنية، فقد بين الله لنا فيها أولاً: أن لا نحب كافراً ولا كافرة، والحب يكون في القلب، حتى ولو الكافر أباً أو أماً؛ لأنه مكذب بالله ورسوله؛ ولأنه يعبد غير الله عز وجل، لكن إن حاربونا وأخرجونا من ديارنا أو ساعدوا على ذلك فإننا نحاربهم ونقاتلهم ولا نواليهم ولا نودهم أبداً، وإن كانوا مسالمين لنا لا يؤذوننا ولا يتعرضون لديننا ولا لدنيانا فلا بأس أن نواليهم، ولكن ليس معنى ذلك أن نحبهم كما نحب المؤمنين، وإنما نعاملهم معاملة طيبة، كأن نطعمهم إن جاعوا، ونكسوهم إن عروا. والله تعالى نسأل أن يوفق المسلمين لهذا الهدى الإلهي.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] والآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: بيان حكم الموالاة الممنوعة والمباحة في الإسلام ] فالموالاة نوعان: موالاة ممنوعة, وموالاة جائزة, فيجوز موالاة الكفار الذين لا يؤذوننا ولا يتعرضون لديننا ولا يسبونه ولا يشتمونه فلا نؤذيهم، وأما الذين يسبون ديننا ويحاربوننا في ديننا وبلادنا فيجب أن نقاتلهم ويحرم علينا موالاتهم.

    [ ثانياً: الترغيب في العدل والإنصاف بعد وجوبهما للمساعدة على القيام بهما ] فالعدل بين الناس والإنصاف فيما بينهم محمود ومرغب فيه, وقد نزل به القرآن، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8].

    [ رابعاً: تقرير ما قال أهل العلم: أن (عسى) من الله تفيد وقوع ما يرجى بها ووجوده لا محالة، بخلافها من غير الله؛ فهي للترجي والتوقع، وقد يقع ما يترجى بها وقد لا يقع ].