إسلام ويب

تفسير سورة محمد (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوجب الله عز وجل على هذه الأمة الجهاد في سبيله، وقتال الكفار الصادين عن دينه، حتى لا يبقى على الأرض كافر يحارب، وذلك بأن يدخلوا في دين الله طائعين، أو يدخلوا في عهد المسلمين ويدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقد ينفعهم الله أثناء ذلك بأن يصلحوا أنفسهم، وتصبح مستعدة لقبول الخير والهدى، وقد بشر الله عباده المؤمنين بالنصر على أعدائهم، وادخر لمن قتل منهم في سبيله الثواب العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة محمد صلى الله عليه وسلم المدنية، ومع هذه الآيات، فلنصغ مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4-9].

    مناسبة الآيات لما قبلها

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4]، تقدم قول الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:3]، إذاً: فبناء على هذا جاء قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4].

    تقرير الآية وجوب جهاد الكفار

    هذه الآية الكريمة تقرر وجوب الجهاد على المسلمين، والجهاد فرضه الله على أمة محمد، وبدأ بنبيه فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73] والجهاد لا يشك مؤمن ولا مؤمنة في فرضيته، وهو فرض كفاية وفرض عين.

    فقول ربنا جل ذكره: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:4] أي: في معركة من المعارك في ساحة من ساحات القتال، فماذا تصنعون؟ فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] عليكم بضرب رقابهم، ولم تضرب الرقاب؟ لأنها تخفف الموت، يضرب رقبته فتنقطع فيموت، بخلاف ضرب الأيدي والجوارح والبطن وكذا، فما يموت بها بل يعذب، فمن تدبير الله عز وجل أن السيوف في أيديهم يضربون بها عنق الكافر ليخر على الأرض.

    فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] أي: فضرب رقاب الكافرين أعدائكم وخصومكم الذين يعبدون غير الله ويحاربون دعوة الله، إلى متى؟

    التوجيه إلى الأسر بعد الإثخان وبيان الحكم في الأسرى

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [محمد:4]، نحن في معركة منا ألف ومنهم ألفان، أو منا ألفان ومنهم عشرة، ودارت المعركة ونحن نضرب الرقاب، فإذا انهزموا فحينئذ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، خذوا الأسرى، واربطوهم بحبال في أيديهم وفي أعناقهم وفي أرجلهم خشية أن يهربوا ويفروا.

    فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [محمد:4] وحطمتموهم وما بقي لهم وجود يقاتلون به، فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، ثم أنتم بين ثلاثة أمور:

    فَإِمَّا مَنًّا [محمد:4]، أي: عطاء منكم تطلقون سراحهم، هم الآن مربوطون بالحبال الواثقة في أيديهم وأرجلهم، والمعركة انتهت وانتصرنا، فماذا نصنع بهؤلاء الأسرى؟ واحدة من ثلاث:

    الأولى: المن، وهو أن نمن عليهم فنطلقهم ونسرحهم، إذا رأى إمام المسلمين في ذلك فائدة ومصلحة تعود على الإسلام كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم غير مرة.

    ثانياً: الفداء، نأخذ مقابل الأسير مبلغاً من المال، يدفع لنا مبلغاً من المال لنفك أسره ونطلقه، ويذهب إلى بلده أو إلى إخوته.

    والمسألة الثالثة ذكرت في أول الآية، وهي القتل، أما قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل عدداً من الأسرى، وحصل على عهد الصحابة والتابعين، فهذه الثلاثة تضمنتها هذه الآية الكريمة بعد إعلامنا بأن الجهاد فريضة، أي: جهاد المشركين والكافرين، لماذا يجاهدون؟ من أجل أن يعبدوا الله الذي خلقهم ويوحدوه، وبذلك يكملون في هذه الحياة ويسعدون، ويسودهم العدل الإلهي والرحمة الربانية، فيطهرون ويكملون ويسعدون، أما إهمالهم وتركهم وإضاعتهم فبلاء عليهم وشر لهم، فمن الذي يجب عليه أن ينقذ البشرية؟ المؤمنون الموحدون، هذا فرض الله عز وجل على عباده المؤمنين.

    معنى قوله تعالى: (حتى تضع الحرب أوزارها)

    يقول تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد:4]، إلى متى؟ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4]، حتى ينتهي القتال، أهل البلاد أسلموا، أهل المنطقة أسلموا، أهل هذا الإقليم أسلموا، انتهت الحرب فما بقيت حرب، حتى تضع الحرب أوزارها وأحمالها وأثقالها، يجب أن يستمر الوضع هكذا إلى أن تنتهي الحرب.

    ومن أهل العلم من يقول: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] حتى ينزل عيسى عليه السلام، ويسلم اليهود والنصارى، ولا يبقى كافر على الأرض، فحينئذ وضعت الحرب أوزارها فما بقي قتال، لكن التوجيه الأول أصح.

    وها نحن الآن والحرب واضعة أوزارها، فهل المسلمون يقاتلون؟ الجواب: لا، هل الشيشانيون يقاتلون؟ إنه ليس قتالاً شرعياً، ما بايعوا إماماً ولا قاتلوا باسم الإسلام، فالقتال الشرعي أن تتحد كلمة المسلمين، وأن يؤمهم إمام واحد أبيض أو أصفر، ويطبقوا شرع الله الذي نزل من السماء عليهم ليكملوا ويسعدوا، حينئذ إذا شاهدوا أمة من الأمم كافرة فاجرة تأكلها النار وتعيش على الخبث وعلى الفساد والشر يطوقونها ويقاتلونها حتى تسلم وتدخل في رحمة الله، أو تدين لهم بالخضوع والسيادة، فيدخلون البلاد ويعلمون النساء والرجال والأطفال دين الله.

    أما ولا إمام للمسلمين فبم يقاتلون؟ كيف يقاتلون؟ لا بد من بيعة إمام واحد تتحد عليه كلمة المسلمين، وحينئذ تقام شريعة الله في كل إقليم في كل بلد إسلامي، والآن ديار المسلمين كديار الكافرين إلا من رحم الله، فالخمر والزنا واللواط والفجور والكذب والخيانة، والشريعة معطلة وممنوعة لا تطبق إلا ما كان من هذه البقعة الطاهرة.

    إذاً: فجهاد المسلمين للكافرين فريضة فرضها الله على المسلمين، فرض كفائي إذا قام به إمام يكفي، إذا قامت جماعة تكفي، ويكون الجهاد فرض عين، إذا عيّن الإمام أفراداً أو أمة بعينها فحينئذ يجب عليهم أن يقاتلوا.

    فهنا لو أردنا الآن أن نقاتل أسبانيا على سبيل الفرض، وأرسينا سفننا على شاطئ البحر فما من حقنا أن نقاتلهم، لماذا؟ لأنهم ما منعوا الإسلام في ديارهم، ففي دارهم المساجد، والمسلمون يعبدون الله ويدعون إلى الله بينهم، ما بقي قتال، أو نرسي سفننا أمام إيطاليا أو فرنسا أو بريطانيا، الواقع كذلك، كيف نقاتلهم والإسلام بين أيديهم؟ أليس في فرنسا ثلاثة آلاف مسجد؟ وهكذا في بريطانيا وألمانيا، ما بقي جهاد؛ لأن الجهاد أن نجاهدهم ليدخلوا في الإسلام أو يسمحوا لنا أن ندخل ديارهم لنعلمهم، فقالوا: سمحنا لكم، فادخلوا وعلموا، فلا معنى لقتالهم أبداً.

    ولكن مع هذا لو اتحدت كلمة المسلمين وبايعوا إماماً لهم وطبقوا شرع الله في القرى والمدن، في البادية والحاضرة، وسادت الأمة حينئذ نرحم تلك الأمم، نطلب منهم أن ندخل بلادهم، فإن قالوا: ادخلوا ما عندنا مانع، علموا من شئتم دخلنا، فإن قالوا: ما نقبل دخولكم، ولا ندين لكم بدين، ولا نسلم لكم أبداً؛ فحينئذ نقاتل امتثالاً لأمر الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193].

    هكذا يقول تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد:4]، إلى متى؟ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4].

    معنى قوله تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)

    ثم قال تعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ [محمد:4] هذا الذي أمرناكم به وعلمناكم إياه بقتال المشركين لو شاء الله لزلزل بهم الأرض، أو أسقط عليهم بيوتهم، أو أصابهم بمرض، لكنه يريد أن يمتحنكم أيها المؤمنون لتكملوا وتسعدوا، وإلا فالله ما هو بعاجز أن يدخل النصارى في يوم واحد في الإسلام، وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] امتحاناً، الكافر يقتل ويدخل جهنم، أو يؤمن ويسلم ويدخل الجنة، والمؤمن يقاتل فيسعد ويدخل الجنة، وهكذا تدبير الله عز وجل، فالله ليس بعاجز أن يقول لأمة من الأمم: أسلمي فتصبح مسلمة، أو يصيبها بخسف في الأرض، أو زلزال في الأرض مثلاً.

    وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] هذا هو الامتحان، لو شاء الله لكانت البشرية كلها مسلمة كالملائكة، أليس كذلك؟ أو كانوا كلهم كافرين، ولكن تدبير الله عز وجل، يحيي من شاء من عباده ويكلفهم بالدعوة إليه وقتال أعدائه وينصرهم عليهم وينتشر الإسلام في أرض الله.

    جزاء المجاهدين والشهداء في سبيل الله تعالى

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [محمد:4]، وفي قراءة سبعية: (والذين قاتلوا في سبيل الله)، وقراءة: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [محمد:4] تعني الذين استشهدوا في أحد، وهم أكثر من سبعين قتيلاً.

    وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] هذا خبر، يخبر تعالى أن الذين قتلوا أو قاتلوا في سبيل الله في بدر أو في أحد أو في أي مكان لن يضل الله أعمالهم، بل يثيبهم عليها ويجزيهم بها خير الجزاء، ألا وهو -بعد رضاه- الجنة دار النعيم.

    وَالَّذِينَ قُتِلُوا [محمد:4]، والذين قاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] إلى يوم القيامة، أيما مؤمنين قاتلوا في سبيل الله لا في سبيل الدينار والدرهم فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4]، يثيبهم عليها كاملة ولن يبخسهم إياها.

    وأضاف إلى ذلك أيضاً: سَيَهْدِيهِمْ [محمد:5] إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم ورضا ربهم عز وجل، وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:5]، ويصلح أعمالهم، فينجحون حتى في الزراعة والصناعة، أعمالهم كلها الدينية والدنيوية يصلحها فضلاً من الله ورحمة، لم؟ لأنهم أولياؤه وقاتلوا في سبيله، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:4-5] أولاً، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ [محمد:6] التي عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6] ثانياً.

    يهديهم في الدنيا ويصلح بالهم، وإذا استشهدوا أو ماتوا يدخلهم الجنة التي عرفها لهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أننا إذا دخلنا باب الجنة لا يخطئ أحدنا منزله أبداً، عرفها في أذهانهم، ما إن يدخلوا الجنة إلا وكل يعرف قصره، ولا يخطئه أبداً، كأهل الجمعة إذا صلوا توزعوا، كل واحد يذهب إلى منزله ما يخطئه أبداً.

    وكذلك عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6] أيضاً بأنواع العرف الذي هو أنواع الطيب، كل ذلك صحيح.

    سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ [محمد:5-6] المعهودة في أذهانهم، فـ(أل) للعهد، دار السلام التي عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6]، جعلهم يعرفون منازلهم وقصورهم، وعرفها لهم في كتابه فوصف أنهارها، وقصورها وحورها بتعريف كامل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)

    ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:7] هذا نداء إلهي، وكم نداءات الله في القرآن؟ نيف وثمانون نداء، وكان واجب كل مؤمن أن يعرف هذه النداءات؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو منادى أحب أم كره، وكتبنا في النداءات رسالة وتدارسناها، كل نداء فيه أمر ونهي وبيان وعلم، ولا يكون نداء بلا فائدة، فالله تعالى ينادينا إما ليأمرنا أو لينهانا، أو يبشرنا أو يحذرنا، أو يعلمنا ما لم نكن نعلم.

    فإليكم هذا النداء، والسورة مدنية كما علمتم، والنداء بـ(يا أيها الذين آمنوا) في المدنيات فقط.

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] من يرد على الله فيقول: لا؟ أعوذ بالله.

    يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً وبالبعث في الدار الآخرة، أيها المؤمنون! يخبركم تعالى بأنكم إن نصرتم الله نصركم، وكيف ننصر الله؟ ننصر أولياءه الذين ينصرونه، ننصر أنبياءه، ننصر عبيده المؤمنين.

    إن ننصر الله في ماذا؟ فيما ينبغي أن ننصره، إن تنصروا الله في إقامة شرعه، في إقامة دينه، في الحفاظ على أوليائه، في كرامة عباده المؤمنين، بهذا ينصركم الله، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] أولاً، وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ثانياً.

    يا من أمرتم بقتال الكافرين! ادخلوا المعركة واعلموا أنكم ما دمتم تقاتلون لنصرة الله في دينه ونبيه وأوليائه فإن الله يثبت أقدامكم فلا تنهزموا أبداً، ولا تتزلزل الأرض من تحتكم، هذا وعد إلهي أيضاً.

    وإن قلت: هاهم انهزموا في أحد؟ قلنا: لكن عصوا الله عز وجل وما أطاعوا، لو نصروا الله في دينه وانضموا إلى رسوله وأوليائه ما كانوا ينهزمون، نصرهم في بدر وهم ثلاثمائة على ألف من المشركين وزيادة، وهذا الوعد مفتوح الباب إلى يوم الدين، ما من مؤمنين يقاتلون في سبيل الله إلا وينصرهم الله ويثبت أقدامهم، وعد الله لا يخلف الميعاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8] المؤمنون ينصرهم ويثبت أقدامهم، والكافرون لهم الشقاء والمحنة والعار والخزي والتعاسة، فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8] خسراناً وشقاء؛ لأنهم كافرون، كفروا بالله، جحدوه، جحدوا عبادته، كذبوا برسوله، بكتابه، بوعده ووعيده، هؤلاء هم الكافرون، هؤلاء الكافرون تعساً لهم، شقاوة وذلاً وعاراً وخزياً لهم، هذا نصيبهم.

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] أعمالهم الدنيوية كلها لا تساوي عند الله شيئاً، طاروا في السماء أو غاصوا في الماء، والله! لا يستفيدون من الآخرة بشيء، وإن فرضنا أن لهم أعمالاً صالحة في الدنيا فوالله! لن يستفيدوا منها في الآخرة شيئاً، إذا كانوا يعالجون المرضى أو يتصدقون على الفقراء والمساكين فأعمالهم أضلها الله وأهبطها وأحبطها، لا يستفيدون منها شيئاً، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] لماذا يا رب؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)

    قال تعالى في الجواب: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9] هذه هي العلة: كرهوا القرآن، وكفروا به، وحاربوه، وعطلوه، ومنعوا تلاوته، ومنعوا العمل به، هذا الذي أنزله الله كرهوه، والآن -باستثناء هذه المملكة في دولة آل سعود- الحكام في العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى موريتانيا كأنهم يكرهون القرآن، ما يجتمعون عليه، ما يسألون عن آية كيف يطبقونها؟ كأنه ليس موجوداً بينهم، فلم لا يجتمعون عليه ويطبقون أحكام الله فيه؟ مع أن نظام القرآن عجب، لا يخطئ شيئاً، حتى إنه يعلمك كيف تأكل، فضلاً عن كيف تلبس أو تمشي.

    وهكذا يندد تعالى بهم فيقول: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9] ما الذي أنزله الله؟ شرعه الإسلام، القرآن، فالأمة التي لا تطبق كتاب الله في بلادها معرضة، والله! إنها معرضة عن كتاب الله ولا تنجو ولا تسعد أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    هكذا يقول تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9] كان المشركون في مكة واليهود في المدينة يكرهون القرآن، لماذا؟ لأنه يأمر بإقام الصلاة، يأمر بالبر، يأمر بالخير، يأمر بترك الزنا، بترك الكذب، وهم ما يريدون هذا، يكرهونه، ما يريدون أن يسمعوه.

    قال تعالى: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] أفسدها وأحبطها، لا يستفيدون من أعمالهم شيئاً ولا حسنة واحدة، حتى ولو فعلوا الحسنات، كل جهادهم وكفرهم وباطلهم ودنياهم كلها تخسر خسراناً أبدياً.

    ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9] ما الذي أنزله الله؟ القرآن، لم يكرهونه؟ لأن فيه وجوب الصلاة والزكاة، لأن فيه قطع يد السارق، لأن فيه رجم الزاني، لأن فيه أن الكذب حرام، لأن فيه أن الخيانة حرام، لأن فيه أن عقوق الوالدين حرام، لأن فيه أن السب والشتم حرام، فما يريدون هذا القرآن، وهذا هو واقع الأمة اليوم إلا من رحم الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الجهاد على أمة الإسلام ومواصلته كما بين تعالى في هذه الآيات إلى أن لا يبقى كافر يحارب، بأن يدخلوا في الإسلام أو يعاهدوا ويدخلوا في ذمة المسلمين ويقبلوا على إصلاح أنفسهم وإعدادها للخير والفلاح ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: وجوب القتال والجهاد على أمة الإسلام، وجوب الجهاد علينا، نجاهد الكفار والمشركين حتى يسلموا أو يذلوا ويدخلوا تحت رايتنا ونتمكن من تعليمهم وتوجيههم وهدايتهم، هذه فريضة الله.

    وقلت لكم: الحمد لله، فنحن الآن ما نحن بمطالبين بأن نقاتل ألمانيا ولا أسبانيا، لماذا؟ لأن الإسلام مفتوح الباب فيها، يعلم الناس ويدخلون في الإسلام، أليس كذلك؟ والمساجد قائمة أو لا؟ فلهذا كأننا فتحنا بلادهم، أي: فتحها الله، والله! لقد فتحها الله عز وجل.

    [ ثانياً: إمام المسلمين مخير في الأسرى بين المن والفداء والقتل أيضاً للأدلة من السنة ].

    من هداية هذه الآيات: إمام المسلمين وقائدهم مخير في الأسرى بين ثلاثة: بين أن يمن ويطلق الأسرى في سبيل الله لعلهم يسلمون ويعودون، وبين أن يأخذ مقابل كل أسير مالاً، أو يقتلهم إذا رأى أن قتلهم ضروري؛ لأنهم يحدثون حرباً أخرى، بحسب الحال.

    [ ثالثاً: بشرى المجاهدين في سبيل الله بإكرام الله لهم وإنعامه عليهم في الدنيا والآخرة ].

    من هداية هذه الآيات: بشرى الله تعالى للمجاهدين، أما قال تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:4-5] أي بشرى أعظم من هذه؟

    [ رابعاً: يظفر بالنصر الحقيقي من نصر الله تعالى في دينه وأوليائه ].

    هذه الحقيقة: يا من يريد أن ينصره الله على امرأته، على أولاده، على جيرانه، على إخوانه، يا صاحب الدولة الذي تريد أن ينصرك الله على من عاداك! إن تنصر الله ينصرك، وعد الصدق، انصر الله في دينه وشرعه وأوليائه ينصرك الله، سبحان الله العظيم! إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، فكل مؤمن في أي موطن يدعو إلى الله ويثبت وينصر دين الله وأوليائه ينصره الله ويثبته.

    [ خامساً: إنذار الكافرين بالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة ].

    إنذار الكافرين المشركين بالتعاسة والهم والبلاء والمحن في الدنيا والآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

    ففي الآية إنذار الكافرين مطلقاً بتعاسة الدنيا والسوء فيها، والشر والبلاء مع عذاب الآخرة الأبدي والعياذ بالله تعالى، أما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] والعياذ بالله؟ فهيا نؤمن: آمنا بالله، آمنا برسول الله، آمنا بلقاء الله، آمنا بالقرآن كتاب الله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003884287

    عدد مرات الحفظ

    718748476