إسلام ويب

تفسير سورة غافر (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان الصادق ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن حملة عرش الرحمن والملائكة الحافين به يسبحون بحمد الله على الدوام، لا ينقطع تسبيحهم ولا يفتر، وهم مع هذا التسبيح المتواصل يستغفرون لكل مؤمن ومؤمنة، ويسألون الله عز وجل أن يورثهم الجنة دار الأبرار، ويدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، فهنيئاً لمن كانت الملائكة تدعو له وتستغفر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:7-9].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر:7]، عرفنا بالأمس أن العرش هو سرير الملك، وأن الله عز وجل استوى عليه، وهذا العرش لا يعرف مقداره إلا الله، ويحمله أربعة من الملائكة حملة العرش الأربعة، ويوم القيامة يضاف إليهم أربعة، فيحمله ثمانية، كما قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] ملائكة.

    ويذكر مجاهد أن ما بين السماء السابعة والعرش سبع سماوات، فسماء ظلمة كلها، وأخرى نور، وأخرى ظلمة، وأخرى نور، وهكذا السبع السماوات، ثم فوق هذا عرش الرحمن.

    وهنا يخبر تعالى لتتجلى عظمته وجلاله وكماله؛ ليتجلى حقه في أن يعبد وحده، وأن يطاع ولا يعصى. فهو يخبر جل جلاله أن حملة العرش أربعة، وأنهم يكونون ثمانية يوم القيامة، وحول العرش ملائكة لا يعرف عددهم إلا الله، ولا يحصي عددهم إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (ومن حوله يسبحون بحمد ربهم)

    قال تعالى: وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر:7]. فهم يقولون: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم طول الدهر. وهذا هو تسبيحهم، فهم يقولون: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم.

    والذي خلقهم وخلقنا وخلق الحياة كلها هو الله. وأما كيفية خلقهم فالله أعلم بكيفية خلقهم. وإن اضطربتم أو ما فهمتم هذا فهذا ملك الموت يقبض مئات الآلاف من أرواح البشرية، ونحن لا نستطيع أن نستردها منه، ولا أن نصرفها عنه. فلا يسعنا إلا أن نقول: آمنا بالله.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ، أي: عرش الرحمن. والعرش: سرير الملك. وَمَنْ حَوْلَهُ فالكل والجميع يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [غافر:7]. فهم يسبحون قائلين: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم، وهم مؤمنون بربهم تعالى.

    والبشرية لا تؤمن بربها، مع أن حملة العرش ومن حوله يسبحون ويؤمنون به. فالإنسان يأكل ويشرب، وينكح ويلبس ويركب، وتنزع روحه، ولا يسبح ربه ولا يقول: سبحان الله وبحمده. فلهذا يسن لنا ويشرع لنا التسبيح؛ اقتداء بملائكة الله، والرسول الكريم يقول: ( من قال حين يصبح أو حين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ). وهذا الورد لا يتركه ذو عقل بيننا. ففي الصباح لما يطلع الفجر إلى الضحى تقول: سبحان الله وبحمده، وتعدها بأصابعك مائة مرة. وهي لا تأخذ خمس دقائق. وفي المساء من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس تقولها في خمس دقائق، وأنت ماشٍ وأنت راكب، فتقول: سبحان الله وبحمده؛ أسوة بملائكة الرحمن، وبحملة العرش ومن حوله. وإن شاء الله هذا الورد لن نتركه حتى نموت.

    استغفار الملائكة للمؤمنين

    قال تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]. والله أكبر! فما أعظم شأن الإيمان! وهنيئاً للمؤمنين، فالملائكة الذين يحملون العرش ومن حولهم يستغفرون لك. وهذه تساوي الدنيا وما فيها، فهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]. فاللهم إنا آمنا بك ولقائك، وآمنا بك وبكتابك، وآمنا بك وبرسولك، وآمنا بك وبقضائك وبقدرك، وآمنا بك وبكل ما تريد منا أن نؤمن به مما أدركناه أو لم ندركه، وصدقنا بذلك.

    وفضيلة الإيمان هذه ليس هناك ما يساويها، فأنت يا عبد الله! الملائكة العظام يستغفرون لك، وهذه تجعلنا نذل لله وننكسر، ونستغفر وندمع الدموع. فهؤلاء الملائكة يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، ويقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7]. فعلم الله أحاط بكل شيء، ورحمته لا يخرج منها شيء، ولولا رحمته لما بقي الكون أبداً.

    وقوله: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7]، أي: برحمتك وعلمك، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7]. وهذا طلب آخر، فهم يطلبون من الله أن يغفر للذين تابوا، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]. وهؤلاء هم الذين آمنوا أولاً، وثانياً: تابوا من ذنوبهم وتخلوا عنها وابتعدوا عنها، وثالثاً: اتبعوا سبيلك الموصل إليك، ألا وهو الصراط المستقيم! ألا وهو الدين الإسلامي!

    وقوله: وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، أي: احفظهم من عذاب الجحيم. والحمد لله فهذه النعمة تساوي الدنيا وما فيها، ووالله لو كنا نملك الأرض كلها بما فيها ما تساويها هذه النعمة. فالملائكة حملة العرش ومن حولهم يسبحون ويستغفرون لنا، ويدعون الله لنا بالمغفرة والرحمة. فالحمد لله على نعمة الإسلام.

    وقوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7]، وهم معشر المؤمنين الذين تابوا، فقد كانوا مذنبين، وارتكبوا ذنوباً كبائر وصغائر ثم تابوا، فما إن يتوبوا إلا والملائكة تستغفر لهم وتدعوا لهم.

    وقوله: وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، أي: الإسلام، وهو السبيل الموصل إلى الله عز وجل، ونحن نقرأ في الفاتحة في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7]. ألا وهو الإسلام! والذين أنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. فلنسلك سبيلهم؛ لنصل إلى ما وصلوا إليه، ونفوز بما فازوا به. وهذا الفوز هو أن الملائكة تستغفر لنا وتدعوا لنا، فتقول: وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، أي: احفظهم من عذاب النار، فالنار هي عذاب الجحيم. وَقِهِمْ بمعنى: احفظهم وأبعدهم عن عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ...)

    قال تعالى مخبراً عن الملائكة عليهم السلام حملة العرش ومن حول العرش يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم [غافر:8]. فهم يستغفرون ويدعون، ويسألون لنا الوقاية من النار، ويسألون لنا دخول الجنة. ولا إله إلا الله! فنحن لسنا شيئاً، ولكن هذا من فضل الله علينا. فهم يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر:8]، أي: جنات إقامة لا رحيل منها أبداً، ولا موت فيها. والجنات هي بساتين فوق ما تتصور وتدرك من النخيل والأعناب.

    وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر:8]، أي: إقامة، الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [غافر:8]، أي: أدخلهم الجنة التي وعدتهم بها أنت. فهم هكذا يقولون للرب تبارك وتعالى؛ إذ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يدخلهم الجنة في آيات عديدة.

    وقوله: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [غافر:8]، أي: إقامة دائمة، الَّتِي وَعَدْتَهُم [غافر:8] بها في كتابك وعلى لسان رسولك، وأدخل أيضاً الجنة مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [غافر:8]. وهنا شرطوا الصلاح، فقالوا: وَمَنْ صَلَحَ [غافر:8]. ومعنى صلح: استقام على منهج الحق، وأسلم ونهض بالإسلام، يؤدي الواجبات ويتجنب المحرمات. هذا هو الصالح. والصالح فينا غير المفسد، فهو ذاك الذي عبد الله بما شرع، فأوجب على نفسه ما أوجب ربه عليه، فنهض بالواجبات، وأداها كاملة غير منقوصة، وابتعد عن المنهيات، وتجنبها تجنباً كاملاً، وإن زلت القدم وسقطت تاب إلى الله ورجع إليه، فالملائكة تستغفر له.

    وهكذا يقول تعالى عن الملائكة يخبر عن حديثهم بقوله: وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم [غافر:8]، وأدخل أيضاً وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ [غافر:8]، والأمهات مع الآباء، والأزواج كذلك والذرية من بنين وبنات. فيدخل في هذا الرجل، ويدخل معه سلسلة، وهم أولاده وذريته أيضاً من أسفل، وآباؤه وأمهاته من فوق. فقولوا: الحمد لله. والذي وهبنا هذا الإنعام وأعطانا هذا الإفضال وأوصلنا إلى هذا الكمال هو الله، فالحمد لله. وقد حرمه بلايين البشر وبلايين الجن، وهم من أهل جهنم والعياذ بالله.

    ثم قال تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ [غافر:8] الغالب الْحَكِيمُ [غافر:8] العظيم، الذي يضع كل شيء في مكانه. والعزيز هو الغالب الذي لا يمانع في شيء يريده أبداً. وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. فأنت العزيز الحكيم، إذاً: فأدخل هؤلاء المؤمنين الجنة، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، ومن فسد لا، فالزوجة إذا فسدت ما يدخلها الله مع زوجها، والأب ما يدخله الله مع ابنه إذا فسد الابن، والابن ما يدخل مع أبيه إذا فسد الأب أبداً، فلا بد من الصلاح.

    والصلاح أن تشهد على علم أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم تعبد الله بما شرع، وتعبده وحده ولا تشرك بعبادته غيره أبداً. وبذلك تظفر بهذا الكمال، وتصبح من الصالحين.

    وأما الذين يفسقون ويفجرون ويموتون قبل توبتهم فما هم بالصالحين، والذين يتركون الواجبات التي أوجبها الله ويتخلون عنها ويهربون منها ولا يفعلونها، ويغشون محرمات ويرتكبونها والله ما هم بصالحين. وكذلك الذي يعبد مع الله غيره بالدعاء .. بالاستغاثة .. بالاستعاذة .. بالحلف .. بالذبح .. بالنذر لمن شاء كما يفعل الجهال، والله ما هم بصالحين، إلا من أكرمه الله عند وفاته وهو على سرير الموت وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يذكر عيسى ولا موسى ولا عبد القادر ولا فلان، ووحد الله في هذه الحال، فهذا ينجو من العذاب؛ لأنه مات على كلمة التوحيد، والرسول الكريم يقول: ( من مات وآخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ...)

    قال تعالى مخبراً عن الملائكة أنهم يقولون أيضاً: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر:9]. وليس ليوم القيامة سيئات، فهذا على تقدير محذوف، والتقدير: وقهم جزاء سيئاتهم، أو وقهم جزاء السيئات، فإن كانت لهم سيئات فقهم واحفظهم من جزاءها، وهذا على فرض أنه قد يوجد بيننا من له سيئة، فلا تمنعه هذه السيئة من دخول الجنة؛ إذ الملائكة قالوا لربهم: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر:9]. وهو كذلك.

    وهؤلاء الملائكة نقول: عليهم السلام، ولو نعرف كيف ندعو لهم لدعونا لهم، ولكن ليس عندنا إلا أن نقول: عليهم السلام، ولا نقول: جزاهم الله خيراً؛ لأنهم ما هم من أهل الدنيا، بل نقول لأهل هذا الفضل الكبير: عليهم السلام.

    وهذا فضل الله، فهو الذي سخرهم ليقولوا، وهو الذي وفقهم ليقولوا، وهو الذي علمهم ليدعوا لنا، فالفضل كله لله، وهو أهل الفضل العظيم.

    وقوله: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ [غافر:9] وتحفظه من جزائها يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر:9]، وأدخلته الجنة.

    ثم قال تعالى مكملاً بقية كلام الملائكة: وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9]، أي: النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم، ولا فوز أعظم من هذا الفوز أبداً والله، ولا ربح أعظم من هذا الربح أبداً، وهو أن ينجو عبد الله من عالم الشقاء من النار، ويدخل الجنة دار الأبرار، جنات عدن؛ ليقيم بها أبداً بلا نهاية. هذا هو الفوز العظيم.

    هذا هو ما قاله تعالى عن ملائكته، فقد قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] ويقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:7-9]. اللهم اجعلنا ووالدينا والمؤمنين والمؤمنات من أهل هذا الفوز العظيم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات.

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: بيان عظم الرب ] تبارك [ وتعالى ] فهو الذي خلق الملائكة، وهو الذي خلق العرش، وهذا العرش العظيم لا يمكن أن نتصور نسبته، ولا نعرفه أبداً، وهو يحمله أربعة من الملائكة، وحوله ملائكة، والكل يسبحون لله عز وجل، ويمجدونه ويعظمونه. والإنسان يجهل ربه ولا يسبحه ولا يقدسه.

    [ ثانياً: بيان فضل الإيمان وأهله ] فالمؤمنون بحق وصدق الملائكة تستغفر لهم، وتدعو الله لهم بالجنة؛ لأنهم مؤمنون، فالملائكة تستغفر للمؤمنين، وتدعو الله لهم بالجنة والنجاة من النار. اللهم ثبتنا على إيماننا حتى نلقاك يا رب العالمين! ووالله لو نقتل أو نصلب أو نقطع عضواً عضواً ما كفرنا بك يا ربنا! ولا بما أمرتنا أن نؤمن به، إنك ولينا، ولا ولي لنا سواك.

    قال الشيخ في النهر غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين: [ يكفي كرامة للمؤمن أنه نائم على فراشه والملائكة تستغفر الله له، وتدعو له بالنجاة من النار وبدخول الجنة، كما في قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر:7] ] فهذه كرامة للمؤمن، فهو على فراشه نائم والملائكة يسبحون ويستغفرون ويدعون الله له، وليس هناك فضل أعظم من هذا، فأنت على فراشك نائم إذا صليت العشاء ونمت والملائكة حملة العرش ومن حوله يستغفرون لك، ويدعون الله لك بالجنة. وهذا فضل الإيمان. ولهذا والله لو يوضع مؤمن واحد في كفة ميزان والعالم الكافر بأسره في كفة لرجحت كفة المؤمن بذلك الإيمان. والحمد لله.

    [ ثالثاً: فضل التسبيح بقول: سبحان الله وبحمده، فقد صح أن من قالها مائة مرة حين يصبح أو حين يمسي غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، أي: في الكثرة ] وهذا هو الورد الذي نرده كل يوم صباح مساء؛ حتى ما نظمأ ولا نعطش، فأعط لنفسك خمس دقائق قبل المغرب تسبح فيها هذا الورد كاملاً، مع أنه يجوز أن تسبح وأنت ماشٍ وأنت راكب، وعلى أي حال.

    [ رابعاً: بشرى المؤمنين بأن الله تعالى يجمعهم بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم في الجنة ] وهذه والله بشرى عظيمة، فالله يجمعنا مع آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، وليس هناك خير أعظم من هذا الخير، فهذا بشرى للمؤمنين، فالله يجمعهم بأزواجهم وآبائهم وذرياتهم، على شرط أن يكون الآباء والأزواج والذرية صالحين؛ إذ قالت الملائكة: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [غافر:8] [ وقد استجاب الله للملائكة، وقد أخبر تعالى عن ذلك بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] ] فاستجاب الله لدعوة الملائكة، وأخبر أنه قبل ذلك. والحمد لله.