إسلام ويب

تفسير سورة هود (31)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن صلاح المؤمنين في أنفسهم، وعدم تعدي هذا الصلاح ليمس مجتمعاتهم مؤذن بفساد، ومنذر بانهيار للمجتمع، إذ لا يكفي هذا الصلاح حتى يكون إصلاحاً، وبذلك ينجو المجتمع، ومع ذلك فقد كتب الله الاختلاف على عباده، وتمت كلمته سبحانه باستحقاق المؤمنين للثواب والإحسان، واستحقاق الكافرين للعذاب والشقاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألف وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن في آخر سورة نبي الله هود عليه السلام، وهي مكية، والمكيات يعالجن العقيدة بأعظم أركانها: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فيها بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها بعد إن شاء الله، والله نسأل أن يفتح علينا وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا إنه قدير.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:116-119].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات تحمل علوماً ومعارف إلهية تفتقر إلى أن نتأملها ونتدبرها، وأن نسأل الله أن يشرح صدورنا ويعلمنا ما ينفعنا.

    المراد بـ(لولا) في الآية الكريمة

    قوله جل ذكره: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ [هود:116]، المراد من القرون أهلها، المراد من القرون أهل القرون من البشر، والقرن يطلق على الثمانين والسبعين سنة، وتعارف الناس على أنه مائة سنة.

    وقوله تعالى: فَلَوْلا [هود:116]، له معنيان، والقرآن حمال الوجوه، فيصح أن تكون (فلولا) بمعنى: هلا، هلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية، ويصح أن تكون بمعنى: ما النافية، ما كان من القرون من قبلكم أولو بقية.

    معنى (أولو بقية)

    (أولو) أصحاب، وأولو البقية: هم أولوا العقول والبصائر والنهى، والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116]، أصحاب بقية من العلم والبصيرة والمعرفة، ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهلا كان هذا، أو ما كان.

    فقال تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا [هود:116]، أولاً: قوم يونس عليه السلام نجاهم الله؛ إذ كلهم اتفقوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما إن خرج عنهم غضبان وعاد حتى وجدهم كلهم مسلمين مؤمنين منقادين مطيعين، ونجاهم الله عز وجل.

    كما أن الأمم التي أهلكها الله -وهي قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وفرعون- هؤلاء ما كان فيهم بقية من الصلاح والصالحين إلا أولئك المستضعفين مع الأنبياء الذين خرجوا معهم لا يملكون قدرة على أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؛ لأنهم أذلوهم وأهانوهم واستضعفوهم فقط، وتأملوا: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ [هود:116] يا أمة محمد أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116]، أصحاب بقية، من أين البقية؟ من الخير، من الصلاح، من التقوى، من العلم والمعرفة، من الإيمان والتوحيد، هلا كان ذلك، أو ما كان، وإذا قلنا: قضية يونس مستثناة من هذا فالمعنى: هلا كان.

    وقوله تعالى: يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ [هود:116]، وهو الشرك والكفر والذنوب والمعاصي وكل الجرائم التي ترتكب والعياذ بالله تعالى.

    إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا [هود:116]، منهم قوم يونس، والمؤمنون الذين كانوا مع هود ونجاهم الله، ومع صالح ونجاهم، ومع شعيب ونجاهم، أقلية لا قدرة لها على أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

    معنى قوله تعالى: (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين)

    قال تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116]، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:116]، ظلموا ماذا؟ ظلموا ربهم فعبدوا غيره، ظلموا أنفسهم فعرضوها للخبث والدنس ثم لغضب الله وسخطه، ظلموا إخوانهم بالقتل وسفك الدماء وأكل أموالهم وإهانتهم، هذه مظاهر الظلم.

    وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:116]، ماذا اتبعوا؟ هل اتبعوا دين الله؟ كتاب الله؟ دعوة رسل الله؟ اتبعوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [هود:116]، المال الذي أغدقه الله عليهم من طعام وشراب ولباس ومراكب ومساكن، حملهم ذلك الترف على أن كانوا مجرمين، وهذه آية من آيات الله، أكثر الخلق إذا أترفوا هلكوا، أكثر الخلق إذا أترفوا واتسعت أموالهم فسقوا وفجروا إلا من رحم الله؛ إذ هي سنة من سنن الله.

    وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [هود:116]، ما اتبعوا دين الله ولا شرعه، ولا جاءوا وراء رسولهم واتبعوه، لكن اتبعوا ما أترفوا فيه وانغمسوا في الأموال والشهوات، وكانوا بذلك مجرمين على أنفسهم فأفسدوها وأنتنوها وعفنوها فأصبحت أهلاً لغضب الله وسخطه وعذابه، والآية في صالحنا، من أجلنا نحن أهل القرآن لنعرف هذه الحقيقة.

    يقول تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:116]، ظلموا أنفسهم بالشرك والكفر، ظلموا إخوانهم بسلب أموالهم وإراقة دمائهم، بانتهاك أعراضهم، اتبعوا ماذا؟ هل اتبعوا الكتاب والسنة؟ اتبعوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [هود:116]، الذي انغمسوا فيه من الترف في المال والطعام والشراب هو الذي اتبعوه، وَكَانُوا [هود:116] بذلك مُجْرِمِينَ [هود:116]، والمجرمون مسخوط عليهم، مغضوب عليهم، هم أهل النار والعياذ بالله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ [الزخرف:74].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)

    ثم قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] يخاطب من؟ وَمَا كَانَ رَبُّكَ [هود:117] يا رسولنا، يا محمد صلى الله عليه وسلم، وَمَا كَانَ رَبُّكَ [هود:117] أي: ليس من شأن الله ولا من صفاته أن يهلك القرى بظلم منه وأهلها مصلحون، ليس من شأن الله أن يستقيم أهل بلد على منهج الحق يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤدون الفرائض ويبتعد عن المحرمات ثم يجيئهم الهلاك؟ والله! ما كان ولن يكون.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى [هود:117] يعني: أهل القرى، والقرى: العواصم والحواضر والمدن، ما هي المباني الصغيرة، وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117].

    والآية فيها معنى آخر جليل وجميل، وهو: إذا كان أهل القرى مصلحين -وإن كانوا مشركين يعبدون غير الله- لكن إذا كانوا رحماء أصفياء، لا ظلم، لا اعتداء فما يهلكهم الله بشركهم.

    وهنا مثل عام صادق، يقولون: يدوم الكفر ولا يدوم الظلم، وشاهدنا في أوروبا دولاً استقامت على منهج الحق، لا اعتداء، ولا ظلم، ولا سفك دماء، فحفظهم الله وأغناهم، وشاهدنا دولاً أخرى ظلمت وجارت فحطمها الله عز وجل، هذه سنة الله عز وجل: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] أي: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدفعون الأذى والشر عن كل مواطن، ولا يسلبونه حقه، ولا يعتدون على عرضه ولا على كرامته، حكم عادل، هؤلاء تدوم دولتهم، ولا يضرهم أبداً أنهم مشركون أو كافرون، يدوم الكفر ولا يدوم الظلم.

    وإذا ظلمت الأمة ولو كانت مؤمنة سلط الله عليها وأخزاها وأذلها كما فعل بالمسلمين، والرسول الكريم يقول: ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم عقاباً من عنده )، وتركت أمة الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأين المصلحون؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ...)

    وقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118] مشيئة الله مطلقة، لو أراد أن يجعل الناس كلهم على نحو من الملائكة، كلهم يعبدون الله عز وجل، أو يجعلهم كلهم على جنس الشياطين ليعذبهم فقط، ولكن شاء أن يجعل هذا مؤمناً وهذا كافراً؛ ليسعد هذا في دار السعادة ويشقى هذا في دار الشقاء، فلهذا لا بد من وجود الخلاف قطعاً لا محالة.

    وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118] على الإيمان أو على الكفر، يجعلها كالنحل أو كالبهائم.

    معنى قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)

    وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119] لا تزال البشرية مختلفة، المشرك والموحد، الكافر والمؤمن، الظالم والعادل، البر والفاجر، التقي والفاسق.. إلى يوم القيامة، هذه سنة الله الماضية.

    ومعنى هذا: يا رسولنا! اصبر واثبت وتحمل؛ لأنها سنن الله في الخلق، لا تستطيع أن تهدي البشرية كلها ولا أن تصل بكلمة إلى كل قلب من القلوب، فاعلم أن هذا مما مضى به حكم الله ومضت به سنته، فلا تكرب ولا تحزن.

    وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ [هود:118] يا رسولنا لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118] فحينئذ لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، كلهم كالملائكة، أو كلهم كالشياطين، فمن يأمر وينهى؟

    الرحمة في الوفاق والعذاب في الشقاق

    وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119] فإنهم لا يختلفون، وتأمل الأمة، الجماعة، الأسرة إذا اتفقوا في دينهم، في عقيدتهم، في عبادتهم، في سلوكهم فهم مرحومون.

    والجماعات، والأحزاب، والمنظمات، والدويلات، والأقوام؛ كلهم إذا اختلفوا فهم في شقاء وعذاب، سنة الله لا تتبدل، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:119] فإنهم لا يشقون ولا يهلكون، هذا الإخبار إخبار العليم الحكيم عالم الغيب الذي كتب هذا في كتاب المقادير، أخبر بالواقع الذي يجري في الكون: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119] فإنهم لا يختلفون.

    فلما اتفقت كلمة المسلمين في القرون الذهبية الثلاثة كانوا أكمل الخلق وأسعد البشرية وأعلم أهل الأرض، وأصفاهم وأطهرهم، فلما فقدوا الاتفاق على عبادة الله وعلى شرعه وكتابه، واختلفوا مذاهب وطرقاً وجماعات وأحزاباً سلط الله عليهم الشرق والغرب فأذلهم وأهانهم، وأصبحوا أذل الخلق إلى الآن، لماذا؟ لأنهم فقدوا رحمة الله عز وجل حيث تركوها فاختلفوا، هذا حنفي، وهذا شافعي، وهذا مالكي، هذا زيدي، هذا إباضي، هذا اثني عشري، هذا كذا.. أهكذا الإسلام؟ من يوم أن اختلفوا هبطوا، وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119] فالذين يريدون أن يرحمهم الله لا يخرجون عن دائرة قال الله وقال رسوله، لا حزب ولا مذهب ولا منظمة، بل كتاب الله وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تزال طائفة في هذه الأمة تعرف الكتاب والسنة إلى يوم القيامة، من طلبها وجدها.

    معنى قوله تعالى: (ولذلك خلقهم)

    ثم قال تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119] أي: وللخلاف خلقهم، ليسعد من يسعد ويشقى من يشقى، هذا غني وهذا فقير، هذا مريض وهذا صحيح، هذا كافر وهذا مؤمن، هذا بر وهذا فاجر، هذا سعيد وهذا شقي.. هذا تدبير الله عز وجل وتقنينه، فلا عجب؛ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119].

    معنى قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)

    ثم قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [هود:119] كما أراد الله وأنجزها، وهي: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119]، كل هذا الخلاف يعود إلى هذه الكلمة التي قضى الله تعالى بها وحكم: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [هود:119] ما هي؟ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119] جهنم عالم الشقاء النار يملؤها من الجن والإنس، من هم؟ المختلفون، الفاسقون، الفاجرون، الكافرون، الظالمون، المسرفون.. وهكذا، أما أهل الإيمان والتقوى الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر المصلحون؛ فلا عذاب في الدنيا فضلاً عن الآخرة، فكيف يشقون في الآخرة؟ إنما منزلهم دار السلام الجنة دار الأبرار.

    هكذا يقول تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119] أي: لذلك الخلاف، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119].

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    أتلو الآيات مرة ثانية: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116]، والحمد لله فقد بقيت هذه البقية في هذه البلاد، رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وانعدمت في كل العالم الإسلامي.

    والله يقول: فَلَوْلا [هود:116] هلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116] بقايا خير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى عبادة الله ويحضون عليها، وينفرون من الشرك والكفر والفسوق والفجور، لم لا يكون هذا؟

    فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ [هود:116]، وقد عرفنا أن قوم يونس نجاهم الله أجمعين، لماذا؟ لما عصوه وتمردوا عليه وهرب فما أطاق، ما صبر تم له عقاب من الله وتأديب ورجع، فوجدهم كلهم يكبرون الله عز وجل، فما هلك منهم أحد، وهي الأمة الوحيدة التي نجت عن آخرها.

    وبقايا من قوم نوح، وهود، وصالح، أقلية قليلة ما تأمر ولا تنهى؛ لأنهم أذلوهم وحطموهم: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116].

    اقرءوا على أمتكم يا أيها المستمعون قوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [هود:116] ما اتبعوا كتاب الله ولا سنة رسول الله، بل مالوا إلى المال وما يمليه المال من فساد وشر وكبر وطغيان وعتو وتعال والعياذ بالله.

    وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] قطعاً أجرموا على أنفسهم بسبب أموالهم والترف الذي أترفوا فيه.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [هود:117] حاشاه وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] وأهل القرى أيضاً إذا كانوا مصلحين وإن كانوا مشركين كافرين لا يهلكهم الله، يهلك الله الأمة إذا فسدت وخبثت، وظلمت، وجارت، هذه تستوجب العذاب في الدنيا قبل الآخرة.

    وقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:117] فيه تسلية للرسول والمؤمنين على أن يصبروا ويتحملوا، ولا يقولوا: كيف ندعو وما يستجيب الناس؟ كيف ندعو الناس وهم فارون هاربون من الإسلام؛ لأن الله شاء ذلك: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119]، هذه البشرى، فالمتفقون من أمة الإسلام على الكتاب والسنة والتوحيد والعدل والله! لفي رحمة، والمختلفون أحزاباً وجماعات وبلاداً وطوائف ومذاهب والله! ما هم في رحمة.

    وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119] حكمة الله في هذا، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [هود:119]، ما هي الكلمة التي تمت وأنجزها؟ وعزتي وجلالي! لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ [هود:116] أيها الرسول والمؤمنون أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116] من فهم وعقل وفضل ودين ينهون عن الشرك والتكذيب والمعاصي، أي: فهلا كان ذلك! إنه لم يكن، اللهم إلا قليلاً ممن أنجى الله تعالى من أتباع الرسل عند إهلاك أممهم.

    وقوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] أي: لم يكن بينهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجى الله، وما عداهم كانوا ظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي متبعين ما أترفوا فيه من ملاذ الحياة الدنيا وبذلك كانوا مجرمين، فأهلكهم الله تعالى ونجى رسله والمؤمنين كما تقدم ذكره في قصة نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام.

    وقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] أي: لم يكن من شأن ربك أيها الرسول أن يهلك القرى بظلم منه وأهلها مصلحون، ولكن يهلكهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والتكذيب والمعاصي، وما تضمنته الآية هو: بيان لسنة الله تعالى في إهلاك الأمم السابقة ممن قص تعالى في القرآن الكريم في سورة هود.

    وقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:117] أي: على الإسلام بأن خلق الهداية في قلوبهم، وصرف عنهم الموانع، ولما لم يشأ ذلك لا يزالون مختلفين على أديان شتى من يهودية ونصرانية ومجوسية، وأهل الدين الواحد يختلفون إلى طوائف ومذاهب مختلفة كما هو مشاهد.

    وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:119] أيها الرسول، فإنهم لا يختلفون بل يؤمنون بالله ورسوله ويعملون بطاعتهما، فلا فرقة ولا خلاف بينهم، دينهم واحد، وأمرهم واحد.

    وقوله: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:119] أي: وعلى ذلك خلقهم، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، والكافر شقي والمؤمن سعيد.

    وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ [هود:119] أي: حقت ووجبت، وهي: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119] ولذا كان اختلافهم مهيئاً لهم لدخول جهنم حيث قضى الله تعالى بامتلاء جهنم من الجن والإنس أجمعين، فهو أمر لا بد كائن لا محالة ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: لا يزال الناس بخير ما وجد بينهم أولو الفضل والخير يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ].

    والله العظيم! ما يزال الناس بخير في أي بلد في أي أرض في أي إقليم ما وجد بينهم أولو الفضل والخير، البقية، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، أي: عن الفساد والشر، فإذا انعدم هذا انعدم كل خير، من أين أخذنا هذه الهداية؟ من قوله تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ [هود:116] الآية.

    [ ثانياً: الترف كثيراً ما يقود إلى الإجرام على النفس باتباع الشهوات وترك الصالحات ]، والترف: كثرة المال وأوساخ الدنيا.

    [ ثالثاً: متى كان أهل القرى صالحين فهم آمنون من كل المخاوف ]. من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117].

    [ رابعاً: الاتفاق رحمة، والخلاف عذاب في كل شيء ]، من أين أخذنا هذه الهداية؟ من قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.